الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأوّل
الثورة في الأندلس وانهيار سلطان المرابطين
صدى حوادث المغرب في الأندلس. اضطرام الفكرة القومية الأندلسية. قام الثورة في غربي الأندلس. ابن قسي وأتباعه المريدون. دعوته ومزاعمه. ظهور أمره وفراره إلى ميرتلة. معاونة ابن القابلة. تحرج مركز المرابطين في الغرب. ابن قسي يدير خطة الاستيلاء على ميرتلة. مداهمة ابن القابلة لحصن ميرتلة وانتزاعه. نزول ابن قسي فيه. قيام الثورة في يابرة وشلب. ابن المنذر المتغلب على شلب. تسليم المرابطين بباجة، ومغادرتهم لها. استيلاء ابن المنذر عليها. مبايعة ابن وزير صاحب يابرة، وابن المنذر لابن قسي. ابن قسي يرسل سفارة إلى عبد المؤمن. خروج ابن المنذر في قوات المريدين واستيلاؤه على ولبة ولبلة. مسيره إلى إشبيلية وانتزاعه بعض ضواحيها. لقاؤه بالمرابطين. هزيمته وفراره. مسير ابن غانية أمير المرابطين إلى لبلة. وقوع الثورة بقرطبة وعود ابن غانية إلى إشبيلية. محاولة المريدين الزحف على قرطبة وفشلها. الخلاف بين ابن قسي وابن وزير. استيلاء ابن وزير على شلب وميرتلة. فرار ابن قسي إلى المغرب والتجاؤه إلى عبد المؤمن. إقناعه للخليفة بالتدخل في حوادث الأندلس. ابن غانية أمير المرابطين بالأندلس وموقفه. قيام الثورة في قرطبة. زعيمها القاضي ابن حمدين. مبايعته بالإمارة وتسميه بأمير المسلمين. استدعاء فريق من أهل قرطبة لسيف الدولة ابن هود. مقدمه إلى قرطبة ودخوله إياها. فرار ابن حمدين. الثورة ضد ابن هود وفراره. عودة ابن حمدين إلى حكم قرطبة. زحف ابن غانية على قرطبة، اللقاء بينه وبين ابن حمدين. هزيمة ابن حمدين وفراره. دخول ابن غانية قرطبة. تغلب ابن حمدين على حصن أندوجر وأحوازه. مسير ابن غانية لقتاله. التجاء ابن حمدين إلى ملك قشتالة. مسير ابن حمدين وحلفاؤه النصارى إلى قرطبة. دخولهم المدينة وعيثهم فيها. امتناع ابن غانية بقصبتها. ذيوع الأخبار بمقدم الموحدين إلى شبه الجزيرة. التهادن بين قشتالة وابن غانية. ولاية ابن غانية لقرطبة. ما يروى في ذلك عن قيصر قشتالة. خروج ابن حمدين من قرطبة. عبوره إلى المغرب ومقابلته لعبد المؤمن. عوده إلى الأندلس والتجاؤه إلى صاحب مالقة. الثورة في غرناطة. زعيمها القاضي ابن أضحى. استغاثته بابن حمدين. دعوة أهل غرناطة لسيف الدولة بن هود. تحالف ابن أضحى وابن هود ضد المرابطين. لقاء ابن هود والمرابطين خارج غرناطة. تحصن المرابطين بالقصبة. وفاة ابن أضحى وقيام ولده محمد. تعاونه مع ابن هود ضد المرابطين. مقدم عسكر مرسية لقتال المرابطين، هزيمتهم ومقتل زعيمهم. مغادرة ابن هود لغرناطة والتجاؤه إلى جيان. رواية ابن الأبار عن مراحل الصراع في غرناطة بين المرابطين وخصومهم. الثورة في مالقة. ظاهرة تزعم القضاة للثورة ضد المرابطين وتعليلها. أبو الحكم بن حسون زعيم الثورة في مالقة. تغلبه على المرابطين. انتزاعه للرياسة. استعانته بالمرتزقة النصارى. تدبير مؤامرة لإسقاطه. نجاح المؤامرة وانتحار ابن حسون. ثورة ابن ملحان في
وادي آش. ثورة ابن جزى في جيان. ثورة أخيل بن إدريس في رندة. ثورة ابن عزون في شريش. عبوره إلى المغرب ولقاؤه لعبد المؤمن. إنضمامه إلى الموحدين عند عبورهم. رواية أخرى عن ابن عزون وبيعته لعبد المؤمن. قيام ابن ميمون في قادس. عبوره إلى المغرب وانضمامه إلى عبد المؤمن. ثورة ابن الحجام في بطليوس. دخوله في طاعة الموحدين.
كان من الطبيعي أن تحدث حوادث المغرب صداها القوي فيما وراء البحر، ْفي شبه الجزيرة الإسبانية، حيث كانت الدولة المرابطية تبسط سلطانها على مختلف القواعد الأندلسية. وقد اتخذ هذا الصدى منذ البداية، صورة ثورة عامة ضد المرابطين، اجتاحت الأندلس بسرعة من غربها إلى شرقها. بيد أنه يجب أن أن نلاحظ بادىء ذي بدء، أن هذه الثورة الجارفة ضد سلطان المرابطين لم تكن فقط نتيجة لحوادث المغرب، وظهور أمر الموحدين، وتضعضع قوى الدولة المرابطية، وعجز المرابطين عن حماية الأندلس من غزوات النصارى المخربة، وإن كانت هذه الحوادث، قد بثت إليها قوة واضطراماً جديدين. وإنما كانت عوامل الثورة الأندلسية، ضد الحكم المرابطي، تكمن منذ بعيد، بل هي ترجع حسبما أشرنا في مقدمة هذا الكتاب، إلى أعقاب الفتح المرابطي ذاته، حيث كانت الفكرة القومية تجيش بأذهان فريق كبير من أبناء الأمة الأندلسية، وكان هذا الفريق، يرى في المرابطين، بعد أن تبددت آثار المديح والإعجاب الأولى، التي تلت نصر الزلاقة، وبعد أن انقلب الإخوة المنقذون إلى فاتحين متغلبين، أجانب غاصبين، يستظلون بفكرة الجهاد، ليبسطوا سلطانهم على الأمة الأندلسية. وبالرغم من أن فكرة الجهاد الأولى، التي اضطلع بها المرابطون في الأندلس، في أوائل عهد علي بن يوسف، والتي أسفرت عند ظفرهم ضد الجيوش النصرانية، في عدة وقائع، مثل موقعة أقليش (501 هـ)، وما تلاها من الغزوات المظفرة، حتى موقعة إفراغة (528 هـ)، كانت تغالب هذه الفكرة القومية، وتضفي على حكم المرابطين رونقاً ومجداً، فإن الأمة الأندلسية لم تنس الحقائق الواقعة، ولم تنس أنها قد فقدت استقلالها وحرياتها، في ظل الحكم المرابطي، خصوصاً بعد أن أخذت وطأة هذا الحكم تشتد شيئاً فشيئاً. وكانت ثورة قرطبة على حكومتها المرابطية في سنة 515 هـ (1121 م)، أول تعبير مادي لهذا الشعور القومي، وأول نفثة لهذا السخط المكبوت ضد عسف الحكم المرابطي. وقد رأينا كيف أدرك أمير المسلمين علي بن يوسف يومئذ خطورة
الموقف وتذرع إزاءه بالإغضاء والتسامح. ويرى الأستاذ كوديرا، أنه كان من أسباب سخط أهل الأندلس على المرابطين أيضاً، مبالغة الدولة المرابطية في العطف على النصارى، وإيثار علي بن يوسف ومن بعده ولده تاشفين لهم، وإدماجهم في الجيوش المرابطية، وإعطائهم مراكز التفوق والقيادة (1). بيد أن هذا السبب، يعتبر في نظرنا ثانوياً، إزاء العامل القومي، لأن الأندلسيين أنفسهم، كانوا أيام الطوائف، يستظهرون بالنصارى على قتال بعضم بعضاً، وسوف نرى أنهم يلجأون إلى مثل هذه الوسيلة في ثورتهم ضد المرابطين، ثم الموحدين.
