الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصْل الثاني
أمير المسلمين علي بن يوسف وأحداث عصره
علي بن يوسف يخلف أباه. الثورة في فاس وإخفاقها. على يعبر إلى الأندلس. أعماله وعوده. أمره إلى أخيه تميم باستئناف الغزو. خروج تميم في قواته إلى قشتالة. مسيره إلى حصن أقليش واقتحامه إياه. أهبة ألفونسو السادس لرد الغزاة. مسير القشتاليين إلى أقليش. موقف الجيش المرابطي. عدد الجيشين المتحاربين. التحامهما في معركة عنيفة. مصرع الإنفانت سانشو وهزيمة القشتاليين. خسائر النصارى والمسلمين. إتمام الاستيلاء على أقليش. الروايات النصرانية عن الموقعة. عبور على إلى الأندلس. غزوه لأراضي قشتالة، استيلاؤه على طلبيرة. محاصرته لطليطلة. رفع الحصار وعوده إلى قرطبة ثم إلى مراكش. غزو الأمير سير اللمتوني لأراضي البرتغال. استيلاؤه على يابرة وأشبونة وشنترين. غزو مزدلي والى قرطبة لأراضي قشتالة. استيلاؤه على حصن أرجنة ومحاصرته لطليطلة. القتال بين القشتاليين والمرابطين. رفع الحصار وعود المرابطين. وفاة مزدلي وولاية ولده محمد لقرطبة. غزو القشتاليين لولاية قرطبة. خروج المرابطين لردهم. هزيمة المرابطين ومصرع محمد بن مزدلي وأكابر لمتونة. هزيمة مرابطية أخرى. وفاة الأمير سير والى إشبيلية. التعريف بسير ومزدلي. من أسباب نشاط الغزو المرابطي. أحوال سرقسطة. استيلاء المرابطين عليها. إنتهاء ملك بني هود. ابن الحاج والي سرقسطة. الحرب بين المرابطين وبين عماد الدولة بن هود. غزو ابن الحاج وابن عائشة لإمارة برشلونة. هزيمة المرابطين ومصرع ابن الحاج. أحوال الجزائر الشرقية. افتتاح النصارى لها. أهبة علي لإنقاذها. مسير الأسطول المرابطي إلى الجزائر. استيلاء المرابطين عليها. إحراق كتاب الإحياء في قرطبة. نفوذ الفقهاء وأثرهم في هذا الحادث. عبور على إلى الأندلس للمرة الثالثة. غزوه لأراضي البرتغال واقتحامه لمدينة قلمرية. عوده إلى المغرب. عبوره إلى الأندلس للمرة الرابعة. الثورة في قرطبة. مختلف الروايات في شأنها. مغزى هذه الثورة وأسبابها. موقف علي منها. النقاش بينه وبين ابن رشد. تسوية الحادث وعودة علي.
لما توفي أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين، في يوم الاثنين مستهل شهر المحرم سنة خمسمائة (2 سبتمبر سنة 1106 م)، بقصره بمراكش، خلفه في نفس يوم وفاته ولده أبو الحسن علي، وكان قد اختاره كما تقدم لولاية عهده، منذ سنة 495 هـ، وأصدر له عهد التولية بقرطبة في شهر ذي الحجة سنة 496 هـ، مؤثراً إياه بذلك على ولده الأكبر أبى الطاهر تميم. وعقدت البيعة لعلي في نفس اليوم، قبل أن يُواري جثمان العاهل الراحل، وكان أول من بايعه بمحضر من أشياخ لمتونة وباقي قبائل صنهاجة، والأكابر والقادة، أخوه تميم معلناً بذلك طاعته
لأخيه، واحترامه لإرادة أبيه، ثم بايعه من بعده سائر من حضر من الأشياخ والأكابر، وكتب علي في نفس الوقت إلى سائر قواعد المغرب والأندلس وبلاد القبلة بالصحراء، يعلمهم بموت أبيه، واستخلافه إياه من بعده، ويأمرهم بأخذ البيعة له (1). وكان علي وقت تبوئه الملك، فتى في نحو الثالثة والعشرين من عمره، وكان مولده بثغر سبتة سنة 477 هـ (1084 م)، عقب سقوطه في أيدي المرابطين بأشهر قلائل، وأمه أم ولد رومية اسمها قمر، وتسمى أيضاً " فاض الحسن ". وقد أنفق على فيما يبدو حداثته في سبتة (2). ولما توفي الأمير أبو بكر أكبر أولاد يوسف وولي عهده بسبتة في سنة 479 هـ عقب نصر الزلاّقة، وأخذ يوسف يبحث عن خلفه بين أولاده، اتجهت نيته لاختيار ولده علي، لما آنسه فيه منذ صغره من ذكاء ونجابة، وكان يصطحبه في كثير من المهام، ولاسيما عند جوازه الأخير إلى الأندلس، حينما عبر إليها ليتفقد أحوالها، وليعقد بها بيعة العهد لعلي.
