المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابعالصراع بين ألفونسو المحارب وبين المرابطين - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٣

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌العصر الثالثعصرُ المرابطين والمُوَحّدينْ في المغرب والأندلس

- ‌القسْم الأولعصْر المُرابطين وبدَاية الدّولة الموحّدية

- ‌مقدمة

- ‌تمهيدالأوضاع العامة لشبه الجزيرة الأندلسية في عصر المرابطين والموحدين

- ‌الكِتاب الأولالدولة المُرابطية في أوج سُلطانها

- ‌الفصْل الأوّليوسف بن تاشفين

- ‌الفصْل الثانيأمير المسلمين علي بن يوسف وأحداث عصره

- ‌الفصل الثالِثسقوط سرقسطة

- ‌الفصل الرابعالصراع بين ألفونسو المحارب وبين المرابطين

- ‌الفصل الخامِسُالأمير تاشفين بن علي وغزواته وأعماله في شبه الجزيرة

- ‌الفصل السادِسشرق الأندلس

- ‌الكتابُ الثانيالمهْدي محمّد بن تومَرت والصِّراع بين المرابطين والموحّدين وقيام الدّولة الموحّدية بالمغرِب

- ‌الفصل الأوّلمحمد بن تومرت نشأته وظهوره

- ‌الفصل الثانيالصراع بين المرابطين والموحدين

- ‌الفصل الثالثعقيدة المهدي ابن تومرت وتعاليمه الدينية والسياسية

- ‌الفصل الرابعالصراع بين المرابطين والموحدين

- ‌الفصل الخامِسُنهاية الدولة المرابطية في المغرب

- ‌الفصل السادِسالدولة الموحدية في سبيل التوطد

- ‌الفصْل السّابعفتح المهدية وإجلاء الفرنج عن إفريقية

- ‌الكِتابُ الثالِثثورة القوى الوطنيّة بالأندلسْ وتغلّب الموحّدين على شبه الجزيرة

- ‌الفصل الأوّلالثورة في الأندلس وانهيار سلطان المرابطين

- ‌الفصل الثانيعبد المؤمن وشئون الأندلس وافتتاح إشبيلية وقرطبة وغرناطة وألمرية

- ‌الفصل الثالثالثورة في شرقي الأندلس وظهور محمد بن سعد بن مردنيش

- ‌الفصل الرابعأعوام عبد المؤمن الأخيرة وفاته وخلاله

- ‌الكتابُ الرابعنظم الدّولة المرابطيّة وخواصّ العهْد المرابطيّ

- ‌الفصل الأوّلطبيعة الحكم المرابطي وأوضاعه العسكرية والإدارية والمالية

- ‌الفصل الثانيْالحركة الفكرية الأندلسية خلال العهد المرابطي

- ‌الفصل الثالثالحركة الفكرية الأندلسية خلال العهد المرابطي

- ‌الكتابُ الخامِسالممَالك الإسْبانيّة النصْرانية خلال العصْر المُرابطي وأوائل العصْر الموحّدي

- ‌الفصْل الأوّلألفونسو المحارب وأورّاكا ملكة قشتالة وبداية عهد ألفونسو ريمونديس

- ‌الفصل الثانيالممالك الإسبانية النصرانية في عصر القيصر ألفونسو ريمونديس وقيام مملكة أراجون الكبرى

- ‌الفصل الثالثقيام مملكة البرتغال وبداية عصر ملكها ألفونسو هنريكيز

الفصل: ‌الفصل الرابعالصراع بين ألفونسو المحارب وبين المرابطين

‌الفصل الرابع

الصراع بين ألفونسو المحارب وبين المرابطين

النصارى المعاهدون. موقفهم من الحكومة الإسلامية. تحفزهم للإيقاع بالمسلمين. نصارى غرناطة. هدم كنيستهم في قولجر. اتصالهم بألفونسو المحارب وتحريضه على غزو الأندلس. خروج أفونسو إلى الغزو. اختراقه أراضي الثغر إلى بلنسية. مسيره إلى جزيرة شقر فدانية فشاطبة. اختراقه لأراضي مرسية حتى بسطة ثم وادي آش. تأهب المرابطين لرد النصارى وإحاطتهم بغرناطة. وصف ابن الصيرفي لأحوال المدينة. انضمام المعاهدين للجيش الأرجوني. مسير ألفونسو نحو الشمال. ملاحقة الجيوش المرابطية له. نشوب المعركة في فحص الرنيسول بين المسلمين والنصارى. مسير ألفونسو إلى الجنوب حتى شلوبانية. عوده صوب غرناطة فوادي آش. المناوشات المستمرة بينه وبين المرابطين. اتجاهه نحو مرسية فبلنسية. انحلال قواته وعوده إلى بلاده. ما تدل عليه غزوة ألفونسو المحارب. ضعف الدفاع عن الأندلس. خطر النصارى المعاهدين. معاقبتهم بالتغريب وفقاً لفتوى ابن رشد. التعتيب والأسوار بالأندلس. نشاط الغزو النصراني بالثغر الأعلى. عودة ألفونسو المحارب إلى غزو أراضي بلنسية. موقعة القلاعة. رواية ابن القطان. الوثاثق الرسمية المرابطية عن الموقعة. كتاب أمير المسلمين لأهل بلنسية. ألفونسو يشغل بالحرب في قشتالة وفرنسا. نشاط المرابطين في غزو أراضي الثغر. تحفز ألفونسو لافتتاح قواعد الثغر الباقية. زحفه عل مكناسة واستيلاؤه عليها. زحفه على مدينة إفراغة. مبادرة المرابطين إلى مدافعته. محاصرته لإفراغه وتصميمه على أخذها. وصول الجيوش المرابطية بقيادة ابن غانية. نشوب المعركة الحاسمة بين الفريقين تحت أسوار إفراغة. الهزيمة الساحقة على النصارى. موت ألفونسو المحارب وما يقال حوله. أهمية النصر المرابطي وآثاره. ألفونسو المحارب وخلاله. تأملات حول موقف المرابطين بعد نصر إفراغة. بنو هود يستقرون في روطة. عماد الدولة بن هود. ولده سيف الدولة. انضواؤه تحت حماية ملك قشتالة. نزوله له عن قاعدة روطة. بعض الروايات الخاصة بذلك. نهاية رياسة بني هود.

1 -

غزوة ألفونسو الكبرى للأندلس

لم تمض بضعة أعوام على سقوط سرقسطة، حتى وقعت بالأندلس حادثة عدوان لم يسبق لها مثيل في تاريخ الغزوات النصرانية، من حيث اتساع نطاقها، وخطورة العوامل الموجهة لها، ونعني بذلك الغزوة الكبرى التي قام بها ألفونسو المحارب ملك أراجون في قلب الأندلس، بناء على تحريض النصارى المعاهدين. ولقد تحدثنا من قبل، في كتابنا " دول الطوائف " عن أحوال النصارى المعاهدين، وظروف حياتهم في ظل الحكومات الإسلامية المتعاقبة، منذ عصر الإمارة والخلافة، ثم في ظل دول الطوائف، وأشرنا إلى ما كانت تتمتع به

ص: 105

طوائف المعاهدين، في ظل هذه الحكومات الإسلامية، من ضروب الرعاية والتسامح، والتمتع بمزاولة شعائرهم، وتقاليدهم، والاحتكام إلى قوانينهم وقضاتهم، والتحدث بلغتهم الخاصة، دون حيف أو ضغط متعمد يلحق بهم، ودون مطاردات دينية من أي نوع تعصف بأمنهم وسلامهم، وأنهم كانوا يؤلفون في مختلف القواعد الإسلامية، في مجتمعات متقدمة مزدهرة، ويشغلون في أحيان كثيرة في القصر وفي الحكومة، مناصب النفوذ والثقة، وإن كانت التواريخ النصرانية تؤثر مع ذلك كله أن تقدم إلينا مجتمع المعاهدين في صور قاتمة، وتزعم بأنهم كانوا ضحية الجور والإرهاق، يعانون من ضغط الحكومة الإسلامية المادي والأدبي، في صور وأوضاع شتى.

وقد أشرنا في نفس الوقت إلى ما كان يتسم به أولئك النصارى المعاهدون من نكران الصنيعة، وعدم الولاء للحكومات الإسلامية، بالرغم مما كانت تحيطهم به من ضروب الرعاية والتسامح، وكيف أنهم لم يدخروا دائماً وسعاً في الكيد لها، والتآمر على سلامتها، ومداخلة أعدائها النصارى الإسبان، وتحريضهم عليها، ومعاونتهم على الإيقاع بها في كل فرصة سانحة، وضربنا لذلك عديد الأمثلة التاريخية، التي تسجل على النصارى المعاهدين أعمال الخيانة والغدر، والتآمر مع أعداء الأندلس المسلمة على القضاء عليها (1).

ولما سقطت سرقسطة في أيدي النصارى، وتوالت انتصارات ألفونسو المحارب، وتوالت محن المسلمين في الثغر الأعلى، وظهر التخاذل على الجيوش المرابطية، أخذت طوائف المعاهدين في التحفز، ولاح لها أنها تستطيع أن تعمل عملا مثمراً لضرب الأندلس، بالتفاهم مع عاهل الثغر الأعلى، وإمداده بما وسعوا من ضروب الإمداد والعون.

وكان أشد طوائف المعاهدين نشاطاً في تدبير هذه المؤامرة الكبرى، نصارى ولاية غرناطة، وكانوا من أكبر طوائف المعاهدين عدداً، وأغناهم مالا، وأكثرهم ازدهاراً ومقدرة ونفوذاً، وكانت لهم خارج غرناطة، تجاه باب إلبيرة، في طريق قرية قولجر، كنيسة عظيمة شامخة، فريدة في العمارة والطراز، فما استولى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين على غرناطة، خاطبه الفقهاء في

(1) يراجع الفصل الخاص بذلك من كتاب " دول الطوائف " ص 395 - 401.

