الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامِسُ
الأمير تاشفين بن علي وغزواته وأعماله في شبه الجزيرة
قاعدة التولية لدى المرابطين. علي بن يوسف يولي ولده تاشفين شئون الأندلس. الخلاف حول تاريخ هذه التولية. خروج تاشفين إلى غزو قشتالة. غزوة لوالي إشبيلية. القشتاليون يغزون أراضي قرطبة. غزوة ينتان بن علي لأراضي أراجون. تاشفين يفتتح حصن السكة. عود القشتاليين إلى غزو أراضي قرطبة. مسير تاشفين إلى لقائهم وهزيمتهم. غزو القشتاليين لأراضي إشبيلية وردهم. عودهم إلى الغزو بقيادة ملكهم ألفونسو ريموندس. التقاء تاشفين وقواته بالنصارى قرب بطليوس. هزيمة القشتاليين وفرارهم. خروج تاشفين إلى الغزو. اللقاء في موقعة البكار. هزيمة المرابطين في البداية ثم ثباتهم وانتصارهم. قصيدة أبى بكر الصيرفي في مديح تاشفين ونصحه. إيضاح عن مكان الموقعة. حوادث أندلسية مختلفة. غزوة قشتالية لأراضي الأندلس. توغل القشتاليين وعيثهم حتى أراضي شريش. غزوات جديدة لتاشفين في أراضي قشتالة. غزوة قشتالية أخرى لأراضي قرطبة. نقل قاعدة الحكم المرابطي من غرناطة إلى قرطبة. التنويه بتاشفين وحسن إدارته. عود تاشفين إلى المغرب. اختياره لولاية العهد مكان أخيه سير. ظروف هذه التولية وبواعثها.
- 1 -
وضح مما تقدم، مما ذكرناه في أخبار ولاة الأندلس وأقاليمها، أن الدولة المرابطية، كانت تعتمد في حكم الأندلس على عصبية القبيل والأسرة، فيتولى الحكم بها الأمراء من أبناء أمير المسلمين وقرابته وأصهاره، ويتولى هؤلاء كذلك قيادة الجيوش المرابطية، ويضطلع بالقيادة العامة ولد الأمير. وقد طبقت هذه القاعدة منذ البداية، فكان الأمير سير ابن أبى بكر اللمتوني قائد الجيوش المرابطية، ومتولي شئون الأندلس في عهد يوسف بن تاشفين، ثم كان أبو الطاهر تميم ولد يوسف متولي القيادة العامة، منذ وفاة والده، وولاية أخيه علي بن يوسف، وكذلك متولي لشئون الأندلس، وقاعدته الإدارية غرناطة. ولبث تميم في منصبه عدة أعوام، قاد فيها الجيوش المرابطية منذ موقعة أقليش في سنة 501 هـ (1108 م)، حتى سقوط سرقسطة في سنة 512 هـ (1118 م)، وموقعة كتُندة في سنة 514 هـ (1120 م). وفي سنة 516 هـ (1122 م)، ولّي الأمير تميم ولاية إشبيلية إلى جانب ولاية غرناطة ثم صرف عن إشبيلية في العام التالي، ووُلي
إشبيلية الأمير أبو بكر بن علي بن يوسف. واستمر الأمير تميم بعد ذلك والياً على غرناطة، ومتولياً لسائر شئون الأندلس، حتى توفي سنة 520 هـ (1126 م).
ومما هو جدير بالذكر أن القاضي أبا الوليد بن رشد، حينما عبر إلى العدوة في هذا العام نفسه، على أثر غزوة ألفونسو المحارب، بممالأة النصارى المعاهدين، كان يقصد - إلى جانب سعيه لدى أمير المسلمين علي بن يوسف في تغريب المعاهدين - أن يسعى كذلك في عزل أخيه تميم عن ولاية الأندلس، وتعيين غيره (1). ولكن القدر عجل بوفاة تميم. فعندئذ عهد أمير المسلمين علي بن يوسف بئشون الأندلس، إلى ولده تاشفين بن علي، فعبر إليها في جيش مرابطي جديد من خمسة آلاف فارس، ولم يلبث أن بدأ سلسلة جديدة من الغزوات في أراضي قشتالة.
وتختلف الرواية في تاريخ تولية تاشفين لشئون الأندلس. فهناك قول بأن توليته كانت في سنة 520 هـ عقب عزل عمه تميم (2)، وهناك قول آخر بأن هذا التعيين كان في سنة 522 أو 523 هـ (3)، تم هناك قول ثالث بأنه كان في سنة 526 هـ (4). بيد أنه يبدو من أقوال صاحب البيان المغرب عن غزوات تاشفين بالأندلس، وهي أقوال تؤيدها الرواية النصرانية، أن تاشفين كان موجوداً بالأندلس منذ سنة 522 هـ، وأنه قد التقى في هذا العام ذاته بالقشتاليين على مقربة من قلعة رباح (5). وهذه الرواية يؤيدها أيضاً ما يذكره لنا ابن القطان في حوادث سنة 522 هـ، وهو أن علياً بن يوسف، عزل ولده الأمير أبا بكر عن ولاية إشبيلية، وغربه مكبولا إلى الصحراء، لأنه لم يرض عن بيعة أخيه، وتوليه شئون الأندلس، وعين مكانه لولاية إشبيلية أجداي والي قرطبة (6). ويؤيد ابن عذارى واقعة عزل الأمير أبى بكر ولكنه لا يذكر شيئاً عن تغريبه، ويقول لنا إن الذي خلفه في ولاية إشبيلية هو عمر بن سير، وذلك في شعبان سنة 522 هـ (7).
وفضلا عن ذلك، فإن صاحب البيان المغرب، ينقل إلينا عن ابن الوراق رواية
(1) الحلل الموشية ص 107.
(2)
روض القرطاس ص 106.
