المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثانيعبد المؤمن وشئون الأندلس وافتتاح إشبيلية وقرطبة وغرناطة وألمرية - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٣

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌العصر الثالثعصرُ المرابطين والمُوَحّدينْ في المغرب والأندلس

- ‌القسْم الأولعصْر المُرابطين وبدَاية الدّولة الموحّدية

- ‌مقدمة

- ‌تمهيدالأوضاع العامة لشبه الجزيرة الأندلسية في عصر المرابطين والموحدين

- ‌الكِتاب الأولالدولة المُرابطية في أوج سُلطانها

- ‌الفصْل الأوّليوسف بن تاشفين

- ‌الفصْل الثانيأمير المسلمين علي بن يوسف وأحداث عصره

- ‌الفصل الثالِثسقوط سرقسطة

- ‌الفصل الرابعالصراع بين ألفونسو المحارب وبين المرابطين

- ‌الفصل الخامِسُالأمير تاشفين بن علي وغزواته وأعماله في شبه الجزيرة

- ‌الفصل السادِسشرق الأندلس

- ‌الكتابُ الثانيالمهْدي محمّد بن تومَرت والصِّراع بين المرابطين والموحّدين وقيام الدّولة الموحّدية بالمغرِب

- ‌الفصل الأوّلمحمد بن تومرت نشأته وظهوره

- ‌الفصل الثانيالصراع بين المرابطين والموحدين

- ‌الفصل الثالثعقيدة المهدي ابن تومرت وتعاليمه الدينية والسياسية

- ‌الفصل الرابعالصراع بين المرابطين والموحدين

- ‌الفصل الخامِسُنهاية الدولة المرابطية في المغرب

- ‌الفصل السادِسالدولة الموحدية في سبيل التوطد

- ‌الفصْل السّابعفتح المهدية وإجلاء الفرنج عن إفريقية

- ‌الكِتابُ الثالِثثورة القوى الوطنيّة بالأندلسْ وتغلّب الموحّدين على شبه الجزيرة

- ‌الفصل الأوّلالثورة في الأندلس وانهيار سلطان المرابطين

- ‌الفصل الثانيعبد المؤمن وشئون الأندلس وافتتاح إشبيلية وقرطبة وغرناطة وألمرية

- ‌الفصل الثالثالثورة في شرقي الأندلس وظهور محمد بن سعد بن مردنيش

- ‌الفصل الرابعأعوام عبد المؤمن الأخيرة وفاته وخلاله

- ‌الكتابُ الرابعنظم الدّولة المرابطيّة وخواصّ العهْد المرابطيّ

- ‌الفصل الأوّلطبيعة الحكم المرابطي وأوضاعه العسكرية والإدارية والمالية

- ‌الفصل الثانيْالحركة الفكرية الأندلسية خلال العهد المرابطي

- ‌الفصل الثالثالحركة الفكرية الأندلسية خلال العهد المرابطي

- ‌الكتابُ الخامِسالممَالك الإسْبانيّة النصْرانية خلال العصْر المُرابطي وأوائل العصْر الموحّدي

- ‌الفصْل الأوّلألفونسو المحارب وأورّاكا ملكة قشتالة وبداية عهد ألفونسو ريمونديس

- ‌الفصل الثانيالممالك الإسبانية النصرانية في عصر القيصر ألفونسو ريمونديس وقيام مملكة أراجون الكبرى

- ‌الفصل الثالثقيام مملكة البرتغال وبداية عصر ملكها ألفونسو هنريكيز

الفصل: ‌الفصل الثانيعبد المؤمن وشئون الأندلس وافتتاح إشبيلية وقرطبة وغرناطة وألمرية

‌الفصل الثاني

عبد المؤمن وشئون الأندلس وافتتاح إشبيلية وقرطبة وغرناطة وألمرية

اهتمام عبد المؤمن بشئون الأندلس. مقدم الوفود الأندلسية على عبد المؤمن. متى تدخل الموحدون في شئون الأندلس. عبور الجيوش الموحدية الأولى إلى شبه الجزيرة وأعمالها. زحفها على إشبيلية، وافتتاحها إياها. أخوا المهدي وحكمهما لإشبيلية. تطور الحوادث وخروج الزعماء الأندلسيين على الموحدين. عبد المؤمن يرسل جيشاً آخر إلى الأندلس. إخضاع الموحدين للبلة وطلياطة وطبيرة وبطليوس. التجاء ابن قسي إلى ملك البرتغال. سخط أهل شلب وتآمرهم ضده بزعامة ابن المنذر. مصرع ابن قسي وعودة شلب إلى طاعة الموحدين. استيلاء ابن وزير على شلب. اعتقال الموحدين لابن المنذر. شعر ابن قسي وابن المنذر. رياسة ابن غانية في قرطبة. ضغط ملك قشتالة عليه. تنازله عن بياسة وأبدة. مطالبته بالتنازل عن جيان. مفاوضة ابن غانية لبراز والي إشبيلية الموحدي. الاتفاق على تسليم قرطبة وقرمونة للموحدين. مغادرة ابن غانية قرطبة إلى غرناطة. فكرته في التفاهم مع الموحدين. مرضه ووفاته وخلاله. زحف القشتاليين على قرطبة واحتلالهم إياها. مبادرة الحشود الموحدية لإنقاذها. انسحاب القشتاليين منها. احتلال الموحدين لقرطبة وجيان وأبدة وبياسة. قيام ابن مردنيش في شرقي الأندلس. امتداد أملاكه حتى جيان. قيام الثورة ضده في بلنسية. اقتحامه لبلنسية واستعادته لسلطانه. معاقبته لأهل بلنسية ولورقة. رسالة عبد المؤمن لابن مردنيش. استيلاء الموحدين على مالقة. اختيار عبد المؤمن لولده محمد لولاية العهد. ظروف هذا الاختيار حسبما يعرضها عبد المؤمن في رسالته. رواية أخرى عن ذلك. عبد المؤمن يولي أولاده حكم البلاد. مهاجمة الوهيبي لمدينة لبلة. مسير ابن يومور والي إشبيلية إليها. احتلاله لبلة وفتكه بأهلها. القبض على ابن يومور ومعاقبته. الشكوى إلى الخليفة من ابن الرنق. إنشاء عبد المؤمن لبستان شنطلولية. طوافه بنواحي الأطلس والسوس. زيارته لتينملل. المصحف العثمانى ونقله من قرطبة إلى مراكش. إنشاء عبد المؤمن لمسجد مراكش الجامع. ندب ابن يكيت لولاية قرطبة وعبد الله بن أبى حفص لولاية إشبيلية. غزو ابن يكيت لأرض قشتالة. غزو عبد الله بن أبى حفص لأراضي البرتغال. تسليم الوالى المرابطي غرناطة للموحدين. التأهب لاسترداد ألمرية من النصارى. مسير السيد أبو سعيد والي غرناطة إليها. مسير الأسطول الموحدي إلى مياهها. محاصرة الموحدين لألمرية. مبادرة ملك قشتالة وحليفه ابن مردنيش لإنجاد الحامية النصرانية. استمرار الحصار وفشل محاولة لإنجاد الحامية. مقدم الوزير ابن عطية ومعالجته للموقف. تسليم النصارى وعودة ألمرية إلى المسلمين. انسحاب ملك قشتالة وحليفه ابن مردنيش. وفاة ملك قشتالة ألفونسو السابع. حوادث الغرب. امتناع الوهيبي بثغر طبيرة. مسير الموحدين إلى طبيرة ومحاصرتها. إتفاق الموحدين مع الوهيبي. تخلي ابن وزير عن باجة وميرتلة وشلب، وعبوره إلى المغرب. الوزير ابن عطية. توليه الوزارة وتوطد مكانته. إرساله إلى الأندلس. تولية عبد السلام الكومي الوزارة في غيابه. سعي خصومه

ص: 324

إلى التشهير به. مروان بن عبد العزيز وتحريضه للخليفة عليه. عود ابن عطية إلى المغرب. اعتزام عبد المؤمن التنكيل به. القبض عليه وعقد مجلس لاتهامه. القبض على أخيه عقيل بن عطية. توسل ابن عطية إلى الخليفة للعفو عنه. إعراض الخليفة عن توسله والسر في ذلك. مسير الخليفة إلى تينملل ومعه الأخوان. إعدامهما خلال عوده إلى مراكش. تأملات عن هذا الحادث.

- 1 -

لم يكن عبد المؤمن بغافل عن أهمية الأندلس، والعمل على تحريرها من أيدي المرابطين باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الإمبراطورية المرابطية، التي نذر الموحدون أنفسهم للقضاء عليها، واستخلاص تراثها، ولم تكن تعوقه عن العناية بشئون الأندلس، أية حوادث أو مشاغل داخلية، مهما بلغت من الخطورة، فنراه في أدق المراحل من الصراع بينه وبين المرابطين، يستقبل وفود الأندلس، ويزودها بنصحه وعونه، ثم هو بعد ذلك ينتهز أول فرصة لتوجيه جيوشه إلى شبه الجزيرة، لتأخذ بنصيبها من حوادث الأندلس، ولتمهد السبيل لسيطرة الموحدين عليها.

وكان في مقدمة من وفد على عبد المؤمن من زعماء الثورة في الأندلس ضد المرابطين، أبو الغمر بن السائب بن عزون زعيم شريش وأركش ورندة، وأبو جعفر بن حمدين زعيم قرطبة المعزول، وفدا عليه في أوائل سنة 541 هـ وهو على حصار مراكش، لاستنهاض همته للتدخل في حوادث الأندلس، وإنجاد زعمائها الثائرين ضد المرابطين. ووفد في نفس الوقت أو بعده بقليل على عبد المؤمن زعيم الثورة في غرب الأندلس، أو زعيم ثورة المريدين أحمد بن قسيّ، عقب خلعه وفقده لإمارته في شلب وميرتلة على يد خصمه ومنافسه سيدراي بن وزير صاحب باجة. وقد سبق أن فصلنا في موضعه ظروف مقدمه على عبد المؤمن، وما يحيط بذلك من خلاف على تاريخ مقدمه، ومكان لقائه به. ثم وفد على عبد المؤمن في أوائل سنة 542 هـ عقب افتتاح مراكش، وفد كبير من إشبيلية، وعلى رأسه القاضي أبو بكر بن العربي وعدة من زعماء إشبيلية، يحملون إليه بيعة أهل إشبيلية، وذلك على أثر افتتاح الموحدين لها. وفي أواخر سنة 545 هـ وأوائل سنة 546 هـ، وفد على عبد المؤمن، وهو بسلا يعد عدته لافتتاح إفريقية، وفود أندلسية عديدة من مختلف حواضر الأندلس، ومن بينها كثير من رجالات الأندلس البارزين، من الفقهاء والقضاة والزعماء والقواد، بلغوا نحو خمسمائة، وشرح له خطباؤهم خطورة عدوان النصارى على الأندلس،

ص: 325

واستطالتهم على قرطبة، وما يقتضيه ذلك من مزيد العون والجهاد، وذلك كله حسبما فصلناه من قبل في موضعه (1).

