الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
عقيدة المهدي ابن تومرت وتعاليمه الدينية والسياسية
تراث المهدي الفكري والديني. كتاب أعز ما يطلب ومحتوياته. فاتحته. طريق العلم. تحصيل الفقه. التواتر. رأي ابن تومرت في أصول الشريعة. حملته على الاجتهاد. تمسكه بالتفسير الظاهري. نظرية الإمام المعصوم هي السبب. معارضة الغزالي لهذه النظرية. ابن تومرت لم يتأثر بتعاليم الغزالي. تعليق العلامة جولدسيهر على ذلك. فكرة التوحيد عند ابن تومرت. نظريته في الإمامة. كيف يعرض لنا وجوب الإيمان بها. نظرية المهدي المنتظر. اعتمادها على الأحاديث الموضوعة. كيف يعرضها لنا ابن تومرت. وجوب طاعة المهدي باعتبارها طاعة الله ورسوله. قواعد علوم الدين والدنيا. تكفير من يشك في أمر المهدي. حملة ابن تومرت على المرابطين. العلامات التي ينسبها لهم. ما أحدثوه من المناكر. تحريم طاعتهم ووجوب جهادهم. نعته لهم بالمجسمين. حملته على اللثام. مظاهر الفساد أيام المرابطين. الطائفة التي تقوم آخر الزمان وتقاتل على الحق. استعارة فكرة التوحيد من المعتزلة. مناقضة فكرة التجسيم للتوحيد. حديث الصلاة والطهارة والغلول. تحريم الخمر. كتاب الجهاد تصنيف الخليفة أبي يعقوب يوسف. كتاب موطأ المهدي ومحتوياته. انتشار كتب المهدي بين البربر لكتابتها بالبربرية.
نقف الآن قليلا في تتبع ذلك الصراع المرير، الذي اضطرم بين المرابطين والموحدين، لنستعرض طرفاً من عقائد المهدي وآرائه ومبادئه الدينية والسياسية.
لقد انتهى إلينا لحسن الطالع من تراث المهدي، الفكري والديني، ما يلقي الضياء على تلك المبادىء والآراء، التي اتخذها سنداً لدعوته الدينية، والتي جعل منها عقيدة جديدة، يمكن أن توصف بالعقيدة الموحدية.
ويجتمع تراث المهدي الفكري والديني في كتابين، أولهما يضم مبادئه، ونظرياته في الأصول، وفي الإمامة، وفي التوحيد والعلم، وهو أهم الكتابين، وقد عرف بكتاب (أعز ما يطلب) لاستهلاله بتلك العبارة، والثاني كتاب " الموطأ " أو " موطأ الإمام المهدي "، وقد وضعه المهدي في العبادات والمعاملات والحدود، أو بعبارة أخرى في علم الفروع، على مثل موطأ الإمام مالك.
وقد وُصف الكتاب الأول في أصل نسخته المخطوطة بأنه " سفر فيه جميع
تعاليق الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، رضي الله عنه، مما أملاه سيدنا الإمام الخليفة أمير المؤمنين أبو محمد عبد المؤمن بن علي أدام الله تأييدهم، وأعز نصرهم ومكن سعودهم ". ومعنى ذلك أن الكتاب لم يصل إلينا من المهدي مباشرة، وأن الذي نقل إلينا تعاليم المهدي وآراءه ودونها، هو تلميذه عبد المؤمن بن علي أول خلفاء الموحدين.
ويضم هذا الكتاب فصولا وأبواباً عديدة، ويشتمل على الكلام عن الجهل والشك والظن، والأصل والفرع والتواتر، وعن الصلاة، وكون الشريعة لا تثبت بالعقل، وعن العموم والخصوص، وعن العلم، وعن العقيدة ووجود الباري سبحانه، وعن التنزيهات والتسبيحات، ثم الكلام عن الإمامة وعلامات المهدي، وعن طوائف المبطلين من الملثمين والمجسمين وعلاماتهم، وعن الطائفة التي تقاتل عن الحق وتقوم بأمر الله، وعن علاماتها وخواصها، وعن التوحيد وثبوته، وما يتعلق بذلك من الإيمان بالله ورسوله، وعن تحريم الخمر وما ورد في ذلك، ويختتم الكتاب بفصل عن الجهاد، وهو منسوب للخليفة أبى يعقوب يوسف ولد الخليفة عبد المؤمن.
- 1 -
يفتتح المهدي كتابه بهذه الفقرة الرنانة التي أضحى مستهلها عنواناً لكتابه وهي: " أعز ما يطلب، وأفضل ما يكتسب، وأنفس ما يدخر، وأحسن ما يعمل، العلم الذي جعله الله سبب الهداية إلى كل خير، هو أعز المطالب، وأفضل المكاسب، وأنفس الذخائر، وأحسن الأعمال ".
وأول ما يلفت النظر في أسلوب الكتاب جزالته، فالمهدي رغم أصوله ونشأته البربرية، يقدم الينا آراءه في أسلوب قوي، وبيان عربي متين، ولكنه إلى جانب ذلك مولع بالتصنيف والتقسيم، يكثر من ذلك في كل باب وفصل، وهذه النبذة التي يبدأ بها المهدي كتابه، والتي يحدثنا فيها عن فضل العلم وطرقه، تعتبر نموذجاً لما يتبعه في سائر الفصول من التصنيف والتقسيم المستمر لعناصر موضوعاته وآرائه:
" والذي يستعين به طالب العلم على فتح ما انغلق، وكشف ما التبس، إخلاص النية، واغتنام الفوائد، والحرص على الزيادة، والرغبة إلى الله في
الهداية والتوفيق. والعلم نور في القلب تتميز به الحقائق والخصائص، والجهل ظلام في القلب تلتبس به الحقائق والخصائص. وطرق العلم منحصرة في ثلاثة: الحس، والعقل، والسمع. فالحس على ثلاثة أقسام: متصل ومنفصل، وما يجده الإنسان في نفسه. والعقل على ثلاثة أقسام: واجب وجائز ومستحيل. والسمع على ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع. والكلام الآن في الطريق الذي هو السمع فيما علق عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، رضى [الله عنه] في ذلك، أول هذا الأمر برباط هرغة ببلد السوس سنة خمس عشرة وخمسمائة، أن تحصيل الفقه في السُّنة بخمسة أوجه: "أحدها كيفية الأخذ والنقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم. والثاني معرفة السند. والثالث معرفة ما يتعلق بالمتن. والرابع معرفة الصحيح والسقيم.
والخامس معرفة الإستنباط والتأويل". ثم يتحدث عن الأخذ عن الرسول، وعن النقل، وتسمية التواتر والآحاد، ويقسم ذلك إلى أقسام وفروع عديدة (1).