(3)
ابن الخطيب في الإحاطة (القاهرة 1956) ج 1 ص 454 و 457.
(4)
ابن خلدون ج 6 ص 186.
(5)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 90).
(6)
ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف ذكره).
(7)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة- هسبيرس ص 110).
أخرى مفادها أن ولاية تاشفين للأندلس كانت في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وأنه قدم إلى غرناطة في السابع والعشرين لذي حجة من هذا العام (1).
وعلى أي حال فإن حديث غزوات تاشفين في شبه الجزيرة يبدأ بالفعل قبل هذا التاريخ. ويستفاد من رواية صاحب روض القرطاس أن تاشفين قد عبر إلى شبه الجزيرة منذ سنة 520 هـ، وأنه خرج في أواخر هذا العام أو أوائل العام التالي في جيشه، وفي أجناد الولايات، غازياً إلى أراضي طليطلة، فعاث في أحوازها، واقتحم اثنين من حصونها، ثم سار نحو الغرب، والتقى بالنصارى في موضع يعرف " بفحص الضباب " فهزمهم هزيمة شديدة، وافتتح ثلاثين حصناً من حصون هذه المنطقة وكتب إلى أبيه بالفتح (2).
وقام الأمير تاشفين بعد ذلك بعدة غزوات في أراضي قشتالة، وخاض مع القشتاليين معارك عديدة. وبالرغم من أن الرواية العربية تحدثنا عن غزوات تاشفين ووقائعه في عبارات حماسية، فإنها لا تقدم إلينا تفاصيل شافية عن هذه الوقائع.
وكذلك فإن الرواية النصرانية ليست دقيقة ولا واضحة في هذا الموطن.
وفي وسعنا أن نتتبع غزوات الأمير تاشفين وحروبه مع النصارى منذ سنة 522 هـ (1128 م)، ففي تلك السنة غزا القشتاليون أراضي الأندلس بجيش ضخم، ووصلوا في زحفهم إلى جبال الكرس، على مقربة من قلعة رباح، فخرج الأمير تاشفين إلى لقائهم، فارتدوا عائدين إلى بلادهم.
وفي العام التالي، أعني في سنة 523 هـ (1129 م)، سير الأمير تاشفين جيش إشبيلية بقيادة واليها عمر بن سير اللمتوني، فأغار على أطراف قشتالة، فخرج إليه زهاء ثلاثمائة فارس للعدو وقاتلوه بشدة، فانهزم المرابطون، وقتل وأسر الكثير منهم. وكانت هذه الهزيمة ترجع بالأخص إلى تهاون عمر بن سير وعدم تحوطه، فرفع أمره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، فألزمه بدية من أسر، وعزله عن ولاية إشبيلية، وولى مكانه الأمير أبا زكريا يحيى بن علي الحاج.
وفي سنة 524 هـ (1130 م) انحدرت القوات القشتالية جنوباً حتى أصبحت على مقربة من قرطبة، فاستغاث واليها عبد الله بن تينغمر بالأمير تاشفين، فبادر إليها في قواته، فارتد القشتاليون أدراجهم، ولم يشاءوا الاشتباك مع المرابطين،
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 91).
(2)
روض القرطاس ص 107.
وتحول الأمير تاشفين بقواته إلى جيان، فلبث بها قليلا يرقب الحوادث، ثم سار منها إلى غرناطة (1).
وتوفي في أوائل هذا العام محمد بن يوسف بن يدّر والي بلنسية، فعين مكانه ينتان بن علي وهو الابن الأصغر لعلي بن يوسف. وخرج ينتان بقواته غازياً في أراضي أراجون، فلقيه النصارى بقيادة الكونت جاستون دي بيارن (وتسميه الرواية العربية غشتون) فهزم النصارى، وقتل الكونت وسيق رأسه إلى غرناطة وطيف بها على رمح؛ ثم حملت إلى أمير المسلمين بمراكش، فطيف بها هنالك أيضاً.
وفي رمضان من نفس هذا العام، خرج الأمير تاشفين بجيش غرناطة ومتطوعتها، واتصل به جيش قرطبة إلى حصن السكة Aceea من عمل طليطلة، وكان ملك قشتالة، قد شحنه بالمقاتلة للإغارة على أراضي المسلمين، فحاصره تاشفين، وافتتحه عنوة، وقتل من كان به، وأسر قائده تليو فرنانديث - وكان من مشاهير فرسان قشتالة - وكذلك ضباطه، وتزيد الرواية النصرانية على ذلك، أن القتلى من حامية الحصن بلغوا مائة وثمانين، وأن تاشفين سار بعد ذلك إلى حصن بارجاس فقتل من رجاله خمسين. واستمر في تقدمه حتى وصل إلى " سان سرفاندو " من ضواحي طليطلة، ثم ارتد بعد ذلك بقواته جنوباً وعاد إلى غرناطة، فاستقبله الناس أفخم استقبال (2).
وفي صفر سنة 525 هـ (يناير 1131 م)، هزم المرابطون قوة من القشتاليين كانت تغير على الحدود وتضيق على المسلمين.
وفي هذا العام أسندت ولاية قرطبة إلى ابن أخت علي بن يوسف، عبد الله ابن أبى بكر المعروف بابن قنونة. وفيه شبت النار بسوق الكتانين بقرطبة، واتصلت بسوق البز، فأتت عليه وأسفرت عن خسائر فادحة، ورجم الناس ابن المناصف صاحب السوق لتقصيره في المعونة (3).
وفي ربيع الأول سنة 526 هـ (يناير 1132 م)، نمى إلى الأمير تاشفين أن
(1) نقلنا أخبار هاتين الغزوتين، عن البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 91).
(2)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 91). وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 67 أ).
(3)
نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 68 ب).