كان لمقدم هذه الوفود الأندلسية المتوالية أثرها في إذكاء العزم، الذي تكون لدى عبد المؤمن من قبل، نحو شئون الأندلس، ومبادرته إلى التدخل الفعلي في حوادثها، ومضاعفة جهوده في توجيه البعوث العسكرية إليها. وقد اختلفت الرواية في تحديد تاريخ تدخل الموحدين في شئون الأندلس، وفي كيفية هذا التدخل. ففي رواية صاحب روض القرطاس ومن روى عنهم، أن هذا التدخل يرجع إلى أواخر سنة 539 هـ (1144 م) عقب افتتاح عبد المؤمن لتلمسان، ففي هذا التاريخ بعث عبد المؤمن إلى الأندلس جيشاً موحدياً من عشرة آلاف فارس بقيادة الشيخ أبى عمران موسى بن سعيد، ونزل هذا الجيش بساحل الجزيرة الخضراء، وكان أول بلد افتتحوه هو مدينة شريش، افتتحوها صلحاً، إذ خرج صاحبها أبو الغمر بن عزون، وهو من بني غانية المرابطين، في حامية المرابطين، وقوامها ثلاثمائة فارس، وبايع لعبد المؤمن، وأعلن دخوله في طاعته.

وكان الموحدون لذلك يسمون أهل شريش بالسابقين الأولين، وحررت أملاكهم من المغارم، وكان خلفاء الموحدين إذا قدمت عليهم وفود الأندلس للسلام، يقدمون وفد شريش، وُينادى عليهم أين السابقون، ثم تتلوهم بقية الوفود.

ويحدد لنا صاحب روض القرطاس، نقلا عن ابن فرحون، دخول الموحدين شريش بشهر ذي الحجة سنة 539 هـ. ودخل الموحدون بلدة طريف والجزيرة الخضراء قبل ذلك بقليل، وفر المرابطون منها إلى إشبيلية (2). بيد أن هذه الرواية التي ينفرد بها صاحب روض القرطاس، تعارضها رواية أخرى هي رواية ابن الأبار وابن خلدون، وهي تدلى بأن تدخل الموحدين في شئون الأندلس يرجع إلى سنة 540 هـ، وأن أول جيش موحدي وُجه إلى الأندلس، دخلها في أوائل سنة 541 هـ. وتفصيل ذلك هو أنه حينما كان عبد المؤمن يعسكر بجيشه تحت أسوار فاس في سنة 540 هـ، وفد عليه علي بن عيسى بن ميمون قائد الأسطول المرابطي في مياه قادس، وقدم إليه طاعته، ثم عاد إلى الأندلس،

(1) البيان المغرب القسم الثالث ص 22، وابن خلدون ج 6 ص 234، والحلل الموشية ص 111، وروض القرطاس ص 125، والحلة السيراء ص 200.

(2)

روض القرطاس ص 122 و 123.

ص: 326

وأقام الخطبة للموحدين بجامع قادس (1)، وفي وسعنا أن نرجع بداية تدخل الموحدين في شئون الأندلس إلى هذا التاريخ، أعني إلى سنة 540 هـ. وأما تدخل الموحدين العسكري في شئون الأندلس فيرجع وفقاً لقول ابن الأبار إلى أوائل سنة 541 هـ. وذلك أنه حينما وفد ابن قسي زعيم ثورة الغرب، على عبد المؤمن في ربيع الثاني سنة 540 هـ، ليحثه على إنجاد ثوار الغرب، واستخلاص الأندلس من أيدي المرابطين، بعث عبد المؤمن في المحرم سنة 541 هـ جيشاً إلى الأندلس، ومعه ابن قسي. وهذا الجيش هو الذي افتتح طريف والجزيرة الخضراء، ثم سار بعد ذلك إلى شلب ليفتتحها من يد ابن وزير المتغلب عليها، وليعيدها إلى صاحبها ابن قسي (2). بيد أننا قد بينا من قبل، أن عبور ابن قسي إلى المغرب، لابد أنه وقع بعد التاريخ الذي يحدده ابن الأبار بقليل، وذلك عقب فقد ابن قسي لحاضرته ميرتلة في شعبان سنة 540، وأن هذا العبور قد وقع حسبما يرجح في أواخر سنة 540 هـ (3)، فهنا وجه عبد المؤمن أول جيش موحدي إلى الأندلس بقيادة برّاز بن محمد المسّوفي، وكان قبل من قادة الأمير تاشفين، ثم انحاز بعد مصرعه إلى الموحدين، ثم أمده بجيش آخر بقيادة موسى بن سعيد، ثم بجيش ثالث بقيادة عمر بن صالح الصنهاجي، وكانت مهمة الموحدين في شبه الجزيرة، أن يقاتلوا اللمتونيين، والثوار معاً. وكان عبور هذا الجيش الموحدي إلى الأندلس في شهر المحرم سنة 541 هـ. وبعد أن استولى الموحدون على طريف والجزيرة الخضراء، ساروا إلى مدينة شَريش حيث انضم إليهم صاحبها أبو الغمر بن عزون وولده. ثم ساروا إلى مدينة لَبلة، فأعلن صاحبها يوسف بن أحمد البطروجي الطاعة. وقصد الموحدون بعد ذلك إلى ميرتلة، حاضرة ابن قسي من قبل، وكانت عندئذ تحت سلطان منافسه سيدراي بن وزير فاستولوا عليها. ثم استولوا على شلب، وردوا أمرها إلى ابن قسي. وساروا بعد ذلك إلى باجة ثم إلى بطليوس، وكانا لنظر ابن وزير، وعلى بطليوس من قبله خاله عبد الله بن الصميل، فأعلن ابن وزير الطاعة، وأطلق سجينه محمد بن عمر بن المنذر أحد زعماء المريدين، وكان قد تغلب عليه وسجنه

(1) ابن خلدون ج 6 ص 233.

(2)

ابن الأبار في الحلة السيراء ص 200.

(3)

ابن خلدون ج 4 ص 166، وج 6 ص 234.

ص: 327

حسبما ذكرنا من قبل في موضعه، ثم سُملت عيناه وهو في السجن، فقصد إلى شلب واستقر بها إلى جانب زميله وحليفه السابق ابن قسي (1).

وسيطر الموحدون في هذه الجولة الأولى على قواعد الغرب، التي كانت بأيدي المريدين، ولم تستغرق منهم سوى بضعة أشهر. بيد أنها لم تكن سوى مقدمة، لغاية أهم وأخطر، هي الاستيلاء على حاضرة إشبيلية.

وسار الموحدون في سائر قواتهم إلى إشبيلية، وانضم إليهم زعماء المريدين، أحمد بن قسي وسيدراي بن وزير ويوسف البطروجي كل في قواته، واستولوا في طريقهم صلحاً على طلياطة وحصن القصر، وهما قلعتا إشبيلية من الغرب، وقد أعلنت كلتاهما الطاعة، ثم ضربوا الحصار حول إشبيلية. وحاصرتها من البحر سفن الأسطول الأندلسي، بقيادة علي بن عيسى بن ميمون، صاحب قادس. ولم يطل أمد هذا الحصار، إذ لم يكن بإشبيلية سوى حامية مرابطية ضعيفة، تدافع في ظروف دقيقة، ومن حولها شعب خصيم متربص، وسرعان ما اقتحم الموحدون المدينة، ففر منها المرابطون إلى قرمونة، وقتل الموحدون من أدركوه منهم، وقتل في تلك المعمعة عبد الله بن العربي، ولد القاضي أبى بكر ابن العربي، عميد فقهاء المدينة وزعمائها. وتم فتح إشبيلية في اليوم الثاني عشر من شعبان سنة 541 هـ (18 يناير سنة 1147 م)(2) وكتب بالفتح إلى عبد المؤمن، فعلم به، وهو على وشك دخول مراكش، ثم قدم إليها بعد افتتاحها بقليل، وفد إشبيلية برياسة القاضي ابن العربي، يحمل إليه بيعة أهلها، حسبما ذكرنا من قبل، وذلك في أوائل سنة 542 هـ.

وكان بين مشيخة عسكر الموحدين بإشبيلية، عبد العزيز وعيسى، أخوا المهدي ابن تومرت. ولما كانت إشبيلية، عند فتحها دون أمير يتولى حكمها، فقد توليا هذه المهمة، فساء سلوكهما، وبغى كلاهما وطغى، واستحلا سفك الدماء ونهب الأموال، وغدت المدينة في ظلهما مسرحاً لشر ضروب الفوضى، وناهضهما في ذلك يوسف البطروجي صاحب لبلة، فاعتزما الفتك به، فغادر

(1) ابن الأبار ص 204، وابن خلدون ج 6 ص 234.

(2)

ابن الأبار في الحلة السيراء ص 239، وابن خلدون ج 6 ص 234، وابن الأثير ج 11 ص 43 و 44. ويقول صاحب روض القرطاس ان افتتاح الموحدين لإشبيلية كان في سنة 540 هـ (ص 123) وهي رواية ضعيفة.

ص: 328

إشبيلية إلى بلده، وأخرج الموحدين منها، ونقض الطاعة، وتحالف مع فلول المرابطين. وكذا فعل أهل طلياطة، وحصن القصر. ثم خرج على الطاعة ابن قسي صاحب شلب، وابن ميمون صاحب قادس، ومحمد بن الحجام صاحب بطليوس، ولم يثبت على طاعة الموحدين سوى ابن عزون صاحب شريش وولده.

ولنلاحظ أن خروج أولئك الزعماء عن طاعة الموحدين، قد وقع في نفس الوقت الذي اضطرمت فيه بالمغرب ثورة الماسي ضد الموحدين (542 هـ)، ولاح مدى حين أنها تهدد سلطانهم ودولتهم. وانتهز يحيى بن غانية فرصة هذا الاضطراب الذي ترتب على سوء تصرف الموحدين، وسخط زعماء الغرب على حكمهم، فبعث قوة من المرابطين، تغلبت على الجزيرة الخضراء، مدخل شبه الجزيرة، وتردد صدى ذلك في سبتة، فخلع أهلها الطاعة، بزعامة عميدها القاضي عياض السبتي، وقتلوا واليها يوسف بن مخلوف التينمللي ومن معه من الموحدين، وتولى أمرها يحيى بن أبى بكر الصحراوي، وذلك حسبما فصلناه في موضعه. وفي خلال ذلك ساءت الأحوال في إشبيلية وغادرها عبد العزيز وعيسى أخوا المهدي ومن معهما من الموحدين، ولحقا بحصن ببشتر من معاقل ابن عزون، تم سارا ومعهما ابن عزون في قواته، وحاصروا الجزيرة حتى افتتحوها، وقتلوا من بها من المرابطين. ثم عبر عبد العزيز وعيسى البحر بعد ذلك إلى المغرب ولحقا بمراكش حيث كان من أمرهما ومصيرهما ما سبق ذكره في أخبار الخوارج على عبد المؤمن (1).

ولما علم عبد المؤمن بما حدث في إشبيلية وغربي الأندلس، بادر فبعث جيشاً من الموحدين إلى شبه الجزيرة، بقيادة يوسف بن سليمان، وندب برّازاً ابن محمد المسّوفي لشئون الجباية بالأندلس. وسار يوسف في قواته أولا إلى لبلة، حيث قضى على ثورة البطروجي وأخضعه، وتلا ذلك إخضاعه لطلياطة، وحصن القصر. ثم سار إلى قاصية الغرب، فأخضع مدينة طبيرة، وأعلن صاحبها عامل ابن مهيب الطاعة، وأعلن علي بن عيسى بن ميمون صاحب شنتمرية الغرب وقادس كذلك عودته إلى الطاعة، وحذا حذوه محمد بن علي بن الحجام صاحب بطليوس، وبعث بطائفة من الهدايا الفخمة برسم الخليفة عبد المؤمن، فقبلت وكان لها وقع حسن. ولما دعيت وفود الأندلس إلى مقابلة الخليفة عبد المؤمن، وهو بسلا في سنة 545، سار زعماء الغرب، الذين تقدم ذكرهم وفي مقدمتهم سيدراي

(1) ابن خلدون ج 6 ص 234.