وعلى أي حال، فإن بذور الثورة الأندلسية ضد المرابطين، لبثت حيناً تنمو وتختمر، حتى أخذت الدولة المرابطية، في أواخر عهد علي بن يوسف، ثم ولده تاشفين من بعده، تترنح تباعاً تحت ضربات الموحدين، ولاح عندئذ أن الفرصة قد سنحت لتقوم الأندلس بدورها الفعال في تحطيم الدولة المرابطية، والتخلص من نيرها. بيد أنه كان من الواضح، أن تحقيق مثل هذه الغاية، كان يرتبط أشد الارتباط بمسألة الإنضواء تحت لواء الدولة الجديدة التي غلبت على الدولة المرابطية، ونعني دولة الموحدرن، وأن هذا الانضواء، كانت تمليه ضرورات الموقف، وبواعث المصلحة القومية ذاتها. ذلك أن الأندلس بالرغم مما كانت تجيش به ضد المرابطين من عوامل السخط والانتقاض، لم تنس أن جيوشهم كانت عماد الدفاع عنها ضد إسبانيا النصرانية، وأن مثل هذا الدفاع، لا يمكن أن يتحقق، بعد انهيار سلطان المرابطين، إلا بقيام سلطان الدولة الجديدة، وتدفق جيوشها على شبه الجزيرة، لتقوم بنفس المهمة الدفاعية، التي كانت تقوم بها الجيوش المرابطية من قبل.
وقد ظهرت أعراض الثورة في الأندلس ضد المرابطين، أولا في الطرف الغربي لولاية الغرب الأندلسي، وهي أبعد المناطق عن سلطان الحكومة المركزية.
ولنلاحظ أولا أن هذه الأعراض الثورية، قد ظهرت في الأندلس، في نفس الوقت الذي بدا فيه انهيار الدولة المرابطية في المغرب أمراً محققاً، وذلك حين جد الموحدون في مطاردة الجيوش المرابطية بقيادة الأمير تاشفين بن علي شمالا، ثم حين انتهت موقعة وهران بمصرع تاشفين وتبدد جيوشه، وذلك في رمضان سنة 539 هـ (1145 م).
(1) F. Codera: Decadencia y Disparicion de los Almoravides، p. 28 & 29
- 1 -
في تلك الآونة ظهر أول الزعماء الثائرين بالأندلس في منطقة شِلْب في جنوبي البرتغال، واضطرمت أول ثورة فعلية ضد المرابطين. أما الزعيم الثائر فهو أبو القاسم أحمد بن الحسين بن قَسِيّ. وأما الثورة فهي ثورة أتباعه المريدين. وكان ابن قَسِيّ مُوَلداً، يرجع إلى أصل نصراني. وقد نشأ في أحواز شلب، واشتغل في بداية أمره مشرفاً بشلب (1)، ثم اعتنق طرائق الصوفية، وتبحر فيها حتى غدا من شيوخها، وألف فيها طائفة من الكتب، منها كتاب " خلع النعلين ". ثم تزهد، أو تظاهر بالزهد وباع أمواله، وتصدق بثمنها، وتجول في البلاد، ولقي بألمرية قطب الصوفية يومئذ أبا العباس بن أحمد بن محمد الصنهاجي الأندلسي المعروف بابن العريف، ودرس عليه، ثم عاد إلى وطنه، واستقر بقرية جلة من أحواز شلب، وابتنى بها رابطة كان يجتمع فيها بصحبه، وانكب على قراءة كتب الغزالي، والتف حوله كثير من الصحب والأنصار، ينكبون على قراءة الكتب الصوفية والباطنية، ورسائل إخوان الصفا وغيرها، وينهمكون في مزاولة شعائر الطريقة ورسومها، حتى ذاع أمرهم بالأخص بمنطقة شلب وميرتلة ولبلة، وغيرها من أعمال غرب الأندلس، وسموا بطائفة " المريدين "(2). وكان ابن قسيّ في الواقع يتخذ الصوفية قناعاً لمشاريع يضمرها، ويدعو إلى الثورة في الباطن، ثم لم يلبث أن ادعى الولاية والهداية، وتسمى بالمهدي وبالإمام، وكثرت مخاريقه وشعوذته، وزعم القدرة على الخوارق، ومن ذلك أنه حج في ليلة واحدة، وأنه يناجي بما يشاء، وينفق من الكون، فذاع أمره، وتقاطرت إليه الوفود، من أهل البيوتات والأجناد. وكان من صحبه جماعة ممن ظهروا فيما بعد، في ميدان الحوادث، مثل أبى محمد سيدراي بن وزير، وابن عفان، وكلاهما من زعماء يابُرة، ومحمد بن المنذر من أهل شلب، ومحمد بن عمر، وعبد الله بن أبى حبيب، وغيرهم من زعماء ولاية الغرب. ولما شعر أن السلطات فطنت لأمره، وهمت بمطاردته، وقُبض على جماعة من أصحابه، وأخذوا إلى إشبيلية، سار هو إلى جهة ميرتلة، واختفى هناك بقرية الجوزة عند قوم يعرفون ببني السنة. وكان
(1) ويقول ابن الأبار إنه كان يشتغل بالأعمال المخزنية أي المالية (الحلة السيراء ص 199).
(2)
ابن الأبار في الحلة السيراء ص 199، وابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 249.
من أصحابه المقربين، رجل وافر الدهاء والجرأة، يدعى محمد بن يحيى الشلطيشي، ويعرف بابن القابلة، وكان يسميه بالمصطفى لاختصاصه به، واطلاعه على أموره ومشاريعه، ويعتمد عليه في تنفيذ خططه. فأوعز إليه من مقره السري، أن يسير في صحبه المريدين إلى قلعة ميرتلة، وأن يدهموها وفق خطة وضعها لهم، وكان ذلك في أوائل سنة 539 هـ.
وكانت حال المرابطين، ولاسيما في هذا الإقليم النائي، إقليم الغرب، قد اضطربت وغلب عليهم الضعف والوهن بما أصاب دولتهم في المغرب من الاختلال والانهيار، وبما افتقدوه من أمداد كانت تشد أزرهم وقت الحاجة، وزادت الجفوة بينهم وبين أهل الأندلس، لما اشتد من ضغطهم، وعيث جندهم بسبب الحاجة، وقد استطال عليهم الناس، وأخذوا في التعدي عليهم وإرهاقهم. وشعر الثوار في هذه الظروف التي هبطت فيها قوى المرابطين المادية والمعنوية، بأن مشاريعهم سوف يحالفها النجاح، وكان هذا شعور ابن قسي حينما دبر مع معاونه ابن القابلة خطة الاستيلاء على ميرتلة. فجمع ابن القابلة نحو سبعين رجلا من أولئك المريدين المتعصبين، وسار إلى ميرتلة، ودهم حصنها في جوف الليل، واستولى عليه، وذلك ليلة الخميس الثاني عشر من صفر سنة 539 هـ، وضبط ابن القابلة القلعة، وأعلن بها عدوة ابن قسي. وحاول المرابطون في تلك الجهة استعادتها من المريدين، فلم يفلحوا فتركوها، وانقلبوا إلى تخريب تلك المنطقة.