القشتاليين خرجوا من طليطلة متجهين صوب قرطبة، فبادر بالسير إلى قرطبة، تم اتجه إلى لقاء العدو في قواته الخفيفة، وترك الثقل بحصن أرجونة، وفي تلك الأثناء كان القشتاليون قد وصلوا إلى حصن شنت إشتيبن على مقربة من جيان، واستولوا عليه، ثم ساروا إلى قرية براشة. وهناك التقى الفريقان، ووقعت بينهما معركة عنيفة، هزم فيها القشتاليون وقتل منهم عدد جم، وأسر قائد القشتاليين وعدة من أكابر ضباطه، واستولى المرابطون على مقادير وافرة من الأسلحة والدواب والثياب، وسار الأمير تاشفين بالأسرى والغنائم إلى قلعة رباح القريبة من ميدان المعركة، فأصلح أحوالها وحصن أسوارها، وترك الأسرى لدى أهلها، ليفتدوا بهم من يستطيعون من أسراهم، ثم عاد في قواته ظافراً إلى غرناطة (1).
وقد سجل لنا ابن القطان من أحداث هذا العام بعض صور أخرى غير أخبار الحرب والغزوات، فذكر لنا أن المجاعة اشتدت فيه بقرطبة، وانتشر الوباء بين الناس، وكثر الموت، وبلغ سعر المد من القمح خمسة عشر ديناراً، وذاعت الفوضى وكثر أهل الشر، فجد الوالي ابن قنونة في مطاردة أهله، وقتل الكثير منهم.
وفي أواخر هذا العام، أعني 526 هـ، خرج جيش من القشتاليين بقيادة الكونت ردريجو كونثالث إلى ناحية إشبيلية وأغاروا على أراضيها من جهة حصن القليعة، وعاثوا فيها قتلا وسبياً، ثم انحدروا فجأة إلى الشَّرْف (2) على مقربة من المدينة وقتلوا من أهله جموعاً غفيرة، وأخذ والى المدينة عمر بن الحاج اللمتوني على غرة، فبادر في قواته إلى لقاء القشتاليين بالوادي على ضفة النهر، وبعث سرية من فرسانه إلى الضفة الأخرى، فأسرت بعض القشتاليين وجاءت بهم فأمر الوالي بضرب أعناقهم أمام أعين إخوانهم في الضفة الأخرى، فاضطرم القشتاليون سخطاً وحماسة، واقتحموا النهر كالسيل المنهمر، وأطبقوا على المرابطين، ووقعت بينهما معركة عنيفة، قتل فيها عمر بن الحاج ومعظم جنده، فأغلقت المدينة
(1) ابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 459. والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها هسبيرس ص 94 و 95).
(2)
إقليم " الشرف " في الجغرافية الأندلسية، هو السهل الممتد غرباً من إشبيلية حتى لبلة، وجنوباً حتى شاطىء المحيط، ويشمل حصن القصر، ولبلة، وولبة، وجزيرة شلطيش، وجبل العيون. وقد سمي بهذا الاسم لأنه " مشرف من ناحية اشبيلية "(الإدريسي في نزهة المشتاق. الجزء الخاص بوصف المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس طبعة دوزي ص 174 و 178).
أبوابها دون الغزاة، واشتد الخوف بالناس، وكان ذلك في منتصف رجب من السنة المذكورة (1).
وزحف القشتاليون على إشبيلية حتى صاروا على قيد فرسخين منها، وهم يثخنون في إحوازها قتلا وسبياً وتخريباً، وكان الأمير تاشفين، حينما نمى إليه عدوان القشتاليين قد نهض في قواته إلى إشبيلية، فطارد العدو وطهر منه الوادي، وارتد النصارى إلى بلادهم مثقلين بالغنائم والسبي.
وتزيد الرواية الإسلامية على ما تقدم، أن الأمير تاشفين سار في قواته نحو الغرب ومعه ابن قنونة والي قرطبة، والتقى بقوة من النصارى، كانت قد أغارت على أحواز يابرة، فهزمها المرابطون، وقتلوا معظم رجالها، وأنقذوا منها الغنائم والأسرى (2).
بيد أنه لم يمض قليل عن ذلك، حتى بدت نيات القشتاليين واضحة في استئناف العدوان على نطاق واسع، ففي أوائل سنة 528 هـ (1134 م) حشد ألفونسو ريمونديس (ألفونسو السابع) أو ألفنش بن رمند كما تسميه الرواية العربية، جيشاً ضخماً من آلاف عدة، وبه كثير من أبطال قشتالة وأنجادها المشهورين، وقصد إلى ناحية بطليوس، وعاث في أحوازها، وخرب أراضيها، فنهض إليه الأمير تاشفين من إشبيلية في قوات ضخمة، ووقف من أدلائه وطلائعه على خط سير العدو، ورابط للقائه في مكان يقع شرقي بطليوس على مقربة من سهل الزلاّقة، الذي اشتهر بانتصار جده العظيم يوسف بن تاشفين فيه، على ألفونسو السادس (479 هـ)، وما كادت طلائع العدو تبدو، وقد ملأت جموعه وغنائمه السهل، حتى تأهب المرابطون للقائه بحماسة وتوثب. ونظم الجيش الإسلامي مثلما نظم يوم الزلاّقة في وحدات متناسقة، فاحتل المرابطون، وعلى رأسهم الأمير تاشفين القلب، تتقدمهم البنود البيض مكتوبة بالآيات، اصطفت إلى جانبيه القوات الأندلسية تتقدمها الرايات الحمراء بالصور الهائلة، واحتل الجناحين أهل الثغور وذوو الجلاد، وعليهم الرايات المرقعات، واحتل المقدمة أنجاد زنانة، ولفيف الحشم ذوو العمائم، وأمامهم الأعلام المصبغات، ونشبت بين الفريقين
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 97) ونظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 71 ب)، وابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 460.