ص: 329

ابن وزير صاحب باجة ويابرة، إلى لقائه، ولم يتخلف منهم سوى ابن قسي صاحب شلب وميرتلة (1). وكان ابن قسي، حينما رأى تقدم الموحدين في أنحاء الغرب، وانضواء زعمائه تحت لوائهم، قد خشى البادرة على نفسه، وهو لم يكن حين أعلن طاعته للموحدين لأول مرة، مخلصاً لهم، ولا مؤمناً بدعوتهم، وإنما كان مقصده فقط أن يستعين بهم، وأن يأمن سطوتهم، فلما رأى أنه عاجز عن مقاومتهم، بعد أن خضع كل زملائه زعماء الغرب، تحول إلى النصارى، وبعث إلى ألفونسو هنريكيز ملك البرتغال، وهو الذي تسميه الرواية العربية بابن الرنق وابن الرنك (2) يناشده التحالف والعون، فاستجاب ألفونسو إلى دعوته، وبعث إليه بفرس من أفراسه، وترس ورمح، ووعده بالعون المنشود، فلما رأى أهل شلب تحول ابن قسي إلى النصارى، سخطوا عليه، ودبروا مؤامرة للتخلص منه، بزعامة ابن المنذر الأعمى، زميل ابن قسي وحليفه السابق، وكان الموحدون قد أطلقوا سراحه من سجن بطليوس، فعاد إلى شلب وأقام بها، حسبما تقدم، وشغل المتآمرون الحسين ولد ابن قسي بنزهة أعدوها له، ثم احتالوا على دخول القصر، وهو المسمى بقصر الشراجب، واقتحمت طائفة منهم الحصن، وفتكوا بابن قسي، ورفعوا رأسه على الرمح المهدي إليه من ملك النصارى، ونصبوا مكانه لرياستهم ابن المنذر، معلنين ولاءهم للدعوة الموحدية، وذلك في جمادى الأولى من سنة 546 هـ (سبتمبر 1151 م)، وبذلك انتهت رياسة ابن قسي، ورياسة المريدين الذين كانوا أول من أعلن الخروج والثورة على المرابطين في ولاية الغرب.

وكان ابن قسي عالماً ضليعاً، ولاسيما في علم الكلام والتصوف، وشاعراً جزلا. وقد أورد لنا ابن الأبار طائفة من نظمه. فمن ذلك قوله يشيد بثورته:

وما تدفع الأبطال بالوعظ عن حمى

ولا الحرب تطفأ بالرّقا والتمائم

ولكن ببيض مرهقات وذبّل

موازدها ماء الطلى والغلاصم

ولا صلح حتى نطعن الخيل بالقنا

ونضرب بالبيض الرقاق الصوارم

(1) ابن خلدون ج 6 ص 235.

(2)

ويسميه ابن الأبار بابن الريق (الحلة السيراء ص 200). ويسميه ابن الخطيب بصاحب قلمرية Coimbra، وقد كانت يومئذ عاصمة إمارة البرتغال الناشئة (أعمال الأعلام ص 251).

ص: 330

ونحن أناس قد حمتنا سيوفنا

عن الظلم لما جرتم بالمظالم (1)

وكان ابن المنذر، وقد فصلنا أخباره فيما تقدم، رجلا قوي الشكيمة لا تؤمن عواقبه، وكان الموحدون بالرغم من تمسكه بدعوتهم، يخشون انتقاضه وتقلباته، وكان سيدراي بن وزير من جهة أخرى يطمح بعد مصرع ابن قسي إلى احتلال شلب وضمها إلى أملاكه، ومن ثم فإنه لم يمض سوى قليل على ولاية ابن المنذر، حتى سار إلى شلب وتغلب عليها، وذلك حسبما فصله ابن صاحب الصلاة في كتابه " ثورة المريدين "، وهو مؤلف لم يصل إلينا. ولم يعترض الموحدون على هذا التغيير في رياسة شلب، ولكنهم خشوا أن يعود ابن المنذر الأعمى، إلى الثورة مرة أخرى، فنقلوه إلى إشبيلية ليقيم بها تحت رقابتهم. وبعد حين غادرها ابن المنذر، وعبر البحر إلى المغرب، وقصد إلى سلا، وأقام بها حتى توفي في سنة 558 هـ.

وكذا كان ابن المنذر، مثل زميله ابن قسي، عالماً وأديباً شاعراً، وقد نقل إلينا ابن الأبار طائفة من نظمه، فمن ذلك قوله يخاطب وزيره أبا بكر ابن المنخل، وقد كان أيضاً من شعراء الغرب في هذا العصر:

لئن غض منك الدهر يوماً بأزمة

فحسبك أن تلقي وأنت مبور

فليس أساً يبقى وإن جل مثل ما

على كل حال لا يدوم سرور

أيوجد في الدنيا من الناس صاحب

إذا أعرضت أبقى لداك عسير

طلبت عزيزاً لا ينال فإن يكن

فإن أبا بكر بذاك جدير

رضيت به حظاً من الناس كلهم

فما بعده حرٌّ إليه نُشير (2)

- 2 -

نعود الآن بعد أن استعرضنا تطور الحوادث في غربي الأندلس، وما انتهت إليه من بسط الموحدين لسلطانهم عليه، منذ إشبيلية حتى شلب في قاصية ولاية الغرب، إلى تتبع الحوادث في وسط الأندلس.

تركنا قرطبة، وقد استعاد الأمير يحيى بن غانية المرابطي سلطانه عليها، بمؤازرة القيصر ألفونسو السابع ملك قشتالة، وغادرها زعيمها السابق القاضي

(1) راجع الحلة السيراء ص 200 و 201 و 204، وأعمال الأعلام ص 251 و 252.

(2)

الحلة السيراء ص 204 - 206.

ص: 331

بن حمدين، بعد أن تخلى عن مؤازرته النصارى لما رأوه من تقدم الموحدين في ولاية الغرب، واستيلائهم على إشبيلية، واضطرارهم بذلك إلى مهادنة ابن غانية، وحماية سلطانه على قرطبة (أوائل سنة 541 هـ). وكان ألفونسو السابع يرى بحق، أن ابن غانية يمثل آخر ما تبقى من سلطان المرابطين في شبه الجزيرة، وأنه أضحى رمز المقاومة لزحف الموحدين إلى أواسط الأندلس، وكان ابن غانية يشعر بكثير من المرارة، أنه أضحى في الواقع تابعاً لملك قشتالة، وأن مصيره في قرطبة وفي الأندلس أضحى رهيناً بمشيئته. واستمر ابن غانية عدة أشهر أخرى يصانع النصارى، وملك قشتالة يشتط في مطالبه ورغباته، ويضيق عليه في تصرفاته. وأخيراً استدعاه ألفونسو إلى حصن أندوجر، وكان حاكمه، وهو رجل يعرف بالعربي، منضوياً تحت لواء النصارى، فسار ابن غانية إلى أندوجر، وهناك طالبه ملك قشتالة، بالتنازل له عن بيّاسة وأبّده، لقاء الاستمرار في محالفته وحمايته، فاضطر ابن غانية إلى القبول والتخلي عن هاتين القاعدتين الهامتين. ثم عاد ملك قشتالة فطالب ابن غانية، بالتخلي له عن مدينة جيّان، أو مضاعفة الجزية المفروضة عليه. والظاهر أن ابن غانية وعد ملك قشتالة، بإجابة مطلبه واستمهله بعض الوقت. واتصل في نفس الوقت سراً، ببراز بن محمد المسّوفي والى إشبيلية الموحدي، وكان حسبما تقدم من القادة المرابطين السابقين، واجتمع الإثنان خفية بمدينة إستجة، واتفقا على أن يقوم ابن غانية بتسليم قرطبة وقرمونة للموحدين. ويقول لنا ابن الخطيب بأن ابن غانية وصله خطاب عبد المؤمن " بما أحب " دون أن يوضح لنا ما الذي طلبه ابن غانية مقابل هذا التخلي، وربما كان ذلك هو معاونة الموحدين له على الاحتفاظ بجيان. ومن ثم فإنه لما بعث ملك قشتالة سفراءه إليه يطالبونه بالتعجيل بتسليم جيان، قبض عليهم وبعثهم إلى قلعة بني سعيد (قلعة يحصب) فاعتقلوا بها تحت حراسة مشددة، واضطر النصارى إلى الإفراج عن جيان (1). وعلى أثر ذلك غادر ابن غانية قرطبة إلى غرناطة، وهي آخر ما بقي للمرابطين من القواعد في شبه الجزيرة، وذلك في جمادى الثانية سنة 543 هـ، وكان يمتنع بها واليها ميمون بن يدِّر اللمتوني مع جماعة من قادة المرابطين.

(1) ابن خلدون ج 6 ص 235، والإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر) لوحة 272 في ترجمة عبد الملك بن سعيد. ولوحة 392 في ترجمة ابن غانية.

ص: 332

وكان ابن غانية يرمي وفقاً لرواية صاحب القرطاس إلى أن يحمل يدر اللمتوني على أن يسلم غرناطة للموحدين، على غرار قرطبة وقرمونة، ووفقاً لرواية ابن خلدون على أن يحمله على " مثل حاله مع الموحدين ". ويزيد ابن الخطيب الأمر وضوحاً، فيقول لنا إن ابن غانية كان يرمي إلى أن يجتمع في غرناطة بأعيان لمتونة ومسّوفه، في شأن تصريف الأمر إلى الموحدين. وقد يفهم من ذلك أن ابن غانية انتهى بإعلان طاعته للموحدين وانضوى تحت لوائهم (1). بيد أنه مما ينقض هذه الرواية ما يذكره لنا ابن الخطيب في موضع آخر من أن ابن غانية، بعد أن حل بغرناطة، أقام بها شهرين ثم مرض وتوفي، وكان يقول للمرابطين، في مرض موته، وقد عول على جعل غرناطة معقلا للدعوة المرابطية:" الأندلس درقة وغرناطة قبضتها، فإذا جشمتم يا معشر المرابطين القبضة لم تخرج الدرقة من أيديكم ".

وهو ما ينفي عن ابن غانية أية شبهة في الانحراف عن الدعوة المرابطية (2).

وكانت وفاة يحيى بن غانية في الرابع والعشرين من شعبان سنة 543 هـ (7 يناير 1149 م). ودفن بداخل قصبتها بالمسجد المتصل بقصر باديس ابن حبوس، ومجاوراً له في مدفنه، وكان قبره مزاراً معروفاً يتبرك به حتى أيام ابن الخطيب (أواسط القرن الرابع عشر)(3).

وعلى أثر وفاة ابن غانية، غادر مولاه العلج فلّوج غرناطة إلى حصن بشير، وكان سيده قد ولاه إياه، وأودع فيه أمواله وذخائره، وكانت مقادير طائلة واستعان على حفظه بجماعة من النصارى. ثم خطر له أن يلحق بابن أخى مولاه إسحق بن غانية. واستخلف على الحصن رجلا من أهل سرقسطة يعرف بابن مالك، فقبض عليه إسحق وعذبه حتى مات. ولما علم الموحدون بما حدث، سارت منهم سرية من مدينة لوشة القريبة، وغلبوا على الحصن، واستولوا على سائر ما كان فيه من الأموال والحلي والثياب وكان منها ذخائر جليلة (4).

وكان يحيى بن علي بن غانية أميراً نابهاً، وجندياً وافر الجرأة والشجاعة، والخبرة بأساليب الحروب، وكان في نفس الوقت سياسياً فطناً، وحاكماً وافر

(1) روض القرطاس ص 125، وابن خلدون ج 6 ص 235، وابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال) لوحة 392.

(2)

ابن الخطيب في الإحاطة (1956) ج 1 ص 103 و 104.