ويحدثنا خلال ذلك عن مناظرته للفقهاء المرابطين بأغمات، وما تلاه عليهم من إيضاح ما عجزوا عن الإجابة عنه، من تبيان أصول الحق والباطل، وفي رأيه أن هذه الأصول تنحصر في أربعة: هي العلم والجهل والشك والظن، وهو يفيض في شرح نظريته، وبيان الأدلة عليها، ثم يتحدث عن كل أصل من الأصول الأربعة، ويقول لنا إن الجهل والشك والظن هي من أصول الضلال، ويدلل على أقواله بالآيات القرآنية. ثم يفيض بعد ذلك في التحدث عن التواتر والأخبار المتواترة وأصولها وفروعها، ويقسمها إلى أقسام عديدة متفرعة، ويشرح دور الأصل والفرع في الإثبات في حديث طويل متعدد الأقسام والفروع. وهو يعتبر " التواتر " علماً ويفيض في بيان أقسامه وخصائصه، والدور الذي يؤديه كمصدر من مصادر العلم، وطريقة التمييز بين ما يثبت بالتواتر، وما يثبت بالآحاد. وهو يرى أن أفضل التواتر ما كان صادراً عن أهل المدينة، لأن " الإسلام والشرائع والرسول والصحابة، إنما كانوا في المدينة " ولهذا " صار عمل أهل المدينة حجة على غيرهم "(2)، ويحاول أن يدعم شروحه بما أثر عن الرسول والصحابة، من أقول وأعمال.
ويحدثنا المهدي بعد ذلك عن " الصلاة " وعن معناها، وبيان فضلها، وحكمتها وتفاصيلها، وبيان أحكامها، وذلك في حديث طويل جداً، يتخلله
(1) كتاب " أعز ما يطلب " للمهدي محمد بن تومرت (الجزائر سنة 1903) ص 2، 3.
(2)
كتاب محمد بن تومرت أو أعز ما يطلب ص 49.
كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يحاول بها أن يدعم أقواله وآراءه (1).
على أن هذه الشروح الجدلية، مهما دلت عليه من مقدرة في العرض، والسفسطائية، ليست هي أهم ما يعرض لنا ابن تومرت من نظرياته الدينية، وإنما تبدو أهمية تعاليمه ونظرياته في عدة مسائل خاصة، هي التي تعتبر قوام مذهبه الديني.
وأول هذه المسائل هو رأى ابن تومرت في أصول الشريعة، وهو يرى قبل كل شىء " أن الشريعة لا تثبت بالعقل من وجوه، منها أن العقل ليس فيه إلا الإمكان والتجويز وهما شك، والشك ضد اليقين، ومحال أخذ الشىء من ضده "، و " منها ان الله سبحانه وتعالى مالك الأشياء يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء، فليس للعقول تحكم ولا مدخل فيما حكم به المولى ". وهو يقصد بإشارته هذه الرد على بعض من لا خلاق لهم " فيما ذهبوا إليه من أن الشريعة لا حكمة فيها، وأنها ليست على سنن العقل جارية، طعناً منهم في الدين، وجهلا بحكمة الله تعالى ". وهو يحمل في نفس الوقت على من " ذهبوا إلى الاستنباط من عقولهم، وتحسين الأشياء على مادتهم، وجعلوا أقيسة في الشرع عدولا منهم عن الحق، وذلك كله فاسد "(2)، وعنده أن أصول الشريعة تنحصر في عشرة وهي: أمر الله ونهيه، وخبره بمعنى الأمر، وخبره بمعنى النهي، وأمر الرسول ونهيه، وخبره بمعنى الأمر، وخبره بمعنى النهي، وفعله، وإقراره ". وتنحصر الفروع في خمسة:" وهي الواجب والمندوب والمحظور والمكروه والمباح ". وهو لا يخص الإجماع والقياس بالذكر، باعتبارهما من أصول الشريعة، ولكنه يقول إنهما داخلان فيما تقدم، ماثلين فيه، ثم يفيض في شرح ذلك على طريقته من تصنيف القياس إلى أقسام وفروع لا نهاية لها. ومما هو جدير بالذكر أنه يعتبر " قياس الوجود "، إنما هو" قياس المجسمة " وهم في نظره المرابطون، ويعتبره من ضروب القياس الفاسد (3)، ثم يعود إلى القياس في موضع آخر، فيقول إنه " لا فرق بين القياس العقلي والشرعي في الإضطراد إذا حقق كل معناه، فإن القياس العقلي هو المساواة فيما يجب ويجوز ويستحيل. والقياس الشرعي هو المساواة في الوجوب أو التحليل
(1) كتاب محمد بن تومرت أو أعز ما يطلب ص 63 - 163.
(2)
كتاب محمد بن تومرت أو عز ما يطلب ص 163.
(3)
كتاب محمد بن تومرت ص 165.
أو التحريم، فهذه الثلاث هي المعتبرة في القياس الشرعي، وهي مضطردة في جميع الشرع، فمتى خرج عن هذه الثلاث أو واحدة منها لم يصح قياس ولا يقاس بعضها على بعض لأنها متناقضة. ولا يصح القياس في المتناقضات، خلافاً لما ذهب إليه من لا معرفة عنده بالقياس، فقاسوا المتناقضات كالمحرمات على المباحات، ومزقوا الشرع كل ممزق (1).
أما عن الاجتهاد كأصل من أصول الشريعة، فإن ابن تومرت يحمل عليه، ويقول مشيراً إلى إثبات النفي، إنه قلب للحقائق، وقلب الحقائق محال، ثم يقول " إن هذه القاعدة كثيرة الإلتباس، وعنها زل كثير من الناس، وبالجهل بها، وعدم التحقيق لها، قالوا كل مجتهد مصيب، فجعلوا هذه المقالة سلماً إلى هدم الشريعة، وإسناد الأحكام إلى غير مستندها، وعكس الحقائق عن موضوعها، وصيروا الحلال حراماً، والحرام حلالا، وجعلوا الشرع متناقضاً، واتبعوا قولة كل قائل، وإن تناقضت، واعتقدوا الحق في المجتهدات وإن تعارضت "(2).
ومعنى ذلك بقول آخر أن ابن تومرت كان يأخذ في تفسير الشريعة بالمذهب الظاهري، فيما يقول به من وجوب الاعتماد في استقاء الأحكام على القرآن والسنة دون غيرهما، وقد كان الإمام الفيلسوف ابن حزم القرطبي، يرى فوق ذلك أن يطبق المذهب الظاهري على العقائد، ويرى أنه يجب أن يؤخذ بمعنى الكلمة المكتوبة والحديث الثابت، ويعتبرهما حاسمين. ومن الغريب أن الظاهرية لم تنتظم في ظل الموحدين إلى مدرسة مذهبية إلا بعد المهدي بنحو ستين عاماً في عصر الخليفة يعقوب المنصور، ففي هذا الوقت فقط، اعترف بأن الظاهرية هي المدرسة الفقهية الرسمية.