وكان يوسف قبيل وفاته بقليل، قد أوصى ولده علياً بثلاثة أمور، أولها ألاّ يفعل شيئاً لإثارة أهل جبل دَرَن، ومن وراءه من المصامدة وأهل القبلة، والثاني أن يهادن بني هود أمراء سرقسطة، وأن يتركهم حائلا بينه وبين النصارى، والثالث أن يعطف على من أحسن من أهل قرطبة، وأن يتجاوز عمن أساء منهم (3)، هذا فضلا عما اشترطه عليه حين خصه بولاية عهده، من الأمور المتعلقة بشئون الأندلس الدفاعية، وهو ما سبق أن أشرنا إليه فيما تقدم.
وكان علي بن يوسف أميراً وافر الهمة والذكاء والعزم، وكانت تحدوه رغبة صادقة، في أن يسير على نهج أبيه في الحكم، وفي متابعة الجهاد، وهو قد سار بالفعل وفق هذا المنهج، وحقق في ظله طائفة من جلائل الأعمال، وهو ما يجمله المؤرخ في قوله:" فاقتفى أثر أبيه، وسلك سبيله في عضد الحق، وإنصاف المظلوم، وأمن الخايف، وقمع المظالم، وسد الثغور، ونكاية العدو، فلم يعدم التوفيق في أعماله، والتسديد في حسن أفعاله "(4).
(1) روض القرطاس ص 102.
(2)
روض القرطاس ص 101.
(3)
الحلل الموشية ص 60.
(4)
ابن عذارى البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 67)، ونقله ابن الخطيب في الإحاطة في ترجمة علي بن يوسف (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 292).
ولأول ولايته وقعت ثورة محلية لم تكن على شىء من الخطورة، ولكنها كانت أول بادرة في الانتقاض والخروج. وذلك أنه حينما كتب إلى القواعد والثغور بأخذ البيعة له، أتته البيعة من سائر البلاد إلا من مدينة فاس، عاصمة المغرب القديمة، وقد كان واليها عند وفاة يوسف، حفيده يحيى بن الأمير أبى بكر أخى علي المتوفى، فرفض أداء البيعة لعمه علي، وأعلن الخلاف، ووافقه على ذلك جماعة من قواد لمتونة، فبادر علي بالسير في بعض قواته إلى فاس، فخشى يحيى البادرة على نفسه، خصوصاً بعد أن تخلى عنه أنصاره، وفر من المدينة، ودخلها علي بن يوسف، وذلك في الثاني من ربيع الآخر سنة 501 هـ، وأخمدت هذه الثورة الصغيرة في مهدها. وسار يحيى صوب تلمسان ملتجئاً إلى واليها الأمير مزدلي، فلقيه بالطريق، وكان قادماً ليقدم بيعته إلى علي، فاستجار به ووعده مزدلي، بأن يسعى لدى علي في العفو عنه، واختفى يحيى في أحواز فاس حتى لقى مزدلي الأمير وقدم إليه بيعته، وشفع لديه في ابن أخيه، فعفى عنه علي، وخيره بين الإقامة في ميورقة أو في الصحراء، فاختار يحيى الصحراء، ثم سار منها إلى الحجاز فقضى فريضة الحج، وعاد إلى المغرب، واستأذن عمه علياً في سكنى مراكش، فأذن له. ولكن بدت منه عندئذ بعض بوادر مريبة، فخشى علي من نياته، وأمر بالقبض عليه ونفيه إلى الجزيرة الخضراء، فاعتقل بها حتى توفي (1).