ص: 106

هدمها لما يدلي به صرحها الشامخ من تطاول المعاهدين، فأمر بتحقيق رغبتهم، وخرج أهل غرناطة لهدم الكنيسة المذكورة، في آخر جمادى الآخرة سنة 492 هـ، فصيرت في الحال ركاماً، وغدت قاعاً صفصفاً (1).

ويحاول دوزي أن يصور هذا الحادث - هدم الكنيسة - في صورة اضطهاد عام أنزله المرابطون بالنصارى المعاهدين، ويقول لنا إن هذا الاضطهاد شمل هدم الكنائس بصفة عامة، وشمل أيضاً أشياء أخرى لا يستطيع أن يتكهن بها، لأن الرواية الإسلامية تلتزم الصمت إزاء ذلك، ومن ثم فإنه يحاول أن يصور لنا استدعاء النصارى المعاهدين لألفونسو المحارب في صورة الإستغاثة والانتقام لما نزل بهم من صنوف الاضطهاد المضني (2). ويتابعه في هذا المعنى المستشرق الإسباني سيمونيت، فيقول لنا إن نصارى مملكة غرناطة، كان قد وقع عليهم اضطهاد شديد من جراء تعصب المرابطين، فهدمت كنائسهم، وطورد قساوستم وانتهكت رسومهم، وبعد أن صبروا على هذا الاضطهاد أعواماً، اعتزموا أن يطلبوا عون الملك ألفونسو المحارب، وكان قد اشتهر في أنحاء شبه الجزيرة بقوته وفتوحاته وانتصاراته ضد الكافرين (يريد المسلمين)(3). ولكن سنرى أن هذا الاستدعاء لملك أراجون، وما اقترن به من صنوف الاستعداد والتحفز الخطر، لم يكن كما قدمنا، سوى مؤامرة كبرى دبرها النصارى المعاهدون لضرب الأندلس المسلمة في الصميم.

ذلك أنه لما ترددت أصداء انتصارات ألفونسو المحارب، في جنبات الأندلس، وشعر المعاهدون بأن فرصة العمل قد سنحت، بعثوا إليه بكتبهم ورسلهم المتوالية، يلحون عليه في غزو الأندلس وافتتاح غرناطة. وقد كانت غرناطة حسبما تقدم قاعدة الحكم المرابطي في الأندلس، وكان لهذه الصفة فيما يبدو أثرها في قيام المعاهدين بها، بالدور الرئيسي في هذه المؤامرة. وبعث أولئك المعاهدون إلى ألفونسو زماماً يشتمل على أسماء اثنى عشر ألفاً من أنجاد مقاتليهم، على أهبة لمعاونته، وأنه يوجد غيرهم جموع غفيرة مستترة على قدم الأهبة، وبعثوا إليه في نفس الوقت بأوصاف غرناطة، وما تشتمل عليه من الثروات والمحاصيل الجمة،

(1) الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (القاهرة 1956) ج 1 ص 114.

(2)

Dozy: Recherches. V. I. p. 348 & 349

(3)

F. J. Simonet: Historia de los Mozarabes de Espana، p. 745

ص: 107

والعيون والأنهار الغزيرة، وما تمتاز به من حسن الموقع، وروعة العمارة، وازدهار العمران، وكونها عاصمة الأندلس. وكان لهذه الدعوة المقرونة بالعون والإنجاد، وهذا الإغراء بصفات الحاضرة الإسلامية التالدة، أثرها في نفس ألفونسو المحارب، وفي شحذ همته، وإذكاء أطماعه، وكان يشعر عندئذ أن الظروف ممهدة، وأن تضعضع قوى المرابطين منذ موقعة كتُندة، مما يسهل له السبيل إلى اختراق الأندلس، وتحقيق الغاية المنشودة.

فخرج من سرقسطة في أول شعبان سنة 519 هـ (سبتمبر سنة 1125 م) في قوة مختارة من أربعة آلاف، وقيل في خمسة آلاف فارس مع أتباعهم من من الرجّالة والرماة، وقد بلغوا خمسة عشر ألفاً، وكان معه الكونت جاستون دي بيارن الذي اشترك في حملة سرقسطة، وفي ركبه عدد من رجال الدين في مقدمتهم أسقفا سرقسطة ووشقة، وقد تعاهدوا جميعاً وتحالفوا بالإنجيل على ألا يفر أحد منهم (1)، وهكذا كان للحملة طابعها الصليبي، الذي طبع سائر الغزوات والحملات النصرانية، منذ حصار سرقسطة. وسار ألفونسو بحملته شرقاً، واخترق أراضي لاردة وإفراغه الإسلامية، وهو يعيث فيها، ثم انحرف جنوباً ودخل أراضي مملكة بلنسية، وهو ينسف الزروع ويحرق القرى، وقاومته في بلنسية قوة مرابطية، بقيادة أبى محمد يدّر بن ورقاء (أواخر شهر رمضان)، وكان من الصعب أن تجتمع القوات المرابطية للوقوف في وجهه، لأنه حرص على إخفاء وجهته الحقيقية، ولبث طول الوقت متحركاً في قواته. وفي أثناء ذلك كانت جموع المعاهدين تهرع إلى الانضمام إليه حيثما وجد، حتى اجتمعت له أعداد وفيرة، وكانوا يدلونه على الطرق والمسالك، ويكشفون له مواطن الضعف لدى المسلمين، في المدن والحصون التي يمر بها. ولما غادر بلنسية سار منها إلى جزيرة شُقْر فقاتلها أياماً، ثم رحل منها إلى دانية، فعاث في واديها، وقاتلها ليلة عيد الفطر من هذه السنة، واستمر في مسيره مخترقاً شرقي الأندلس مرحلة مرحلة، ومنازلا سائر قواعده وحصونه، ماراً بشاطبة، وألش وأوريولة، حتى وصل إلى مرسية، ثم اجتاز منها إلى بيرة، فالمنصورة، فبرشانة، حيث توقف أياماً.

ثم سار إلى مدينة بسطة، وحاول منازلتها وافتتاحها، لسهولة موقعها، وضعف

(1) الحلل الموشية ص 67. وهو الذي يأخذ بالتقدير الأول. ويأخذ ابن عذارى في البيان المغرب بالتقدير الثاني (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 83).

ص: 108

خريطة:

خط سير الذهاب والعودة لغزوة ألفونسو المحارب للأندلس سنة 519 - 520 هـ.

ص: 109

تحصيناتها، ولكنه لم ينجح، فغادرها إلى وادي آش، ونزل بقرية القصر القريبة منها، وأخذ ينازل منها وادي آش، ويقاتلها أياماً، وذلك في أوائل شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، واستمر في محاولته زهاء شهر، ولكنه لم ينل منها مأرباً.

وهنا نجد وصفاً دقيقاً لبقية هذه الغزوة الجريئة في أقوال مؤرخ غرناطي معاصر تقريباً، هو أبو بكر ابن الصيرفي في كتاب الدولة المرابطية ومؤرخها في كتابه " الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية "، وهو مؤلف لم يصل مع الأسف إليا، ولم نتلق منه سوى شذور يسيرة، على يد بعض المؤرخين اللاحقين، مثل ابن عذارى، وابن الخطيب، وصاحب الحلل الموشية (1).

يقول لنا ابن الصيرفي، إنه لما اقترب ألفونسو المحارب بقواته من غرناطة، تناجي النصارى المعاهدون بغرناطة باستدعائه، فافتضح تدبيرهم، وهمّ أميرها باعتقالهم، فأعياه ذلك، وتسلل المعاهدون من كل صوب إلى محلة الغزاة، وكان المشرف على شئون الأندلس يومئذ الأمير أبو الطاهر تميم، وقاعدته كما هو معروف بغرناطة، فحشد سائر قواته، وأمده أخوه أمير المسلمين على بجيش وفير، وكان حينما سمع بعدوان ابن رذمير، قد أمر بإعداده في العدوة، وعبوره إلى الأندلس على وجه السرعة، وانضمت إليه قوات مرسية وإشبيلية، وأحاطت الجيوش المرابطية الجرارة بغرناطة، حتى صارت كالدائرة، وصارت المدينة في وسطها كالنقطة. وتحرك ألفونسو من وادي آش، ونزل قرية دجمة غربي وادي آش، في منتصف المسافة بينها وبين غرناطة، فاشتد القلق بغرناطة، وصلى الناس صلاة الخوف يوم عيد النحر، واستعدوا بالسلاح. ويصف ابن عذارى حال غرناطة في قوله: " وجاءت الطلائع منبئة .. وانقطعت السابلة والواردة،

(1) ترجم لنا ابن الخطيب لابن الصيرفي في الإحاطة، فقال هو " يحيى بن محمد بن يوسف الأنصاري يكنى أبا بكر ويعرف بابن الصيرفي، من أهل غرناطة، كان نسيج وحده في البلاغة والجزالة والتبريز في أسلوب التاريخ والتملي من الأدب والمعرفة باللغة والخبر. قال أبو القاسم (الملاحي)، من أهل المعرفة بالأدب والعربية واللغة والتاريخ، ومن الكتاب المجيدين والشعراء المطبوعين المكثرين. كتب بغرناطة عن الأمير أبى محمد تاشفين، وله فيه نظم حسن. وألف في تاريخ الأندلس كتاباً سماه " الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية "ضمنه العجائب إلى سنة ثلاثين وخمسمائة، ثم وصله إلى قرب وفاته. وكتاباً آخر في ذلك سماه " قصص الأنبياء، وسياسة الرؤساء ". توفي بغرناطة في حدود السبعين وخمسمائة (مخطوط الإحاطة بمكتبة الإسكوريال رقم 1673 الغزيري لوحة 415).