بيد أنها لم تكن مدرسة ناجحة، وقد أخفقت في حل كثير من المسائل (3).
وإنكار ابن تومرت لقيمة الاجتهاد كمصدر من مصادر الشريعة، ومعارضته لجهود المجتهدين. في تجديد الشريعة، والاستنباط في مجال الاجتهاد، من الأمور المنطقية، لأن ابن تومرت يتشح بثوب " الإمام المعصوم " الذي لا تبحث آراؤه، ولا ترد أحكامه. ويلاحظ العلامة جولدسيهر أن ابن تومرت يخالف بهذه النظرية سائر الآراء السنية التي تسلم بقيمة آراء المجتهدين في الإمامة وغيرها، ويفرض
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 173، 174.
(2)
كتاب محمد بن تومرت ص 25.
(3)
الأستاذ شتروتمان في دائرة المعارف الإسلامية (مقال الظاهرية، وابن حزم).
على أتباعه وجوب الاعتقاد في الإمام المعصوم، والإمام المعلوم، وذلك وفقاً لرأي الشيعة. فهم يعتبرون، حسبما يصوغ لنا رأيهم الشهرستاني " بأن الإمامة ليست قضية مصلحية، تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن من أركان الدين، لا يجوز للرسول إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله. ويجمعهم أي الشيعة القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر "(1). وكذلك يلاحظ جولدسيهر بهذه المناسبة أن ابن تومرت بموقفه من الاجتهاد، يعارض الإمام الغزالي، الذي يعلق أهمية كبيرة على مبادىء الاجتهاد. ومن جهة أخرى، فإن الغزالي يعارض نظرية الإمام المعصوم في غير كتاب من كتبه. وقد أشار إلى ذلك في إحدى رسائله، وهي " المنقذ من الضلال ". وفيها يحيل إلى ما سبق أن كتبه في ذلك من مختلف الفصول، ثم يحمل على فكرة " المعصوم " ويسخر منها في عبارة موجزة (2).
ثم إن الخلاف بين ابن تومرت والغزالي لا يقف عند هذا الحد. والواقع أنه ليس من الحقيقة في شىء، أن يقال إن ابن تومرت قد تأثر بتعاليم الغزالي سواء من تتلمذه المزعوم عليه بالمشرق، أو بدراسة كتبه ونظرياته. وإليك ما يقوله لنا العلامة جولدسيهر في ذلك:" إن المستخلص من قراءة كتب الغزالي أن ابن تومرت لم يسترشد سواء في تعاليمه أو أعماله بتعاليم الغزالي، بل هناك ما هو أكثر، وهو أن التعصب الذي أبداه ابن تومرت نحو مسائل العقيدة، يدل على أنه لم يتأثر بنفوذ الغزالي الشخصي. ذلك أن طريقة " الأستاذ " الرفيقة الموفقة، وميوله المشبعة بالتوقير للإيمان التقليدي، هي أبعد مما نجده في تصرفات الثوري " المصمودي ". ولو أن الغزالي عاش مدة أطول ليتتبع حياة ابن تومرت، وطُلب إليه أن يصدر في شأنه فتوى، لأصدر فتواه بنقض عمل تلميذه المزعوم، وأنه لا يوجد أجدر بلوم الغزالي، من ذلك التقديم المغصوب " للتأويل " بين الطبقات الدنيا لشعب يتسم بالبداوة "(3).
(1) كتاب الملل والنحل للشهرستاني المنشور على هامش الفصل والنحل لابن حزم " القاهرة " ج 1 ص 195.
(2)
المنقذ من الضلال (طبعة القاهرة سنة 1309 ص 19). وراجع مقدمة العلامة جولدسيهر الفرنسية لكتاب (محمد بن تومرت) Mohamed ibn Toumert et la Théologie de l'Islam dans le Maghreb au XI eme Siècle، p. 21،22 & 40
(3)
جولدسيهر في مقدمته الفرنسية السالفة الذكر ص 83.
ثم يحدثنا ابن تومرت بعد ذلك عن " العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، والناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، والكناية والتعريض والتصريح، والأسماء اللغوية التي غلب عليها العرف وخصصها، والأسماء المنقولة من اللغة إلى عرف الشرع "، وهو يتناول هذه الأشياء على ضوء الدين، ويمثل لها بمختلف الآيات القرآنية. ثم يعود فيحدثنا من جديد عن العلم وفضله وتقاسيمه في فصل خاص، ينحو فيه منحاه المأثور في التصنيف والتقسيم.
- 2 -
بعد ذلك ينتقل بنا ابن تومرت إلى مسألة العقيدة، ويحدثنا عن التوحيد، وعن دلائل وجود الباري سبحانه، وتنزيهه عن التشبيه. وإذا كان التوحيد في الأصل ركناً من أركان الإسلام الأساسية، فإنه يعتبر هنا وبنوع خاص أساساً لمذهب ابن تومرت الديني والسياسي معاً، وهو يتحول على يد المهدي من صفته الدينية إلى فكرة سياسية، هي التي أضحت أساس الدولة الموحدية، ودعامة سلطانها الأولى. ويلاحظ العلامة جولدسيهر بهذه المناسبة، أن فكرة التوحيد لم يبق معناها فيما بعد، هو الاعتراف بوحدانية الله، ولكن غدا معناها الخضوع لحكومة الموحدين (1)، ويستشهد على ذلك بما ذكره ابن صاحب الصلاة في تاريخه من خضوع الزعيم الأندلسي إبراهيم بن همشك لحكومة الموحدين في سنة 564 هـ ووصفه ذلك الخضوع في قوله:" توحيد ابن همشك "، والتعبير عن رغبته في الاستسلام برغبته في " التوحيد والتوبة "(2) ويقدم إلينا ابن تومرت بعد ذلك صيغة التوحيد وصيغ التسبيح التي وضعها لأتباعه، وهي صيغ تردد مضمون عبارات التوحيد والتقديس التي عرفت منذ الأجيال (3).
على أن أهم ما يتضمنه كتاب ابن تومرت، هو كلامه عن الإمامة وعن الإمام المعصوم، وعن المهدي وعلاماته، وعن قيام الطائفة التي تقوم في آخر الزمان لتقاتل في سبيل الحق. ويمكننا أن نعتبر هذا الفصل لب الكتاب، ولب مذهب
(1) I. Goldziher: Materialien zur Kentniss der Almohaden Bewegung. (Z. der Mog. Gesellsch. 1887) ، p. 70
(2)
في كتاب " المن بالإمامة على المستضعفين "(مخطوط أكسفورد السالف الذكر، لوحة 126 ب).