ولم يكد على يفرغ من قمع الثورة في فاس، حتى أزمع الجواز إلى الأندلس لتفقد أحوالها، وتنظيم شئونها، فخرج من مراكش في جيش من المرابطين ومصمودة، وعبر البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء في منتصف سنة 500 هـ (أوائل سنة 1107 م)، وهناك بادر إليه زعماء الأندلس ورؤساؤها، وقضاتها، وفقهاؤها وأدباؤها وشعراؤها، فقدموا إليه بيعتهم وطاعتهم، وأنشده الشعراء قصائدهم، فعنى بالنظر في مطالبهم، وغمر الجميع بعطفه وصلاته (2).
وعمد علي في الوقت نفسه إلى إجراء طائفة من التغييرات الإدارية الهامة، فعزل أخاه أبا الطاهر تميما عن ولاية المغرب، وعينه لولاية غرناطة بالأندلس، وجعله قائداً أعلى للجيوش المرابطية فيما وراء البحر. وعين لولاية قرطبة أبا عبد الله
(1) روض القرطاس ص 103.
(2)
الحلل الموشية ص 62، وابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 67).
محمداً بن أبى بكر اللمتوني، وعين لولاية المغرب أبا عبد الله محمداً بن الحاج، فلبث والياً على فاس وسائر أنحاء المغرب زهاء ستة أشهر. ثم عينه علي لولاية بلنسية وشرقي الأندلس، ومن بلنسية، سار ابن الحاج في القوات المرابطية إلى سرقسطة ودخلها في سنة 502 هـ (1109 م) حسبما نفصل بعد (1).
ولما عاد علي إلى المغرب، كتب في أوائل سنة 501 هـ إلى أخيه تميم والي غرناطة، وقائد الجيوش المرابطية بالأندلس، أن يستأنف الجهاد، وأن يغزو أرض النصارى. وقد كانت غرناطة يومئذ قاعدة الحكم المرابطي في الأندلس بعد قرطبة.
والظاهر أن هذا الاختيار كان يرجع لأسباب استراتيجية تتعلق بموقع غرناطة، وإنما كتب علي لأخيه ولم يعبر إلى الأندلس، حسبما يبدو من أقوال صاحبي الحلل الموشية وروض القرطاس. فإنه يبدو من الرواية الأولى (2)، أن علياً لم يعبر عبوره الثاني إلى الأندلس إلا في سنة 503 هـ (1110 م). وتمر الرواية الثانية على مسألة جواز على بالصمت. ويؤيد ذلك بنوع خاص رسالة كتب بها الأمير تميم إلى أخيه علي عقب الموقعة التي نشبت بينه وبين النصارى، وهي رسالة سوف نتحدث عنها فيما بعد.
ولم يصدر علي أمره باستئناف الغزو والجهاد عفواً، فقد كان ثمة ما يبرره ويستدعيه. ذلك أنه لما مرض أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في سنة 498 هـ، وذاع أمر مرضه في الأندلس، ونقلت عن الأحوال في المغرب والأندلس إلى قشتالة أقوال وصور زائفة، اعتقد ألفونسو السادس ملك قشتالة الشيخ أن الفرصة قد سنحت ليستأنف غزواته في أراضي المسلمين، فبعث حملة من نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل، سارت نحو أحواز إشبيلية، وعاثت فيها، واستولت على كثير من الغنائم والسبي، فخرج الأمير سير بن أبى بكر والي إشبيلية في قواته لرد الغزاة، ولحقت به عساكر غرناطة بقيادة أبى عبد الله بن الحاج واليها يومئذ، وطارد المسلمون القشتاليين، وردوهم على أعقابهم، وقتلوا منهم نحو ألف وخمسمائة (3)، ولما تولى علي بن يوسف الملك بعد ذلك بقليل، لم ينس أمر هذا
(1) روض القرطاس ص 103، والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 67، و 68).