وفي غرة ربيع الأول وصل ابن قسيّ إلى ميرتلة في جمع حاشد من المريدين، شعارهم التهليل والتكبير، فصعد إلى قصبتها، واستقر بقصرها، وتسمى بالإمام، وبعث إلى أعيان ولاية الغرب وزعمائها، يدعوهم إلى الانضمام إليه، وإلى الثورة ضد المرابطين. فاستجاب له كثير من أهل تلك الأنحاء، وقام أهل يابُرة بزعامة عميدهم سيدراي بن وزير، ونزعوا سلطان المرابطين، وحذا حذوهم أهل شلب، بقيادة زعيمها محمد بن عمر بن المنذر. وكان ابن المنذر هذا ينتمي إلى بيت قديم من بيوتات المولدين بشلب، وكان من علمائها ونبهائها، وقد درس في إشبيلية، وبرع في الفقه والأدب، ووُلي خطة الشورى ببلده، ثم تزهد على مثل ابن قسيّ، واستقر برابطة على شاطىء البحر تعرف برابطة الريحانة، واعتنق دعوة ابن قسي وتوثقت صلاتهما. ولما قام بشلب اقتداء بابن قسي في ميرتلة، سار إلى حصن مرجيق في شرقي شلب، وانتزعه من المرابطين
وقتلهم. ولما علم المرابطون بباجة بما وقع، طلبوا من أهلها الأمان، وغادروها إلى إشبيلية. وعلى أثر خروجهم منها سار إليها ابن المنذر، ومعه فرقة من جند يابُرة أمده بها ابن وزير بقيادة أخيه أحمد، وخاله عبد الله بن الصميل، واستولى عليها. ثم سار ابن المنذر وابن وزير إلى ابن قسي، فسلما عليه بالإمارة، وبايعاه بالطاعة (ربيع الأول سنة 539 هـ)، فأقر ابن وزير على حكم باجة وأحوازها، وابن المنذر على حكم شلب وأحوازها.
والظاهر أن ابن قسي حاول في تلك الفترة بالذات، أن يتصل بالموحدين لأول مرة. وكان لانتصار الموحدين في موقعة وهران ومصرع تاشفين بن علي سنة 539، أعمق وقع في الأندلس، وأكبر حافز للعناصر الثائرة، على أن تمضي قدماً في ثورتها. وهنا بعث ابن قسي سفيراً إلى عبد المؤمن عاهل الموحدين، وهو قائم على حصار تلمسان، في أواخر سنة 539، وتلقب في رسالته بالمهدي، فأنكر ذلك عبد المؤمن ولم يجاوبه (1)، لما لمسه من تعاليه في الخطاب عليه. وفي خلال ذلك وقعت بولاية الغرب حوادث هامة. وكان ابن المنذر، حين ولاه ابن قسي إمارة شلب، قد حشد قواته وقوات أكشونبة وسائر صحبه المريدين، ثم سار إلى ابن قسي بميرتُلة، وجدد له البيعة والعزم على نصرته ونشر دعوته، فجدد له ابن قسي عهده على ما بيده من البلاد، وسماه العزيز بالله. وعندئذ خرج ابن المنذر في قواته، وعبر نهر وادي يانه، وسار إلى مدينة وِلْبة على مقربة من شرقيه، فاقتحمها واستولى عليها، ثم سار منها إلى مدينة لَبلة الواقعة في شمالها الشرقي، واستولى عليها بمعاونة يوسف بن أحمد البطروجي، أحد أقطاب الثوار المريدين في تلك الناحية، وأخرج من كان في قلعتها من المرابطين. وهنا شعر ابن المنذر بتضاعف قواته، وتملكه الغرور، واعتزم أن يسير إلى مدينة إشبيلية، وقد شجعه ما نمى إليه من أنها كانت حينئذ دون أمير يتولى أمرها.
فخرج في قواته من لَبْلة، وسار إلى حصن القصر وطُلياطة من مشارف إشبيلية الغربية، واستولى عليها، ثم تقدم حتى الحصن الزاهر ودخله. بيد أنه حينما وصل إلى طُريانة ضاحية إشبيلية الغربية، التقى بقوة من المرابطين. وكان أمير الأندلس المرابطي أبو زكريا يحيى بن غانية، حينما وقف على حركات الثوار في غرب الأندلس، وسيرهم من لَبلة صوب إشبيلية، قد غادر قرطبة في قواته، وسار
(1) ابن خلدون في كتاب العبر ج 6 ص 231، وابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 251.
إلى إشبيلية فوصل إليها، في الوقت الذي كان فيه ابن المنذر يعيث في نواحيها، فبعث لقتاله قوة عبرت نهر الوادي الكبير، والتقت بالمريدين في طريانة، فأوقعت بهم، وقتلت منهم عدداً جماً، وفر ابن المنذر في فله إلى لبلة، ثم لحق بشلب، وترك يوسف البطروجي للدفاع عن لبلة. وزحف ابن غانية على لبلة.
وكان ذلك في قلب الشتاء وشدة قره، فلبث على منازلة لبلة نحو ثلاثة أشهر، وعندئذ بلغه قيام الثورة في قرطبة بزعامة القاضي ابن حَمْدين، فترك لبلة وعاد إلى إشبيلية، وقد عول على التريث وملازمة الحيطة والحذر، إلى أن يستبين سير الحوادث.
ولما علم ابن قسيّ بما وقع من اضطرام الثورة في قرطبة، ألفى الميدان ممهداً للقيام بمغامرات جديدة. فأمر ابن المنذر أن يحشد قواته، وأن يسير ومعه ابن القابلة كاتب ابن قسي وصاحبه الأثير إلى قرطبة، ليحاول دخولها. وبعث إلى نفر من أنصاره بقرطبة ليعملوا على بث دعوته، وترغيب العامة في قبولها. فسار ابن المنذر وصاحبه في عسكر شلب ولبلة، إلى قرطبة. بيد أنهما حين اقتربا منها، علما بأن الحوادث قد تطورت، وأن أهل قرطبة استدعوا لرياستها سيف الدولة ابن هود، وطردوا ابن حمدين، فارتدا خائبين إلى الغرب، وفشلت محاولة ابن قسيّ في مهدها (1).
وكان الجو قد فسد عندئذ بين ابن قسيّ، وحليفه السابق سيدراي بن وزير صاحب باجة. وكان ابن قسي، قد دبر القبض عليه حينما وفد عليه بميرتلة أثناء غيبة المنذر وخلعه، ثم أطلق سراحه ورده إلى ولايته. ولما عاد ابن المنذر خائباً من حملة قرطبة، حاول ابن قسي أن يتفاهم مع سيدراي، ولكن سيدراي ارتاب في مقصده، وأبى الاستجابة له، فبعث ابن قسي، ابن المنذر لمحاربته، فهزمه ابن وزير وقبض عليه، ثم زحف على شلب وانتزعها (2)، وانتهى بالاستيلاء على ميرتلة، وأعلن خلع ابن قسي والدعوة لابن حمدين صاحب قرطبة، وذلك في شعبان سنة 540 هـ (3). فبادر ابن قسي إلى الفرار، وعبر البحر إلى المغرب، وسار إلى مقابلة الخليفة عبد المؤمن، وتقدم إليه تائباً متبرئاً من دعاويه السابقة
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 203 و 204.
(2)
ابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 251.
(3)
الحلة السيراء ص 239.
في الولاية والهداية، فتقبل عبد المؤمن اعتذاره، وأكرم وفادته. وهنا تختلف الرواية اختلافاً بيناً في الزمان والمكان، اللذين التقى فيهما ابن قسي بالخليفة الموحدي. فيقول ابن الأبار، ويتابعه ابن الخطيب، إن ابن قسي لقى عبد المؤمن في سلا في ربيع الآخر سنة 540 هـ، ثم انصرف في المحرم سنة 541 هـ (1).
