الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تجارة العرب:
العرب أهل تجارة لضعف زراعتهم، وكانوا يوغلون في الشرق والغرب لغرض
الربح، وقد كان لهم أسواق يقيمونها في شهور السنة وينتقلون من بعضها إلى بعض ويحضرها عامة قبائل العرب ممن قرب منهم أو بعد، فكانوا ينزلون دومة الجندل على سيف بادية الشام أول يوم من ربيع الأول فيقيمون أسواقها بالبيع والشراء والأخذ والعطاء، وكان يعشرهم فيها أُكيدر دومة - وهو ملكها - وربما غلب على السوق كلها فيعشرهم بعض رؤساء كلب، فيقوم سوقهم هناك إلى آخر الشهر ثم ينقلون إلى سوق هجر قاله القلقشندي. وما زال يقام في الشام إلى اليوم في أماكن مختلفة أسواق لبيع المصنوعات والحاصلات أشبه بمعارض هذه الأيام في الغرب. وكانت تقام في دمشق في كانون الأول سوق تعرف بسوق قضيب البان، رواه البيروني، وروى القالي أن قريشاً كانت تجاراً، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، أي تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم، ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب، فكانوا كذلك حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقيصر وتمكن عنده وقال له: إن قومي تجار العرب فإن رأيت أن تكتب لي كتاباً تؤمّن تجارتهم، فيقدَموا عليك بما يُستطرف من أدم الحجاز وثيابه، فتباع عندكم فهو أرخص عليكم، فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم، فأقبل هاشم بذلك الكتاب. فجعل كلما مرّ بحّيٍ من العرب بطريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافاً. والإيلاف أن يأمنوا عندهم في أرضهم من غير حِلف، إنما هو أمان الطريق، وعلى أن قريشاً تحمل إليهم بضائع فيكفونهم حُملانها ويؤدون إليهم رؤوس أموالهم وربحهم، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشام، حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء أُتوا به بركةً، فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوّزهم، يوفيهم إيلافهم الذي أخذه لهم من العرب حتى أوردهم الشام وأحلهم قراها، فاتسعت قريش في التجارة في الجاهلية. وهاشم هذا هو جد الرسول مات بغزة فنسبت إليه فقيل لها غزة هاشم لأن الروم كانوا يقيمون لهم سوقاً في غزة
في موسم معلوم وكانت قريش في الجاهلية تحضره وتمتار منه.
وكانت لهاشمبن عبد مناف رحلتان رحلة في الشتاء نحو العباهلة من ملوك اليمن ونحو اليكسوم من ملوك الحبشة، ورحلة في الصيف نحو الشام وبلاد الروم. قال الثعالبي: وكان يأخذ الإيلاف من رؤساء القبائل وسادات العشائر لخصلتين، إحداهما أن ذؤبان العرب، وصعاليك الأعراب، وأصحاب الغارات، وطلاب الطوائل، كانوا لا يؤمنون على أهل الحرم ولا غيرهم، والخصلة الأخرى أن أُناساً من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدراً، كبني طيء وخثعم وقضاعة. وسائر العرب يحجون البيت ويدينون بالحرمة له. ومعنى الإيلاف إنما هو شيء كان يجعله هاشم لرؤساء القبائل من الربح، ويحمل لهم متاعاً مع متاعه، ويسوق إليهم إبلاً مع إبله، ليكفيهم مؤونة الأسفار، ويكفي قريشاً مؤونة الأعداء. فكان ذلك صلاحاً للفريقين، إذ كان المقيم رابحاً والمسافر محفوظاً. وفي غزة استغنى عمر بن الخطاب في الجاهلية لأنها كانت متجراً لأهل الحجاز.
وخصبت قريش وتاها خير الشام واليمن والحبشة، وحسنت حالها وطاب عيشها، ولما مات هاشم قام بذلك عبد المطلب، فلما مات عبد المطلب قام بذلك عبد شمس، فلما مات عبد شمس قام به نوفل وكان أصغرهم. وذكر اللغويون من جملة التخريجات في اسم قريش التي كانت سادة العرب جاهلية وإسلاماً، أنها سميت بذلك لتجرها وتكسبها وضربها في البلاد تبتغي الرزق، وقيل: لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب زرع وضرع من قولهم فلان يتقرش المال أي يجمعه. وكان ساداتهم على حبهم للتجارة إذا تولوا أمراً من أمور الأمة تخلوا عنها. ففي التذكرة الحمدونية أنه كان لعمر بن عبد العزيز سفينة يحمل فيها الطعام من مصر إلى المدينة فيبيعه وهو واليها، فحدثه محمد بن كعب القرظي عن النبي صلى الله
عليه وسلم أيما عامل أتجر في رعيته هلكت رعيته فأمر بما في السفينة فتصدق به، وفكها وتصدق بخشبها على المساكين.