(2)
الحلل الموشية ص 63.
(3)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص 64 و 65).
العدوان وما يدل عليه من تحفز النصارى، فرأى أن يبادرهم بالغزو، وأن يهاجمهم في قلب أراضيهم.
وصدع تميم بأمر أخيه، وجهز جيشاً حسن الأهبة، وخرج من غرناطة في العشر الأخيرة من شهر رمضان سنة 501 هـ (أوائل مايو سنة 1108 م) وسار في قواته شمالا صوب جيّان، وكانت الجنود والإمداد تهرع إليه في طريقه.
ولبث في جيان أياماً قلائل، حتى وافته حشود قرطبة بقيادة واليها أبى عبد الله محمد بن أبى رنق، ثم سار إلى بيّاسة شمال شرقي جيان. واتجه منها شمالا صوب أراضي قشتالة، وانضمت إليه في الطريق حشود مرسية بقيادة واليها أبى عبد الله محمد بن عائشة، وحشود بلنسية بقيادة واليها محمد بن فاطمة. واخترقت القوات المرابطية أراضي قشتالة وعاثت فيها. ثم اتجهت صوب بلدة أقليش الحصينة، وهي التي وقع الاختيار على مهاجمتها، فوصلت إلى ظاهرها في يوم الأربعاء الرابع عشر من شوال (27 مايو).
وقد كانت أقليش في ذلك العصر من أمنع معاقل كورة شنتبرية، وهل محلة حصينة، تقع في شمال جبال طليطلة، وجنوب غربي وبذة، أنشأها الفتح بن موسى بن ذى النون في أواخر القرن الثالث الهجري أيام الأمير عبد الله (1) واتخذها مستقراً ومعقلا، وغدت دار بني ذى النون، حتى ظهروا أيام المنصور ابن أبى عامر، وحكموها أيام اضطراب الخلافة، ثم انتقلوا منها إلى حكم طليطلة على يد إسماعيل بن ذى النون في أوائل المائة الخامسة. ولما سقطت طليطلة في أيدي القشتاليين في صفر سنة 478 هـ (1085 م) وانتهى سلطان بني ذى النون في تلك المنطقة، كانت أقليش ضمن القواعد والحصون العديدة، التي استولى عليها القشتاليون نتيجة لافتتاح مملكة طليطلة.
وما كادت القوات المرابطية تصل إلى أقليش حتى طوقتها، وهاجمتها بعنف، ولم يستطع النصارى المدافعون عنها، أن يثبتوا طويلا أمام شدة المهاجمين، فسقطت في أيديهم في اليوم التالي وهو يوم الخميس 15 شوال (28 مايو)، وفي الحال
(1) جاء في الروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص 28، أن أقليش بناها الفتح بن موسى ذى النون وفيها كانت ثورته وظهوره في سنة 160 هـ، وفي ذلك تحريف واضح، لأن ثورة الفتح ابن موسى ذى النون كانت في مستهل عهد الناصر بعد سنة 300 هـ، وإذاً فإن الصحيح والمعول عليه هو أن إنشاء أقليش قد وقع في أواخر القرن الثالث.
دخلتها القوات المرابطية، وقوضت صروحها، وهدمت كنائسها، ودكت هياكلها، وهرع المسلمون الذين كانوا بها - وكان ما يزال منهم بقية كبيرة فضلت التدجّن والبقاء تحت حكم النصارى - والتجأوا إلى معسكر الجيش المرابطي، لائذين بحمايته، وشرحوا لإخوانهم في الدين أحوال المدينة، وظروف المدافعين عنها (1).