(3)

ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال) لوحة 392.

(4)

ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال) لوحة 360.

ص: 333

الكفاية والمقدرة، وقد استعرضنا فيما تقدم مراحل حياته، وما وليه من مختلف المناصب، وما ساهم به في محاربة النصارى، ولاسيما موقعة إفراغة (528 هـ) التي أحرز فيها المرابطون نصرهم الباهر على ألفونسو المحارب. ويلخص لنا ابن الخطيب خلاله في قوله:" كان بطلا شهماً، حازماً، كثير الدهاء والإقدام، والمعرفة بالحروب، مجمعاً على تقدمه ". أما أخوه الأصغر محمد بن علي بن غانية، فقد ولي حكم الجزائر الشرقية منذ سنة 520 هـ، أيام علي بن يوسف، ولبث على ولايتها مدة طويلة حتى تعثرت أحوال الدولة المرابطية، وانهارت دعائمها، فاستقل بحكم الجزائر. وكان لعقبه بها دولة، استمرت دهراً حصناً للدعوة المرابطية، ومركزاً للكفاح المرير ضد الدولة الموحدية.

وكان ملك قشتالة في تلك الأثناء، يرقب الحوادث، ويتربص الفرص.

فما كاد ابن غانية، يتخلى للموحدين عن قرطبة، ويغادرها إلى غرناطة، حتى زحف القشتاليون على عاصمة الخلافة القديمة، والظاهر أنها كانت عندئذ بلا دفاع، أو كانت لديها حامية صغيرة، لا تستطيع دفعاً للنصارى، فدخلها القشتاليون للمرة الثانية خلال عامين، وذلك فيما يبدو في جمادى الثانية أو رجب سنة 543 هـ (نوفمبر أو ديسمبر سنة 1148 م). بيد أنه كان احتلالا قصير الأمد، ذلك أن الموحدين مذ حصلوا على موافقة ابن غانية، على التخلى لهم عن قرطبة، لم يفتهم أن النصارى، وهم على مقربة منها في حصن أندوجر، يرقبون الفرصة لاحتلالها، ومن ثم، فإن برّازاً المسّوفي والي إشبيلية، جهز في الحال حملة موحدية بقيادة أبى الغمر بن عزون صاحب شريش، تؤازرها قوة أخرى بقيادة يوسف البطروجي، صاحب لبلة، وكتب إلى الخليفة عبد المؤمن في نفس الوقت لإمداده بالعساكر، فبعث إلى الأندلس على وجه السرعة، جيشاً موحدياً بقيادة أبى زكريا يحيى يومور. وزحفت العساكر الموحدية صوب قرطبة، فلما شعر ملك قشتالة بوفرة القوات الموحدية الزاحفة، لم يرد أن يشتبك وهو بعيد عن قواعده ومملكته، في معارك لا تؤمن عواقبها، فغادر قرطبة في قواته لأيام قلائل من احتلالها، ودخل الموحدون قرطبة، وبسطوا سلطانهم عليها، وذلك في شهر رجب أو شعبان سنة 543 هـ. ولم تمض أشهر قلائل على ذلك حتى احتلوا مدينة جيان، بعد أن لبث القشتاليون يهددونها حيناً، ويحاولون احتلالها (1). ثم استولوا

(1) ابن خلدون ج 6 ص 235، وروض القرطاس ص 125.

ص: 334

على بياسة وأبدة من النصارى، وبذلك امتد سلطان الموحدين إلى أواسط الأندلس، ولم يبق بيد المرابطين سوى مدينة غرناطة، التي استطاعوا أن يحتفظوا بها بضعة أعوام أخرى.

- 3 -

وفي تلك الآونة بالذات، حدثت في شرقي الأندلس عدة حوادث هامة، أولها قيام محمد بن سعد بن مردنيش في بلنسية ومرسية، وبسطه لسيادته على شرقي الأندلس (542 هـ)، ومحالفته للنصارى؛ وثانيها سقوط القواعد الإسلامية الباقية من الثغر الأعلى في أيدي النصارى، وهي طرطوشة ولاردة وإفراغة ومكناسة (543 - 544 هـ). وقد كان من الواضح منذ البداية، ان ابن مردنيش، وهو يمثل الفكرة القومية الأندلسية، سوف يخوض مع الموحدين صراعاً لا هوادة فيه، وهو قد بدأ هذا الصراع بالفعل، مذ شعر بتوطد سلطانه واجتماع قواته، فسار إلى بسطة، ووادي آش، وانتزعهما من صاحبهما ابن ملحان الطائي في سنة 546 هـ (1153 م) وذلك حسبما فصلنا من قبل. وهكذا امتدت أملاك ابن مردنيش إلى مقربة من جيان، التي كانت يومئذ قاعدة موحدية.

بيد أنه وقعت في نفس هذا العام في بلنسية وابن مردنيش بعيد عنها، ثورة داخلية، انتهت بقيام زعيم يدعى أبا مروان عبد الملك بن شلبان في حكمها. فارتد ابن مردنيش بقواته ليحاصر بلنسية مدى حين. ولم يشر إلى قيام هذه الثورة، ويقدم إلينا بعض تفاصيلها سوى ابن الأبار (1). بيد أن هنالك نص آخر يشير إليها من زاوية أخرى، وهو عبارة عن رسالة موحدية، بعث بها الخليفة عبد المؤمن إلى " الشيخ أبى عبد الله محمد بن سعد " من حضرة مراكش مؤرخة في 16 جمادى الآخرة سنة 548 هـ. والظاهر من نص هذه الرسالة، أن هذه الثورة التي كانت في بلنسية ضد محمد بن سعد، كانت تعلن " التوحيد " شعاراً لها، وأن ابن مردنيش، حينما تم له اقتحام بلنسية، وإخضاع الثورة، قد نكل بالثوار، ولاسيما الذين أبدوا ميلهم للدعوة الموحدية. كذلك يبدو من هذا النص أن أهل مدينة لورقة قد أبدوا نفس الميل إلى الدعوة الموحدية، وأن ابن سعد قد نكل بهم أسوة بما فعله بأهل بلنسية، ويدعو الخليفة عبد المؤمن في رسالته ابن سعد إلى اعتناق أمر المهدي، والدخول في الدعوة الموحدية، ويلفت نظره

(1) هذا ما ورد في التكملة (القاهرة) - الجزء الثاني - رقم 1313 و 1394.

ص: 335

إلى أنه لم يفز أحد من زعماء الأندلس ببغيته إلا من دخل في هذه الدعوة، وأن من خرج عليها منهم، كان جزاؤه سوء المنقلب، ثم يدعوه إلى المبادرة إلى الاعتبار، ويلومه بما كان منه في حق أهل بلنسية " حينما أظهروا كلمة التوحيد " وكذلك أهل لورَقهّ " حينما ظهر إخلاصهم "(1).

وقد كان هذا فيما يبدو، أول احتكاك بين ابن سعد وبين الموحدين.

وقد كان الموحدون يعتقدون أنهم سوف يجدون في شرقي الأندلس، نفس الطراز من الزعماء الثائرين، الذي لقوا في غربي الأندلس، يعبرون البحر إليهم، ويلتمسون إلى خليفتهم العون والإمداد، ولكن هذا الأمل لم يتحقق في ابن مردنيش، وهو سوف يغدو منذ الآن فصاعداً، ألد خصومهم، وأصلبهم عوداً، وأرسخهم عزماً، في مقاومة الدعوة الموحدية في شبه الجزيرة.

وفي أواخر سنة 547 هـ (أواخر 1152 م) تقدمت القوات الموحدية من أنتقيرة، وكذلك من الفرنتيرة نحو مالقة، واستولت عليها، وذلك عقب مصرع صاحبها المتغلب عليها القاضي أبى الحكم بن حسون، وتم لهم بذلك الاستيلاء على كورة ريّة كلها.

وكانت سنة 549 هـ (1155 م) سنة مليئة بالأحداث الهامة بالنسبة للموحدين والدولة الموحدية. ويمكننا أن نعتبر أن أهم حادث وقع فيها، هو إسناد عبد المؤمن ولاية عهده لولده البكر محمد. ونحن نعرف أن الدولة الموحدية، قامت على أسس دعوة دينية، وأن عبد المؤمن، حينما أتيح له أن يجتني تراث المهدي ابن تومرت، لم يكن قيامه في الخلافة نتيجة وراثة أو ولاية عهد، وإنما كان في الظاهر على الأقل نتيجة لاختيار مختلف القبائل والطوائف الموحدية، وتفضيلها لعبد المؤمن، بالرغم من كونه لم يكن من قبيلة المهدي، لخلاله ومقدرته، ولأنه كان بالنسبة للمهدي، أوثق أصحابه وتلاميذه صلة به، وآثرهم لديه. ولكن الحوادث تطورت منذ وفاة المهدي، تطوراً عميقاً، وقام عبد المؤمن في قيادة الدولة الموحدية الناشئة بأعظم دور، وأبدى في مصارعة خصومها وفي توطيد دعائمها مقدرة فائقة، وأضحى عاهلها القوي يقود مصايرها بعزم لا مثيل له، وحوله تلتف سائر الزعامات الموحدية، تحبوه بمطلق تأييدها وطاعتها.

(1) راجع رسائل موحدية التي سبقت الإشارة إليها، الرسالة العاشرة ص 36 و 37. وقد نشرت هذه الرسالة أيضاً في صبح الأعشى ج 6 ص 443.

ص: 336

ونحن نذكر أن عبد المؤمن، بعد أن أتم فتح بجاية، وقضى على ثورة العرب في إفريقية، وعلى ثورة القبائل الخارجة في أرض السوس وغيرها، غادر مراكش إلى تينملل، فزار قبر المهدي، وأمر ببناء مسجدها وتوسيع خططها، ثم سار منها إلى سلا، لإصلاح خططها أيضاً، وليتم المنشآت التي بدأها في عدوتها الرِّباط، وكان ذلك في أوائل أواسط سنة 549 هـ. ففي تلك الفترة، وقعت تولية عبد المؤمن لولده أبى عبد الله محمد لولاية العهد. ولم يقدم لنا البيذق وهو المؤرخ المعاصر وشاهد العيان، أي تفصيل عن هذا الحادث الجلل، في تاريخ الدولة الموحدية، مكتفياً بالإشارة إليه في بضع كلمات (1). بيد أنه يستفاد من مختلف التفاصيل، التي وردت في رسائل الخليفة عبد المؤمن ذاته، أن هذا التعيين قد اتخذ سبيل الشورى والاختيار من جانب الموحدين، فهو يقول في رسالته التي وجهها عن هذا الموضوع إلى أهالي سبتة وطنجة، ومن بها من الطلبة والأشياخ والموحدين، إن أولياء هذه الدعوة من القبائل والعشائر الشرقية المختلفة، العربية والصنهاجية، تقدموا باقتراحهم ورغبتهم في هذه البيعة بولاية العهد، وبعثوا إليه بذلك مراراً وتكراراً، وأنهم لما وفدوا عليه بسلا، أبدوا رغبتهم صراحة، واختاروا لذلك ولده محمداً بالذات، ورغبوا إليه في أن يتولى هو حكم بلادهم، وأنه أي عبد المؤمن لم يكن له في ذلك كله قصد ينويه، وأنه رأى بعد استخارة الله تعالى، أن يجمع حوله بسلا شيوخ الموحدين وطلبتهم وعمالهم، وأن يشاورهم في هذا الأمر. وتقدمهم الشيخ الأجل أبو حفص عمر ابن يحيى، وأكد أنهم هم المتقدمون بذلك، وأنهم يرون وجوبه وتنفيذه، وأنهم هم السابقون إلى مبايعته على حدود الشرع ورسومه، وأكد سائر الطلبة والفقهاء ما تقدم، واتفقوا جميعاً على وجوب تحقيقه، " لأن فيه من إبقاء الأمر في نصابه، وإتيان الحق من أبوابه، واتباع الدين من أخلاّئه وأحبابه، وقطع كل منافق مرتاب عن أسباب نفاقه وارتيابه، والنظر فيما يجمع كلمة الموحدين، ويضم شمل المؤمنين، بأوائل هذا القصد الصالح وأعقابه، ما ابتنى عليه اتفاقهم وإصفاقهم، واسترسل فيه تعيينهم وإطلاقهم ". ثم يزيد عبد المؤمن على ذلك، بأن ذلك لم يكن له في نفسه " عقد سابق، ولا نظر لاحق، وأنه لما رأى اتفاق كلمة الموحدين على ربط هذا الأمر وعقده، استخار الله في الاتفاق

(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 118.