هذا مع أن ابن الأبار يذكر لنا في موضع آخر أن تغلب سيدراي على ابن قسي واستيلاءه على ميرتلة كان في شعبان سنة 540 هـ. ولابد أن عبور ابن قسي كان عقب خلعه وفقده لإمارته. ويقول لنا ابن خلدون إن ابن قسي عبر إلى المغرب في سنة 540 هـ، ثم يذكر لنا في موضع آخر أنه قدم إلى المغرب، عقب افتتاح مراكش، وقد كان افتتاح مراكش حسبما تقدم في شوال سنة 541 هـ (2). ويزيد ابن خلدون على ذلك أن ابن قسي نزل عند عبوره بسبتة، وأن واليها ابن مخلوف هو الذي جهزه إلى عبد المؤمن. وربما كانت رواية ابن خلدون الأولى أكثر الروايات تمشياً مع سير الحوادث. وعلى أي حال، فقد كان لمقدم ابن قسي نتائج عملية. ذلك أنه استطاع أن يحمل الخليفة الموحدي على المبادرة بالتدخل في حوادث الأندلس، وتجهيز حملة موحدية بقيادة برّاز بن محمد المسّوفي، لقتال المرابطين والثوار فيما وراء البحر، تلتها بعد ذلك حملات أخرى حسبما نفصل بعد.
- 2 -
كانت غرناطة في البداية مقر الحكومة المرابطية العامة بالأندلس، ثم رأى أمير المسلمين علي بن يوسف أن ينقل مركز الحكم إلى قرطبة، وذلك حينما أصدر مرسومه في سنة 526 هـ بتعيين ولده الأمير تاشفين، متولي شئون الأندلس، والياً لقرطبة، وأن يجعلها مقر الحكم. ثم استُدعي تاشفين إلى المغرب في سنة 532 هـ وعين لولاية العهد. ولما توفي علي بن يوسف سنة 537 هـ، وخلفه ولده تاشفين في الملك اختار الأمير يحيى بن غانية الصحراوي والياً لقرطبة، ومشرفاً على شئون الأندلس، وقائداً عاماً للجيش المرابطي، وذلك في سنة 538 هـ (1143 م).
وقد تحدثنا فيما تقدم عن أصل ابن غانية ونشأته، وأعماله في شرقي الأندلس.
ولما تجهمت الحوادث للدولة اللمتونية بالمغرب، وتقوضت دعامتها تحت ضربات
(1) الحلة السيراء ص 200، وأعمال الأعلام ص 251.
(2)
كتاب العبر ج 4 ص 166، وج 6 ص 234.
عبد المؤمن، ودوت أصداء النكبة في جنبات الأندلس، أخذ ابن غانية يواجه عواصف الثورة هنا وهنالك. ولما تفاقمت حوادث الغرب، وزحف المريدون أتباع ابن قسي على إشبيلية، سار ابن غانية في قواته لردهم، مستخلفاً على قرطبة أبا عمر اللمتوني، فهزمهم في طريانة، ثم طاردهم حتى لبلة، وأخذ في منازلتها، وهنا بلغته أنباء الثورة في قرطبة، فارتد أدراجه إلى إشبيلية، ولبث بها حيناً يدبر أمره، ويستعد لمواجهة الحوادث.
ذلك أنه لم تمض بضعة أشهر على قيام الثورة في الغرب، وسقوط قواعده في أيدي الثوار، حتى اضطرمت قرطبة بثورة مماثلة. وكان زعيم الثورة قاضي المدينة، ابن حَمْدين، وهو أبو جعفر حمدين بن محمد بن علي بن حمدين، وكان بيتهم من أقدم البيوتات العربية. دخل جدهم الأندلس مع الطالعة البلجية، واستقروا في باغة، وبها ازدهر بيتهم، وكان ابن حمدين قد وُلي قضاء قرطبة في شعبان سنة 529 هـ، على أثر مقتل قاضيها أبى عبد الله بن الحاج، وهو يصلي بالمسجد الجامع في صفر من تلك السنة. ثم صُرف ابن حمدين عن القضاء في سنة 532 هـ، وولى مكانه أبو القاسم بن رشد فوليه نحو عامين، ثم أعفاه الأمير علي بن يوسف من منصبه دون أن يعين خلفاً له، ووقع بعد ذلك بقرطبة هياج اعتدى فيه العامة على المرابطين، فخرج إليهم ابن حمدين، وتمكن من تسكين ثورتهم، فظهر يومئذ بوافر حكمته وشهامته، وبقيت قرطبة دون قاض مدى عام. ثم أذن علي بن يوسف لأهلها أن يختاروا لهم قاضياً، فأجمعوا على اختيار ابن حمدين، فولى القضاء للمرة الثانية في سنة 536 هـ، واستمر في منصبه حتى أواخر سنة 539 هـ.
وكانت حوادث المغرب من جهة، وحوادث الثورة في الغرب، قد أخذت تحدث أثرها، وأخذت بذور الثورة تختمر من جديد في أذهان الشعب القرطبي، وقد عرفناه فيما تقدم من مراحل التاريخ الأندلسي شعباً سريع التقلب، سريع الهياج.
فما كاد الحاكم المرابطي، الأمير يحيى بن غانية، يبتعد في قواته صوب إشبيلية لحمايتها من عيث المريدين، حتى اضطرمت قرطبة بالثورة، وثارت العامة بالوالي المرابطي الرئيس أبى عمر اللمتوني، وأعلنوا خلعه، وخلع دعوة المرابطين، ونادوا برياسة القاضي أبى جعفر بن حَمْدين، وبويع ابن حمدين بالإمارة في المسجد الجامع، وبايعه الخاصة والعامة، وذلك في الخامس من شهر رمضان سنة 539 هـ. واستقر
ابن حمدين بقصر الخلافة، وتسمى بأمير المسلمين وناصر الدين، ووفقاً لقول ابن الأبار بأمير المسلمين المنصور بالله، وفي بعض الروايات بأمير المؤمنين. ودعى له على منبر قرطبة ومعظم منابر القواعد الأندلسية. وكان ابن غانية قد سار عندئذ إلى لبلة ليجهز على المريدين الذين تحصنوا بها، فلما علم بما وقع في قرطبة، عاد أدراجه إلى إشبيلية. ولكنه ما كاد يستقر بها حتى ثار به أهلها، وناصبوه الحرب وجرح أثناء القتال الذي نشب بينه وبينهم، فارتد عندئذ في قواته إلى حصن مرجانة القريب (1).
وفي تلك الأثناء تطورت الحوادث في قرطبة، وسعى فريق من شعبها القُلّب إلى الاتصال بأبى جعفر أحمد بن عبد الملك بن هود الملقب بسيف الدولة المستنصر بالله. وقد فصلنا فيما تقدم سيرة هذا الأمير، وكيف آل أمره إلى مغادرة روطة آخر قواعد بني هود في الثغر الأعلى، وتسليمها إلى ملك قشتالة ألفونسو ريمونديس مقابل أراض منحها إياه في منطقة طليطلة، وذلك في سنة 534 هـ (1139 م).