ص: 110

وقلت المرافق، وتزاحم الناس في المدينة [وسكنت] المساجد والمصاطب، والرحاب، وكثر الجزع والإرجاف والموجان .. والأسوار معمورة بأهل البلدة، وليس في الدور غير الصبية والنسوة " (1). وفي ظهر اليوم التالي وصل النصارى إلى مقربة من شرق المدينة، وكان عددهم قد بلغ عندئذ زهاء خمسين ألفاً، ونشب القتال بينهم وبين المسلمين. قال ابن الصيرفي: " وتوالى الحرب على فرسخين منها، وقد أجلى السواد، وتزاحم الناس بالمدينة، وتوالى الجليد، وأظلت الأمطار ". ولبث ألفونسو بحملته بضع عشرة ليلة، وهو ملتزم السكون بسبب الجليد والأمطار، والمعاهدون يمدونه بالأقوات والمؤن. ثم أقلع عن غرناطة، وقد ارتفع طمعه عنها، لما لمسه من وفرة الجيوش المدافعة عنها، وذلك في يوم 26 ذي الحجة سنة 520 هـ (21 يناير سنة 1127 م)، وأنحى ألفونسو باللائمة على المعاهدين، وزعيمهم ابن القلاّس، لتقاعسهم، وعدم وفائهم بما التزموه، فردوا اللوم إليه، واحتجوا ببطئه وتلومه حتى تلاحقت الجيوش، وأنهم قد أضحوا بذلك عرضة للهلاك على يد المسلمين. وسار ألفونسو إلى قرية مرسانة، ثم إلى بيش (2) ثم اتجه شمالا إلى قلعة يحصب، ثم انحدر غرباً نحو قبرة واللسانة (3) والجيوش الإسلامية تلاحقه، وتناوشه في معارك صغيرة، وكانت قوات إشبيلية قد تحركت عندئذ بقيادة واليها الأمير أبى بكر ابن أمير المسلمين، وانضمت إلى باقي الجيوش المرابطية في مطاردة العدو. ثم أقام ألفونسو بقبرة أياماً، وسار منها إلى بلاي (4) فاللسانة ثم انحدر جنوباً، والمسلمون في أثره حتى قرية شيجة (5) القريبة من غرناطة، وهنالك في فحص الرينسول (6) وقعت بينه وبين المسلمين معركة، كان فيها الظهور في البداية للمسلمين. ولما جن الليل وقع في المعسكر الإسلامي حادث أثار فيه الاضطراب. وذلك أن الأمير تميماً أمر بنقل خبائه، من وهدة

(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 84).

(2)

مرسانة وبالإسبانية Maracena وبيبش وبلإسبانية Beas قريتان من أعمال غرناطة تقع الأولى في شمالها الشرقي والأخرى في شمالها الغربي.

(3)

قلعة يحصب هي اليوم بالإسبانية Alcala la Real، وقبرة هي Cabra، واللسانة هي Lucena.

(4)

هي قرية Poley القديمة، وتسمى اليوم Aguilar

(5)

شيجة هي قرية Espejo الإسبانية.

(6)

فحص الرينسول أو أرنسول يقع جنوبي غرناطة وبالإسبانية Arinsol.

ص: 111

كان فيها إلى نجدة، فظن الناس أنه ينوي الانسحاب، فاختل الأمر، وكثر الفرار، وفي الغد هجم النصارى على محلة المسلمين، واستولوا عليها، ووقعت الهزيمة على المسلمين (مارس سنة 1127 م).

وسار ألفونسو بعد ذلك في قواته نحو الجنوب الشرقي، واخترق جبال سييرّا نفادا (جبل الثلج)، وانحدر إلى الشاطىء نحو وادي شلوبانية العميق المتحصن المجاز، ويروى أنه قال عند رؤيته:" أي قبر هذا لو ألفينا من يرد علينا التراب ".

ثم سار غرباً نحو مدينة بلِّش مالقة، وأنشأ بها مركباً صغيراً يصيد له حوتاً، أكل منه " كأنه نذر كان عليه وفي به، أو حديث أراد أن يخلد عنه ". ثم عبر جبال سييرّا نفادا مرة أخرى، عائداً إلى غرناطة، وعسكر بقرية دلر على مقربة منها، ثم انتقل منها إلى قرية هَمْدان الواقعة في جنوبها، وهنالك وقعت بينه وبين المسلمين معركة شديدة ثم انتقل بعد يومين إلى " المرج " La Vega، وفرسان المسلمين في أثره تضيق عليه، ثم نزل بعين أطسة، وهي على أتم الأهبة والحذر، وسار بعد ذلك إلى وادي آش، وقد أصيب كثير من عسكره، خلال المناوشات العديدة التي وقعت بينه وبين المسلمين، ولما رأى أنه لم يحقق بغزوته الطويلة المدى، أي هدف يذكر، عول على العود إلى بلاده، فاتجه شرقاً نحو مرسية، فشاطبة فبلنسية، وقد لحق بعسكره خلال السير نحو عشرة آلاف من النصارى المعاهدين، الذين فروا من مواطنهم خيفة الانتقام والهلكة، هذا والعساكر الإسلامية تلاحقه في كل موطن، والوباء يعصف بعسكره، حتى وصل إلى بلاده مفلولا، قد حطمه وجنده الإعياء والوهن، وذلك بعد أن أنفق في غزوته خمسة عشر شهراً، وهو مع ذلك، " يفخر بما ناله في سفره من هزيمة المسلمين، وفتكه في بلادهم وكثرة ما أسر وغنم "(1).

تلك تفاصيل غزوة ألفونسو المحارب الشاملة، لأقطار الأندلس الشرقية والجنوبية، وهي قد انتهت بعد المعارك والمناوشات العديدة، التي خاضها مع المسلمين، إلى فشل مطبق، ولم يحقق ملك أراجون من ورائها أية نتيجة عملية.

(1) راجع في تفاصيل غزوة ألفونشو المحارب للأندلس، الحلل الموشية ص 66 - 70، وابن الخطيب في الإحاطة (القاهرة 1956) ج 1 ص 116 - 119، وكلاهما ينقل رواية ابن الصيرفي مفصلة. وابن عذارى في البيان المغرب، وهو يقدم لنا نفس الرواية. ولكن مزيدة بمعلومات وتفاصيل أخرى (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 84 و 85). وراجع ابن الأثير ج 10 ص 224.

ص: 112

ولكنها مع ذلك قد كشفت عن حقيقة هامة، وهي أن نظم الدفاع عن الأندلس، لم تكن يومئذ وفق ما يجب من المتانة والإحكام، وأن خطط القيادة المرابطية، منذ نكبة سرقسطة لم تكن كفيلة، بردع عدوان الممالك النصرانية. ولم يكن أدل على هذه الحقيقة من أن ملكاً من ملوك اسبانيا النصرانية، استطاع أن يخترق الأندلس من الثغر الأعلى، حتى شاطى البحر المتوسط، دون أن تستطيع قوة إسلامية، مرابطية أو غيرها، أن تقف في سبيله.

وثمة حقيقة أخرى كانت جديرة بالاعتبار، وهي أن النصارى المعاهدين الذين يعيشون في ظل الحكومة الإسلامية، ويتمتعون برعايتها، لم يكونوا يشعرون نحوها بذرة من الولاء، بل كانوا يمثلون خطراً داخلياً على الأندلس، ولا يدخرون وسعاً في الكيد لها، وممالأة أعدائها، وتحريضهم على التنكيل بها، وقد سبق أن أشرنا من قبل في كتابنا " دول الطوائف " إلى هذه الحقيقة، وبينا كيف كانت الأحقاد والشكوك، تحيط بمجتمع المعاهدين، وبالأخص منذ سقوط طليطلة، وكيف أن بعيدي النظر من الوزراء والفقهاء، كانوا ينصحون بالحذر منهم، ويدعون إلى ردعهم والتضييق عليهم، كما فعل الوزير الكاتب عبد المجيد بن عبدون في رسالته عن الحسبة (1). ولقد كانت دعوة المعاهدين لألفونسو المحارب، ومعاونتهم له في غزو الأندلس، على هذه الصورة البعيدة المدى، تمثل بالنسبة لهم ذروة الجحود والاجتراء والخيانة، ومن ثم فقد كان لابد من أن يحدث موقفهم أسوأ الأثر في الأمة الأندلسية والحكومة الإسلامية، وكان لابد أن تتخذ في حقهم إجراءات رادعة، تكفل قمع دسائسهم وعدوانهم بصورة حاسمة. وهذا ما حدث بالفعل عقب انتهاء غزوة ألفونسو المحارب، فإن ما حدث على أثرها من بوادر السخط على المعاهدين، والتوجس من مكائدهم، حمل كبير الجماعة في قرطبة القاضي أبا الوليد بن رشد، على أن يعبر البحر إلى المغرب، ثم قصد إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بمراكش، وشرح له أحوال الأندلس، وما منيت به على يد المعاهدين، وما جنوه عليها من استدعاء النصارى، وما يترتب على ذلك من " نقض العهد والخروج على الذمة "، وأفتى بتغريبهم ووجوب إجلائهم عن أوطانهم، وهو أخف ما يؤخذ به في عقابهم. فأخذ أمير المسلمين بهذه الفتوى، وصدر عهده إلى جميع بلاد الأندلس، بتغريب المعاهدين إلى العُدوة

(1) كتاب " دول الطوائف " ص 399 و 400.

ص: 113

(المغرب)، فنفيت منهم جموع غفيرة، وسيق الكثير منهم إلى مكناسة، وسلا وغيرهما من بلاد العدوة، " وهلك منهم خلال العبور والسفر عدد جم، وتفرقوا شذر مذر، وضم أمير المسلمين منهم عدداً إلى حرسه الخاص، امتازوا فيما بعد بالإخلاص والبراعة. على أن هذا التغريب لم يكن شاملا، فقد بقيت في غرناطة وفي قرطبة وفي غيرهما من القواعد، جماعات من النصارى المعاهدين، لأسباب مختلفة، لتنمو وتزدهر مرة أخرى. وقد وقع تغريب المعاهدين في شهر رمضان سنة 521 هـ (أواخر سنة 1127 م) وكانت نكبة بالغة لم يصب المعاهدين مثلها منذ بعيد (1).

وينوه المستشرق سيمونيت بما أصاب المعاهدين من جراء هذا النفي من الآلام والمحن، ويقول أن العناية الإلهية شاءت أن ترد هذه القسوة، بما أنزل بعد ذلك بقرون بالموريسكيين أو العرب المتنصرين عند نفيهم من اسبانيا من قسوة مماثلة.