وكان الأنباط يحملون من الشام إلى الحجاز الزيت والدّرمك دقيق الحوّارى ويعودون إلى هذا القطر بحاصلات الحجاز. وفي السنة الثانية للهجرة أقبل أبو سفيان بن حرب والد يزيد ومعاوية من الشام في قريب من
سبعين راكباً من قبائل قريش كلهم كانوا تجاراً بالشام. وكانت تجارة أبي سفيان بيع الزبيب والأدم كما كان الصديق وعثمان وطلحة بزازين. وخافت قريش لما اسلموا من انقطاع السفر إلى الشام للتجارات لمخالفتهم أهل الشام بالإسلام فقال عليه الصلاة والسلام: إذا هلك قيصر فلا قيصر، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده معناه لا قيصر ولا كسرى بعدهما في الشام والعراق، ولا ضرر عليكم، فقويت نفوس العرب على الاتجار مع هذين القطرين وكانوا من قبل يملكون المزارع في الشام ويقيمون وينعمون.
واتجر الرسول في الجاهلية وكذلك بعض أصحابه كأبي بكر وعمر وعثمان، ولما رفرف علم الإسلام على الشام اتسعت الدنيا على الصحابة حتى إن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الثمانية الذين سبقوا الخلق إلى الإسلام كان تاجراً كثير الأموال بعد أن كان فقيراً، باع مرة أرضاً له بأربعين ألف دينار فتصدق بها كلها وتصدق مرة بسبعمائة جمل بأحمالها قدمت من الشام، وأعان في سبيل الله بخمسمائة فرس عربية، وكان الزبير بن العوام ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم وأحد العشرة كثير المتاجر والأموال قيل: كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فربما تصدق بذلك في مجلسه، وقدخلف أملاكاً بيعت بنحو أربعين ألف ألف درهم وهذا لم يسمع بمثله قط قاله الذهبي.
وكانت مراكب صور وطرابلس تقلع من هاتين الفرضتين بالتجارة إلى سواحل
خليج القسطنطينية بحر إيجه وخليج البنادقة الأدرياتيك وبحر بنطس الأسود وجزائر قبرس ورودس واقريطش، وكل ما قام به خلفاء المسلمين ووزراؤهم لتسهيل الحج على المسلمين من إنشاء الطرق وإنباط المياه على طول الطريق إلى أم القرى، وإقامة معالم الأمن والراحة فيها للحجاج قد أفاد التجارة.
وكانوا قسموا أرض الشام إلى مراحل وبرد وفراسخ وعُنوا بالأمن من وراء الغاية حتى يتجر الناس. وكانت طريق القوافل إلى مصر على الكرك أو على غزة ورفح. قال ريسون: وكانت دمشق مدينة الصناعة الجميلة
مركز تجارة شبه جزيرة العرب ومصر والشام، وإن العرب رقوا الصناعة البحرية ووضعوا قوانين لحقوق الملاحة واستعاروا بيت الإبرة من الصينيين، وضبطوا التجارة بفن مسك الدفاتر أيَّ ضبط وشرحوا الكفالة وأنشئوا المصارف للفقراء ووضعوا السفاتج المألوفة وردود التمسك وبعثوا روح الحركة في مصارفنا الحديثة وكنت تراهم حيثما سكنوا مهدوا السبيل وأمنوها، وعمروا المرافئ والفرض، وأصلحوا وأنشئوا الفنادق والرباطات ورتبوا سير القوافل الاقتصادية ولم تكن المدن الكبرى غير أوساط تجارية كبرى.