(2)
ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 72 أ).
خريطة:
مواقع غزوات المرابطين التي قام بها علي وتاشفين في أراضي قشتالة والبرتغال.
معركة عنيفة، دارت فيها الدائرة على القشتاليين، فهزموا شر هزيمة، ولجأوا إلى الفرار، وقد قتلت وأسرت منهم جموع غفيرة، واستنقذ المسلمون الأسرى والغنائم من أيدي القشتاليين، وكان ذلك في جمادى الأولى من سنة 528 هـ (مارس سنة 1134) وقفل الأمير تاشفين في قواته ظافراً إلى قرطبة. ثم سار منها إلى غرناطة فاستقبل استقبالا فخماً، وأنشده الشعراء مهنئين، فمن ذلك قصيدة طويلة جاء فيها:
أما وبيض الهند عنك خصوم
…
فالروم تبذل ما ظباك تروم
تمضي سيوفك في العدا ويردها
…
عن نفسه حيث الكلام وخيم
دار هجمت بيوتها بظباك فأبدأ
…
على قمم الملوك هجوم (1)
وفي شهر ذي الحجة من نفس العام (528 هـ) خرج الأمير تاشفين أثر عيد النحر، بقوات غرناطة وقرطبة وقوات المجاهدين من الخيل والرجل، إلى الغزو، فسار نحو الغرب، وقد انضم إليه جيش إشبيلية " بفحص الريحانة " ثم سار إلى موضع تسميه الرواية " بالبكار " وهو طريق للعدو لا محيص منها. ولما رأى القشتاليون القوات المرابطية، وضعوا خطة لاجتذابها إلى هذا الموضع، وأقبل المرابطون بالفعل إليه، وندب القشتاليون نخبة من أنجادهم تبلغ نحو ألفين، فانقضت على المرابطين فجأة عند دخول الظلام، في هذا الموضع الحرج، واستطاعت أن تخترق صفوفهم في عدة مواضع، فدب الخلل بالجيش المرابطي، ونفرت الخيل وشردت واقتحمت الأخبية، وعلا الصياح بين المسلمين، وفروا من كل جانب، ووصلت سرية من النصارى إلى خيمة الأمير تاشفين، فأشار إليه بعض خاصته بأن يبادر بالفرار، فأبى، فأحدق به فرسان الأندلس وأنجاد المرابطين، وحالوا بينه وبين العدو، ووقعت بين الفريقين معركة عنيفة، والأمير تاشفين ثابت فوق فرسه، متشح بسيفه ودرعه، يشدد الضرب والطعان، قال المؤرخ " فلم ير أربط منه جأشاً ولا أشهم نفساً، في مطلع ذلك الهول "، واستطاع أحد الجند العبيد أن يقضي على قائد القشتاليين المهاجمين بطعنة نافذة، ثم انجلت الظلمة عن هزيمة النصارى، وقد اجتمعت من القتلى من الجانبين أكداس ضخمة. وفي صباح الغد سار الأمير تاشفين في قواته إلى حصن قشرش، وهو من
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس - ص 97)، وابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 460 و 461. ولم يذكر لنا ناظم هذه القصيدة.
حصون المسلمين ثم غادره عائداً إلى قرطبة (1). وقد وجه إليه كاتبه أبو بكر يحيى ابن الصيرفي بهذه المناسبة قصيدة ضافية، يهنئه فيها بالسلامة، ويحذره من خدع الحرب، ويسدي إليه بعض النصائح فيما يجب أن يكون عليه القتال. وهي طويلة في نحو ستين بيتاً، نقتطف منها الأبيات الآتية:
يا أيها الملأ الذي يتقنع
…
من منكم البطل الهمام الأورع
ومن الذي غدر العدو به دجى
…
فانفض كل وهو لا يتزعزع
تمضي الفوارس والطعان يصدها
…
عنه ويدمرها الوفاء فترجع
والليل مرضج الترايك بينهم
…
صبح على هام الكماة ملمع
عن أربعين ثنت أعنتها دجى
…
ألفان ألف حاسر ومقنع
لولا رجال كالجبال تعرضت
…
ما كان هذا السيل مما يودع
فثبتّ والأقدام تزلق والردى
…
حول السرادق في الأسنة تقرع
لا يعظمن على الأمير فإنها
…
خدع الحروب وكل حرب يخدع
ولكل يوم حنكة وتمرس
…
وتجارب في مثل نفسك تنجع
يا شجع الأبطال ليلة أمسه
…
اليوم أنت مع التجارب أشجع
ومنها في نصائح الحرب:
واحذر كمين الروم عند لقائها
…
واخفض كمينك خلفها إذ تدفع
لا تبقين النهر خلفك عندما
…
تلقي العدو فنشره متوقع
اجعل مناجزة العدو عشية
…
ووراءك الصدف الذي هو أمنع
وصدمه أول وهلة لا ترتدع
…
بعد التقدم فالنكوص يضعضع
وجاء في ختامها في مخاطبة تاشفين وتهنئته:
يا تاشفين أقم لجيشك عذره
…
بالليل والقدر الذي لا ينفع
هجم العدو دجى فروّع مقبلا
…
ومضى يهيم وهو منك مروع
كم وقعة لك في ديارهم انثنت
…
عنها أعزتها تذل وتخضع
النعمة العظمى سلامتك التي
…
فيها من الظفر الرضى والمَقْنع
كادت تكون ولو إذاً لتزلزلت
…
عنها البسيطة والجبال الخُشَّع
وهوت بأندلس عقاب لم تدع
…
فيها لذكر الله صوت يرفع
(1) نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 75). والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 98 و 99).