(3)
كتاب المهدي ابن تومرت ص 240 - 244، وقد نقلنا بعضها في باب الوثائق في نهاية الكتاب.
ابن تومرت كله، ولب دعوته السياسية كلها، فإن الإمامة الدينية، هي الشعار السياسي الذي انتحله ابن تومرت، دعامة لزعامته وسلطانه. ونظرية المهدي المنتظر، هي الثوب الروحي الذي اتشح به، لتأييد شرعية إمامته وقدسيتها.
ونحن نعرف أن الإمامة هي شعار الدعوة الشيعية، الديني والسياسي، وأنها تخص بها آل البيت دون سواهم، وعلى كر العصور. ولكن ابن تومرت، في تمسكه بنظرية الإمامة، يبدو مستقلا، بعيداً عن الدعوة الشيعية، وممثلا لدعوة خاصة، وإن كان في نفس الوقت يحرص على أن ينتسب إلى آل البيت، حتى تتوفر فيه شرعية الإمامة، وإليك كيف يعرض لنا ابن تومرت نظرية الإمامة وخصائصها حين يقول:
" هذا باب في العلم، وهو وجوب اعتقاد الإمامة على الكافة، وهي ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الشريعة، ولا يصح قيام الحق في الدنيا إلا بوجوب اعتقاد الإمامة في كل زمان من الأزمان إلى أن تقوم الساعة. ما من زمان إلا وفيه إمام لله قائم بالحق في أرضه من عاد إلى نوح، ومن بعده إلى ابراهيم .. ولا يكون الإمام إلا معصوماً من الباطل ليهدم الباطل، لأن الباطل لا يهدم الباطل، وأن يكون معصوماً من الضلال، لأن الضلال لا يهدم الضلال .. وأن يكون معصوماً من الجور لأن الجائر لا يهدم الجور بل يثبته، وأن يكون معصوماً من البدع، لأن المبتدع لا يهدم الكذب بل يثبته، وأن يكون معصوماً من العمل بالجهل، لأن الجاهل لا يهدم الجهل، وأن يكون معصوماً من الباطل لأن المبطل، لا يهدم الباطل، كما لا تدفع النجاسة بالنجاسة، وكما لا تدفع الظلمة بالظلمة، كذلك لا يدفع الفساد بالفساد، ولا يدفع الباطل بالباطل، وإنما يدفع بضده الذي هو الحق، لا يدفع الشىء إلا بضده، ولا تدفع الظلمة إلا بالنور، ولا يدفع الضلال إلا بالهدى، ولا يدفع الجور إلا بالعدل، ولا تدفع المعصية إلا بالطاعة، ولا يدفع الاختلاف إلا بالاتفاق، ولا يصح الاتفاق إلا باستناد الأمور إلى أولي الأمر، وهو الإمام المعصوم من الباطل والظلم "(1). ثم يعود ابن تومرت فيؤكد أهمية الإمامة كركن جوهري من أركان الدين، ووجوب اعتقادها والخضوع لها في قوله:
" والإمامة هي عمدة الدين وعموده على الإطلاق في سائر الأزمان، وهو دين السلف الصالح، والأمم السالفة إلى إبراهيم وما قبله، فاعتقادها دين، والعمل بها
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 245 و 246.
دين، والتزامها دين، ومعناها الإتباع والاقتداء، والسمع والطاعة، والتسليم، وامتثال الأمر، واجتناب النهي، والأخذ بسنة الإمام في القليل والكثير " (1).
وإنه لا يمكن أن تكون ثمة تأكيدات أخطر من هذه وأشد فعلا، وأبعد أثراً في النفوس، لتأكيد الزعامة الدينية والسياسية، والانضواء تحت لوائها، والإذعان لسلطانها. وقد كان المهدي يخاطب بأسلوبه القوي المنذر، مجتمعاً يسوده الجهل، وتسيطر عليه الخرافة، فكانت أقواله وتعاليمه تنساب إلى هذا المجتمع الساذج، كقرآن جديد. كيف لا وهو يؤكد بأنه " لا يكذب بهذا، إلا كافر أو جاحد أو منافق أو زائغ أو مبتدع أو مارق أو فاجر أو فاسق، أو رذل أو نذل، لا يؤمن بالله واليوم الآخر "(2).
- 3 -
ثم إن هذه الإمامة المطلقة الواجبة الطاعة في كل زمان ومكان، لابد أن تتوج بصفة خاصة تؤكد من شرعيتها وتزيد في قدسيتها، وتجعلها أقرب إلى مراتب النبوة، وتلك هي صفة المهدي المنتظر. وهي أسطورة من أقدم الأساطير الدينية في الإسلام. ويرجعها البعض إلى عصر النبي ذاته. وهنالك طائفة من " الأحاديث " تشير إلى هذه الأسطورة. وهنالك أيضاً طائفة من الأقوال المأثورة تنسب لجماعة من أكابر الصحابة. ولكن هذه الأحاديث والأقوال، موضع كثير من الجدل والريب، وهي على الأغلب من خلق الشيعة الذين استغلوا هذه الأسطورة على كر العصور، واتخذوها سبيلا إلى تحقيق السلطان السياسي. وخلاصة هذه الأحاديث والأقوال، " إنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من آل البيت، يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويعيد مجد الإسلام ودولته، ويسمى بالمهدي " أو على حد عبارتهم المأثورة، وهي أن المهدي يخرج في آخر الزمان " فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً ". وقد كان قيام الدولة الفاطمية الشيعية بإفريقية ثم بمصر، في أوائل القرن الرابع الهجري، أعظم وأروع استغلال لهذه الأسطورة. وهذا الثوب القدسي - ثوب المهدي المنتظر - هو الذي اعتزم محمد بن تومرت أن يتشح به، وأن يتوج به إمامته وسلطانه السياسي. ومن ثم فإنا نراه، بعد أن يحدثنا عن أهمية الإمامة. وكونها ركن الدين الركين، يعرض
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 253 و 254.
(2)
كتاب محمد بن تومرت ص 254.