ص: 337

معهم على إنفاذه؛ وبدأ البيعة الشيخ الأجل أبو حفص، وتتابع من بعده الأشياخ والطلبة، ومن حضر من قبائل الموحدين، قبيلا بعد قبيل (1)، وكتب بولاية العهد إلى سائر البلاد.

وإنه لما يلفت النظر، أن الخليفة عبد المؤمن يؤكد في رسالته غير مرة، أنه لم يفكر ولم يكن له قصد سابق في هذا التعيين لولده، ثم هو يعود فيؤكد في رسالة ثانية وجهها إلى أهل سبتة، وإلى الطلبة والأشياخ، أنه لم يكن عنده في ذلك " قصد متقدم، ولا عهد متوهم، لكنه أمر الله أراده فأتمه، واختاره لعباده فشمله بآمالهم وعممه "(2). نقول إن في هذا التنصل من جانب الخليفة الموحدي، ما يدلي بأنه كان يشعر بخطورة هذه الخطوة التي عمد إليها في اختيار ولده لولاية العهد، ويخشى أن يبدو في اتخاذها ملكاً دنيوياً، يعمل لتخليد السلطان في عقبه، وليخلق منهم أسرة ملوكية. وقد رأينا فيما تقدم كيف أنه حينما توفي المهدي ابن تومرت في رمضان سنة 524 هـ (1130 م) استطاع عبد المؤمن دون غيره من أشياخ الموحدين، أن يفوز بالخلافة، وأن يجتني تراث المهدي الديني والسياسي، وأن يتم بعد جهود طويلة شاقة، مهمته الأساسية في القضاء على الدولة المرابطية، وفي توطيد سلطان الدولة الموحدية، ولم يكن ثمة شك في أن تحقيق هذه المهمة الكبرى، يرجع في معظم نواحيه إلى عبقرية عبد المؤمن، ومقدرته العسكرية والسياسية، وإذن فقد كان من الطبيعي أن يتطلع عبد المؤمن إلى الاحتفاظ بثمار جهاده، وإلى أن يورثها لبنيه وعقبه.

بيد أن هناك رواية تقول لنا إن عبد المؤمن لم يحقق ولاية العهد لولده، نتيجة للشورى ونزولا على رغبة الأشياخ والقبائل، حسبما يؤكد لنا في رسائله، ولكن تحقيقها كان بالعكس نتيجة لترتيب سابق، دبره عبد المؤمن بالتفاهم مع بعض أنصاره. وذلك أن عبد المؤمن حينما شعر بتوطد مركزه، وكثر أولاده من حوله، قرر أن يستبقي الملك في عقبه، واستدعى أمراء العرب من بني هلال وزغبة وعدى وغيرهم، ووصلهم وأحسن إليهم، ودفع إليهم من يقول لهم، أن يطلبوا إلى عبد المؤمن أن يختار لهم ولي عهد من بنيه، يرجع الناس إليه من بعده، ففعلوا ما طلب إليهم، فلم يجبهم عبد المؤمن في بادىء الأمر، إكراماً لأبى حفص

(1) مجموعة الرسائل الموحدية السالفة الذكر - الرسالة الثالثة عشرة، ص 56 - 60.

(2)

الرسائل الموحدية - الرسالة الرابعة عشرة، ص 62.

ص: 338

عمر بن يحيى الهنتاني، لعلو منزلته بين الموحدين، وكان يعتبر ثاني رجل في الدولة بعد عبد المؤمن، وكان من المتفق، يوم تولى عبد المؤمن الخلافة، أن يلي عمر الأمر من بعده، ومن ثم فإن عبد المؤمن أجاب من طالبوه بترشيح ولده، أن الأمر ليس له، وإنما هو لأبى حفص عمر. فلما وقف أبو حفص على ذلك، خشي عاقبة هذا التوريط، فمثل أمام عبد المؤمن وأعلن خلع نفسه من الولاية، فعندئذ بويع لمحمد بن عبد المؤمن بولاية العهد، وكتب بذلك إلى جميع الجهات، وذكر اسمه في الخطبة إلى جانب اسم أبيه (1).

ولم يكتف عبد المؤمن بهذه الخطوة الحاسمة في تحقيق ولاية العهد لولده ولكنه قرنها في نفس الوقت (سنة 549 هـ) بخطوة أخرى، هي تولية أولاده حكم البلاد، فندب ولده ووليّ عهده السيد أبا عبد الله محمد، لحكم بجاية وأعمالها، واستوزر له يخلف بن الحسين؛ وولده السيد أبا الحسين لحكم فاس وأعمالها، واستوزر له يوسف بن سليمان؛ وولده السيد أبا حفص لحكم تلمسان واستوزر له أبا محمد بن وانودين، وعين لكتابته الفقيه أبا الحسن بن عبد الملك ابن عياش؛ وولده السيد أبا سعيد لحكم سبتة ومالقة والجزيرة الخضراء، واستوزر له محمد بن سليمان وسعيد بن ميمون الصنهاجي، ومن الكتاب الفقيه أبا الحكم ابن هرودس، والفيلسوف أبا بكر بن طفيل. ويضع البيذق تاريخ هذه التولية في سنة 548 هـ ويزيد على ذلك، أن الخليفة أعطى ولده يوسف حكم إشبيلية.

ولكن سنرى أن هذه التولية تمت بعد هذا التاريخ. وولى ولده أبا الربيع حكم تادلا، وولده أبا زيد أرض السوس، ويقدم إلينا البيذق بهذه الناسبة بعض البيانات عن أولاد الخليفة وأمهاتهم، فيقول لنا إن عمر ويوسف شقيقان وأمهما صفية بنت أبى عمران. وفي هذا العام أعني في سنة 548 هـ، وُلد للخليفة ولده يعقوب بقصر عبد الكريم، وأمه جارية أهداها إليه ابن وزير، وولد عمر الرشيد في عرض البحر، وأمه من قادس، وكان أبو زيد عند ولايته صبياً صغيراً، وأمه لمطية من قبيلة لمطة. ومن أولاد عبد المؤمن أيضاً السيد اسماعيل، وأمه بنت ماكسن بن المعز، وعلي وأمه فاسية تدعى فاطمة، ومحمد وأخوه موسى وأمهما من بلاد السوس (2).

(1) ابن الأثير ج 11 ص 79.

(2)

راجع أخبار ابن تومرت ص 116 و 117، وابن الأثير ج 11 ص 79، وابن خلدون ج 6 ص 236، وروض القرطاس ص 136 و 137.

ص: 339

وبعد أن انتهى عبد المؤمن من عقد البيعة بولاية العهد لولده محمد، وتولية أولاده الآخرين حكم البلاد، أخذ في النظر في شئون الأندلس. وتوجيه البعوث إلى حمايتها وضبط أمورها. وكانت قد حدثت في ذلك الحين في ولاية الغرب بعض الحوادث المقلقة. ومن ذلك أن علياً الوهيبي أحد ثوار الغرب، هاجم في صحبه مدينة لبلة ليلا، وأخذ أهلها على غرة وفتك بكثير منهم، فلجأ الناس إلى قصبة الموحدين. فحاصر الوهيبي القصبة، وأرهق من بها، فلما وقف يحيى بن يومور والى قرطبة وإشبيلية الموحدي على ما حدث، غادر من فوره قرطبة في عسكر من الموحدين، وسار إلى لبلة، فبادر الوهيبي بالفرار، وخرج أهل لبلة في اليوم التالي، معتذرين طائعين، فلم يقبل منهم عذراً، واعتبرهم جميعاً مذنبين، وأوقع السيف فيهم أجمعين، ولم يرحم منهم أحداً، وكان ممن قتل من أعيان فقهائهم، الفقيه أبو الحكم بن بطال المحدث، وأبو عامر بن الجد.

وتقدر الرواية من قتل من أهل لبلة في ذلك اليوم بثمانية آلاف، ومن أحوازها بأربعة آلاف، ثم بيع نساؤهم وأولادهم. وكان مع ابن يومور في تلك الوقيعة أبو الغمر بن عزون، وهو الذي أشار عليه بارتكاب هذا الجرم. ووقع الفتك بأهل لبلة، على هذا النحو في الرابع عشر من شعبان سنة 549 هـ. فلما بلغ عبد المؤمن ما فعله ابن يومور، وما ارتكبه من شنيع السفك بأهل لبلة بمحض رأيه واستبداده، بعث أبا محمد عبد الله بن أبى حفص إلى إشبيلية ومعه أمر باعتقال ابن يومور، فاعتقله بمعاونة برّاز بن محمد، وأخذاه يوم الفطر مكبلا، وبعثا به إلى مراكش في صحبة عبد الله بن سليمان، فاعتقل بمنزله، واستمر على ذلك حيناً إلى أن زار الخليفة قبر المهدي، وسار ابن يومور في ركبه، فعفا عنه وأمنه، وأبقى عليه حساب الآخرة، ثم بعثه إلى تلمسان صحبة ابنه السيد أبى حفص ضمن أشياخ الموحدين الذي ساروا في رفقته (1).

وفي آخر هذا العام، وفد ابن وزير صاحب باجة ويابرة إلى مراكش، مستغيثاً بالخليفة من أعمال ملك البرتغال ألفونسو هنريكيز، وهو المسمى في الرواية العربية ابن الرنك، أو ابن الرنق، وتفاقم عدوانه على الثغور ودأبه على غزو أراضيهم والعيث في بسائطهم، وإتلاف زروعهم، وتشتيت شملهم، فوعده الخليفة

(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 29 و 30، وروض القرطاس ص 127، وابن خلدون ج 6 ص 236.

ص: 340

بالعون، وردع العدو وتحقيق النصر الذي يؤمل، وأمر بالكتب بذلك إلى أهل يابرة وباجة، فوجهت إليهم الكتب في الثالث والعشرين من المحرم سنة 550 هـ (1).

* * *

وزار عبد المؤمن قبر المهدي في هذه السنة، ثم غادر تينملل إلى سلا، وبقي بها حسبما يحدثنا البيذق مدى عامين، ثم عاد إلى مراكش، وأمر بأن يغرس في خارجها بستان عظيم، أطلق عليه اسم " شنطلوليه "(2)، وعنى بتخطيط هذا البستان (أو البحيرة كما كانت تسمى الحديقة يومئذ) أحمد بن ملحان صاحب وادي آش السابق، وأجرى إليه الماء من أغمات، ومن عيون كثيرة أنشأها، وكان قد وفد على مراكش بعد استيلاء ابن مردنيش على أراضيه في سنة 546 هـ، واستعمل في إنشاء البستان وغرسه، لما له في ذلك من خبرة هندسية فائقة (3).