وهذه مقارنة غير موفقة، لأن ما أنزلته اسبانيا بالموريسكيين قبل النفي وخلاله، من ضروب القسوة المروعة، يندر أن نجد له مثيلا في صحف الاستشهاد القومي.

2 -

التعتيب والأسوار

وقد كانت سنة 520 هـ، هذه وهي التي وقعت فيها غزوة ألفونسو المحارب والنصارى المعاهدين للأندلس، واشتدت في نفس الوقت حركة محمد بن تومرت المهدي بالمغرب، سنة التحصينات، والمنشآت الدفاعية، سواء في المغرب أو الأندلس. فأما في المغرب، فقد شرع أمير المسلمين علي بن يوسف في تسوير حاضرته مراكش، وكانت حين إنشائها في سنة 462 هـ، قد أقيم السور فقط حول المسجد والقصبة اللتين ابتناهما يوسف بن تاشفين. وبقيت المدينة ذاتها دون أسوار تحميها. وكان الذي أشار على أمير المسلمين بتسويرها، القاضي أبا الوليد ابن رشد، حينما اشتدت حركة المهدي، واستفتى أمير المسلمين فقهاء المغرب، والأندلس في أمره، فأفتى ابن رشد بوجوب إنشاء أسوار للمدينة، تقوم بحمايته وحماية الساكنين معه. وشرع أمير المسلمين في بناء أسوار مراكش في جمادى الأولى

(1) يراجع في ذلك الحلل الموشية ص 66 و 70، وابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 119 و 120، والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 86). وأشباخ في " تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين " (الطبعة الثانية) ص 147 - 150. وراجع: F. J. Simonet Historia de los Mozarabes (Madrid 1896) p. 746-751

ص: 114

سنة 520 هـ (1126 م) وهذه هي رواية صاحب الحلل الموشية وابن عذارى (1).

ويضع ابن القطان رحلة ابن رشد إلى مراكش وبناء سورها وفقاً لنصحه في سنة 522 هـ. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، ويتابعه ابن خلدون إن بناء أسوار مراكش كان في سنة 526 هـ (2). والرواية الأولى أرجح فيما يبدو، لأن القاضي ابن رشد توفي في أواخر سنة 520 هـ (أواخر سنة 1126 م). وحشد أمير المسلمين جموعاً غفيرة من الفعلة والصناع فتم بناء السور في نحو ثمانية أشهر. كما تم بناء الجامع ومناره. وبلغت النفقة على السور وحده سبعين ألف دينار من الذهب العين، ثم أصلح هذا السور، وأنشئت به أبراج جديدة وزيد فيه حتى شمل مقابر المدينة، وذلك في سنة 530 هـ. وبعث أمير المسلمين علي بن يوسف في الوقت نفسه، كتابه إلى الأندلس، بوجوب إنشاء الأسوار، فأرجىء النظر في ذلك حتى صرف الأمير تميم عن ولاية الأندلس وجاز إلى مراكش وهنالك توفي، وقُدِّم أبو عمر ينالة اللمتوني على غرناطة، وقدم أبو حفص عمر بن أمير المسلمين على قرطبة. وعمد ينالة إلى تعتيب غرناطة وفرض " المعتب "(إتاوة الدار) على سائر أهلها، واشتد في تحصيل المال، وأصلحت الأسوار وأكملت في أقرب وقت. ثم جاء سيل شديد فصدم الأسوار، وسقطت منها أجزاء كبيرة مما يلي باب الرملة وباب إلبيرة، وهلك كثير من الناس. وتولى أهل قرطبة إصلاح أسوارهم ورمِّها على سالف عادتهم، دون تعتيب ودون ضغط. وكذلك فعل أهل إشبيلية نحو أسوارهم، فجمعت النفقة بأيسر أمر، ودون أجحاف، وأقيمت الأسوار وأصلحت.

وتولى النظر في إصلاح أسوار ألمرية رجل من أهلها يعرف بابن العجمي، فاستعمل الحزم والرفق معاً، وأبدى الناس إقبالا على أداء الإتاوة المطلوبة، وأصلحت الأسوار وأكملت دون ضغط ولا إرهاق.

واستمر ينالة اللمتوني، والياً على غرناطة، حتى عزل عنها في جمادى الأولى سنة 522 هـ، أي بعد سنة وتسعة أشهر. وكان ظلوماً جائراً، وكان من أعمال ظلمه أن استدعى فقهاء جيّان وعلماءها إلى غرناطة، ثم قبض عليهم، وأودعهم السجن دون جريرة، وسار إلى الغزو في شرقي الأندلس، وتركهم في المطبق،

(1) الحلل الموشية عن 70 و 71، وابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر هسبيرس ص 86)، ونظم الجمان (المخطوط لوحة 33 ب).

(2)

روض القرطاس ص 89، وابن خلدون ج 6 ص 184، وفي كتاب " الإستبصار في عجائب الأمصار " أن سور مراكش قد أنشىء في سنة 514 هـ وهي رواية ضعيفة (ص 209).

ص: 115

فلما نمى ذلك إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، أمر بعزله، وعين ولده أبا حفص عمر والي قرطبة والياً لغرناطة. فلما وصل إلى غرناطة بادر بالإفراج عن الفقهاء والعلماء المعتقلين، وردهم إلى بلدهم مكرمين، واستراح الناس من ظلم ينالة وجوره (1).

3 -

موقعة القلاعة

لما عاد ألفونسو المحارب من حملته الأندلسية الفاشلة، عاد إلى استئناف ْنشاطه في أراضي الثغر ضد المرابطين. وكان المسلمون ما يزالون يحتلون من الثغر الأعلى، المنطقة الواقعة شرقي سرقسطة، فيما بين نهري سنكا وسجرى فرعي إبرة، وأهم قواعدها لاردة وإفراغة ومكناسة الواقعة عند ملتقى إبرة وسجرى، وكذلك المنطقة الممتدة بعد ذلك على طول نهر إبرة، حتى مصبه عبر ثغر طرطوشة، وكان ألفونسو يرمي إلى إجلاء المسلمين عن هذه المنطقة، حتى يكفل اتصال مملكته بالبحر المتوسط عن طريق ثغر طرطوشة الهام. وكان ثغر طرّكونة الواقع شمال طرطوشة، قد سقط في أيدي النصارى قبل ذلك بنحو أربعين عاماً.

ونحن نذكر أن هذا الثغر كان من أعمال مملكة سرقسطة أيام بني هود، وأنه لما توفي المقتدر بن هود في سنة 474 هـ (1081 م) قسمت مملكته بين ولديه يوسف المؤتمن وأخيه المنذر، وأن المنذر بن هود اختص بالجانب الشرقي من مملكة سرقسطة وفيه ثغر طرّكونة وطرطوشة. تم توفي المنذر بن هود في سنة 483 هـ (1090 م) وخلفه ولده الطفل سليمان الملقب بسعد الدولة، وكان الكونت رامون برنجير الثاني أمير برشلونة، ومن ورائه أحبار قطلونية، يتوقون إلى انتزاع ثغر طرّكونة من المسلمين وإعادته كما كان مركزاً رئيسياً للكنيسة القطلونية، فكتبوا بذلك إلى البابا أوربان الثاني، وهو محرك الحرب الصليبية الأولى في المشرق، فشجع مشروعهم وباركه، وأسبغ عليه الصفة الصليبية، وأصدر طائفة من المنح والمزايا الدينية لمن يشتركون في هذه الحملة. وكتب إلى سائر الأمراء والبارونات والفرسان ورجال الدين، في البلاد المجاورة، يحثهم على الاشتراك في هذه الحرب المقدسة، وهكذا جهزت حملة صليبية قوية لافتتاح طرّكونة، على رأسها رامون برنجير، وجاءت وفاة المنذر بن هود في تلك الآونة بالذات مشجعة للغزاة.

وسارت الحملة إلى طرّكونة واستطاعت انتزاعها من المسلمين بسهولة (1090 م) لضعف وسائلها الدفاعية، وتخلي المستعين بن هود صاحب سرقسطة عن إنجادها،

(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 86 و 87).

ص: 116

ولأن الجيوش المرابطية، لم تكن قد وصلت يومئذ في زحفها نحو الشمال، إلى الثغر الأعلى.

وبسقوط طرّكونه في يد أمير برشلونة، وضمها إلى مملكة قطلونية، لم يبق من ثغور مملكة سرقسطة القديمة سوى طرطوشة، وكان ألفونسو المحارب يتوق إلى انتزاع هذا الثغر، ولكنه كان مضطراً إلى أن يخوض قبل ذلك معارك عديدة مع المرابطين، الذين يسيطرون على منطقتي لاردة وإفراغة، وما وراءهما من الأراضي حتى مصب نهر إبرة. ومن ثم فإنه ما كاد يعود من حملته الأندلسية، حتى أخذ يعد العدة لتنفيذ مشروعه. ولم يمض سوى عامين حتى خرج في قواته من سرقسطة، وزحف شرقاً نحو نهر سِنكا في اتجاه إفراغة ولاردة. وكانت هذه المنطقة قد غدت منذ سقوط سرقسطة، مسرحاً للصراع المستمر بين المسلمين والنصارى، وكانت للمرابطين فيما يبدو حاميات قوية في تلك القواعد، وكانت لهم فوق ذلك قوات متحركة، تنساب بسرعة من شرقي الأندلس، من منطقة بلنسية، كلما هم النصارى بالعدوان.