لنا نظرية المهدي بقوة وحماسة. وهو يستهل كلامه بوصف مثير لأحوال العصر الذي تلا عصر النبوة والخلفاء الأربعة، وما ساد فيه من ضروب التفرق والهوى والفتن، وهو العصر الذي " يذهب فيه العلماء، ويظهر الجهال، ويذهب الصالحون، وتبقى الحثالة، ويذهب الأمناء وتبقى الخونة، وتذهب الأئمة، وتظهر المبتدعة، ويذهب الصادقون، ويظهر الدجالون، ويذهب أهل الحقائق، ويظهر أهل التبديل والتغيير والتلبيس والتدليس، حتى انعكست الأمور، وانقلبت الحقائق وعطلت الأحكام، وفسدت العلوم، وأهملت الأعمال، وماتت السنن، وذهب الحق، وارتفع العدل، وأظلمت الدنيا بالجهل والباطل، واسودت بالكفر والفسوق والعصيان، وتغيرت بالبدع والأهواء، وامتلأت بالجور والظلم والهرج والفتن ". ثم جاء المهدي في زمان الغربة، في الوقت الذي عكست فيه الأمور، وقلبت الحقائق، وبدّلت الأحكام " وخصصه الله بما أودع فيه من معاني الهداية، ووعده قلب الأمور عن عاداتها، وهدمها بهدم قواعدها، ونقلها إلى الحق بإذن الله، حتى تنتظم الأمور على سنن الهدى، وتستقيم على منهاج التقوى، وينهدم الباطل من قواعده، وتنهدم بانهدامه فروعه، ويثبت الحق من أصله، وتثبت بثبوته فروعه، ويظهر العلم من معادنه، ويشرق نوره في الدنيا بظهوره، حتى يملأها عدلا، كما ملئت قبله جوراً، بوعد ربه كما وعد، وبفضله كما سبق، هذا ما وعد الله للمهدي، وعد الحق الذي لا يخلفه "(1).
وهذا المهدي، الذي تستحيل على يده شئون العالم، من الفساد الشامل، والظلم المطبق، إلى الصلاح والعدل الشامل، " لا ند له في الورى " ولن يجد " من يعانده، ولا من ينازعه، ولا من يخالفه، ولا من يضاده "، ومن ثم فإن ابن تومرت يؤكد لأتباعه وأنصاره وجوب طاعة المهدي، والإيمان برسالته، والإذعان لمشيئته، والاستسلام لحكمه، وذلك بصورة مطلقة يعرضها لنا على النحو الآتي:
" فالعلم به واجب، والسمع والطاعة له واجب، واتباعه والاقتداء بأفعاله واجب، والإيمان به والتصديق به واجب على الكافة، والتسليم له واجب، والرضى بحكمه واجب، والانقياد لكل ما قضى واجب، والرجوع إلى علمه واجب، واتباع سبيله واجب، والاستمساك بأمره حتم، ورفع الأمور إليه بالكلية لازم ".
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 249 - 251.
وليس ذلك فقط، فإن طاعة المهدي، والاستسلام إليه، إن هي إلا طاعة الله ورسوله ذاتها، " فإن سنة المهدي هي سنة الله ورسوله، وأمره أمر الله ورسوله، وطاعته طاعة الله ورسوله، والانقياد له الانقياد إلى الله ورسوله، وموافقته موافقة الله ورسوله، وتعظيم حرماته تعظيم حرمات الله ورسوله. هو أعلمهم بالله، وأقربهم إلى الله، به قامت السموات والأرض، وبه كشفت الظلمات، وبه تدفع الأباطيل، وبه تظهر المعارف، وبموافقته تُنال السعادة، وبطاعته تنال البركات "(1).
ْأما أولئك الذين تسول لهم أنفسهم مخالفة المهدي، ومعارضته أو الشك في أمره، فويل لهم. ولم ينس ابن تومرت أن يتوعد هؤلاء بشر النكال. ذلك أن من ناوأ المهدي " فقد تقمع في الردى، وليس له التطرق إلى النجاة ". ثم إن " أمر المهدي حتم، ومن خالفه يقتل، لا دفع له في هذا لدافع، ولا حيلة فيه لزائغ، ثبت بثبوت نصوص الكتاب، وقواطع الشرع، وبيان العلم، ودام ما دامت السموات والأرض بإذن الله الواحد القهار "(2).
ويتحدث ابن تومرت بعد ذلك في فصل قصير عن " القواعد التي بني عليها علوم الدين والدنيا " يتناول فيه أموراً شتى، ومما جاء فيه:" أن القيام بأمر الله واجب، وأن الفساد يجب دفعه على الكافة، ولا يجوز التمادي فيه، وإن من منع فريضة واحدة كمن منع الفرائض كلها، وان التمادي على ذرة من الباطل، كالتمادي على الباطل كله، وأن الهوى لا يجوز إيثاره عن الحق، وان الدنيا لا يجوز إيثارها على الآخرة، وان الحق لا يجوز تلبيسه بالباطل، وأن العلم ارتفع، وأن الجهل عم، وأن الحق ارتفع، وأن الباطل عم، وأن الهدى ارتفع، وأن ْالضلال عم، وأن العدل ارتفع، وأن الجور عم، وأن الرؤساء الجهال استولوا على الدنيا، وأن الملوك الصم البكم استولوا على الدنيا، وأن الدجالين استولوا على الدنيا " ويختتم ابن تومرت هذا الفصل، بالعود إلى الكلام عن المهدي في فقرة يلخص فيها كل ما تقدم، ويؤكده بقوة، وذلك على النحو الآتي:
" إن الباطل لا يرفعه إلا المهدي، وان الحق لا يقوم به إلا المهدي، وان المهدي معلوم في العرب والعجم، والبدو والحضر، وان العلم به ثابت في كل
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 252.
(2)
كتاب محمد بن تومرت ص 251 و 254.
مكان، وفي كل ديوان، وأن ما علم بضرورة الإستفاضة قبل ظهوره، يعلم بضرورة المشاهدة بعد ظهوره، وأن الإيمان بالمهدي واجب، وأن من شك فيه كافر، وأنه معصوم فيما دعا إليه من الحق، لا يجوز عليه الخطأ فيه، وأنه لا يكابر، ولا يضاد، ولا يدافع، ولا يعاند، ولا يخالف ولا ينازع، وأنه فرد في زمانه، صادق في قوله، وأنه يقطع الجبابرة والدجاجلة، وأنه يفتح الدنيا شرقها وغربها، وأنه يملؤها بالعدل، كما ملئت بالجور وأن أمره قائم إلى أن تقوم الساعة " (1).
