الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يعلم تاريخ اندراس هذه الصناعة، والمشهور أنها كانت خاصة بأهل بيت يتوارثون صنعها خلفاً عن سلف، فدثروا ودثرت معهم منذ أكثر من قرنين. أخبرني أحد أساطين العلم أنه رأى القيشاني في جامع الدرويشية بدمشق مصبوباً على الأحجار طبقة لطيفة وهو في غاية الحسن. ويظهر أن المادة القيشانية كانت تمدّ على الحجر كما تصنع صفائح وألواحاً. وقد قام في العهد الأخير في كثير من المدن أناس لعمل الخزف الملوّن لتبليط البيوت دعوه بالقيشاني وهو لا يشبه القيشاني إلا بالاسم فقط. وانتشر وعم استعماله في الشام كلها ونقل إلى الأصقاع المجاورة.
الوراقة:
فقدت الشام عدة صناعات كادت تكون خاصة بها، وتعد في جملة موارد عيشها، ومنها الوراقة صناعة عمل الورق. فقد كانت من الصناعات التي تعدها من حاجياتها. وكانت العرب تكتب أولاً في أكتاف الإبل والحجارة الرقيقة البيض وعسيب النخل، بعدما كانت الكتابة في الأديم والرقوق على ما قاله المقريزي. وفي أيام بني أُمية عمل الورق من الكتان وسمي بالخراساني. والغالب أن الشام
أخذت في صنع الورق في دمشق وطبرية وطرابلس وحماة ومنبج قبل هذا التاريخ. وعامة المؤرخين من الفرنج على أن الورق من اختراع أهل الصين سنة 123 ق. م ونقل صنعه أسرى من الصين إلى سمرقند في سنة 751 وفي سنة 794م أُسس معمل للورق في بغداد ثم في دمشق ويظهر من بيت طرفة في معلقته أن القرطاس ينسب للشام والبيت:
وخد كقرطاس الشآمي ومشفر
…
كسبت اليماني قده لم يجرد
وأن القرطاس كان يعمل في الشام على عهده أو قبله خلافاً لما قاله مؤرخو الفرنج، وأن الورق من صناعات الجاهلية. وكان يرتفع منه كميات من دمشق ومن طبرية على ما ذكر ذلك المقدسي. وقد تعلم صنع الورق في دمشق أسيران فرنسيان على عهد الحروب الصليبية فلما عادا إلى ديارهما نشرا صناعته في
فرنسا، ومنها انتقل إلى جميع أوربا، فلدمشق على فرنسا بل على المدنية بأسرها الفضل الأول في تعليم هذه الصناعة للغربيين، وناهيك بأنها أهم صناعة نشرت العلم والأفكار في العالم. وقد حمل الشاميون الوراقة إلى الأندلس وصقلية في جملة ما حملوه من صناعتهم، على نحو ما حملوها إلى شمالي إفريقية. وكانت شاطبة من مدن الأندلس تصدر منذ سنة 1009م الورق بكثرة ويحمل منها إلى سائر أرض الأندلس.
وكان الورق يصنع أشكالاً في مكابس صغيرة، ويعمل من الخروق البالية أو الحرير واستبدل ورق القطن الذي منه الورق الدمشقي بالحرير في سنة 706م رجل اسمه يوسف بن عمرو، ولا يزال في خزانة دار الكتب العربية بدمشق كتاب كتب سنة 266 هـ على ورق يظن أنه من الورق الشامي وهو أقدم مخطوط عرف بالشام ولا يزال على متانته. وقال الرحالة ناصر خسرو: إن الكاغد الجيد الذي كان يصنع في طرابلس يشبه ورق سمر قند إلا أنه أحسن صنعاً. وذكر القلقشندي
أن الورق المعروف بورق الطير، أي الورق الذي تكتب به البطائق وتعلق في أجنحة حمام الزاجل، وهو صنف من الورق الشامي رقيق للغاية وفيه تكتب ملطفات الكتب وبطائق الحمام. وهذا هو الورق الرقيق، والورق القديم أشبه بالبُردي أو الرقوق بمتانته. ولا نعلم في أي زمن انقرضت هذه الصناعة. وحدثني أحد علماء حلب أن الورق كان يصنع في الشهباء وأن حياً من أحيائها لا يزال اسمه الوَرّاقة حيث كانت معامل الورق. والورق الحلبي الصقيل المتين مشهور إلى عهدنا.
وقد قام في أوائل هذا القرن رجل بيروتي من بيت الباحوط، فأسس معملاً مهماً في أنطلياس على ساحل البحر، وأصدر ورقاً جيداً كورق النمسا وفرنسا، لكن معامل الورق في الغرب أرخصت صادراتها من الورق إلى الشام فاضطر هو أن يُنزل أيضاً ثم خفضت السعر ولم تزل تخفضه، حتى قضت على هذا المعمل النافع في زمن أصبح المجلوب من الورق كل سنة يساوي عشرات الألوف من الدنانير إلى الشام وأصبح الورق حاجة من حاجات المدنية.