لا ضَيّع الرحمن سعيك إنه
…
سعي به الإسلام ليس يُضيّع
نستودع الرحمن منك وديعة
…
فهو الحفيظ لكل ما يستودع (1)
وتشير الرواية القشتالية إلى هذه الموقعة (2)، ولكنها كالرواية العربية لا توضح لنا مكان وقوعها توضيحاً كافياً، والظاهر مما تشير إليه أقوال صاحب البيان المغرب، من أن الأمير تاشفين، سار غداة المعركة في قواته إلى حصن " قشرش " أنها وقعت على مقربة من هذا المكان. وتقع قشرش أو قاصرش Caceres، جنوبي نهر التاجه وشمال شرقي بطليوس وغربي ترجالُه. أما تاريخ الموقعة، فتضعه الرواية العربية حسبما تقدم، في أواخر شهر ذي الحجة من سنة 528 هـ (أوائل أكتوبر سنة 1134 م). ومما تجدر ملاحظته أن وقوعها جاء لنحو ثلاثة أشهر فقط من موقعة إفراغة، التي هزم فيها ألفونسو المحارب وفقد حياته، هذا في حين أنه يبدو من أقوال الرواية النصرانية، أنها وقعت قبل موقعة إفراغة.
ومما يلفت النظر، ما يذكره لنا ابن القطان غير مرة من هجوم أسراب الجراد على بسائط الأندلس وإتلافها في هذين العامين الأخيرين. وقد ذكر لنا أنه في العام الذي وقعت فيه الغزوة السابقة - وهو يضع تاريخها في سنة 229 هـ - " محت الجراد ما على الأرض من زرع وكلأ، وأمر الناس بالخروج إليها فساقوا منها خمسة آلاف عدل، وثلاثمائة وثلاثين عدلا، وما غاب عن العيون أكثر تركت في الموضع الذي قتلت فيه ولم تحمل ".
ومما يذكر من أحداث هذه الفترة أيضاً، أنه في سنة 529 هـ، وقع بقرطبة هياج شديد، وثارت العامة ضد اليهود على أثر ظهور قتيل مسلم في بعض أحيائهم، واقتحموا منازل اليهود، ونهبوها، وقتل خلال ذلك عدد منهم. ووقعت في نفس الوقت بعض اضطرابات بمدينة إشبيلية، من جراء ثورة العامة ضد قاضيها أبى بكر بن العربي، وكان يشتد في زجرهم، ومعاقبتهم بمختلف العقوبات الأليمة المبتكرة (3).
(1) راجع الحلل الموشية حيث يشير إلى هذه الموقعة بإيجاز (ص 92)، ثم يورد قصيدة ابن الصيرفي كلها (ص 93 - 96).
(2)
M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 248
(3)
البيان المغرب (في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 101).
وفي نفس هذا العام، وقع حادث مروع بجامع قرطبة، هو مصرع قاضي قرطبة أحمد بن خلف التجيبي (أو أبو عبد الله بن الحاج وفقاً لابن القطان).
وثب به أحدهم فطعنه بخنجره، وهو راكع حين صلاة الجمعة، فسقط مضرجاً بدمه، ووقع بالجامع هرج عظيم، وأخرج المرابطون منه أميرهم تاشفين في حراسة قوية، وقبض على القاتل وقتل لحينه في صحن الجامع، وتوفي القاضي في مساء نفس اليوم، وهو الخامس والعشرون من صفر سنة 529 هـ (1).
وتقص علينا الرواية النصرانية غزوة قام بها القشتاليون في سنة 1133 م ومعهم سيف الدولة المستنصر بن هود، في أراضي الأندلس، على غرار غزوة ألفونسو المحارب، وتقول لنا إن ألفونسو ريمونديس ملك قشتالة قسم جيشه لهذا الغرض إلى قسمين، بقصد تسهيل التموين والحركة، سار هو على رأس أحدهما، وقاد الآخر سيف الدولة، والدون ردريجو كونثالث دي لارا زعيم ليون. وعبر الجيشان جبال سييرَّا مورينا، (جبل الشارات)، واجتمعا على مقربة من قرطبة، وكان الفصل فصل الحصاد فأمر ملك قشتالة بانتساف حقول القمح والكروم والزيتون وغيرها، فساد الرعب بين المسلمين وهجروا السهول والقرى، إلى الحصون ومغائر الجبال، ووصل الجيش النصراني في زحفه إلى أحواز إشبيلية، وهو يحرق المزارع والقرى والقلاع المهجورة، ويدمر المساجد ويحرق المصاحف، ويقبض على الفقهاء ويعذبهم. وشمل هذا العيث المروع الذي كانت تقوم به سريات خفيفة من الفرسان النصارى، سائر المنطقة الواقعة ما بين قرطبة وإشبيلية، وامتلأت صفوف القشتاليين من الغنائم والأسرى والأقوات، ومن ثم سار ملك قشتالة إلى شريش، فخربها وهدمها، ثم سار إلى قادس. ولما رأى ذلك أمراء الأندلس، بعثوا إلى سيف الدولة يطلبون إليه أن يعمل ملك النصارى، على تحريرهم من نير المرابطين، فبعث إليهم بعد التفاهم مع ملك قشتالة يحثهم على انتزاع الحصون ومقاتلة المرابطين، وعندئذ يأتي هو وملك قشتالة لإنجادهم. بين أن الملك اعتزم أن يعود أدراجه على الأثر، وألا يغامر بالبقاء في أرض لا يأمن مغبتها، وارتد إلى منطقة طليطلة (2).
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 10 و 101)؛ وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره).
(2)
M. Lafuente: ibid ; (cit. Cronica Alionso VII) ; Vol. III. p. 249
وتقدم إلينا الروايات الإسلامية أنباء هذه الغزوة في عبارات موجزة. ويضع ابن القطان حدوثها في سنة 526 هـ (1132 م)، ويقول لنا إنه في هذه السنة خرج السليطين (ألفونسو ريمونديس) وابن هود إلى بلد المسلمين، فهبطوا إلى إشبيلية، وانبسطت خيلهم، واقتحمت ما وجدت، ثم هبطوا إلى شريش، فدخلوها وقتلوا كل من فيها، وبالغوا في النكاية بالمسلمين، ثم رجعوا إلى بلادهم.