على أنه يبدو أن ألفونسو المحارب، لم يرد أن يشتبك في هذه المنطقة من الثغر الأعلى مع المرابطين في صراع حاسم، قبل أن يقضي على قواتهم في جنوبي الثغر، وقد كانت تلاحقه نحو الشمال باستمرار. ومن ثم فقد سار في قواته جنوباً نحو أراضي بلنسية، وكان علي بن يوسف قد علم من عماله في بلنسية وما والاها أن ألفونسو المحارب يتأهب لغزو أراضي المسلمين، فخشي عليّ أن تكون حركة شاملة كالتي قام بها المحارب في قلب الأندلس، وأمر بحشد قوات من السود تتكفل بنفقاتها مختلف المدن، كل وفق طاقتها، ثم أرسلت هذه الحشود إلى مرسية - وواليها يدِّر بن ورقا - تعزيزاً للجيوش المرابطية في شرقي الأندلس. وهنا يحيق شىء من الغموض حول تفاصيل الموقعة التي نشبت على أثر ذلك بين الأرجونيين والمرابطين، وحول موقعها. وتذكر لنا الرواية الإسلامية الوحيدة التي لدينا عن الموقعة - وهي رواية ابن القطان - أن الموقعة نشبت في مكان يعرف بالقليعة أو القلاعة، وأن القليعة هذه تقع على مقربة من جزيرة شقر جنوبي بلنسية، وكان ابن رذمير (ألفونسو الأرجوني) يرابط بقواته بها. وهكذا نشبت في القليعة معركة عنيفة بين المرابطين والأرجونيين، ويضع ابن القطان تاريخها في سنة 523 هـ (1129 م)، ويقول لنا إن قوات المسلمين كلها كانت بقيادة

ص: 117

ابن مجور، وأن المسلمين أصيبوا فيها بهزيمة فادحة، وفنى معظمهم قتلا وأسراً، واحتوى العدو على سائر أسلابهم ومتاعهم ودوابهم، وبلغت خسارتهم نحو اثنى عشر ألفاً بين قتيل وأسير (1).

أما الغموض الذي يحيق بأمر هذه الموقعة، فيأتي مما تذكره لنا الرواية النصرانية وهو أن القلعة أو القلاعة هذه Alcolea، إنما هي بلدة صغيرة محصنة تقع على الضفة اليسرى لنهر سِنكا أحد أفرع نهر إبرة، على مقربة من إفراغة، ولها قصبة منيعة؛ ومعنى ذلك أن الموقعة نشبت بين المرابطين والأرجونيين في الثغر الأعلى، لا في أراضي بلنسية. وتضيف الرواية النصرانية إلى ذلك أن ألفونسو المحارب استولى على أثر الموقعة على بلدة القلاعة، وحصنها ثم أقطعها لأحد أكابر رجاله ممن أبلوا في خدمته (2).

ثم إنه يوجد من جهة أخرى في الرواية النصرانية ما يفيد أن ألفونسو المحارب قد حاصر بلنسية في أوائل سنة 1129 م، وهو مما يعزز قول الرواية الإسلامية في أن المعركة قد نشبت بين الأرجونيين والمسلمين في أراضي بلنسية.

هذا، وإلى جانب رواية ابن القطان المتقدمة عن الموقعة، توجد لدينا عنها وثيقتان مرابطيتان، تلقيان عليها، وعلى تاريخ وقوعها، مزيداً من الضياء، ويستخلص منهما ما يأتي:

أولا - أن الموقعة وقعت في " القلعة " أو" القلاعة ". ونحن نرجح قول الرواية الإسلامية في تحديد موقع القلاعة، بأنه على مقربة من جزيرة شقر.

وثانياً - أن وقوعها كان في النصف الأول من سنة 523 هـ (النصف الأول من سنة 1129 م).

وثالثاً - أن المرابطين، أصيبوا في تلك الموقعة بهزيمة شديدة، وقد كانوا بقيادة الأمير أبى محمد بن أبى بكر بن سير اللمتوني، وهو ابن أخت علي بن يوسف، المعروف بابن قنونه، باسم أمه أخت الأمير.

والوثيقة الأولى هي عبارة عن رسالة كتب بها أمير المسلمين علي بن يوسف إلى الأمير أبى محمد بن أبى بكر من حضرة مراكش، ومؤرخة في السابع من شهر شعبان سنة 523 هـ، وذلك رداً على كتابه الذي أرسله إلى أمير المسلمين ينبئه

(1) ابن القطان في " نظم الجمان "(المخطوط السابق ذكره لوحة 34 ب).

(2)

M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 240

ص: 118

فيه بخبر الموقعة. والرسالة من إنشاء كاتب الأندلس وإمام النثر بها يومئذ، أبى مروان بن أبى الخِصَال، وقد كان يتولى الكتابة في بلاط مراكش، وفيها ينحى أمير المسلمين باللوم القارص على قائده أبى محمد بن أبى بكر، وينوه بتقصيره وخذلانه في عبارات لاذعة يقول فيها:

وإن لبيان العذر لتلك الحال لقصير، وإن الله على ذلك المشهد المضيع لمطلع بصير، توافقتم مع عدوكم، وأنتم أوفر منه عدة وأكثر جمعاً، وأحرى أن تكونوا أشد عن حريمكم منعاً، وأقوى دونه دفعاً، فثبت وزللتم، وجدّ ونكلتم، وشد عقد عزيمته وحللتم، وكنتم في تلك الوقعة قرة عين الحاسد، وشماتة العدو الراصد، وقد كانت نصبة توليكم بين يديه بشيعة هائلة، ودعامتكم لولا إنثناؤه عنكم ماثلة، فشغله عنكم من غررتموه من الرّجل الذي أسلمتوه للقتل، وفررتم، ونصبتموهم دريئة للرماح ثم طرتم، ولولا مكان من أوردتموه من المسلمين ولم تصدروه، وخذلتموه من المجاهدين ولم تنصروه، لانكشف دون ذلك الرماح جنتكم ووقاؤكم، وأصيبت بها ظهوركم وأقفاؤكم، عاقبكم الله بما أنتم أهله " (1).

والوثيقة الثانية عبارة عن رسالة كتب بها أيضا أمير المسلمين علي بن يوسف إلى قادة الجيش المرابطي الذين هزموا في موقعة " القِلاعة "، مؤرخة في الحادي عشر من شعبان سفة 523 هـ من حضرة مراكش، رداً على كتابهم في وصف المعركة، وفيها يقول إنه لا محيص عن القدر، وإنه لم يأل جهداً في العمل لإعلاء كلمة الإسلام، وبذل الأموال وحشد الرجال، وإنه لو استطاع أن يكون حاضراً بنفسه لديهم لفعل، ثم يطمئنهم ويؤكد لهم أنه لا هم له إلا الذياد والدفاع عنهم والتوفر عليه بأقصى جهد (2).

وإنه ليبدو لنا من رسالة ثالثة كتبها أمير المسلمين علي بن يوسف إلى قاضي بلنسية وساير الفقهاء والوزراء والأعيان والعامة، عند نزول ابن رذمير عليها، أن ألفونسو الأرجوني، بعد أن أحرز نصره في موقعة القلاعة المتقدمة الذكر، قد سار بقواته شمالا مخترقاً أراضي ولاية بلنسية، وأنه اقترب من ثغر

(1) يراجع نص هذه الوثيقة بأكمله في باب الوثائق. وقد نقلناها عن مخطوط الإسكوريال رقم 488 الغزيري (لوحة 71 ب - 72 أ) وسبق أن نشر هذه الوثيقة وعلق عليها الدكتور حسين مؤنس في بحثه الذي سبقت الإشارة إليه (مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة سنة 1949).

(2)

يراجع نص هذه الرسالة في باب الوثائق. وقد نقلناها عن نفس المخطوط (لوحة 72 ب و 73 أ) وسبق أن نشر هذه الوثيقة أيضاً الدكتور حسبن مؤنس في بحثه السالف الذكر.

ص: 119

بلنسية، ورابط أمامه حيناً. والواقع أن ابن القطان يذكر لنا بعد حديثه عن موقعة القلاعة، أن قوة من النصارى أغارت على غليرة Cullera الواقعة على البحر على مقربة من جنوبي بلنسية، واكتسحت ما وجدت (1)، وعندئذ وجه قاضي بلنسية الخطيب أبو الحسن إلى أمير المسلمين رسالة استغاثة، هي التي يرد عليها في رسالته. وقد صدرت رسالة أمير المسلمين من حضرة مراكش مؤرخة في السابع من شعبان سنة 523 هـ، في نفس اليوم الذي أرخت فيه الرسالة الأولى، الموجهة إلى الأمير محمد بن أبى بكر بلومه، وتقريعه على تخاذله في " القلاعة ". وفي هذه الرسالة يشير أمير المسلمين برفق إلى هزيمة جنده في القلاعة، وأن ذلك لم يكن إلا بسبب تخاذلهم، وعدم اعتبارهم بمواعظه، ثم يطمئن أهل بلنسية، ويؤكد لهم أنه لن يتركهم إلى الضياع، ولن يألو جهداً للذب عنهم، وأنه قد كتب إلى سائر ولاته، بإرسال الأقوات، والتعجيل بإنفاذها في أقرب وقت، وأنه يضعهم من باله في أعز مكان، ويختتمها بالدعاء لأهل بلنسية " بأن يشد الله أزرهم، ويصح أمرهم، ويسد ثغرهم، ويحفظ الألفة عليهم "(2). والظاهر أن ألفونسو المحارب، قد اكتفى في زحفه بأعمال العيث والتخريب، ولم يحاول مهاجمة بلنسية ذاتها (3).

4 -

موقعة إفراغة

شغل ألفونسو المحارب، عقب غزوته الكبرى خلال الأندلس، بضعة أعوام، بالحرب مع منافسه ملك قشتالة الفتى ألفونسو ريمونديس ولد زوجه أورّاكا، ولما انتهت هذه الحرب بعقد الهدنة بين قشتالة وأراجون في سنة 1130 م، حوّل ألفونسو المحارب نشاطه إلى وجهة أخرى، غير العدوان على الأندلس.

فعبر جبال البرنيه في بعض قواته إلى فرنسا، وحاصر مدينة بيونة الواقعة شمال نافار، ولم توضح لنا الرواية النصرانية بواعث هذه الحركة، من جانب ملك أراجون، ولكن الظاهر، أنه قام بها إنجاداً لبعض أتباعه من السادة الفرنج، الذين تجاور أراضيهم نافار، وانتهى الحصار باستيلاء ألفونسو على بيونة (سنة 1131 م)، ثم عاد إلى أراجون، ليستأنف تدبير مشاريعه ضد الأندلس.

(1) نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 34 ب).