وزود هذا البستان الضخم، بسائر الغروس من الفواكه والأزهار والرياحين، والأشجار النادرة، ولم يمض سوى قليل حتى غدا بجمال تنسيقه، وروعة نضرته، وكأنه قطعة من الجنان. ويقول ابن اليسع إن هذا البستان كان يشغل مساحة قدرها ثلاثة أميال في مثلها، وأنه بعد عامين أو ثلاثة من غرسه كان إيراد زيتونه وفواكهه، يبلغ ثلاثين ألف دينار مؤمنية على رخص أثمان الفواكه (4).

ويقص علينا صاحب المعجب، أن الوزير أبا جعفر بن عطية، دخل على عبد المؤمن ذات يوم، وهو جالس في قبة مشرفة على البستان، فسحره جمال البستان وروعته، ولاحظ ذلك عبد المؤمن، فأبدى له أن المنظر الحسن إنما هو شىء آخر، وبعد ذلك بأيام قلائل أجرى الخليفة عرضاً لعسكره، ومرت الكتائب، متوالية في أكمل هيئة ونظام، وكان إلى جانبه وزيره، فالتفت إليه قائلا " إن هذا هو المنظر الحسن يا أبا جعفر لا ثمارك وأشجارك "(5).

وقضى عبد المؤمن بقية هذا العام (سنة 552 هـ) في الطواف بنواحي الأطلس وبلاد السوس، ومعه طائفة من أشياخ الموحدين وطلبتهم وحفاظهم،

(1) البيان المغرب القسم الثالث ص 20.

(2)

أخبار المهدي ابن تومرت ص 120.

(3)

أعمال الأعلام ص 264.

(4)

الحلل الموشية ص 110.

(5)

المراكشي في المعجب ص 112.

ص: 341

وكان يرمي بهذا الطواف إلى الاتصال بالقبائل المنضوية تحت لواء التوحيد، فاجتمع خلال طوافه بأبناء جدميوة، ومصمودة، وجنفيسة، ورجراجة، وحاحة، كل قبيلة منهم في مكانها، وأمر بأن تلقي عليهم المواعظ والتعريف بمقاصد التوحيد، تذكيراً لهم، وتوطيداً لعقائدهم، وفرق فيهم الصلات. ثم وفد عليه جملة من قبائل جزولة، طالبين الأمان، ومؤكدين ولاءهم وإيمانهم، وصادق توبتهم، فحذروا من العود إلى الخلاف، وما يترتب على ذلك من الهلكة، وشملهم العفو والرحمة. وسار الخليفة بعد ذلك إلى تارودانت واجتمع فيها بقبائل السوس، فأكدوا له عهد الولاء والطاعة، وشملتهم رعايته ومننه. ولما وصل إلي آنسا، وهي طرف بلاد السوس، اجتمعت حوله قبائل تينملل وهنتانة، فنالهم ما نال اخوانهم من أسباب الخير والبركة. وكان فصل الخريف قد انصرم يومئذ، وأقبل الشتاء، فسار عبد المؤمن إلى تينملل ليختتم جولته بزيارة قبر المهدي مرة أخرى، وقصد إليها، " والنفوس قد حفزها الشوق إلى مقامه، وسارع بها الحرص إلى معالمه المقدسة وأعلامه "، وذلك حسبما يقول لنا في رسالته المستفيضة التي أمر بكتبها عن رحلته. وهنالك تقاطرت عليه وفود القبائل من سائر تلك الأقطار، وازدحمت بهم الوديان والربى، وشملوا جميعاً بالرعاية والإكرام، " وأفهموا في أثناء ذلك من مقاصد الحق المبين، وعقائد الدين المتين، ما شرح صدورهم، وضاعف سرورهم "، وتأكد ولاؤهم، وتمسكهم بدعوة التوحيد.

وانتهت رحلة الخليفة، بعد أن تحققت مقاصدها، في العمل على إحياء الدعوة الموحدية في مهادها، وتذكير مختلف القبائل بما يجب عليهم نحوها من الولاء والإخلاص، وتحذيرهم من عواقب الخروج والردة، وتنقية النفوس من الشوائب.

وعاد عبد المؤمن إلى مراكش في أواخر رمضان سنة 552 هـ، وصدرت عن رحلته بتاريخ الثامن من شوال رسالة مستفيضة، من إنشاء كاتبه أبى عقيل بن عطية، أخى الوزير أبى جعفر، وهي رسالة ممتعة كتبت بأسلوب بليغ مشرق (1).

وكان هذا العام - 552 هـ - عام الأحداث المباركة، فكان بعد الحج إلى تينملل، أن أحضر المصحف العثماني من قرطبة إلى مراكش، تحقيقاً لرغبة الخليفة عبد المؤمن. وكان هذا المصحف أحد المصاحف الأربعة المشهورة التي

(1) راجع هذه الرسالة ضمن مجموعة الرسائل الموحدية، وهي الرسالة السابعة عشرة (ص 81 - 92).

ص: 342

بعث بها الخليفة عثمان إلى الأمصار - مكة والبصرة والكوفة والشام - وكان من ذخائر بني أمية بالأندلس، يودعونه بجامع قرطبة الأعظم. وقد وصفه لنا الإدريسي عند حديثه عن جامع قرطبة في الفقرة الآتية:" وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطشوت ذهب وفضة وحسك، وكلها لوقيد الشمع في كل ليلة من شهر رمضان ْالمعظم. ومع ذلك ففي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله، فيه أوراق من مصحف عثمان بن عفان، وهو المصحف الذي خطه بيمينه رضي الله عنه، وفيه نقط من دمه. وهذا المصحف يخرج في صبيحة كل جمعة، ويتولى إخراجه رجلان من قومة المسجد، وأمامهم رجل ثالث بشمعة. وللمصحف غشاء بديع الصنعة منقوش بأغرب ما يكون من النقش وأدقه وأعجبه، وله بموضع المصلى كرسي يوضع عليه، ويتولى الإمام قراءة نصف حزب منه، ثم يرد إلى موضعه "(1).

فلما استولى الموحدون على قرطبة، كان من أجل أماني عبد المؤمن أن ينقل هذا المصحف إلى مراكش، ويقال إن أهل قرطبة هم الذين عملوا على إهدائه إلى الخليفة الموحدي، وكان إخراجه من جامع قرطبة في اليوم الحادي عشر من شوال سنة 552 هـ، وحمله إلى المغرب السيدان أبو سعيد وأبو يعقوب ولدا الخليفة، فلما وصل إلى مراكش استقبله الخليفة بأعظم آيات التبجيل والإجلال، وصنع له كسوة عظيمة مرصعة بأنواع اليواقيت والأحجار النفيسة، وتابوتاً من صفائح الذهب المرصع بالياقوت الأحمر، وعمل لحمله كرسي فاخر كذلك، وكان عبد المؤمن يحمله بعد ذلك في مقدمة جيشه في حملاته تبركاً به، وقد حمله معه في غزوة المهدية سنة 554 هـ (2). ولبث هذا المصحف النفيس لدى الخلفاء الموحدين زهاء قرن آخر حتى أواخر دولتهم.

وأمر عبد المؤمن في نفس العام، بإنشاء المسجد الجامع بمراكش، وبدىء بإنشائه في أوائل ربيع الآخر سنة 553 هـ، وأنشأ له " ساباطاً " يوصل إليه من القصر مباشرة، وزوده بمنبر فخم أمر بصنعه في الأندلس، من خشب العود والصندل، المغطى بصفائح الذهب والفضة، وصنع له مقصورة من الخشب

(1) الإدريسي في " وصف المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس " ص 210 و 211.

(2)

نقل إلينا المقري رواية ابن طفيل عن قصة هذا المصحف وحمله إلى المغرب كاملة مفصلة، ووصف كسوته الفاخرة، وما زينت به من روائع التحف والذخائر (نفح الطيب ج 1 ص 284 - 288). وراجع أيضاً الحلل الموشية ص 115 و 116، والمعجب ص 142.

ص: 343

ذات ستة أضلاع، تفتح أبوابها دفعة واحدة بطريقة آلية، وكذا المنبر لا يفتح إلا عند صعود الخطيب، بطريقة آلية كذلك. وكان الذي قام على صنع المنبر والمقصورة على هذا النحو المبتكر، رجل فنان من أهل مالقة هو الحاج يعيش المالقي، وهو الذي قام فيما بعد على تخطيط مدينة جبل طارق، وصنع منارة الجامع بإشبيلية، في عهد الخليفة يعقوب المنصور، حفيد عبد المؤمن. وكمل بناء المسجد الجامع في نحو أربعة أشهر، في منتصف شعبان من نفس السنة، وبذلت في بنائه وتجميله وزخرفته جهود عظيمة وأموال جمة (1).

- 4 -

لما أقيل ابن يومور عقب مذبحة لبلة، من ولاية قرطبة وإشبيلية على النحو المتقدم، ندب الخليفة عبد المؤمن مكانه لولاية قرطبة أبا زيد عبد الرحمن بن يكيت أو يخيت، ولولاية إشبيلية أبا محمد عبد الله بن أبى حفص بن علي التينمللي، فوصلا إلى الأندلس في أوائل سنة 550 هـ (1155 م)، وذهب كل منهما إلى مقر ولايته. وما كاد ابن يكيت يستقر في قرطبة، حتى خرج في بعض القوات الموحدية، وسار إلى مهاجمة الحصون النصرانية في المناطق القريبة، وكان القشتاليون بقيادة ملكهم ألفونسو السابع، قد استولوا على حصن أندوجر، وحصن البطروج القريب منه، قبل ذلك بقليل، فهاجم ابن يكيت، حصن البطروج (2) وما يليه من حصون النصارى، وتغلب على الحصن المذكور، وأسر قائده القشتالي، وبعث به إلى مراكش، ثم عاد فجهز حملة ثانية، وسار إلى مهاجمة الحصون النصرانية، واستولى منها في تلك المرة على حصنين منيعين، هما حصن منتور وحصن المدور (3)، وهما يقعان جنوبي قرطبة، وبعض حصون أخرى.

وكان مثل ابن يكيت حافزاً لزميله عبد الله بن أبى حفص والي إشبيلية، فحشد قواته بمعاونة برّاز صاحب المخزن، وكتب إلى ابن الحجام صاحب بطليوس بأن يحشد جند الثغر، وخرج عبد الله في قواته من إشبيلية وهي تزداد كل يوم، بمن ينضم إليها من المتطوعين والمجاهدين، حتى وصل إلى بطليوس

(1) الحلل الموشية ص 109.

(2)

وهو بالإسبانية حصن Pedroche

(3)

وهما بالإسبانية Almodovar، Montoro

ص: 344

فانضمت إليه حشودها، فاستقر الرأي على غزو أراضي البرتغال انتقاماً من ملكها ألفونسو هنريكيز (ابن الرنك). فسارت القوات الموحدية وحلفاؤها نحو الشمال الغربي، حتى عبرت نهر التاجه، وهاجمت حصن أطرونكس (1) وتغلبت عليه وقتلت حاميته، وعاثت في تلك المنطقة قتلا وسبياً، وامتلأت أيدي الغزاة من الغنائم والأموال والأسرى، وبادر النصارى في تلك المنطقة فاحتشدوا وقدموا مسرعين لمقاتلة المسلمين، ونشبت بين الفريقين معركة هزم فيها النصارى، واستولى المسلمون على أسلابهم، وعاد الموحدون وقائدهم ظافرين إلى إشبيلية، ولما وصلت أنباء هذه الفتوحات إلى مراكش، بعث الخليفة إلى عبد الرحمن ابن يكيت وعبد الله بن أبى حفص بالقدوم إلى الحضرة (مراكش) فقدما إليها، وقدّما إلى الخليفة خضوعهما، وعرفاه بما فتح الله على عسكره من النصر، وما تحقق للأندلس من رعاية أحوالها، والتفاف أهلها حول رايته، ودعائهم له بالتأييد ودوام النصر (2).