- 4 -
لم ينس ابن تومرت في الوقت الذي يعرض فيه دعوته، ويشيد بنظريته الإمام المعصوم والمهدي المنتظر، وهي التي اتخذها دعامة لزعامته الدينية، وسلطانه السياسي، أن ينظم حملته ضد أصحاب الأمر القائم، ضد أولئك المرابطين، الذين كان يرمي إلى تحطيم دولتهم، والاستيلاء على تراثهم. ومن ثم فإنه يخصهم في كتابه بفصل، يشهر فيه عليهم الخصومة والبغض، ويحاول أن يسبغ على حملته لون القداسة، وأن يردها إلى أصول دينية، وهو ينعتهم " بالمبطلين، والملثمين، والمجسمين ". ويقول لنا إن لهم علامات خاصة يعرضها لنا في قوله:
" جميع علاماتهم ظاهرة، منها ما ظهر قبل مجيئهم من كادم، ومنها ما ظهر بعد أخذهم البلاد، ومنها ما ظهر من أحوالهم وأفعالهم. فالذي ظهر منها قبل مجيئهم خمس، إحداهن أنهم الحفاة، والثانية أنهم العراة، والثالثة أنهم العالة، والرابعة أنهم رعاء الشاء والبهم، والخامسة أنهم جاهلون بأمر الله. والذي ظهر منها بعد أخذهم البلاد سبع، إحداهن أنهم في آخر الزمان، والثانية أنهم ملوك، والثالثة أنهم يتطاولون في البنيان، والرابعة أنهم يلدون مع الإماء ويستكثرون من الجواري، والخامسة أنهم صم، والسادسة أنهم بكم، يعني أنهم صم عن ْالحق لا يستمعون إليه، بكم عن الحق لا يقولون به، ولا يأمرون به، وكل ذلك راجع إلى الجهل والعدول عن الحق، والسابعة أنهم ما هم أهلا للأمانة في القيام بأمر الله.
والذي ظهر من أحوالهم وأفعالهم ثمان، إحداهن أنهم في أيديهم سياط كأذناب البقر، والثانية أنهم يعذبون الناس ويضربونهم بها، والثالثة أن نساءهم رؤوسهن كأسنمة النجب، يعني أنهن يجمعن شعورهن فوق رؤوسهن حتى تكون شعورهن على تلك الصفة، والرابعة أنهم كاسيات عاريات، والخامسة أنهن مائلات يعني
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 257.
عن الحق والرشاد والسادسة أنهن مميلات يعني لغيرهن، والسابعة أنهم يغدون في سخط، والثامنة أنهم يروحون في لعنة. هذه علاماتهم، وجملة علاماتهم عشرون أخبر الرسول بجميعها قبل وجودهم، فظهرت كلها على وفق ما أخبر به " (1).
ويحاول ابن تومرت أن يثبت صحة هذه العلامات بإيراد " أحاديث " تنسب روايتها إلى عمر بن الخطاب وإلى أبي هريرة، وفيها ذكر للعلامات المتقدمة، وأنها من علامات الساعة، و" أحاديث " أخرى يدمغ فيها الرسول أصحاب هذه العلامات، بالنار والسخط والغضب واللعنة، ويذكر فيها صفة نسائهن على النحو الذي تقدم ذكره (2).
ويتناول ابن تومرت بعد ذلك مثالب المرابطين، وتحريم طاعتهم، والحض على جهادهم، في عدة أبواب رتبت كما يأتي:
(1)
باب فيما أحدثوه من المناكير والمغارم، وتقلبهم في السحت والحرام يأكلون فيه ويشربون، وفيه يغدون وفيه يروحون، وتجسيمهم وكفرهم أكبر.
(2)
باب في تحريم معونتهم على ظلمهم، وتصديقهم على كذبهم.
(3)
باب في معرفة أتباعهم الذين أعانوهم على ظلمهم، وصدقوهم على كذبهم، وبيان أفعالهم.
(4)
باب في وجوب مخالفتهم وتحريم الاقتداء بهم، والتشبه بهم، وتكثير سوادهم وحبهم.
(5)
باب في وجوب بغضهم ومعاداتهم على باطلهم وظلمهم.
(6)
باب في تحريم طاعتهم واتباع أفعالهم.
(7)
باب في وجوب جهادهم على الكفر والتجسيم وإنكار الحق، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
(8)
باب في وجوب جهاد من ضيّع السنة ومنع الفرائض.
(9)
باب في وجوب جهادهم على ارتكاب المناكر والفجور وتماديهم على ما لا يؤمرون به.
(10)
باب في وجوب جهادهم على العناد والفساد في الأرض (3).
وهو خلال ذلك يحاول أن يؤيد أقواله وأحكامه بمختلف الأحاديث والآيات القرآنية. وهو ينعي على المرابطين بنوع خاص - وهو ينعتهم هنا بالمجسمين الكفار - مسألة اللثام، وتشبههم في ذلك بالنساء، في تغطية الوجوه بالتلثيم والتنقيب، وتشبه نسائهم بالرجال في السفور، وعدم التلثيم والتنقيب، وتحريم ذلك، ولعن
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 258 و 259.
(2)
كتاب محمد بن تومرت ص 260 و 261.
(3)
كتاب محمد بن تومرت ص 261 - 266.
من يرتكبه، وفقاً لحديث تنسب روايته لابن عباس، ونصه:" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء، شملتهم اللعنة جميعاً "(1). على أنه من الإجحاف البيّن أن تُنعى هذه المسألة بالذات - مسألة اللثام - على المرابطين، وتعتبر في حقهم جرماً يستوجب اللعن. ذلك أنها ليست سوى مسألة تقليد قومي وقَبَلي لا شأن له بالدين. وقد قيلت في أصل اللثام وسببه أشياء كثيرة، منها ما سبق أن أشرنا إليه من قبل، وهو أن أهل لمتونة - وهي قبيلة المرابطين - كانوا يتخذون في أعراسهم نوعاً خاصاً من الحجاب، ومنها أنه حدث ذات مرة في بعض حروبهم أن نساءهم كن يقاتلن معهم محجبات، حتى يحسبن بذلك في عداد الرجال، ومنها أنهم كانوا يلجأون إلى اللثام تخفياً من طلبة ثأر الدم، وأخيراً أن اللثام كان من ضرورات الحماية من لفح العواصف والرمال والحر والبرد. وما تزال عادة اللثام قائمة حتى اليوم بين بعض قبائل موريتانيا والسودان وغيرها، ويقال إن الحكمة في ذلك هو أن الرجال الأشراف لا يكشفون عن أنفسهم. وأما عن سفور النساء، فقد قيل إنه لكي يظهر انحطاطهن عن الرجال (2).
وأما حملة ابن تومرت على المرابطين بسبب ما أحدثوه من " المناكر والمغارم " فإن لها ما يبررها. وقد سبق أن أشرنا إلى ما كان يسود العاصمة المرابطية، (مراكش) وقواعد المغرب الأخرى، أيام المرابطين، من مظاهر الاستهتار والفساد، ومن ذلك ذيوع الخمر والقصف علناً في الأسواق، وغير ذلك من مظاهر الخروج على الدين. وهذا ما يردده المراكشي في قوله مشيراً إلى على بن يوسف:" وكان رجلا صالحاً، إلا أنه كان ضعيفاً مستضعفاً، ظهرت في آخر زمانه مناكر كثيرة، وفواحش شنيعة، من استيلاء النساء على الأحوال واستبدادهن بالأمور، وكان كل شرير أو قاطع طريق، ينتسب إلى امرأة قد جعلها ملجأ له، وزراً على ما تقدم "(3). ومما هو جدير بالذكر أن أمثال هذه المناكر، لم تلبث أن ظهرت في دولة الموحدين، بعد ذهاب المهدي بفترة قصيرة. ومن ذلك أن
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 264.