(2)

نشرنا هذه الوثيقة في باب الوثائق، منقولة عن مخطوط الإسكوريال السالف الذكر (لوحة 72 ب - 73 أ).

(3)

M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 240

ص: 120

وكانت الجيوش المرابطية في الثغر الأعلى وشرقي الأندلس، خلال هذه الفترة، التي شغل فيها ألفونسو المحارب بحروبه في قشتالة وجنوبي فرنسا، تقوم بالإغارة على الأراضي النصرانية المجاورة والعيث فيها، وكانت تخرج بالأخص من طرطوشة ولاردة، وهما أهم القواعد التي بقيت بأيدي المسلمين في الثغر الأعلى، لتجتاح أراضي النصارى المجاورة في أراجون وإمارة برشلونة. ووقعت بين المسلمين والنصارى في تلك الفترة، عدة معارك، وشغل الكونت رامون برنجير الثالث أمير برشلونة، بمعاونة حلفائه الأرجونيين لرد غارات المسلمين.

فلما عاد ألفونسو المحارب إلى استئناف نشاطه ضد المسلمين، كان أهم ما يشغله هو الاستيلاء على ما بقي من قواعد الثغر الأعلى، وإجلاء المسلمين عنها. وكانت هذه القواعد، تنحصر أولا في لاردة وإفراغة ومكناسة الواقعة، في المثلث الواقع بين نهري سنكا وسجرى فرعي نهر إبرة (الإيبرو)، وثانياً في ثغر طرطوشة الواقع على البحر المتوسط عند مصب إبرة. وكان ثغر طرطوشة كما قدمنا بالأخص هدف ملك أراجون، إذ كان الاستيلاء عليه، يحقق له الاستيلاء على ما بقي من مجرى نهر إبرة، ويضمن له سلامة الملاحة في هذا النهر العظيم، ويصل ما بين مملكته وبين البحر. ومن ثم فقد وضع ألفونسو مشروعه الكبير من شقين، يتضمن الأول الاستيلاء على القواعد الإسلامية، الواقعة في مثلث نهري سنكا وسجرى، ثم يتبعها بالشق الثاني وهو الاستيلاء على طرطوشة. وأعد ألفونسو حملة جديدة قوية للبدء في تنفيذ مشروعه، واشترك في هذه الحملة كثير من الأشراف والفرسان الفرنسيين، على غرار ما حدث في حملة سرقسطة، وبدأ ألفونسو بالزحف على مدينة (مكننسة) مكناسة الواقعة عند ملتقى نهري سجرى وإبرة، وهي قاعدة حصينة، ولكن الدفاع عنها لم يكن ميسوراً لوقوعها في السهل المكشوف، فهاجمها النصارى بشدة، واضطرت إلى التسليم بعد مقاومة عنيفة، وذلك في يونيه سنة 1133 م (أواخر سنة 527 هـ).

واتجه ألفونسو بعد ذلك إلى الاستيلاء على مدينتي إفراغة ولاردة، وبدأ الزحف على إفراغة وهي تقع على الضفة اليمنى لنهر سنكا على مسافة قريبة من شمال مكناسة. ولم يكن الاستيلاء على إفراغة بالأمر الهين، لموقعها الحصين فوق الربى العالية في نهاية منحدر وعر ضيق، تصعب مهاجمته، ويسهل الدفاع عنه. ومن جهة أخرى، فقد شعر المرابطون، من أهبة ألفونسو وعنف تحركاته، أن

ص: 121

المعركة الحاسمة بينهم وبين النصارى في الثغر الأعلى، أضحت على وشك الوقوع.

وكانوا مذ وقفوا على حركات ألفونسو وأهباته، لافتتاح قواعد الثغر الباقية، قد رأوا من باب التحوط والاستعداد، أن يعقدوا التفاهم والسلم مع أمير برشلونة رامون برنجير الثالث، وذلك خشية أن ينتهز الفرصة فيهاجمهم من جانبه، ويضطر المرابطون إلى القتال في جبهتين، فاتفقوا على أن يؤدوا له جزية سنوية قدرها اثنا عشر ألف دينار، وذلك عن أمر علي بن يوسف وتوجيهه، فغضب لذلك ألفونسو، وأقسم بأنه سوف ينتزع تلك البلاد التي تؤدي عنها الجزية، ويقطع بذلك منفعتها عن الطرفين الخصيمين (1).

ومن ثم فإنه ما كادت مكناسة تسقط في يد العدو، حتى بادر المرابطون في الثغر، وفي وسط شرقي الأندلس، إلى التأهب للدفاع عن إفراغة ولاردة، وهرع الزبير بن عمرو اللمتوني من قرطبة إلى الثغر الأعلى، في ألفي فارس، ومعه مقادير وفيرة من المؤن. وهرع إليه الأمير أبو زكريا يحيى بن غانية والي بلنسية ومرسية، في قوة تقدرها الرواية بخمسمائة فارس، وكان من أعظم وأشجع القادة المرابطين. وكذلك حشد عبد الله بن عِياض والي لاردة قواته. وكان أهل إفراغة حينما ضيق عليهم ألفونسو الحصار، وأخذت مواردهم في النضوب، قد كتبوا إلى يحيى بن غانية باعتباره عميد القادة المرابطين، بطلب الإنجاد والأقوات، وأنذروه في كتابهم، بأنه إن لم يفعل خضعوا لألفونسو، وسلموه المدينة. ولكن ابن غانية لم يكن في حاجة إلى مثل هذا النذير، وكانت مهمة إنجاد إفراغة وإنقاذها تلقي لديه، ولدى سائر القادة المرابطين منذ البداية منتهى الغيرة والاهتمام (2).

وفي تلك الأثناء كان ألفونسو قد وصل بقواته إلى إفراغة، وضرب حولها الحصار، فقاومته حاميتها وأهلها بقيادة واليها سعد بن محمد بن مردنيش أشد مقاومة، واضطر أن يرفع الحصار غير مرة، ثم يعود إليه، وحملته هذه المقاومة ذاتها، على مضاعفة جهوده في التضييق على المدينة المحصورة، والتصميم على أخذها. وأقسم ألفونسو تحت أسوار إفراغة، كما أقسم أبوه سانشو راميرز قبل ذلك بأربعين عاماً، تحت أسوار وشقة. أن يفتتح إفراغة أو يموت دونها، وأقسم معه عشرون من سادته، وأمر ألفونسو كذلك أن يؤتى برفات القديسين إلى المعسكر

(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر).

(2)

ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر).

ص: 122

إذكاء لحماسة الجند، وأن يتولى الأساقفة والرهبان قيادة الصفوف أسوة بالقوامس (الكونتات). وهنا تختلف الروايتان الإسلامية والنصرانية في تصوير الوقائع، وبينما تقول الرواية الإسلامية إنه ما كادت الجيوش المرابطية تصل إلى إفراغة، حتى نشبت الموقعة الحاسمة بين المسلمين والنصارى، إذا بالرواية النصرانية تقدم إلينا تفصيلا آخر، وهو أنه ما كادت القوات المرابطية تصل إلى ظاهر إفراغة، وتتقدم إلى إنجادها، حتى وقعت بينها وبين النصارى معركتين متواليتين، وهزم المرابطون في الموقعتين، ولجأوا إلى الفرار، وعندئذ دب اليأس إلى أهل المدينة وعرضوا التسليم ببعض الشروط، فرفض ألفونسو كل عرض للتسليم، وصمم على اقتحام المدينة بالسيف، فانقلب المحصورون إلى مقاومة اليأس، ونظم المرابطون قواتهم، وعادوا إلى محاولة إنقاذ المدينة، ودبروا كميناً جذبوا إليه الأرجونيين، على يد قافلة من المؤن. وهنا نشب القتال واضطرمت الموقعة.

وعلى أي حال، فقد نشبت بين المرابطين وبين النصارى تحت أسوار إفراغة، موقعة من أشد وأعنف، مما عرف في تاريخ المعارك الحاسمة في الثغر الأعلى.

وتقدر الرواية الإسلامية قوات المرابطين بنحو ثلاثة آلاف فارس (1)، وهو تقدير لا يتفق في نظرنا مع ضخامة المعركة ونتائجها، وتقدرهم الرواية النصرانية بعشرة آلاف فارس (2). وأما الجيش النصراني، فتقدره الرواية الإسلامية بإثنى عشر ألف فارس (3). ومن المرجح على أي حال، أن القوات النصرانية كانت تتفوق في الكثرة على المسلمين. ووقع بين الفريقين قتال شديد مروع، وأبدى المسلمون يقيادة ابن غانية ضروباً رائعة من البراعة والبسالة، وقاتل الأرجونيون كذلك بفيض من الشجاعة، وكان ملكهم يقود المعركة بنفسه، وخرج أهل إفراغة، فانقضوا على النصارى من الخلف، فاشتد الأمر على النصارى، وكثر القتل فيهم، وهلكت منهم عدة كبيرة من القادة والأكابر، ومزقت صفوفهم تمزيقاً، وأصيبوا بهزيمة ساحقة، لم يصبهم مثلها منذ موقعتي الزلاّقة وأقليش (4)، واستولى

(1) ابن الأثير ج 11 ص 13، وهو يحدد القوات المرابطية على النحو الآتي: قوات قرطبة ألف فارس، وقوات مرسية وبلنسية خمسمائة فارس، وقوات لاردة مائتا فارس.

(2)

M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 248. وكذلك أشباخ في تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين (الترجمة العربية) ص 164.

(3)

ابن الأثير ج 11 ص 13.

(4)

راجع في تحديد معالم الموقعة خريطة الثغر الأعلى (ص 91 من هذا الكتاب).

ص: 123

المسلمون على محلتهم وعتادهم وسلاحهم، وكان ذلك في اليوم السابع عشر من يوليه سنة 1134 م (23 رمضان سنة 528 هـ)(1).