وكان لهذه الإنتصارات الموحدية بالأندلس، تأثير حاسم في سير الحوادث بمدينة غرناطة. وكانت غرناطة، قد بقيت بأيدي المرابطين، من بعد وفاة عميدهم الأمير يحيى بن غانية في شعبان سنة 543، واستطاع واليها ميمون بن يدّر اللمتوني، أن يصمد بها طوال هذه الأعوام السبعة. فلما تتابعت الحوادث، وامتد سلطان الموحدين إلى معظم قواعد الأندلس الغربية والوسطى، وتوالت انتصاراتهم في منطقة قرطبة وما إليها، شعر المرابطون في غرناطة بتحرج مركزهم، وتضاؤل قواتهم ومواردهم، فبعث واليها ميمون بن يدر إلى عبد المؤمن يعرض تسليمها، ويلتمس العفو والأمان، فأجابه عبد المؤمن إلى طلبه، وأمر عبد الله بن سليمان صاحب الأسطول بسبتة، وولده السيد أبا سعيد والي سبتة والجزيرة الخضراء بالسير إلى غرناطة، فسارا إليها، واستقبلهما ميمون وحاميته المرابطية بترحاب، وتسلم الموحدون المدينة، وعاد ميمون وصحبه مع عبد الله ابن سليمان، إلى العدوة، ووصلوا في صحبته إلى مراكش، حيث أنزلوا منازل حسنة، وأغدقت عليهم الصلات والأرزاق. وندب عبد المؤمن ولده السيد أبا سعيد لولاية غرناطة بالإضافة إلى سبتة والجزيرة، فاستقر بها مع حامية

(1) وهو بالإفرنجية Trancoso.

(2)

البيان المغرب - القسم الثالث - ص 31 و 32.

ص: 345

موحدية. وكان استيلاء الموحدين على غرناطة في سنة 551 هـ (1156 م)(1).

وتلا استيلاء الموحدين على غرناطة، استيلاؤهم على ألمرية. وكان النصارى قد انتهزوا فرصة الاضطراب العام الذي ساد الأندلس، عقب انهيار سلطان المرابطين، وجهزوا حملة صليبية برية وبحرية، اشتركت فيها ممالك اسبانيا النصرانية قشتالة ونافار (نبرّة)، وأراجون وقطلونية، ومعها أمداد من جنوة وبيزة وبعض حشود من وراء البرنيه وذلك لافتتاح ثغر ألمرية، وحاصروا ألمرية براً وبحراً، مدى ثلاثة أشهر، واستولوا عليها حسبما ذكر في موضعه في شهر أكتوبر سنة 1147 م (542 هـ). وكان الموحدون مذ عبروا إلى شبه الجزيرة، واستقروا في قرطبة في أواسط الأندلس، يتوقون إلى استرداد هذا الثغر الإسلامي العظيم، خصوصاً وقد كان وجود النصارى فيه يهدد مواصلاتهم البحرية شرقي بحر الزقاق، فيما بين شاطىء المغرب الأوسط، وجنوبي الأندلس.

فلما تم استيلاؤهم على غرناطة، شعروا بأن الفرصة قد سنحت لتحقيق هذا المشروع، الذي كان الخليفة عبد المؤمن، يحبوه بمزيد من عنايته واهتمامه.

فحشد السيد أبو سعيد والي غرناطة قواته، وبعث إلى ألمرية بادىء ذي بدء حملة استطلاعية، وصلت إلى أسوار ألمرية، وقتلت عدداً من النصارى، ثم ارتدت إلى حصن برجة الواقع شمال غربي ألمرية، وعلمت من أهله أن النصارى بقصبة ألمرية في عدد قليل، ولا يستطيعون دفاعاً عن المدينة. وعلى أثر ذلك سار السيد أبو سعيد إلى ألمرية في جيش ضخم من الموحدين، ومعهم قوة أندلسية بقيادة أحمد بن ملحان صاحب وادي آش السابق، بينما قصد إليها من البحر أسطول سبتة الموحدي بقيادة أمير البحر عبد الله بن سليمان. وضرب الموحدون حول ألمرية حصاراً محكماً، ونصبوا حولها المجانيق، وابتنى السيد أبو سعيد فوق الجبل الذي احتله الموحدون إزاء المدينة، سوراً يمتد إلى البحر، وأمامه خندق عميق، وذلك حتى يعوق وصول النجدات إلى المدينة. وشعر النصارى بالقصبة منذ البداية بخطورة الموقف، فبعثوا يستغيثون بعاهلهم، وهرع ألفونسو السابع أو السُّليطين حسبما تسميه الرواية الإسلامية، لإنجاد المحصورين في جيش قوامه إثنا عشر ألف فارس، وقدم معه حليفه محمد بن سعد بن مردنيش أمير شرقي الأندلس في جيش من ستة آلاف من المسلمين. وكان مقدم الأمير المسلم في هذا

(1) روض القرطاس ص 127، والبيان المغرب القسم الثالث ص 33.

ص: 346

الموطن، ليحارب إلى جانب النصارى، أبناء دينه ووطنه، وليحول دون تحرير الثغر المسلم، من أشنع المواقف التي يمكن تصورها، مهما كان وراءه من الإعتبارات القومية والوطنية. وحدث أثناء الحصار بين ابن ملحان وبين عبد الله ابن سليمان نزاع، انسحب ابن ملحان على أثره مع قواته إلى معسكر ابن مردنيش، ليشاطره خزي موقفه. واستمر حصار الموحدين لألمرية بضعة أشهر، حاول النصارى وحليفهم ابن مردنيش خلالها غير مرة، أن يقتحموا الحصار لإنجاد المحصورين، فذهبت كل جهودهم عبثاً. وتقول الرواية النصرانية، إنه نشبت خلال ذلك بين الموحدين والنصارى موقعة عنيفة، فقد فيها الموحدون زهرة جندهم، وتفرقوا في غير نظام (1). بيد أنه مما ينقض هذه الرواية، أن القشتاليين لم يفلحوا في خرق الحصار، وأن حامية ألمرية النصرانية، لم تلبث أن أرغمت على التسليم. وكان السيد أبو سعيد قد بعث إلى أبيه الخليفة يستمده العون، فبعث الخليفة وزيره أبا جعفر بن عطية القضاعي إلى الأندلس صحبة ولده السيد أبى يعقوب يوسف، الذي ندبه لولاية إشبيلية، وأمر بعد استقرار ولده بإشبيلية، أن يتوجه أبو جعفر إلى ألمرية ليعالج أمرها، ووصل ابن عطية إلى ألمرية، وقد تحرج مركز النصارى بقصبتها، وأرهقهم الحصار، ففاوضهم، ونجح في إقناعهم بالتسليم على الأمان. ودخل الموحدون ألمرية في أواخر سنة 1157 م (ذو القعدة أو ذو الحجة سنة 552 هـ) بعد حصار دام سبعة أشهر، وعاد الثغر الإسلامي إلى سلطان المسلمين بعد أن احتله النصارى زهاء عشرة أعوام. وكان السيد أبو سعيد يتوق إلى العود مسرعاً بقواته إلى غرناطة خشية عدوان القشتاليين.

ْولكن الواقع أن ملك قشتالة وحليفه ابن مردنيش اضطرا إلى الانسحاب خائبين، تاركين المدينة المحصورة لمصيرها، ومرض ألفونسو السابع في طريق العود إلى عاصمته طليطلة، وتوفي قبل أن يصل إليها في بلدة مورتلة (مورادال) وذلك في 21 أغسطس سنة 1157 م. وارتد ابن مردنيش في قواته إلى بلاده (2).

وحدثت في نفس الوقت في ولاية المغرب تطورات جديدة. وذلك أن علياً الوهيبي حينما فر من لبلة عندما دهمها الموحدون، سار إلى ثغر طبيرة الصغير،

(1) Lafuente: Historia General de Espana (Ed. 1889) T. III. p. 300

(2)

يراجع في استرجاع الموحدين لألمرية: ابن الأثير ج 11 ص 84، والبيان المغرب القسم الثالث ص 33، والإحاطة (1956) ج 1 ص 272، وابن خلدون ج 6 ص 237.

ص: 347

الواقع على شاطىء المحيط قرب مصب نهر وادي يانه، وامتنع به. وكان الخليفة عبد المؤمن قد ندب ولده السيد أبا يعقوب يوسف لولاية إشبيلية، تحقيقاً لرغبة أشياخها حينما وفدوا عليه بمراكش في سنة 551 هـ، وذلك بالرغم من صغر سنه، وبعث معه الوزير ابن عطية حسبما تقدم. فلما فرغ ابن عطية من تحقيق مهمته بألمرية، عاد إلى إشبيلية، ثم خرج منها مع السيد أبى يعقوب في حملة موحدية سارت لغزو طبيرة، فامتنع بها الوهيبي، واضطر الموحدون إلى حصارها براً وبحراً، وأقاموا على حصارها زهاء شهرين، ثم رأى ابن عطية مفاوضة الوهيبي، وقنع منه بذكر الخليفة في الخطبة، على أن يبقى محتفظاً بطبيرة.

واستولى الموحدون في هذه الغزوة على بلاد أبى محمد سيدراي بن وزير، وهي شلب وميرتلة، وباجة وأحوازها، تخلى عنها ابن وزير طوعاً (1)، وعبر البحر إلى المغرب. ولسنا نعرف سبباً لهذا التخلي، إلا أن يكون ما يذكره ابن عذارى من أنه حينما كان السيد أبو يعقوب في جيشه تحت أسوار طبيرة، وفد عليه أشياخ بلاد ابن وزير، ومدحه شاعرهم الأديب أبو بكر بن المنخل بقصيدة طويلة، والظاهر أن أولئك الأشياخ قد طلبوا إلى السيد أبى يعقوب إقالة ابن وزير، وتعيين حاكم موحدي لبلادهم، ومن ثم فقد عين لولاية شلب وبلاد الغرب حاكم موحدي هو يعقوب بن جبون الهزرجي، وبعض الحفاظ الموحدين.

ويضع ابن عذارى تاريخ هذه الحوادث في النصف الأول من سنة 552 هـ، وهو ما يحمل على الاعتقاد بأن الوزير ابن عطية قد قام بمهمته في ألمرية بعد أن اشترك في حوادث الغرب المتقدمة، وليس من الممكن أن يكون اشتراكه فيها بعد عوده من ألمرية إلى إشبيلية، إذ سقطت ألمرية كما رأينا في أيدي الموحدين في أواخر سنة 552 هـ (2).

- 5 -

ولم يمض قليل على ذلك حتى وقع بمراكش حادث محزن، هو نكبة الوزير أبى جعفر بن عطية، وأخيه الكاتب أبى عقيل بن عطية.

وقد سبق أن أشرنا إلى نشأة أبى جعفر، وظهوره خلال المعركة التي

(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 239.

(2)

البيان المغرب - القسم الثالث - ص 34.

ص: 348

اضطرمت بين الموحدين وبين الماسي، برسالته التي كتبها بتكليف الشيخ أبى حفص الهنتاني إلى الخليفة، وصفاً لهذه المعركة، وما كان من حظوته لدى الخليفة بسببها، وتوليه الوزارة، وتوطد سلطانه ونفوذه، حتى غدا من أقرب أعوان الخليفة، وآثرهم لديه، وأكثرهم فوزاً بثقته. وكان أبو جعفر في الواقع من أقدر وزراء الدولة المؤمنية، وأوفرهم كفاية، وأبرعهم خلالا، وكان رضي النفس قريب المنال، خدوماً يعمل على قضاء الحوائج، فأحبه الناس، وقدروا مروءته، ومكانته.