(2)
الإستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوي ج 1 ص 98 و 99، وكذلك العلامة جولدسيهر في مقاله: Materialien zur Kentniss der Almohaden Bewegung (Z. der Morg. Gesellsch. 1887 p. 101)
(3)
المعجب ص 103.
عبد المؤمن أول الخلفاء الموحدين، أبى علي ولده الأكبر محمد إتمام بيعته لولاية العهد، لأنه كان مدمناً لشرب الخمر، ولنقائص أخرى كانت تنسب إليه (1).
على أنه إذا كان المرابطون، أو كما ينعتهم ابن تومرت، طائفة المبطلين من الملثمين والمجسمين، كانوا يتصفون بما يرميهم به من العيوب والمثالب التي يستحقون من أجلها اللعنات، والتي تستوجب بغضهم ومعاداتهم ومجاهدتهم، فإن هناك طائفة أخرى بشر الرسول بظهورها، وهي التي تقاتل على الحق وتقاتل عنه، وتقوم به إلى آخر الزمان، وأن هذه الطائفة تقوم بأمر الله، لا يضرها من خذلها أو خالفها، وأنها ظاهرة على من عاداها إلى يوم القيامة، وأنها تقاتل على أمر الله وتقهر عدوها إلى قيام الساعة، وأنها تقاتل على الحق حتى تجتمع مع عيسى بن مريم، وحتى يقاتل آخرهم الدجال، وأن الله يفتح الدنيا كلها لأهل الغرب، وأخيراً أن هذه الطائفة ينصرها الله حتى تقوم الساعة. وبالرغم من أن ابن تومرت لا يقول لنا من هي هذه الطائفة بصريح العبارة، فإنه من الواضح أنه يعني بها طائفة الإمام المعصوم، والمهدي المعلوم، أو بالحري طائفته الخاصة، طائفة الموحدين، وهو يحاول هنا كعادته، أن يؤيد كل أقواله ونبوءاته بطائفة من الأحاديث (2).
وقد سبق أن أشرنا إلى ما ذكره ابن تومرت، عند الحديث عن العقيدة، عن التوحيد ودلائل وجود الباري سبحانه. ويلاحظ العلامة جولدسيهر، أن ابن تومرت قد استعار عبارة " التوحيد "، ومعناها التعلق بفكرة الله وصفاته، من " المعتزلة "، فهم الذين يعطون إسم " التوحيد " في تعريفهم لفكرة الله، وهذا ما يوضحه لنا الشهرستاني في قوله عن المعتزلة:" واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه، جهة ومكاناً وصورة وجسماً وتحيزاً وانتقالا وزوالا وتغيراً وتأثراً، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها، وسموا هذا النمط " توحيداً " (3).
ومن ثم فإن ابن تومرت، كان يُشَهِّر في ظل هذا التفسير لمعنى التوحيد،
(1) المعجب ص 131.
(2)
كتاب محمد بن تومرت ص 267 - 270.
(3)
الشهرستاني في كتاب " الملل والنحل "، المنشور على هامش كتاب " الفصل "(القاهرة 1317 هـ) ص 55.
بالفكرة المادية التي كانت ذائعة في المغرب في ظل المرابطين، والتي تناقض فكرة التوحيد الحقيقية، ويعتبر المرابطين مسئولين عن فكرة " التجسيم "، و" التشبيه " الذائعة بين رعاياهم، وينادى من أجل ذلك بقتالهم، لأنهم هم السبب في نشر ذلك الإلحاد الذي يسود العقيدة، وأنهم يقيمون نظاماً دينياً، لا تتوّجه فكرة الله. ومتى كان المرابطون على هذا النحو من أهل الشرك، فيجب أن يشهر عليهم الجهاد في سبيل الله (1).
ويعود ابن تومرت فيتناول التوحيد هنا من ناحية أخرى، وذلك كعادته في أبواب متعاقبة. أولها أن التوحيد، هو أساس الدين الذي بني عليه، ثم يحدثنا عن معنى التوحيد، وتفسير لفظه، وعن فضله، وعن شروط الشهادة، وكون التوحيد يهدم ما كان قبله من الفكر والآثام، وعن وجوب العلم بالتوحيد وتقديمه على العبادة، وعن كون التوحيد هو دين الأولين والآخرين من النبيين المرسلين، وكون دين الأنبياء واحد، وعن معرفة طريق إثبات العلم بالتوحيد. ثم يتلو ذلك التحدث عن الإيمان وفضله، والإيمان بالرسول، وعن معنى الإيمان والعلم، واتباع الكتاب والسنة، يتخلل ذلك كله طائفة من الآيات والأحاديث للشرح والتدليل (2).
- 5 -
يتناول ابن تومرت بعد ذلك طائفة من المسائل الدينية الأخرى التي لا تتصل أصلا بدعوته الدينية أو السياسية، ولكنها تتضمن مع ذلك، بعض وقائع وأقوال تتصل بهذه الدعوة. وهو قد تحدث من قبل في فصل خاص، عن الصلاة وفضلها وتفاصيلها. وهو يتحدث هنا عن الطهارة، وعن رفع العلم، ورفع الدين والموالاة. وفي هذا الفصل يكرر ما سبق ذكره، من الأحاديث المتعلقة بالناس، الذين يحملون سياطاً كأذناب البقر، والنساء الكاسيات العاريات، والمائلات رؤوسهن كأسنمة البخت، وهي التي يعدها بين علامات الملثمين المجسمين. ثم يحدثنا بعد ذلك عن " التبديل والتغيير بعد رسول الله ". وفي هذا الفضل يعود إلى ذكر المهدي، وما روي بشأنه من أحاديث، تدلى بأنه يكون من آل البيت، وأن اسمه يطابق اسم النبي، وأنه يملأ الأرض عدلا
(1) جولدسيهر في مقدمته الفرنسية لكتاب " أعز ما يطلب " التي سبق ذكرها ص 56 و 61.
(2)
كتاب محمد بن تومرت ص 271 - 280.
كما ملئت جوراً، وأنه يكون من عترة الرسول من ولد فاطمة (1)، وما ورد في شأن خروج الدّجال وهزيمته (2). ثم يلي ذلك كلام طويل في بابين لا عنوان لهما، وكلاهما يفيض بالأحاديث والأقوال المأثورة المتعلقة بالجنة والنار (3).