وتختلف الرواية اختلافاً بيناً في مصير ألفونسو المحارب. ومعظم الروايات النصرانية على أنه سقط خلال الموقعة. ويؤيد هذه الرواية صاحب " الأخبار الطليطلية "، وردريك الطليطلي، وثوريتا، وغيرهم. ولكن الذي يثير ريباً حولها، هو أن جثة ألفونسو المحارب لم توجد قط بين ضحايا الموقعة (2). وأما الرواية الأخرى، فهي أن ألفونسو توفي بعد الموقعة بأيام قلائل، ويروى مؤرخ قطلوني معاصر في وصفه للمعركة، أنه حين تمت الهزيمة الساحقة على النصارى، عمد ألفونسو إلى الفرار بصحبة فارسين فقط، ولجأ إلى دير القديس " خوان دي لابنيا " في سرقسطة، وهنالك توفي غماً ويأساً، لثمانية أيام فقط من الموقعة، وذلك في 25 يوليه سنة 1134 م.

وهذا ما تؤيده الرواية الإسلامية مع خلاف يسير. فإن ابن الأثير يقول لنا في حديثه عن الموقعة، أن ابن رذمير (ألفونسو) لحق عقب هزيمته بمدينة سرقسطة، " فلما رأى من قتل من أصحابه، مات مفجوعاً بعد عشرين يوماً من الهزيمة "(3) ويقول ابن القطان أن ابن رذمير فر في شرذمة قليلة جداً، ولحق بمدينة سرقسطة، واله العقل، مخبول الذهن، ثم خرج منها إلى وشقة فأقام بها مختلا أشهراً قليلة ثم حان أجله (4). ويقول لنا صاحب الروض المعطار، إن ألفونسو فر عقب هزيمته، وأوى إلى حصن خرب في رأس جبل شاهق، مع الفل الذي بقي معه، ثم غادره متسللا بالليل حينما أحدق به المسلمون (5).

(1) تختلف الرواية العربية في تاريخ الموقعة فيضعه ابن عذارى في سنة 528 هـ (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 100). ويقول لنا ابن القطان إنها وقعت في سنة 529 هـ ويقول في موضع آخر إنها وقعت سنة 528 هـ (المخطوط السابق ذكره) ويضعها ابن الأثير في سنة 529 هـ (ج 11 ص 13). ويقول لنا صاحب الروض المعطار إنها وقعت في رمضان سنة 525 هـ (صفة جزيرة الأندلس ص 24). ولكن الرواية لنصرانية تحدد لنا تاريخها تحديداً دقيقاً واضحاً، وهو يوليه سنة 1134، الموافق لرمضان سنة 528 هـ.

(2)

يراجع في ذلك M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 243، والهامش حيث يعدد الروايات النصرانية المؤيدة لسقوط ألفونسو في الموقعة. وراجع أيضاً: F. Codera: Decadencia y Disparicion de los Almoravides، p. 269-272

(3)

ابن الأثير ج 11 ص 13.

(4)

في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره).

(5)

الروض المعطار ص 25.

ص: 124

وقد كان لنصر المرابطن في إفراغة، صدى عميق في سائر أرجاء الأندلس، وفي اسبانيا النصرانية بنوع خاص، وعادت سمعة المرابطين العسكرية، إلى سابق مكانتها في شبه الجزيرة، وذاع صيت يحيى بن غانية، قائد المرابطين في ذلك اليوم المشهود، وسنرى فيما بعد كيف يضطلع ابن غانية في قيادة المرابطين في شبه الجزيرة بأعظم دور. وقد نظم الشاعر أبو جعفر بن وضاح المرسى، في واقعة إفراغة، ومديح ابن غانية قصيدة يقول فيها:

شمرت برديك لما أسبل الواني

وشب منك الأعادي نار غيان

دلفت في غاية الخَطِّىّ نحوهم

كالعين يهفو عليها وطف أجفان

عقرتهم بسيوف الهند مصلتة

كأنما شربوا منها بغدوان

هون عليك سوى نفس قتلتهم

من يكسر النبع لم يعجز عن البان

وقفت والجيش عقدٌ منك منتثرا

إلا فرائد أشياخ وشبان

والخيل تنحط من وقر الرماح بها

كأن نصالها ترجيع ألحان

وكان من أثر مؤوقعة إفراغة، وهلاك ألفونسو المحارب، أن انقشع الخطر مدى حين، عما بقي بأيدي المسلمين من أراضي الثغر الأعلى، وعن شرقي الأندلس، واختفت من ميدان الصراع بين المسلمين والنصارى، شخصية خطرة كانت تهدد بمشاريعها البعيدة المدى وتصميمها المستميت، سلام المسلمين، وسلامة الوطن الأندلسي. وقد كان ألفونسو المحارب في الواقع، مثل فرناندو الأول، وألفونسو السادس، من أعظم ملوك اسبانيا النصرانية، في العصور الوسطى.

وكان افتتاحه لسرقسطة، فاتحة عصر جديد لمملكة أراجون، كما كان افتتاح ألفونسو السادس لطليطلة فاتحة عصر جديد لمملكة قشتالة، وقد غدت مملكة أراجون في ظله، باتحاد مملكة نافار معها، منذ عهد أبيه سانشو، قرينة مملكة قشتالة من حيث ترامى الرقعة، وضخامة الموارد، وقوة المراس في مناجزة الأندلس، وقد استطاع هو أن يوطد حدود مملكته، وأن يوسع رقعتها، بافتتاحه سرقسطة وتطيلة وطرسونة وقلعة أيوب ودورقة وغيرها، من القواعد الإسلامية، وكانت أمامه، بزواجه من أورّاكا ملكة قشتالة، فرصة لأن يغدو قيصراً لإسبانيا الكبرى، ولكن ما نشب بين الزوجين من خلاف حول السلطان، وما أبداه أشراف قشتالة من بغض لنير أراجون - كان كفيلا بتحطيم مثل هذا المشروع، وكانت الحرب

ص: 125

الأهلية التي نشبت من جراء ذلك بين قشتالة وأراجون، تتيح للمسلمين أوقاتاً للتهادن، كما تتيح لهم فرص الغزو في الأراضي النصرانية. والرواية الإسلامية نفسها تشيد بعظمة ألفونسو المحارب. ويصفه ابن الأثير في قوله " وكان من أشد ملوك الفرنج بأساً، وأكثرهم تجرداً لحرب المسلمين وأعظمهم صبرا "(1).

هذا وسوف نعني عند الكلام عن تاريخ اسبانيا النصرانية في عهد المرابطين، بالتحدث عن أحوال أراجون وقشتالة في عهد ألفونسو المحارب.

ومما هو جدير بالملاحظة، أن المرابطين، بالرغم من نصرهم الساحق في موقعة إفراغة، وتمزيقهم للجيش الأرجوني شر ممزق، لم يفكروا في الاستفادة من نصرهم بالزحف تواً على سرقسطة، ومحاولة استردادها، وقد كانت على مقربة من ساحة نصرهم، وكان سحق الجيش الأرجوني، وهلاك عاهله، مما يشجع على الاضطلاع بمثل هذه المحاولة، ولكن المرابطين قنعوا في ذلك الموطن بالنصر، وانصرفوا إلى قواعدهم، على غرار ما حدث عقب نصر الزلاّقة، حيث أحجم عاهل المرابطين يوسف بن تاشفين عن مطاردة القشتاليين، وانتهاز فرصة انهيار الجيش القشتالي لمحاولة استرداد طليطلة؛ ومن الغريب أن المرابطين كانوا في نفس الوقت الذي اضطرمت فيه معركة إفراغة سنة 528 هـ يقومون بغزوات مخربة عقيمة في أراضي قشتالة، بقيادة الأمير تاشفين، ولد أمير المسلمين علي بن يوسف، ولو أنهم حشدوا مزيداً من قواتهم في الثغر الأعلى، على أثر انتصارهم في إفراغة بقيادة قائدهم البطل يحيى بن غانية، لكانت لديهم بلا ريب فرصة مرجحة، لاسترداد الثغر الإسلامي العظيم - سرقسطة - وفي رأينا أن المرابطين، بإحجامهم عن استغلال ظفرهم في الزلاّقة وإفراغة، وإحجامهم في الحالة الأولى عن محاولة استرداد طليطلة، وفي الثانية عن محاولة استرداد سرقسطة، قد ارتكبوا في الحالتين خطأ عسكرياً لاشك في خطورته، وكانت له في الحالتين نتائج بعيدة المدى.

5 -

خاتمة ملك بني هود بالثغر الأعلى

لما دخل المرابطون سرقسطة بدعوة أهلها، في أواخر سنة 503 هـ (1110 م) كان قد غادرها آخر ملوكها من بني هود، عبد الملك بن أحمد المستعين بن هود الملقب بعماد الدولة. ولم يكن عبد الملك قد حكم سوى فترة يسيرة، دب الخلاف

(1) ابن الأثير ج 11 ص 13.

ص: 126

خلالها بينه وبين أهل سرقسطة لمحالفته النصارى وانضوائه تحت لوائهم، حسبما فصلناه من قبل في كتاب " دول الطوائف ". وسار عبد الملك في أهله وأمواله إلى قاعدة روطة المنيعة، الواقعة على الضفة اليسرى لنهر خالون أحد أفرع نهر إبرة الجنوبية، على قيد خمسة وثلاثين كيلومتراً من سرقسطة. وكان بنو هود قد أنشأوا هذه القاعدة، وحصنوها وزودوها بالأبنية الضخمة، وأعدوها لتكون لهم عند الضرورة ملجأ ومثوى. وفي بعض الروايات أن الذي أنشأ حصن روطة، وأسبغ عليه مناعته الفائقة، هو المستعين والد عبد الملك، وأنه حفر فيه إلى الوادي سرباً أتقن أدراجه، تنيف على أربعمائة درج فلا ينقطع فيه الماء (1).