وقد لبث سيف الدولة، الذي تعرفه الرواية النصراية باسم "سفادولا" Zafadola مقيماً في أراضيه الجديدة، في كنف ملك قشتالة، بضعة أعوام، حتى قامت الثورة في قرطبة وفي غيرها من القواعد الشرقية. وكان فريق من أهل قرطبة يرى في هذا الأمير - آخر بني هود ملوك سرقسطة السابقين - خير ممثل للزعامة الأندلسية العريقة، ومن ثم فقد عملوا على استدعائه، ليتولى إمارة قرطبة. ولبى سيف الدولة هذه الدعوة، وجاء إلى قرطبة، فدخلها بممالأة فريق كبير من أهلها، فبادر ابن حمدين إلى الفرار، ولحق بحصن فرنجولش المنيع، الواقع شمال غربي قرطبة، في سطح جبل الشارات (سييرّامورينا). بيد أن هذا الإزعاج لم يطل أمره. ذلك أنه لم يمض أيام قلائل على قيام سيف الدولة بالأمر، حتى ثار القرطبيون مرة أخرى، وهاجموا القصر، وفتكوا بابن الشماخ وزير سيف الدولة، وعدة من أصحابه، ففر سيف الدولة ناجياً بنفسه، ولما يمض على وجوده في قرطبة اثنا عشر يوماً، وقصد إلى مدينة جيان، وكان قد ثار بها القاضي ابن جزى، فتغلب عليه وملكها منه، ثم خاض عدة حوادث أخرى نرجىء التحدث عنها، حتى نستوفي حوادث قرطبة (2).
(1) ابن الأبار في التكملة رقم 119، ج 1 ص 38 و 39، وابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 53، وفي الإحاطة (1956) ج 1 ص 306. وفي مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 392.
(2)
الحلة السيراء ص 225.
وما كاد سيف الدولة يغادر قرطبة، حتى عاد إليها ابن حمدين من حصن فرنجولش واستأنف رياسته، واستطاع في الأشهر القلائل التي عاشتها حكومته، أن يدون الدواوين، وأن يجند الأجناد، وأن يرسم الخطط، وبعث إلى بعض زملائه الثوار في القواعد الأخرى في طلب الاعتراف برياسته، فاعترف بها بعضهم، ومن هؤلاء أبو الغمر بن عزون (1) صاحب شريش، وأبو جعفر بن أبى جعفر صاحب مرسية.
واستمرت رياسة ابن حمدين الثانية أحد عشر شهراً. ولكن فريقاً من خصومه الناقمين على حكمه، كتبوا إلى يحيى بن غانية في القدوم عليهم، واستعادة سلطانه على المدينة. فسار ابن غانية من إشبيلية قاصداً إلى قرطبة، في جمادى الآخرة سنة 540 هـ (1145 م). وبرز ابن حمدرن من قرطبة في قواته للقائه، فالتقيا بأحواز إستجة في جنوب غربي قرطبة، وكانت بينهما وقيعة، هزم فيها ابن حمدين، وفر إلى بطليوس، ملتجئاً إلى حماية صاحبها عبد الله بن الصميل من زعماء المريدين. ودخل ابن غانية قرطبة في الثاني عشر من شعبان من تلك السنة، ثم غادر ابن حمدين بطليوس، وسار إلى حصن أندوجر الواقع شرقي قرطبة وتحصن به، وبسط سلطانه على البلاد المجاورة، فتحرك ابن غانية إلى قتاله، وحاصره في أندوجر مدى شهر. وهنا لجأ ابن حمدين إلى تلك الوسيلة القديمة الذميمة، التي كانت عماد الطوائف في محاربة بعضهم بعضاً، وهي الاستنصار بعاهل قشتالة، القيصر ألفونسو ريمونديس.
ويقول لنا ابن الخطيب إن ابن حمدين، " أطمع القيصر في قرطبة "، فاستجاب
إلى دعوته، وتحرك وفقاً للرواية العربية إلى نصرته. ولكن الرواية النصرانية
تقول لنا إن القيصر أرسل إلى معاونة ابن حمدين، الدوق فرناندو خوانس في بعض قواته (2). ولما وصل القيصر إلى أندوجر، ولم يستطع ابن غانية، دفعاً للنصارى، انصرف في قواته إلى قرطبة، فسار النصارى في أثره، ومعهم حليفهم ابن حمدين في أصحابه، ودخل النصارى وابن حمدين قرطبة في العاشر من ذي الحجة سنة 540 هـ (مايو 1145 م)، وامتنع ابن غانية في المدينة، يدافع النصارى في صبر وجلد. وعاث القشتاليون في شرقي قرطبة، واستباحوا المسجد الجامع، وأخذوا ما كان فيه من النواقيس التي كانت رؤوساً للثريات، ومزقوا المصاحف، ومنها فيما زعموا مصحف عثمان، ونزعوا المنار من الصومعة، وكان من الفضة
(1) رسمت كذلك - ابن عزون - في البيان المغرب ص 22، وابن خلدون ج 6 ص 234، وابن صاحب الصلاة (مخطوط المن بالإمامة لوحة 175 أ). ولكن ابن الأبار يرسمها ابن غرون الحلة السيراء ص 222
(2)
F. Codera: cit. Anales Toledanes (Dec. y Disp.) p. 61.
الخالصة، وأحرقوا الأسواق. كل ذلك وابن غانية صامد يدفع النصارى عن القصبة بمنتهى الشدة والبسالة (1).
وحدث عندئذ أن جاءت الأخبار بأن الموحدين قد عبروا البحر إلى إسبانيا، وأن أهل إشبيلية خلعوا طاعة المرابطين، فاهتم القيصر لهذه الأنباء، ورأى من الفطنة أن يهادن ابن غانية، وأن يتركه بقرطبة " سداً بينه وبين بلاده ".
ْوهكذا تم التفاهم بين القيصر وابن غانية، وعقدت شروط الهدنة، وخرج ابن غانية من القصبة، واستحضر له القيصر أهل قرطبة بين يديه، وقال لهم " إني قد فعلت معكم من الخير ما لم يفعله من قبلي، وتركتكم رعية لي، وقد وليت عليكم يحيى بن غانية، فاسمعوا له وأطيعوا ".
ويقص علينا ابن الخطيب الذي ننقل عنه هذه التفاصيل، أن القيصر مضى ْفي مخاطبة أهل قرطبة، فقال " ولا يربكم أن تكونوا تحت يدي ونظري، فعندي كتاب نبيكم إلى جدي ". حدث ابن أم العماد وأبو الحسن قال، حضرت، وأحضر حقاً من الذهب، فُتح وأخرج منه كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ملك الروم، وهو جده بزعمه. والكتاب بخط علي بن أبي طالب. قال أبو الحسن، قرأته من أوله إلى آخره كما جاء في حديث البخاري (2).
وهكذا استقر ابن غانية بقرطبة، وأخذ في تحصين القصبة، واشتد في معاملة أهلها، وأخذ يسومهم الخسف، لما أثموا به في حقه وغدروا به. وعهد بضبط المدينة، وتدبير شئونها لمولاه فلوج العلج، وكان حازماً شديد الوطأة، فمال على أهل المدينة، وأذلهم وانتزع كثيراً من أموالهم.
واستمر ابن غانية على تهادنه مع القشتاليين نحو عام آخر، تطورت الحوادث خلاله بسرعة. أما ابن حمدين فقد غادر قرطبة مع النصارى، وسار إلى حصن فرنجولش، ولبث به فترة قصيرة، ثم عبر البحر إلى المغرب، وسار إلى مقابلة الخليفة عبد المؤمن أسوة بمن سار إلى لقائه، من زعماء الثورة في الأندلس، فلقيه تحت أسوار مراكش، وهو محاصر لها (أوائل سنة 541 هـ) حسبما تقدم ذكره، فأحسن الخليفة استقباله. ثم عاد إلى الأندلس فنزل بمالقة، في كنف زميله وحليفه ابن حسون الثائر بها، وحاول مرة أخرى أن يسترد سلطانه
(1) نقلنا هذه التفاصيل عن ابن الخطيب في الإحاطة في ترجمة ابن غانية (مخطوط الاسكوريال السالف الذكر لوحة 392).