والتجأ المدافعون من النصارى إلى قصبة أقليش الحصينة، وامتنعوا بها في انتظار الغوث والإنجاد من مواطنيهم. والواقع أنه مذ تحركت الجيوش المرابطية، ونفذت إلى أراضي قشتالة، كان الملك الشيخ ألفونسو السادس ملك قشتالة وقادته، يبذلون أقصى جهودهم في إعداد العدة لرد الغزاة. وكان ألفونسو السادس قد هدمه الإعياء والمرض، ولم يستطع لضعفه أن يسير بنفسه لملاقاة الغزاة وإنقاذ القلعة، فجهز حملة قوية بقيادة كبير قواده ألبر هانس - وهو أشهر قواد قشتالة في ذلك العصر، وقد خاض من قبل وقائع كثيرة ضد المسلمين، ولاسيما في منطقة بلنسية - وزميله غرسيه أردونيث مؤدب ولي العهد سانشو، وهو أيضاً من أكابر القادة، ومعهما عدة أخرى من قادة منطقة طليطلة من قلعة النسور، وقلعة النهر أو قلعة عبد السلام ( Alcala de Henares) وغيرهما. بيد أن أهم شخصية مثلت في تلك الحملة كانت شخصية الأمير الصبي (الإنفانت) سانشو ولد ألفونسو السادس وولي عهده، وهو الذي رزق به من " زائدة " حظيته أو زوجته المسلمة المتنصرة، التي كانت زوجة للفتح بن المعتمد بن عباد، والتي فصلنا قصتها في موضعها من كتاب " دول الطوائف "(2)، وكان يومئذ صبياً في الحادية عشرة من عمره. وكان مستشارو الملك - أو زوجته زائدة - قد نصحوا بإرساله على رأس الجيش لكي يثير منظره الفتى حماسة الجند، فنزل عند رأيهم، وبعثه مع مؤدبه غرسيه أردونيث كونت دي قبره. ويشير صاحب روض القرطاس إلى تلك الواقعة، ويفسرها بتفسير طريف يقول فيه " فأشارت عليه زوجته (أي ألفونسو) أن يوجه ولده عوضاً عنه فيكون مقابلا لتميم، لأن تميم ابن ملك المسلمين، وشانجُه
(1) استقينا هذه المعلومات من رسالة الأمير تميم التي سبقت الإشارة إليها والتي سوف ننشر نصها في باب الوثائق.
(2)
كتاب دول الطوائف ص 333 - 337.
(سانشو) ابن ملك الروم، فسمع منها، فبعث ولده شانجه في جيوش كثيرة من زعماء الروم وأنجادهم " (1).
وزحف الجيش القشتالي بسرعة لإنجاد قلعة أقليش. وفي تلك الأثناء، في عصر يوم الخميس 15 شوال (28 مايو) كانت الأنباء قد ترامت عن قرب مقدمه إلى العسكر المرابطي. وهنا تختلف الرواية في تصوير موقف الجيش المرابطي، وموقف قائده الأعلى الأمير أبى الطاهر تميم. ذلك أن صاحب روض القرطاس يقول لنا إن تميماً حين علم باقتراب القشتاليين، أراد الارتداد والإحجام عن لقائهم، فنصحه محمد بن عائشة ومحمد بن فاطمة وغيرهما من قواد لمتونة بالبقاء وملاقاة العدو، وهونوا عليه الأمر، خصوصاً وأن القادمين لا يزيد عددهم عن ثلاثة آلاف فارس. فنزل تميم عند النصح، فلما وافى القشتاليون عند مغيب الشمس، ورأى تميم وفرة حشودهم، أراد الفرار والإحجام عن لقائهم، ولكنه لم يجد سبيلا إلى ذلك، وصمم قواد لمتونة على لقاء العدو ومناجزته (2). بيد أن تميماً يصور لنا الموقف في رسالته التي يصف فيها الموقعة والتي سبقت الإشارة إليها تصويراً آخر. فيقول لنا إنه حين مقدم القشتاليين، استدنى إليه" القائدين المجربين، ذوي النصيحة والآراء الصحيحة، أبا عبد الله محمد بن عائشة، وأبا عبد الله محمد بن فاطمة وأنهم بعد المشاورة، اجتمعوا على كلمة الله متعاقدين، وخضعوا إلى حكمه مستسلمين " ثم يقول: " ونهضنا بجملتنا، من محلتنا والصبر يفرغ علينا لامه، والنصر يبلغ إلينا سلامه، وتوجهنا إلى الله نقتفي سبيله، ونبتغي دليله " فكان اللقاء، وكانت الموقعة.