واستمر عبد الملك في هذه القاعدة، وأنشأ بها إمارة صغيرة. والظاهر أن إمارة روطة كانت تشمل يومئذ، رقعة من الأراضي، تمتد شمالا حتى برجة الواقعة شمال غربي سرقسطة، على مقربة من تطيلة، يدل على ذلك ما يذكره صاحب البيان المغرب في أخبار سنة عشر وخمسمائة من أن الأمير أبا بكر صاحب سرقسطة، خرج إلى الغزو، وهاجم حصن روطة، وأثخن في أنحائه، ثم تحرك إلى برجة، وبها عماد الدولة بن المستعين بن هود، فضيق عليها، وبالغ في إرهاقها، حتى صالحه أهلها، فرجع عنها إلى سرقسطة (2). وعلى أي حال فإنه يبدو أن العداء كان مستحكماً، بين عماد الدولة وبين المرابطين، ومن ثم فقد وضع عماد الدولة نفسه تحت حماية ملك أراجون القوي، ألفونسو المحارب، خشية من نقمة المرابطين سادة سرقسطة، واستمر عبد الملك عماد الدولة، في حكم إمارته الصغيرة نحو عشرين عاماً، حتى توفي بحصن روطة في شعبان سنة 524 هـ (1130 م). وكانت سرقسطة قد سقطت في تلك الأثناء في أيدي النصارى، وأصبح ألفونسو المحارب سيد هذه الأنحاء بلا منازع. وتوجد ثمة رواية مفادها أن عماد الدولة بن هود، لبث أميراً بسرقسطة، تحت حماية المرابطين، حتى سقطت المدينة في أيدي النصارى، وعندئذ فر منها إلى روطة (3). بيد أن هذه الرواية ضعيفة لا تؤيدها أية رواية أخرى. وينقضها بالعكس، ما سبق أن ذكرناه من توالي الولاة المرابطين على سرقسطة، مذ دخلها ابن الحاج حتى سقوطها في أيدي النصارى في سنة 512 هـ (1118 م).

(1) ابن الكردبوس في كتاب " الإكتفاء "(مخطوط الأكاديمية السالف الذكر لوحة 165 ب).

(2)

ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 78).

(3)

ابن الكردبوس في كتابه السالف الذكر (المخطوط لوحة 165 ب).

ص: 127

ولما توفي عماد الدولة خلفه في إمارة روطة وأعمالها، ولده أبو جعفر أحمد ابن عبد الملك، وتلقب بسيف الدولة المستنصر بالله، وكذلك المستعين بالله، واستمر في حكم روطة وما حولها من الحصون والأراضي، وحذا حذو أبيه في محالفة النصارى، والانضواء تحت حماية ألفونسو المحارب ملك أراجون. بيد أنه ما لبث أن شعر بوطأة هذا النير، ورأى أن يتجه إلى الناحية الأخرى من اسبانيا النصرانية، إلى ناحية قشتالة. وكان ملك قشتالة الفتى ألفونسو ريمونديس، الذي تسميه الرواية العربية أدفنش بن رمند باسم أبيه ريموند الأرجوني، وبالسُّليطين أي الملك الصغير - لأنه تولى الملك وهو حدث، وأضحى بعد وفاة أمه أورّاكا في سنة 1126 م، ملكاً على ليون وقشتالة ولمّا يجاوز الحادية والعشرين.

وكان ألفونسو ريمونديس، بعد أن انتهى النضال بينه وبين خصمه ومنافسه ألفونسو المحارب، زوج أمه القديم بظفره، وأضحى سيد قشتالة القوي، يبدو لسيف الدولة حليفاً أفضل. وتعرف الرواية اللاتينية " سيف الدولة " معرفة جيدة، وتسمية " سفادولا " Zafadola، وتقول لنا إن سيف الدولة عرض على أولاده ووزرائه، فكرة التحالف مع ملك قشتالة والانضواء تحت لوائه، فوافقوا عليها، وأنه بعث إلى ملك قشتالة برغبته في زيارته، وبأن يرسل إليه بعض فرسانه لحمايته، خوفاً من المرابطين، فبعث إليه الملك ببعض أكابر فرسانه، وصحبوه إلى بلاط طليطلة، فاستقبله الملك بترحاب وعطف، وعامله معاملة ملك، وقدم إليه طائفة من الهدايا النفيسة، وتأثر سيف الدولة بما رآه من فخامة بلاط قشتالة، وكريم معاملته، فأعلن أنه ينضوي تحت لوائه وحمايته، ويضع نفسه هو وأولاده تحت تصرفه، ثم نزل له عن حصن روطة، مقابل حصون وبلاد في منطقة طليطلة وإسترامادورة، أعطاه إياها ملك قشتالة، فانتقل إليها ووضع نفسه في خدمته (1).

وتقدم إلينا لي بعض الروايات النصرانية الأخرى، قصة سيف الدولة في صيغة أخرى، فتقول إن سيف الدولة لما برم بحماية ملك أراجون المرهقة، وخشي من انقلاب رعيته عليه لمحالفته للملوك النصارى، قرر أن يعترف بحماية ملك قشتالة، ونزل له عن روطة اليهود، وغيرها من المواقع المنيعة، الباقية من مملكته الصغيرة،

(1) تراجع هذه الرواية في A. P. Ibars: Valencia Arabe (Valencia 1901) T. I. p. 466-467 وكذلك في F. Codera: Dec. y Dis. de los Almoravides، p. 24-26

ص: 128

فاستقبله ملك قشتالة بترحاب، وأعطاه في مقابل ذلك، عدة أمكنة في قشتالة وليون (سنة 1132 م)(1).

وتحدثنا الرواية العربية عن سيف الدولة المستنصر بن هود، وعن تنازله عن حصن روطة لملك النصارى، ولكنها تختلف في تفاصيل ذلك. ويضع ابن الاثير هذا التنازل في حوادث سنة 529 هـ (1134 م)، ويقول لنا إن المستنصر ابن هود، عقد في هذه السنة الصلح مع " السليطين "(ألفونسو ريمونديس).

وكان " السليطين " قد أكثر من غزو بلاد المستنصر وقتالها حتى ضعف عن مقاومته، فرأى أن يريح نفسه وجنده مدة، فاستقر بينهما الصلح لمدة عشر سنين، على أن يسلم المستنصر حصن روطة، وهو من أمنع الحصون وأحصنها، وتسلم النصارى الحصن " وفعل المستنصر فعلة لم يفعلها قبله أحد "(2).

ويقدم إلينا ابن الكردبوس عن هذه الواقعة رواية ضافية، ينفرد فيها بتفاصيل خاصة، خلاصتها أن طاغية الروم الإنبرطر الملقب بالسُّليطين، هو الذي راسل المستنصر، وعرض عليه أن يتخلى له عن روطة ويعوضه عنها بقشتالة ما هو أحسن وأفيد، بحيث يغدو أقرب إلى بلاد غربي الأندلس، وأنه سوف يخرج معه بنفسه إلى طائفة من البلاد المتاخمة لقشتالة يدعو أهلها لطاعته، وأنه على يقين من أن أهل هذه البلاد سوف يستجيبون إلى دعوته، لأن المرابطين قد أذاقوهم العذاب، وهم يكرهونهم، ويتمنون زوال دولتهم، وأخيراً أنه لم يبق من أبناء الملوك المسلمين سواه، أى المستنصر، وهكذا تخلى المستنصر لملك قشتالة عن روطة وهي " معقل ما أبصر مثله من يعقل ". وعوضه عنها ملك قشتالة بقرى ومزارع مغلة في بلاده. ثم خرج معه إلى غربي الأندلس، في قوات كثيفة، فما قصد موضعاً إلا ألفاه ممتنعاً، ولم تستجب إلى دعوته أية قرية، أو أي موضع، وخشي أهل هذه البلاد جميعاً، إن أطاعوه وانضموا تحت لوائه، فإن العدو يغلبهم ويملكهم، وهذا رجع المستنصر من مشروعه بأخسر صفقة (3). ويستفاد من رواية ابن الكردبوس هذه، أن ملك قشتالة، كان يرمي إلى استخدام المستنصر

(1) M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 247

(2)

ابن الأثير ج 11 ص 13.

(3)

وردت رواية ابن الكردبوس في كتاب " الإكتفاء "(مخطوط أكاديمية التاريخ السابق الذكر لوحة 165 ب).

ص: 129

في إنشاء إمارة متاخمة لقشتالة من ناحية الجنوب الغربي، تتكون من بعض البلاد والقرى الإسلامية النائية المجاورة لحدود قشتالة، وذلك لكي يجعل منها قاعدة أمامية لعدوانه على أراضي الأندلس، ووسيلة للضرب والتفريق بين المسلمين في تلك المنطقة، بيد أنه فشل في مشروعه واقتصر سيف الدولة المستنصر، في مقامه بقشتالة، على الأماكن والأراضي التي منحت له ليعيش فيها. ويقول لنا ابن الأبار إن ملك قشتالة عوضه عن روطة بنصف مدينة طليطلة (1). وهذه الرواية تدعو إلى التأمل، لأن طليطلة كانت في ذلك الوقت عاصمة مملكة قشتالة، وتقول لنا الرواية اللاتينية السالفة الذكر إن ملك قشتالة منح المستنصر حصوناً وبلاداً في منطقة طليطلة وإسترامادورة، وهو أقرب إلى المعقول، وربما شملت هذه الأماكن حيًّا أو دوراً في طليطلة ذاتها. ويضع ابن الأبار تاريخ تنازل المستنصر عن روطة في شهر ذي القعدة سنة 534 هـ (1139 م).

وهناك رواية أخرى يقدمها إلينا ابن الخطيب، وهي تختلف في مضمونها عما تقدم، وخلاصتها أن المستنصر بن هود لجأ إلى حماية ابن رذمير، أعني ألفونسو المحارب ملك أراجون، وليس إلى حماية ملك قشتالة، وأن ابن رذمير عوضه عن روطة بأماكن من أعمال مدينة تُطيلة في شمالي الثغر فانتقل إليها بأهله وأمواله (2).

وهكذا انتهت بتخلي المستنصر عن قاعدة روطة وأعمالها، رياسة بني هود فيما تبقى من أنقاض مملكة سرقسطة القديمة. وأقام المستنصر في مقره الجديد في كنف ملك قشتالة بضعة أعوام أخرى، إلى أن سنحت له فرصة للتدخل في حوادث الأندلس، وشق طريقه إلى الرياسة من جديد، وهو ما سنعنى به في موضعه المناسب.

(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 225.

(2)

ابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 176.

ص: 130