ويقول لنا ابن عذارى نقلا عن ابن حمادة، إن العدو وصل إلى حومة شريش والبحيرة، ولم يلقه أحد من المسلمين. ويضع تاريخ هذه الغزوة في سنة 527 هـ، (1133 م) متفقاً بذلك مع الرواية النصرانية (1).
ولكن الرواية العربية من جهة أخرى تشير إلى غزوات ثلاث أخيرة قام بها الأمير تاشفين. وبالرغم من أنها تذكر لنا التاريخ والمكان في كل غزوة، فإنها لا تقدم لنا عنها تفاصيل شافية. وقد وقعت الأولى في سنة 530 هـ (1135 م)، وفيها التقى الأمير تاشفين بالقشتاليين في مكان يعرف " بفحص عطية " فهزمهم، وقتل منهم جموعاً غفيرة. وفي العام التالي أعني سنة 531 هـ (1136 م)، غزا الأمير تاشفين أرض قشتالة، واقتحم مدينة كَرَكى على مقربة من قلعة رباح فلم يجد بها أحداً.
وقد أورد لنا ابن الخطيب بهذه المناسبة أبياتاً نظمها الكاتب الكبير أبو عبد الله ابن أبى الخصال يمتدح فيها الأمير تاشفين، ويشير إلى موقعة كركى، وفيها يقول:
الله أعطاك فتحاً غير مشترك
…
ورد عزمك عن فوت إلى درك
أرسل عنان جواد أنت راكبه
…
واضمم يديك ودعه في يد الملك
قد كان بعدك للأعداء مملكة
…
حتى استدرت عليهم كورة الفلك
فما تركت كميا غير منفغر
…
ولا تركت نجيعاً غير منسفك
فصحبتهم جنود الله باطشة
…
والصبح من عبرات الفجر في مُسُك (2)
ووقعت الغزوة الثالثة في سنة 532 هـ (1137 م)، وكانت لمدينة
" أشكونية "(أو أشكلونة Escalona وفقاً لصاحب نظم الجمان) وقد كانت حسبما يقول لنا صاحب الروض المعطار من أعمال كورة تدمير أي مرسية (3). وهذا
(1) نظم الجمان (المخطوط السابق الذكر لوحة 72 أ)، والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 96).
(2)
ابن الخطيب في الإحاطة - مخطوط الإسكوريال السالف الذكر (لوحة 29).
(3)
الروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص 22 و 172.
ما لا يمكن قبوله لأن ولاية تدمير كانت كلها من الأراضي الإسلامية. بيد أن الرواية النصرانية تلقي بعض الضوء على أخبار هذه الغزوة ومكانها، فتقول لنا إن الأمير تاشفين، قام قبيل عبوره إلى العدوة باجتياح أراضي بلدتي وبذة، وألاركون، وهما من أعمال مقاطعة قونقة الواقعة على الحدود، ثم دخل قونقة وأخضعها. وكان أهلها قد أعلنوا الخروج والثورة وذلك في سنة 1137 م (1)، وتقول الرواية الإسلامية إن تاشفين دخل أشكلونة (ألاركون؟) عنوة، وقتل كل من كان بها وسبى نساءها، واحتوى على أسلابها. ومنها عدة من النواقيس العظيمة، ودخل قرطبة وبين يديه الأسلاب والغنائم، فكان يوماً مشهوداً. ثم تضيف الرواية إلى ذلك قولها إن الأمير تاشفين حمل من سبى هذه الغزوة عند عبوره إلى العدوة في نفس العام ستة آلاف سبية (2).
وأخيراً، فإن تاشفين قبيل مغادرته للأندلس، وحين خروجه من قرطبة قاصداً إلى العدوة، بلغه قيام النصارى بغزو منطقة جيان، فاستعد للسير إلى لقائهم.
وكان القشتاليون قد خرجوا في حشود عظيمة، وساروا نحو الوادي الكبير،
واقتربوا من بيّاسة وأبَّدة، وعاثوا في تلك المنطقة، واستعدوا لعبور النهر، ولكن الأمطار هطلت بشدة، واستمرت على هطلها عشرين يوماً حتى فاض النهر، وعجزت الخيل المغيرة عن عبوره، ووضع القشتاليون بعض المعادي فوق الماء، وحاولوا عبور النهر، فانكسر بعضها وغرق من كان فيها، وتبعهم قائد جيان فأوقع بجماعة منهم، وانصرف النصارى بعد أن هاجموا حصن شبيوطة من عمل أبدة وعجزوا عن اقتحامه. أما تاشفين فإنه لبث يترقب السير إلى الشمال، مدى أسابيع، والأمطار تهطل والسيول تغمر الطرق والبسائط وتعوقه عن السير.
فلما بلغه انصراف النصارى، ارتد من فوره صوب طريق العودة، وجاز البحر عائداً إلى حضرة مراكش، وكان ذلك في سنة 532 هـ (3).
- 2 -
ومما هو جدير بالذكر أن الأمير تاشفين، كان حينما ولاه أبوه شئون الأندلس عقب وفاة عمه أبى الطاهر تميم، قد اتخذ مقره في غرناطة، التي جعلتها الدولة
(1) A. P. Ibars: Valencia Arabe ; p. 478
(2)
نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 79). وروض القرطاس ص 107.
(3)
ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق الذكر).