وكان الفرات بن حيان أهدى الناس بالطرق وأعرفهم بها وكان يخرج مع عيرات قريش إلى الشام وله يقول حسان:
إذا هبطت حوران من رمل عالج
…
فقولا لها ليس الطريق هنالك
فإنك نلق في تطوافنا وانبعاثنا
…
فرات بن حيان يكن وهنَ هالك
ويقول بيكولوتي: إن أربع موانٍ: عكا وبيروت وطرابلس واللاذقية، وخمس مدن داخلية الرملة ودمشق وحماة وإنطاكية وحلب استفادت من التجارة مع اللاتين ولا سيما مع البيزيين والجنوبيين والطسقانيين والبنادقة وكلهم إيطاليون وهذه الجمهوريات الأربع، بيزة وجنوة وطسقانة والبندقية التي كانت تقتسم إيطاليا هي
أول من اتجر مع الشام من أُمم الغرب وجاراهم بعض تجار من أهل بلجيكا وإنكلترا ثم عدلوا لبعد ديارهم. وكان لهؤلاء الطليان ولتجار أمالفي ومارسيليا مكاتب تجارة في الإسكندرية وفي المدن الساحلية والداخلية في الشام، يقايضون بواسطتها حاصلات الشرق مع حاصلات الغرب، ولما فتح الجنويون ثم البنادقة جزيرة قبرس زادت صلات الشام مع هذه الجزيرة التي هي على 93 كيلومتراً من ساحل الشام في طرف جون الإسكندرونة وتعد من الشام. وجعل ملوك فرنسا لهم تاجراً إسرائيلياً يذهب كل سنة إلى الشرق يبتاع منه حاصلات آسيا. وكثيراً ما كان اليهود سفراء في المفاوضات مع أمراء آسيا.
وذكر ابن خرداذبة أن التجار اليهود الراذائية، وكانوا يتكلمون بالعربية والفارسية والرومية والإفرنجية الفرنسية والأندلسية الإسبانية أو البرتقالية والصقلبية السلافية يسافرون من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى
المشرق براً وبحراً، ويجلبون من الغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف يركبون من فرنجة فرنسا في البحر الغربي فيخرجون بالفَرَما على ساحل مصر إلى القُلزم البحر الأحمر وإن شاؤوا حملوا تجاراتهم من فرنجة في البحر الغربي فيخرجون بإنطاكية ويسيرون على الأرض ثلاث مراحل إلى الجابية في حوران، وأما تجار الروس وهم من جنس الصقالبة فإنهم يحملون جلود الخز وجلود الثعالب السود، والسيوف من أقصى صقلبة بلاد الروس إلى البحر الرومي والخارج منهم في البر يخرج من الأندلس أو من فرنجة، فيعبر إلى السوس الأقصى فيصير إلى طنجة ثم إلى إفريقية تونس ثم إلى مصر ثم إلى الرملة ثم إلى دمشق ثم إلى الكوفة ثم إلى بغداد.
وكان يرتفع من فلسطين الزيت والقطين والزبيب والخروب والملاحم والصابون والفوط والجبن والقطن والتفاح والقريش والمرايا وقدور القناديل والإبر والنيل
والتمور والحبوب والخرفان والعسل وشقاق المطارح والسُّبَح والكاغد والبز والأرز، ومن قدَس حمص وحماة الثياب المنيرة والبلعسية والحبال، ومن صور السكر والخرز والزجاج المخروط والمعمولات، ومن مآب قلوب اللوز، ومن دمشق المعصور والبلعيس والديباج ودهن البنفسج والصفريّات والكاغد والجوز والقطين والزبيب، ومن حلب القطن والثياب والأشنان والمغرة، ومن بعلبك الملابن. واختصت حلب أيضاً كما قال ابن الشحنة بالصابون الذي يجلب منها إلى ممالك الروم والعراق وديار بكر وهو أفخر صابون، ويباع منه في حلب في اليوم الواحد ما لا يباع في غيرها في الأشهر، ومن خصائصها نفاق ما يجلب إليها من البضائع كالحرير والصوف واليزري والقماش العجمي وأنواع الفراء من السمور والوشق والفُنك والسنجاب والثعلب وسائر الوبر والبضائع الهندية، فإذا حضر إليها مائة حمل حرير فإنه يباع في يوم واحد ويقبض ثمنه اه. وذكر ابن بُطلان من أهل القرن الرابع من عجائب حلب أن في قَيْسارية البز عشرين دكاناً للوكلاء يبيعون فيها كل يوم متاعاً قدره عشرون ألف دينار مستمر ذلك منذ عشرين سنة وإلى الآن اه. وكانت تجارة الشام في هذا القرن والذي يليه