(2)
ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال) نفس اللوحة السابقة.
بقرطبة، فأخفق مسعاه، وارتد ثانية إلى مالقة، واستقر بها حتى توفي في رجب سنة 546 هـ (نوفمبر 1151 م) ودفن بمسجدها الجامع. ولما استولى الموحدون على مالقة، بعد ذلك بعشرين شهراً، نبشوا قبره، واستخرجوا جثمانه وصلبوه، وهو وفقاً للرواية، بحاله لم يتغير (1).
- 3 -
كان من أصداء ثورة ابن حمدين في قرطبة أن قامت في نفس الوقت في غرناطة ثورة مماثلة، زعيمها القاضي أبو الحسن علي بن عمر بن أضحى. وكان أبو الحسن هذا من أهل ألمريّة، وبها ولد في سنة 492 هـ، وولى قضاءها بعد قاضيها الزاهد ابن الفرّا. ولما قامت ثورة ابن حمدين بقرطبة، كان ابن أضحى بمدينة غرناطة، فبعث إليه ابن حمدين يدعوه إلى اتّباعه والدعوة له. فاستجاب ابن أضحى لدعوته، وآزره فريق كبير من أهل المدينة، وتعاونوا على إخراج الملثمين (المرابطين) منها، فاعتصموا بالقصبة، ونشب القتال بن الفريقين، وكان أمير غرناطة المرابطي يومئذ، هو علي بن أبي بكر المعروف بابن فنّو.
وهو اسم أمه، أخت علي بن يوسف. ولما شعر ابن أضحى بتفوق المرابطين، استغاث بحليفه ابن حمدين صاحب قرطبة، وابن جزى قاضي جيان، فبعث إليه ابن حمدين بعض قواته بقيادة ابن أخيه علي بن أبى القاسم المعروف بابن أم العماد. ولكن حدث خلال ذلك، أن رأى فريق من أهل غرناطة، أن يلتجئوا إلى رئيس يولونه على أنفسهم، ويستطيع مغالبة اللمتونيين، واقترح البعض أن يكون هذا الرئيس هو سيف الدولة بن هود، لقدم بيته، وبعد صيته في الرياسة، وتغلبه على جيان وغيرها من القواعد، وأيدهم في ذلك ابن أضحى وأصحابه. وبعث أهل المدينة برغبتهم إلى ابن هود، فلباها، وقدم إلى غرناطة في عسكر " من أوباش النصارى وسقاط الجند ". فلما رأى ابن أم العماد تطور الأمور على هذا النحو، ارتدت قواته ثانية إلى قرطبة. وتعاهد ابن أضحى وابن هود على مدافعة اللمتونيين. وكان اللمتونيون حين مقدم ابن هود، قد أنسوا ضعف عسكره، وانحلال جنده، فبرزوا للقائه خارج غرناطة، ونشب بينهما قتال شديد، فهزم ابن هود، وقتل كثير من أصحابه، وكان ذلك في اليوم
(1) ابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 254. ويقول الضبي إن وفاته كانت في سنة 543 هـ (بغية الملتمس ص 261)، ويقول ابن الأبار إنها كانت في سنة 548 هـ (التكملة رقم 119).
التاسع عشر من ذي الحجة سنة 539 هـ. ولم يستطع ابن هود أن يدخل غرناطة إلا بشق الأنفس، فدخلها مع من بقي من رجاله، من فوق الأسوار، ومن أعلى التلال، ثم جاز إليها من باب مورور، بعد أن اشتبك في معركة أخرى مع قوة مرابطية ثانية، وفقد عدداً آخر من جنده (1). وفي رواية ابن الأبار أن ابن هود وابن أضحى لبثا على قتال المرابطين بالقصبة شهراً، وفي خلال ذلك جرح ولد ابن هود عماد الدولة وأسر ومات بالقصبة، فدفع المرابطون بنعشه إلى أبيه.
ثم توفي القاضي ابن أضحى، فتقدم ولده محمد مكانه، واستمر في التعاون مع ابن هود في مدافعة اللمتونيين. وقدم في نفس الوقت عسكر من مرسية قوامه نحو ألفي فارس بقيادة قاضيها الثائر بها ابن أبى جعفر، فخرج إليه اللمتونيون، فهزموه وقتلوه ومعظم عسكره، واستباحوا البلد - غرناطة - استباحة قهر وغلبة، وفر معظم الناس عن منازلهم، ثم ارتدوا إلى القصبة واعتصموا بها. فلما رأى ابن هود تفاقم الأمور على هذا النحو، وأنه لا طاقة له بمقاومة اللمتونيين، غادر غرناطة، وفر إلى قاعدته جيان، وكان قد ترك بها ابن عمه نائباً عنه. وقد أورد لنا ابن الأبار، في ترتيب هذه الحوادث، رواية أخرى خلاصتها، أن ابن أضحى لما قام بثورته، دعا أولا لابن حمدين وذلك في رمضان سنة 539 هـ، فامتنع الملثمون بالقصبة، إلى أن وصل من جيان مع بعض قواد الثغر مدد لابن أضحى، وانضم إليه جمع وافر من أهل غرناطة، فخرج إليهم الملثمون، وهزموهم شر هزيمة، ثم عادوا إلى القصبة. ودامت الحرب بين الفريقين مدة داخل غرناطة وخارجها، إلى أن قدم ابن أبى جعفر القائم بمرسية في عسكر قيل إنه كان يبلغ اثني عشر الفاً بين خيل ورجل، فخرج إليهم الملثمون مرة أخرى وهزموهم، وقتلوا ابن أبى جعفر، ثم عادوا إلى الاعتصام بالقصبة مرة أخرى.
وهنا قدم ابن هود في قواته ودخل غرناطة من باب مورور، فاستقبله ابن أضحى وأنزله، واستسقى ابن هود، فأمر له بقدح من الماء المسموم.، فصاحت به العامة محذرة، فخجل ابن أضحى، وتناول القدح وشرب منه، لكي يدفع مظنة الاتهام، فمات من ليلته، وانتقل ابن هود إلى القلعة الحمراء، والقتال متصل بين الملثمين. وأهل غرناطة، حتى كان ذات يوم تمكن الملثمون فيه من
(1) نقلنا التفاصيل المتقدمة عن كتاب الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي، وقد وردت في ترجمة علي بن عبد الله بن ثابت الأنصاري (عن نسخة خزانة الرباط المصورة عن نسخة باريس).
ابنه وقتلوه. وبقي ابن هود بعد ذلك نحو شهر في غرناطة، والصعاب تكتنفه من كل صوب، ثم هم أهل غرناطة بمناوأته ففر عنها ليلا وقصد إلى مرسية، أو إلى جيان. وقام من بعده بأمر غرناطة أبو بكر محمد بن أبى الحسن بن أضحى، ولكنه لم يلبث بها سوى أيام قلائل، وهو يدافع خصومه، ثم فر بعد ذلك إلى المُنكّب ناجياً بنفسه (أول سنة 540 هـ) واضطر أهل غرناطة إلى التفاهم مع حاكمها المرابطي ميمون بن يدِّر بن ورقاء، وكان قد خلف أميرها السابق على بن فنّو بعد وفاته، وهكذا استعاد اللمتونيون سيطرتهم على غرناطة (1).
وكان القاضي أبو الحسن بن أضحى فقيهاً بارعاً، وأديباً، وشاعراً جزلا، وقد أورد لنا ابن الأبار طائفة من نظمه، ومن ذلك قوله:
يا ساكن القلب رفقاً كم تقطعه
…
الله في منزل قد ظل مثواكا
يشيد الناس للتحصين منزلهم
…
وأنت تهدمه بالعنف عيناكا (2).