المرابطية مركز الإدارة العامة لشئون الأندلس، وكان الحاكم العام المرابطي يعتبر أحياناً في نفس الوقت والياً لغرناطة، وكان من بين معاونيه يومئذ الكاتب والشاعر والمؤرخ البارع، أبو بكر يحيى بن محمد بن يوسف الأنصاري، المشهور بابن الصيرفي صاحب كتاب " الأنوار الجلية في تاريخ الدولة المرابطية ". تولى له منصب الكتابة، فحظى لديه وكانت له فيه مدائح جمة (1). بيد أنه لم تمض بضعة أعوام على تولي تاشفين لمنصبه، حتى صدر إليه مرسوم أبيه أمير المسلمين من مراكش في العشرين من رجب سنة 526 هـ (2)، بتعيينه والياً لقرطبة وبأن يجعل قرطبة " دار سكناه ومقر مثواه "، وأن يستخلف على غرناطة عند مغادرتها، أبا محمد الزبير بن عمر، ليقوم بالولاية على شئونها. وقد كان الزبير هذا من زعماء لمتونة المرموقين، ويشيد ابن الخطيب بذكره ويصفه " بندرة الزمان كرماً وبسالة، وحزماً وأصالة "(3). ويوصي أمير المسلمين ولده في هذا المرسوم الذي دبجه قلم الوزير الكاتب أبى عبد الله بن أبى الخصال بقوله: " وعلى مقرر ما درك من العمل، فازدد من التيقظ باتساع ذرعك، وامتداد مسعاك، واستعن بالله في إعلانك وإسرارك، وخذ من أوقات ليلك الأوقات المباركة، واجعل لنظرك حظاً من سهرك، ولفكرك مستمنحاً من يديك، على مستظهر عين المشورة في مواطن الاشتباه، فإن الله سبحانه يقول لرسوله: " وشاورهم في الأمر " (4). ويستفاد مما تقدم أن علي بن يوسف قرر أن ينقل مركز حكم الأندلس، من غرناطة إلى قرطبة لأسباب رآها، وهي أسباب ربما كانت سياسية وعسكرية في نفس الوقت.
ودخل تاشفين قرطبة والياً في شعبان من هذه السنة (526 هـ)، وعزل واليها السابق عبد الله بن قنونة، وسير إلى إشبيلية فاعتقل بها لأسباب لم توضحها الرواية، وذلك بالرغم من قرابته لأمير المسلمين (5).
(1) ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال 1673 الغزيري لوحة 415).
(2)
والظاهر أن ابن خلدون قد اعتبر أن هذا المرسوم، هو مرسوم تولية تاشفين ولاية الأندلس، ولذلك فإنه يضع تاريخ توليته لهذا المنصب في سنة 526 هـ (كتاب العبر ج 6 ص 186).
(3)
ابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 458.
(4)
نقل إلينا صاحب البيان المغرب بعض محتويات هذا المرسوم (وقد وردت في الأوراق المخطوطة السابقة الذكر - هسبيرس ص 95 و 96). وقد نشرنا في باب الوثائق بعض فقراته.
(5)
ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 72 أ).
وقد استوفينا فيما تقدم، ما وقفنا عليه من تفاصيل الغزوات والحروب التي قام بها الأمير تاشفين خلال وجوده في شبه الجزيرة. أما عن أعماله الإدارية وأسلوبه في الحكم، فلم نتلق الكثير. وقد لخص لنا ابن الصيرفي مؤرخ الدولة المرابطية، سيرته في ذلك في عبارات موجزة خلاصتها، أن الأمير تاشفين عنى منذ ولايته لشئون الأندلس بإصلاح الحصون، وسد الثغور، وإذكاء العيون على العدو، وتنظيم الجيش، واقتناء الخيل والسلاح، وتكوين فرق الرماة، وتوسيع الأرزاق على الجند، واستنهاض هممهم، كما عني بالغزو ومباشرة الحرب، فقام بعدة غزوات توجت بالظفر على العدو، وافتتح فيها عديد الحصون. وأما عن أسلوبه في الحكم، فإنه سار في حكم الأندلس وتمهيد أحوالها بالحزم، والتزم العدل في معاملة الرعية، وكذلك في معاملة الجند، فملك قلوب الجميع بعدله ورفقه، " ولم يكن منه إلا الجد، ولم تُنل عنده الحظوة إلا بالغناء والنجدة "(1).
وهذه أقوال يؤيدها صاحب البيان المغرب، ويجملها في قوله:" وساس (أي تاشفين) أهل الأندلس سياسة طار بها ذكره، من الاستقامة، واتباع ناموس الشريعة "(2).
وتنوه الرواية في نفس الوقت بصفات تاشفين الشخصية، فتقول لنا إنه " كان بطلا شجاعاً حسن الركبة والهيئة لولا بخل أخل به، وأنه كان يسلك طريق ناموس الشريعة، ويميل إلى طريقة المستقيمين، وقراءة كتب المريدين. وقيل إنه لم يشرب قط مسكراً، ولا استمع إلى قينة، ولا اشتغل بلذة صيد، ولا غير ْذلك مما يلهو به الملوك من ساير اللهو "(3). وينوه ابن الصيرفي بورعه وتقواه، وصيامه وقيامه (4).
- 3 -
لبث الأمير تاشفين والياً على الأندلس، وقائداً عاماً للجيوش المرابطية بها
(1) ابن الخطيب عن ابن الصيرفي، في الإحاطة ج 1 ص 456، وراجع أيضاً الحلل الموشية ص 90.
(2)
البيان المغرب في الأوراق المخطوطة المتقدمة الذكر.
(3)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 90)، والإحاطة ج 1 ص 456.
(4)
الإحاطة ج 1 ص 457.
حتى سنة 532 هـ (1137 م) وقيل بل حتى سنة 531 هـ (1). وهو إلى جانب مهامه الإدارية يضطلع بالغزوات المستمرة في أراضي النصارى حسبما فصلناه من قبل.