وبعد أن يحدثنا ابن تومرت عن " الغلول والتحذير منه " وهو الخيانة، ويقدم إلينا في ذلك طائفة من القصص النبوية، يختتم كتابه بفصل طويل في " تحريم الخمر ". وقد رأينا فيما تقدم من حياة ابن تومرت، كيف كانت الحملة على الخمر ومطاردتها، وإراقتها وكسر أوانيها، من أخص ما شغله في دعوته إلى إزالة المنكر، وكيف أنه كان يتعرض لصنوف من السخط والأذى، كلما نشط إلى ذلك، وهو يقرر أن الخمر محرمة " بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة " ويستعرض ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، ويبين لنا أنواع الخمر المجمع على تحريمها في عصر الإسلام، وهي التي كانت تصنع من العنب والتمر والعسل والشعير، وهي كلها محرمة في رأيه قليلها وكثيرها، ومن الواجب إراقتها وكسر أوانيها، وهو يؤيد أقواله هنا بمختلف الأحاديث وأقوال الصحابة (4).
أما الفصل الأخير من الكتاب، وهو الذي يلي " كتاب تحريم الخمر " وعنوانه " كتاب الجهاد " فهو ليس من تأليف ابن تومرت، وإنما هو من تأليف الخليفة أبى يعقوب يوسف، ولد الخليفة عبد المؤمن بن علي وذلك حسبما يبدو من النبذة التي اختتم بها الكتاب، وأشير فيها إلى تمام " كتاب الجهاد " وجميع تعاليق " الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، وذلك مما أملاه سيدنا الإمام الخليفة أمير المؤمنين .. وذلك في العشر الأواخر من شعبان سنة تسع وسبعين وخمسمائة "(5).
وكتاب الجهاد، والترغيب فيه، يضم طائفة كبيرة من الأحاديث التي وردت في فضل الجهاد، والحث عليه. وتبيان محاسنه، وفضل الشهادة في سبيل الله.
ويلحق بذلك الكلام على الجهاد بالمال وما ورد فيه أيضاً من الأحاديث (6). وهذا
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 305 و 306.
(2)
كتاب محمد بن تومرت ص 309.
(3)
كتاب محمد بن تومرت ص 313 - 346.
(4)
كتاب محمد بن تومرت ص 313 - 376.
(5)
كتاب محمد بن تومرت ص 401.
(6)
راجع كتاب الجهاد (من كتاب محمد بن تومرت) ص 377 - 400.
الفصل وما ورد فيه من الأحاديث العديدة، يتفق تمام الإتفاق مع ما أثر عن مقدرة الخليفة أبي يعقوب يوسف العلمية، وبراعته في علم الحديث، والعلوم الشرعية، وتقدمه " في علم الإمام المهدي "(1).
- 6 -
إن كتاب " أعز ما يطلب " حسبما تبين من استعراض فصوله ومحتوياته، يمكن أن يعتبر وصية ابن تومرت العقدية والسياسية، ويمكننا أن نعتبر ما ورد فيه من تعاليم ومبادىء، خاصة بالإمامة والزعامة السياسية والدينية، أساس الدولة الموحدية الروحي والسياسي. على أن ابن تومرت قد ترك لنا بالعربية مؤلفاً آخر، هو كتاب "الموطأ " المسمى " موطأ الإمام المهدي " وهو كتاب ضخم يتناول فيه، على نسق " موطأ الإمام مالك "، أبواب العبادات والمعاملات والحدود.
ونحن نعرف أن مذهب الإمام مالك (2) كان منذ أواخر القرن الثاني للهجرة، هو المذهب المفضل في المغرب والأندلس. وبالرغم من أن ابن تومرت قد درس بالمشرق، على عدد من أقطاب عصره، فإنه لبث على تقاليد علماء المغرب الراسخة، من اتباع المذهب المالكي، ومن ثم فإنه يقدم لنا ثمرة شروحه للعبادات والمعاملات والحدود، أو بعبارة أخرى لعلم الفروع، متسمة باسم موسوعة الإمام مالك، جارية على مذهبه وآرائه، بل إنه ليبدو، حسبما جاء في مقدمة ْ " موطأ " ابن تومرت، أن مصنفه ليس إلا مختصراً من مصنف الإمام مالك.
فقد جاء في مقدمة طبعته التي نشرت بالجزائر في سنة 1323 هـ (1905 م)، ما يأتي:" قابلنا موطأ المهدي بموطأ الإمام مالك، من رواية يحيى بن يحيى، فوجدناه مختصراً منه بحذف الأسانيد مع تقديم وتأخير وزيادة تراجم وتفاصيل على أسلوب مفيد وترتيب سديد ".
ويحتوي موطأ المهدي على سفرين: يتناول السفر الأول الكتب الآتية: الطهارة والصلاة، والجنائز والصيام، والاعتكاف والزكاة، والحج والجهاد، والإيمان والنذور.
ويتناول السفر الثاني الكتب الآتية: الضحايا والعقيقة، والذبائح والصيد، والأشربة، والحدود، والنكاح، والطلاق، والرضاع، والبيوع، والشفعة،
(1) ابن صاحب الصلاة في كتاب " المن بالإمامة " المخطوط السالف الذكر لوحة 46 أ.
(2)
الإمام مالك بن أنس (95 - 179 هـ) أحد أقطاب المذاهب الأربعة.
والرهن، والإجارة، والمساقاة، والفرائض، والعتق، والمكاتب، والتدبير، والعقول، والقسامة، والتعدي والغصب، والأقضية والجامع.
ومن الواضح أنه ليس في كتاب " موطأ المهدي " ما يهمنا من الناحية التاريخية.
بيد أننا نستطيع أن نتخذه دلالة على ما كان يتصف به ابن تومرت من النشاط العلمي، والمقدرة الفقهية، واجتهاده في أن يبصر قومه بأحكام الدين الصحيحة، ولا ريب أن كتب ابن تومرت كانت تنتشر بين قومه بالبربرية لغتهم القومية، فيزداد بذلك نفوذها وتأثيرها، وقد كان من أعظم مزايا ابن تومرت العلمية، مقدرته البارزة في إتقان اللغتين العربية والبربرية، وكان وعظه ومخاطبته لقومه بالبربرية، تنفذ إلى سويداء قلوبهم، وتزيدهم فتنة وبه وتعلقاً، وتعمل على توطيد مكانته الدينية والسياسية. وكانت كتب ابن تومرت، بعد القرآن والسنة، هي أشد الكتب الدينية احتراماً بين أقوام الموحدين على اختلاف قبائلهم، لأنها نظراً لكتابتها بالبربرية، كانت ذائعة، وكانت في متناول كل إنسان.