- 4 -
وحدث في مالقة نفس ما حدث في قرطبة وغرناطة، وانقلب قاضيها إلى تزعم الثورة بها ضد المرابطين. وإنه لما يلفت النظر في هذه الأحداث المتشابهة، تلك الظاهرة العجيبة، وهي أن قادة الثورة ضد المرابطين لم يكونوا زعماء الجند، وإنما كان معظمهم قضاة من رجال القلم. ففي قرطبة، وجيان، وغرناطة، ومالقة، ومرسية، وبلنسية، وغيرها، كان زعماء الثورة قضاة، فقهاء أدباء وشعراء، من أعلام التفكير في ذلك العصر. وقد نجد تعليلا لتلك الظاهرة، فيما كان يتمتع به الفقهاء والقضاة، في ظل الدولة اللمتونية من واسع الجاه والنفوذ، حتى تركزت فيهم عناصر الزعامة المحلية، التي كان يتمتع بها من قبل جيل الأمراء والقادة، الذين اختفى معظهم حينما قضت الدولة اللمتونية على دول الطوائف، وإلى أنه لما أخذ نجم الدولة اللمتونية في الأفول، وانهار سلطان أولئك القضاة بانهيار الدولة، التي أظلهم سلطانها ونفوذها، حاولوا بإضرام نار الثورات المحلية، وتولى زعامة مدائنهم، أولا أن يحتفظوا بسابق رياستهم، وثانياً أن يستردوا سلطانهم القومي، بعدما تحطم نير الدولة الغالبة. وسوف نرى فيما بعد، أنه بعد أن تختفي هذه الثورات المحلية الصغيرة، سواء بالقضاء
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 209.
(2)
الحلة السيراء ص 109 و 210 و 211 وقد وردت بها مقطوعات شعرية أخرى لابن أضحى.
عليها، أو بانضواء قادتها تحت لواء الدولة الموحدية الجديدة، تبقى عناصر الثورة القومية الأندلسية العسكرية والسياسية، مستمرة مدى جيل آخر، على يد بعض الزعماء، الذين لم يجدوا في قيام الدولة الموحدية بالأندلس، مكان الدولة المرابطية، تحقيقاً للغاية القومية التحريرية، التي كانت تبتغيها الأندلس، من تحطيم نير أولئك الغزاة البربر، الذين جاءوا إليها من وراء البحر، باسم الجهاد في سبيل الله، ثم استقروا فيها سادة حاكمين.
في الوقت الذي قام فيه ابن حمدين بقرطبة، وابن أضحى بغرناطة، نهض بمالقة قاضيها أبو الحكم بن حسّون، ليتزعم ثورة مماثلة. وهو الحسين بن الحسين ابن عبد الله بن الحسين الكلبي بن حسّون، ويكنى بأبى الحكم، وكان ينتمي إلى بيت من أعرق بيوتات مالقة، اشتهر بالعلم والجاه والسراوة. وُلي قضاء مالقة في سنة 538 هـ، مكان قاضيها أبى محمد الوحيدي حينما استقال لفقد بصره؛ ولما وقعت الثورة بقرطبة وغرناطة، وغيرها من القواعد، في هذا الوقت بالذات، وتكاتب القضاة، أعلن أبو الحكم الثورة في مالقة، ودعا لنفسه، وقام بأمر المدينة، وحاصر اللمتونيين في القصبة، ولبث على منازلتهم ستة أشهر، حتى أخرجهم منها، وملك القصبة، واستقر بها وتسمى بألقاب الإمارة، وعين أخاه أبا الحسن قائداً لقواته، وأسند إليه ولاية قرطمة وما إليها.
ولكن المرابطين في أنتقيره وغيرها من الحصون المجاورة، استمروا في مهاجمته ومضايقته، حتى اضطر أخيراً، أن يستعين بالمرتزقة النصارى، واضطر من أجل دفع أجورهم، أن يرهق أهل المدينة بالمطالب والمغارم المختلفة، فنقموا عليه مسلكه، وداخل فريق منهم رجلا من خاصته، كان قائد الحرس ببابه يدعى اللوشي، وائتمروا معه على الإيقاع بأبى الحكم. ونجحت المؤامرة، واستطاع المتآمرون بمعاونة اللوشي، أن يخترقوا الأبواب، وأن يملكوا القصبة، فامتنع ابن حسون داخل القصر، ودافع عن نفسه بأعنف ما يستطاع، فلما نفدت جهوده، وقتل أخوه وأيقن بالهلاك، نفذ إلى داخل داره، وأراد أن يقتل نساءه وبناته صوناً لهن، فاعتصمن منه بالغرف والبيوت الداخلية، فعمد عندئذ إلى إحراق كتبه وذخائره، تم تناول سماً فلم يقتله لفوره، فتحامل على نفسه، وطعن نفسه برمح نفذ إلى ظهره، ولكنه لم يمت وارتمى وهو يحتضر متخبطاً في دمه، ودخل أعداؤه القصر فألفوه على تلك الحالة، ومات بعد يومين في الحادي عشر
من ربيع الأول سنة 547 هـ (يونيه سنة 1152 م). فصلبت جثته، واحتز رأسه وأرسل إلى مراكش. ولما استولى الموحدون على مالقة بعد ذلك بنحو عام، في أوائل سنة 548 هـ، قبض على أهله وولده، وبيع بناته، واشترى بعضهن بعض أكابر الدولة الجديدة. فكانت نهايته المحزنة من أتعس ما لقي ثوار النواحي في تلك الفترة (1).
- 5 -
وقام في وادي آش، على مقربة من غرناطة، في الوقت الذي قام فيه ابن حمدين في قرطبة، وابن أضحى في غرناطة، أحمد بن محمد بن مَلْحان الطائي، فاستولى على القصبة وحصنها، ودعا لنفسه، وتلقب بالمتأيد بالله، وعمل على تعزيز مركزه بكل الوسائل، واشتد في تحصيل المال والدخائر، واقتنى الضياع الواسعة، وتولى فلاحتها وحرثها، حتى غدا من أغنى أهل زمانه. وتغلب على يعض القواعد القريبة، مثل بَسْطة وضمها إلى إمارته، واستخدم في بلاطه الصغير عدة من مشاهير العلم والأدب في ذلك العصر، مثل أبى بكر بن طفيل الفيلسوف الطبيب، وأبى الحكم هرودُس. واستطال عهده عدة أعوام. ولما قام محمد بن سعد بن مردنيش بثورته في شرقي الأندلس، وزحف على القواعد الوسطى والجنوبية، قاصداً توسيع أملاكه، ومحاربة الموحدين في نفس الوقت، سار إلى وادي آش تعاونه فرقة من النصارى، فلما رأى ابن ملحان أنه لا طاقة له به أعلن طاعته للموحدين، وكانوا في ذلك الوقت قد استولوا على غرناطة، بيد أنه لم يستطع الاحتفاظ بوادي آش فخرج عنها، واستولى عليها ابن مردنيش كما استولى على بسطة وغيرها، وذلك في سنة 546 هـ (1151 م). وعبر ابن ملحان البحر إلى المغرب، ودخل في خدمة الموحدين، واستعمل بمراكش في بعض الأعمال الهندسية في إقامة البحيرة وإجراء مائها، ثم نكب بعد ذلك لأسباب لا نعرفها، ونزعت أمواله، وتوفي في بؤس وضعة (2).
- 6 -
وثار في جيان قاضيها يوسف بن عبد الرحمن بن جُزي، وأنشأ بها حكومة مستقلة،
(1) ابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 255.
(2)
ابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 264، والإحاطة ج 2 (القاهرة) ص 89.