ثم وصلته أوامر أبيه أمير المسلمين بالعودة إلى المغرب، فعبر البحر إلى العدوة في أوائل جمادى الأولى من هذا العام (532 هـ)، ودخل مراكش في أول رجب، وفي ركبه عدد كبير من سبى غزوة أشكونية حسبما تقدم، فاستقبله أبوه أعظم استقبال، وسعد بلقائه أو " فرح به " على قول المؤرخ. وكان مما يتصل بذلك ما يرويه لنا ابن عذارى، من أن أمير المسلمين علياً، كان قد مرض في العام السابق (530 هـ)، واشتد به المرض، حتى كثرت الإشاعات، وساءت الظنون، وسرى القلق إلى بلاد الأندلس، فلما تلقى تاشفين خطاب والده بالعود، أسرع بالاستجابة والقفول (2). وفي العام التالي، أعني في سنة 533 هـ (1138 م) أصدر أمير المسلمين علي بن يوسف مرسوم ولاية عهده لولده الأمير تاشفين، عقب وفاة ولده الأكبر وولي عهده سير. وأخذ له البيعة بذلك وفقاً للقاعدة التي وضعها مؤسس الدولة المرابطية يوسف بن تاشفين، باختيار أمير المسلمين لولي عهده في حياته من بين أبنائه، وعقد البيعة له.
ولاختيار تاشفين لولاية العهد قصة فصلتها الرواية، وهي أنه في سنة 522 هـ اختار أمير المسلمين علي بن يوسف ولده الأمير سيراً لولاية عهده من بعده (3)، وجعل له الأمر في بقية حياته، واختار في نفس الوقت ولده الأمير تاشفين لولاية الأندلس، وولاه مدينة غرناطة وألمرية، ثم قرطبة بالإضافة إلى ما في يده.
وأبدى تاشفين في أداء مهام منصبه مقدرة وهمة مشكورة، وظهر بالأخص في ميدان الجهاد ضد النصارى، وذاع صيته في شبه الجزيرة وفي العدوة، فكبر ذلك على أخيه سير ولي العهد، وخاطب سير أباه في ذلك، وأعرب عن قلقه وامتعاضه لما ناله أخوه من بعد الصيت وحسن الذكر، وأنه قد غطى بذلك على اسمه، ونال إعجاب أهل المملكة، وأنه لم يبق له معه اسم ولا ذكر، فحاول أمير المسلمين أن يرضي ولده وولي عهده سير، باستدعاء أخيه تاشفين من الأندلس، ولما وصل تاشفين إلى مراكش، نظمه أبوه في حاشية أخيه " وصار من جملة من يتصرف بأمر أخيه، ويقف ببابه كأحد حجابه ". وكان علي بن يوسف متأثراً
(1)" روض القرطاس " ص 107. والإحاطة ج 1 ص 454 و 461.
(2)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 103).
(3)
ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 34 أ).
في هذا التصرف بنفوذ حظيته قمر أم ولده سير، وكان عظيم الإيثار والإرضاء لها، وهي التي حملته على عزل تاشفين وإخماله إرضاء لأخيه.
ولكن شاء القدر أن يتوفى سير فجأة وفي حادث مروع مشين معاً وذلك في أوائل سنة 533 هـ. وتلتزم الرواية الإيجاز والتحفظ في شأن هذا الحادث، ويقول لنا ابن عذارى، إن سيراً كان يركن إلى الراحة والبطالة، ويصطحب أهل الفكاهة والمجون، وأنه اقتحم ليلا على أخيه تاشفين في داره، فضربه حتى مات، وقيل غير ذلك. والظاهر، وهو ما تصرح به بعض الروايات، أن الأمر يتعلق بمحاولة مشينة، فإن ابن القطان يقول لنا، إن علي بن يوسف كان قد فتن بولده سير، وقدمه ولي عهده، ولم يكن أهلا لشىء، فعكف على البطالة، ودخل متسوراً على أخيه عمر يريد زوجته، فجرح جراحة عجلت منيته، فجزع عليه أبواه.
وكان مصرع سير على هذا النحو في آخر صفر سنة 533 هـ (1). وعندئذ تدخلت قمر مرة أخرى لتحمل عليّ بن يوسف على تقديم ولده الأصغر إسحاق لولاية العهد، وكانت قد تبنته وعنيت بتربيته عند موت أمه. ولكن علياً اعتذر بصغر سنه وبأنه لم يبلغ الحلم، وأنه سوف يستدعي الناس إلى الجامع لأخذ رأيهم في ذلك.
واستدعى علي الناس وأكابر المرابطين، وعرض عليهم الأمر، فهتفوا جميعاً باسم تاشفين، فنزل علي عند هذه الرغبة، وعقد البيعة بولاية العهد لولده تاشفين وذلك في الثامن من شهر ربيع الآخر، ونقش اسمه في السكة، وقلده النظر في الأمور السلطانية، وكتب إلى سائر بلاد العدوة والأندلس ببيعته، فوصلت البيعات من كل جهة مؤيدة للبيعة، ومؤرخة بشهر رجب سنة 533 هـ (1138 م)(2).
على أن استدعاء الأمير تاشفين من الأندلس إلى العدوة، ثم أخذ البيعة له على هذا النحو، لم يكن يرجع فقط إلى ما تقدم من العوامل والظروف، وإنما كان راجعاً بالأخص إلى ما وقع في تلك الأثناء بالمغرب، من تطورات وأحداث عظيمة، ترتبت على ظهور المهدي محمد بن تومرت، ودعوته الدينية الجديدة، وما تلاها من قيام دولة الموحدين في تينملّل، واضطرام الصراع المرير بينها وبين المرابطين. وهو ما سنعني بذكره وتفصيله في موضع آخر.
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 104)، وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 82 ب).
(2)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 104). وابن الخطيب عن ابن الوراق في الإحاطة ج 1 ص 454، 455.