وكان يبدو أن ابن عطية، ما يزال متمتعاً برفيع مكانته ونفوذه، حينما بعثه الخليفة إلى الأندلس ليكون إلى جانب ولده السيد أبى يعقوب، وليعالج قضية ألمرية.

بيد أنه كان ثمة طائفة من تيارات خفية تعمل ضده، وتسعى إلى تقويض نفوذه، والقضاء عليه، وكان ابتعاده عن مراكش فرصة سانحة لخصومه، يحكمون فيها تدبير خطتهم ودسائسهم. وفي خلال ذلك استوزر عبد المؤمن، عبد السلام ابن محمد الكومي، من قرابته وأبناء قبيلته كومية (1)، فتزعم خصوم ابن عطية، واشتد في مطاردته، والحملة عليه والتشهير به، وتتبع عوراته وسقطاته " وأغرى صنايعه، وشحن عليه حاشيته " حسبما يقول لنا ابن الخطيب " فبروا وراشوا وانقلبوا ". وكان في مقدمة ما نسب إلى أبى جعفر، ممالأته اللمتونيين، وإسرافه في اصطناعهم، وتوليتهم الأعمال والوظائف، وفوق ذلك، فقد كانت زوجه لمتونية، أبوها يحيى الحمار من أمرائهم، وأمها ابنة زينب بنت علي بن يوسف (2)، فكانت هذه الظروف، تثير من حوله الريب، وتدمغه في نظر المتعصبين من أشياخ الموحدين. وكان يعمل لإهلاكه إلى جانب الوزير عبد السلام الكومي، رجل ممن شملتهم حمايته ورعايته، فكفر بشكر الصنيعة، هو القاضي مروان بن عبد العزيز، أمير بلنسية السابق، وكان ابن عطية قد سعى في إطلاق سراحه من سجنه الطويل بميورقة، واستغل في ذلك نفوذه لدى واليها إسحق بن محمد بن غانية، فعبر البحر إلى بجاية، ثم إلى مراكش، فأسعفه ابن عطية، وعاونه على الانتظام في

(1) ذكر لنا البيذق نوع هذه القرابة، فقال إن والدة عبد المؤمن " تعلو" لما توفي زوجها الأول على والد عبد المؤمن، تزوجت من بعده، والد عبد السلام الكومي، ورزقت منه بابنة سميت فندة، فكانت فندة هذه أخت عبد المؤمن لأمه وعبد السلام الكومي لأبيه (أخبار المهدي ابن تومرت ص 24).

(2)

ابن الخطيب في الإحاطة (1956) ج 1 ص 273.

ص: 349

مجلس الخليفة (1). بيد أنه ما لبث أن انقلب عليه، وكفر بصنيعته، وأخذ يحرض عليه، ومن ذلك أبيات نظمها ضده وخرجت بمجلس عبد المؤمن يقول فيها:

قل للإمام أطال الله مدته

قولا تبين لذي لب حقائقه

ان الزراجين قوم قد وَتْرتَهُم

وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه

وللوزير إلى آرائهم ميل

لذاك ما كثرت فيهم علائقه

فبادر الحزم في إطفاء نارهم

فربما عاق عن أمر عوائقه

هم العدو ومن والاهم كُهُم

فاحذر عدوك واحذر من يصادقه

الله يعلم أني ناصح لكم

والحق أبلج لا تخفى طرايقه (2)

والظاهر أن هذه الأبيات، قد تركت أثرها في نفس الخليفة، وقد كانت مستعدة بما أوحى إليه من مختلف المصادر للتنكيل بأبى جعفر. وكان أبو جعفر قد ترامت إليه وهو في شبه الجزيرة، أنباء مقلقة عما يدور حوله من دسائس، وما يرمى به من التهم، فعجل بالعودة، ليرد هجوم خصومه، ولكن الخليفة، كان عندئذ قد اعتزم أمره، فما كاد يصل إلى مراكش، حتى أمر عبد المؤمن بالقبض عليه واعتقاله، ثم اقتيد بعد أيام قلائل إلى الجامع مهاناً حاسر الرأس كسير الفؤاد، واستحضر الناس على طبقاتهم ليعلنوا ما يعلمونه من أمر الوزير المنكوب، ومنهم أشياخ الموحدين والطلبة، ووفود الأندلس، وطلب إليهم ابن عمر باسم الخليفة أن يقول كل منهم ما يعلمه عن ابن عطية من سوء، وما إذا كان قد أعطاه شيئاً أو صانعه، وكان الوزير عبد السلام الكومي، قد رتب أعوانه وصنائعه لهذا اليوم. فأجاب كل من الحضور بما اقتضاه هواه. ولم يرتفع لسان بالدفاع عن ابن عطية سوى ابن وزير صاحب شلب وباجة السابق، حيث أكد أنه لم يعط ابن عطية يوماً شيئاً إلا رده إليه مضاعفاً، وأنه لو عين الخليفة للوساطة بينه وبين رعاياه، عبداً حبشياً، لكان من واجبهم أن يعظموه وأن يهادوه. فلما انتهى المجلس أعيد ابن عطية إلى سجنه، وسجن معه أخوه الكاتب أبو عقيل بن عطية، ولبث الأخوان في المطبق بضعة أشهر، وأبو جعفر، يتوسل إلى الخليفة

(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 215، و 216، وفي التكملة (القاهرة) رقم 1750.

(2)

الحلة السيراء ص 216، والإحاطة (1956) ج 1 ص 274.

ص: 350

لالتماس عفوه برسائل وقصائد تذيب الجماد إشفاقاً وتأثراً، ومنها الأبيات الآتية:

فعفواً أمير المؤمنين فمن لنا

بحمل قلوب هدها الخفقان

عطفاً علينا أمير المؤمنين فقد

بان العزاء لفرط البث والحزن

قد أغرقتنا ذنوب كلها لجج

وعطفة منكم أنجى من السفن

وصادفتنا سهام كلها غرض

لها ورحمتكم أوفى من الجنن

هيهات للخطب أن تسطو حوادثه

بمن أجارته رحماكم من المحن

أنتم بذلتم حياة الخلق كلهم

من دون منٍّ عليهم لا، ولا ثمن

ونحن من بعض من أحيت مكارمكم

تلك الحياتين من نفس ومن بدن

وصبية كفراخ الورق من صغر

لم يألفوا النوح في فرع ولا فنن

قد أوجدتهم أياد منك سابقة

والكل لولاك لم يوجد ولم يكن

ولكن عبد المؤمن لم يتأثر لضراعة وزيره، ولم تجد الرحمة إلى قلبه سبيلا.

وقيل في سبب قسوة عبد المؤمن على وزيره، أنه أفضى إليه بسر خطير فأفشاه.

ويوضح لنا المراكشي ماهية هذا السر، فيقول لنا إن يحيى بن أبى بكر الصحراوي أو ابن الصحراوية فارس المرابطين، الذي فصلنا أخباره فيما تقدم، كان قد استأمن إلى عبد المؤمن، فأمنه وأكرم وفادته، وحظى لديه، وجعله قائداً على من بقي من لمتونة، وكانت زوجة ابن عطية، زينب بنت أبى بكر أخت يحيى المذكور، وحدث أن ترامت إلى عبد المؤمن أشياء وأقوال نسبت إلى يحيى الصحراوي غضب منها، ونقمها عليه، وقرر أن ينكل به، وصدر عنه في بعض مجالسه، ما يفصح عن هذا العزم، فكان من ابن عطية أن قال لزوجته أخت يحيى أن تحذر أخاها، وأن يتمارض إذا دعى إلى مجلس الخليفة، وأن يلوذ بالفرار إذا استطاع إلى ميورقة، ففعلت زينب ما طلب إليها، وتمارض يحيى، وزاره بعض صحبه في مرضه، فأفضى إلى بعضهم. بما بلغه من الوزير، وما نصح به، فنقل هذا الصديق ما سمعه إلى بعض ولد عبد المؤمن. ووقف عبد المؤمن على ذلك، فكان هذا هو أعظم سبب في نكبة ابن عطية (1). ولما توجه عبد المؤمن بعد ذلك، في أوائل سنة 553 هـ إلى تينملل لزيارة قبر المهدي،

(1) المراكشي في المعجب ص 111. وقد ذكرنا فيما تقدم نقلا عن ابن الخطيب، أن زوجة ابن عطية كانت حفيدة زينب بنت علي بن يوسف.

ص: 351

حمل معه أبا جعفر وأخاه أبا عقيل يرسفان في أغلالهما. قال ابن الخطيب: " وصدرت عن أبى جعفر في هذه الحركة من لطايف الأدب، نظماً ونثراً، في سبيل التوسل بتربة المهدي، أمامهم، عجائب لم تجد، مع نفوذ قدر الله فيه ". ولما غادر عبد المؤمن تينملل، عائداً إلى مراكش، حمل الأخوين معه، فلما وصل إلى موضع يقال له تغمرت، على مقربة من الملاحة، أصدر أمره بإعدامهما واستصفاء أموالهما، فأعدما على الأثر، وكان إعدامهما في التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 553 هـ (أول أبريل سنة 1158 م)، وكان أبو جعفر عند مصرعه فتى في نحو السادسة والعشرين من عمره، إذ كان مولده بمراكش وفقاً لابن الخطيب سنة 527 هـ (1).

وهكذا زهق الوزير الكاتب الشاعر ابن عطية، ضحية نزعة دموية من الخليفة، أثارتها الأهواء والوشاية، ودون ما خطير جريرة واضحة يسجلها لنا التاريخ، وأضاف عبد المؤمن بذلك صفحة دموية جديدة إلى صفحاته العديدة السابقة. ومما يدل على أن عبد المؤمن كان متسرعاً في قراره إزاء وزيره المنكود، ما يقصه علينا صاحب البيان المغرب من أن عبد المؤمن ندم أشد الندم على مقتل وزيره، وذرف عليه الدموع. وإنه لما يؤسف له، أن يضطر المؤرخ إلى أن يحصى مثل هذه النزوات الدموية المتوالية، في سيرة رجل عظيم مثل عبد المؤمن أقامت عبقريته دولة من أعظم الدول الإسلامية في المغرب والأندلس، وامتازت بطائفة من أبدع الخلال التي تزدان بها البطولة، ولكنا ربما استطعنا أن نلتمس في روح العصر، وروح الصراع الذي كانت تضطلع به الدولة الموحدية الفتية، كثيراً من العوامل الملطفة، لما تثيره هذه الصفحات القاتمة من سحب على سيرة الرجل العظيم.

(1) راجع في نكبة الوزير ابن عطية: ابن الخطيب في الإحاطة (1956) ج 1 ص 273 - 276، والبيان المغرب - القسم الثالث ص 35، والاستقصاء ج 1 ص 152 - 154. ونود أن نلاحظ هنا أن تاريخ مولد ابن عطية الذي يقدمه لنا ابن الخطيب، وهو سنة 527 هـ - لا يتفق مع ما يقوله لنا عن مراحل حياته، ومن أنه كتب عن علي بن يوسف ثم عن ولده تاشفين ثم عن حفيده إبراهيم. ومن الواضح أن هذا لا يستقيم من الناحية الزمنية، إذ يكون عمره حين كتب عن علي ابن يوسف نحو عشرة أعوام فقط. وربما يستقيم الأمر إذا قيل لنا إنه كتب عن الأمير إبراهيم، إذ يكون عندئذ في نحو الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره.

ص: 352