اقتداء بزملائه القضاة في قرطبة، وغرناطة، ومالقة، ومرسية وغيرها. وليست لدينا عن حكمه وأيامه بجيان تفاصيل شافية. بيد أن رياسته لم تطل فيما يبدو، لأن سيف الدولة بن هود استطاع التغلب على جيان وانتزاعها منه، قبيل مسيره إلى قرطبة في أواخر سنة 539 هـ (أوائل سنة 1145 م)(1).
- 7 -
وشملت الثورة أراضي مثلث الأندلس الجنوبي، فقامت في رُندة، وشَريش وقادس حكومات مستقلة، وقضى فيها على سيادة المرابطين. ففي رندة قام رجل من رجال القلم، وهو أخيل بن إدريس الرندي، وأنشأ بها حكومة مستقلة.
وكان أخيل هذا، وهو في الأصل من أهل رندة، كما يدل على ذلك اسمه، كاتباً أديباً شاعراً، وكتب في بداية حياته للملثمين. ولما قام ابن حمدين في قرطبة، استخدمه في بطانته، وكتب له، وكان وثيق الصلة به مذ كان متولياً قضاء قرطبة.
فلما استرد الملثمون قرطبة على يد ابن غانية، وسقطت حكومة ابن حمدين، سار أخيل إلى بلده رندة، وكانت أمورها فوضى لا ضابط لها، فدعا لنفسه، واستطاع أن يقوم بحكمها وضبطها، ولكن فريقاً من خصومه سعوا إلى إسقاطه، وخاطبوا أبا الغمر بن السائب بن عزون، صاحب شريش، في القدوم إلى رندة، والتغلب عليها. فاستجاب لهم، وقدم إلى رندة. واستطاع بمخادعة أخيل، أن يستولي على القصبة دون قتال، وانتزع أموال أخيل وأموال أصحابه، وفر أخيل ناجياً بنفسه إلى مالقة، ثم عبر البحر منها إلى المغرب، واتصل في مراكش بالوزير ابن عطية، فأكرم وفادته، وساعده فيما بعد على استرداد أمواله. ولما استولى الموحدون على الأندلس، وُلي قضاء قرطبة، ثم قضاء إشبيلية، وتوفي بإشبيلية سنة 561 هـ (1166 م)، وكان أديباً مطبوعاً وشاعراً جزلا (2).
وكان ابن عزون في مقدمة الثوار الذين خلعوا طاعة المرابطين، فقام في بلده شَريش، وأنشأ حكومة مستقلة، في نفس الوقت الذي قام فيه أحمد ابن قسيّ في الغرب. وقوى أمر ابن عزون بسرعة، وبسط سلطانه على أركش، ثم على رندة حسبما تقدم، وأعلن انضواءه في البداية تحت طاعة ابن حمدين صاحب
(1) أشار ابن الخطيب في أعمال الأعلام إلى ثورة ابن جزى في جيان إشارة عابرة ص 259.
(2)
الحلة السيراء ص 222.
قرطبة. فلما تطورت الحوادث وانهارت حكومة ابن حمدين، واضطر إلى مغادرة قرطبة، نادى بخلع طاعته، والاستقلال بدعوته. وفي أوائل سنة 541 هـ، عبر البحر إلى المغرب، وسار إلى لقاء الخليفة عبد المؤمن، وهو يومئذ يعسكر بمحلته تحت أسوار مراكش وبايعه بالطاعة، وكان من الوافدين على عبد المؤمن في نفس الوقت ابن حمدين زعيم قرطبة السابق (1). ولما عبر الموحدون إلى الأندلس، كان ابن عزون وجند شريش أول من لقيهم، وانضم إليهم. ويقدم إلينا صاحب روض القرطاس، رواية أخرى، خلاصتها أن أبا الغمر (ويسميه محرفاً أبا القمر) وهو من بني غانية، كان هو القائد المرابطي لشريش، وأنه لما عبر الموحدون البحر إلى الأندلس لأول مرة في سنة 539 هـ، وفتحوا مدينة شريش صلحاً، انضم إليهم أبو الغمر في قواته، وكانت ثلاثمائة فارس، وأعلن بيعة عبد المؤمن، فكانت شريش بذلك أول قاعدة أندلسية دخلت في طاعة الموحدين، وكان الموحدون لذلك يسمون أهلها بالسابقين الأولين، ومن أجل ذلك حررت أملاكهم من المغارم، وكانت وفود الأندلس إذا قدمت للسلام على الخليفة الموحدي، كان وفد شريش أول الداخلين. وتم فتح شريش وفقاً لهذه الرواية في شهر ذي الحجة سنة 539 هـ (1145 م)(2). على أننا نؤثر الأخذ بالرواية المتقدمة، وهي تقدم إلينا ابن عزون ضمن ثوار الأندلس، ثم تفصل لنا أعماله وحركاته في منطقة الفُرُنتيرة، ووفوده على عبد المؤمن بما يتفق مع باقي الحوادث التي وقعت في تلك المنطقة في تلك الفترة، وهي رواية يؤيدها ابن الأبار، وابن عذارى، وابن خلدون، وهي بذلك في نظرنا أوثق وأكثر قبولا (3).
ونختتم هذا الثبت من ثوار غربي الأندلس ضد المرابطين بذكر زعيمين آخرين، أولهما على بن عيسى بن ميمون والى ثغر قادس، وقائد الأسطول المرابطي بهذه المنطقة، وقد كان في مقدمة الزعماء الذين خلعوا طاعة المرابطين، وفي سنة 540 هـ عبر البحر إلى المغرب، وسار إلى لقاء عبد المؤمن، وكان يومئذ قائماً على حصار فاس، فقدم إليه طاعته، ثم عاد إلى قادس، وأقام بها الخطبة
(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 22.
(2)
روض القرطاس ص 132.
(3)
راجع الحلة السيراء ص 222، والبيان المغرب القسم الثالث ص 22، وابن خلدون ج 6 ص 234.
للموحدين. وهو الذي عاون ابن قسي على العبور إلى المغرب، ودفعه إلى مقابلة عبد المؤمن بنفسه، ليناشده الجواز إلى الأندلس. ثم كان بعد ذلك ممن ثاروا على الموحدين، وخلعوا طاعتهم من زعماء الغرب، وذلك حينما ارتد ابن قسي عن الطاعة، وتبعه زعماء لبلة وبطليوس وطبيرة وغيرهم، إلى أن عبرت عساكر الموحدين بعد ذلك بقليل بقيادة يوسف بن سليمان، وأخضعت أولئك الزعماء الثائرين بمختلف قواعد الغرب.
والثاني هو محمد بن علي الحجام الثائر ببطليوس، وقد ذكره ابن الخطيب في ثبت زعماء الثورة ضد المرابطين، ولكنه لم يقدم لنا عنه أي تفصيل آخر (1).
وذكره ابن خلدون ضمن الزعماء الذين خلعوا طاعة الموحدين، ثم ذكر لنا بعد ذلك أنه حينما عبر يوسف بن سليمان بعساكر الموحدين، وسار إلى مقاتلة ثوار الغرب، عاد ابن الحجام (ويسميه هنا محرفاً ابن الحاج) إلى الطاعة، وبعث إلى عبد المؤمن بهدية كان لها وقع حسن (2). ونحن نعرف مما تقدم أن بطليوس كانت من القواعد التي بسط ابن وزير عليها سلطانه، وندب خاله عبد الله بن الصميل والياً عليها (3). ولم تذكر لنا الرواية بعد ذلك، متى ولا في أي ظروف، آلت بطليوس إلى محمد بن الحجام.
(1) أعمال الأعلام ص 248.
(2)
ابن خلدون ج 6 ص 234 و 235.
(3)
الحلة السيراء ص 204.