ولم تقدم إلينا الروايات بيانات كافية عن عدد الجيشين المتحاربين. بيد أنه يستفاد من أقوالها عن الجيش المرابطي، الذي كان يتكون من حشود غرناطة وقرطبة وشرقي الأندلس ومن انضم إليه من المتطوعة المجاهدين خلال مسيره، أنه كان يضم عدة آلاف من الفرسان، إذ كانت حامية غرناطة تتكون من ألف فارس، ومثلها حامية قرطبة، وكانت الحامية المرابطية بشرقي الأندلس تتكون من أربعة آلاف فارس. أما الجيش القشتالي القادم للنجدة، فمن المرجح أنه كان متفوقاً على المرابطين في الكثرة، يدل على ذلك إحجام تميم في البداية عن لقائه، وتوجسه
(1) روض القرطاس ص 104.
(2)
روض القرطاس ص 104.
من تفوقه العددي. هذا عدا من كان من القشتاليين بالقصبة وهم حسبما تصفهم الرواية " جمع عظيم من الروم "(1). ومن جهة أخرى، فإنه لدينا عن عدد الجيش القشتالي روايتان إسلاميتان، الأولى تقدره بعشرة آلاف فارس، وهذه هي رواية ابن القطان وقد كتب بعد الموقعة بقرن ونصف، في أواخر عهد الموحدين (2)، والثانية تقدره بسبعة آلاف فارس، وهي رواية ابن عذارى، وهو يقول لنا مشيراً إلى مقدم القشتاليين لإنجاد قلعة أقليش، " وفي خلال ذلك وصل إليه (حصن إقليش)، ولد ألفونسو شانجُه من زوج المأمون بن (عباد) التي كانت تنصرت بنحو سبعة آلاف فارس "(3).
وفي فجر يوم الجمعة 16 شوال سنة 501 هـ، الموافق 29 مايو سنة 1108 م، بدت طلائع المعركة، وتقدم المرابطون قليلا في اتجاه أقليش للقاء القشتاليين.
وأقبل القشتاليون يقودهم ألبر هانس وغرسيه أردونيث كونت دي قبره وكونتات طليطلة، وبينهم الأمير الفتى الإنفانت سانشو فوق فرسه، وقد ارتدى حلة الفرسان. وبدأ الهجوم ووقعت الصدمة الأولى حسبما ينبئنا تميم في رسالته ضد قوات قرطبة، وقائدها ابن أبى رنق، فارتد إلى الوراء. وعندئذ تقدمت قوات مرسية وبلنسية، وتقدم تميم في قواته إلى قلب المعركة، ونشب بين الفريقين قتال بالغ العنف، يصفه لنا تميم في رسالته عن الموقعة في عبارات حماسية مضطرمة.
ومما جاء فيها: " فعند ذلك اختلطت الخيل، بل سال السيل، وأظلم الليل، واعتنقت الفرسان، واندقت الخرصان، ودجا ليل القتام، وضاق مجال الجيش اللهام، واختلط الحسام بالأجسام، والأرماح بالأشباح، ودارت رحى الحرب تغر بنكالها. وثارت ثائرة الطعن والضرب تفتك بأبطالها ". وتجمع الروايات الإسلامية والنصرانية معاً، على أن الموقعة كانت مضطرمة رائعة، وأن الفريقين المتحاربين، قاتل كلاهما بمنتهى العنف والشدة. وبينما القتال على أشده إذ وقع
(1) روض القرطاس ص 103.
(2)
أوردها في كتابه " نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان ". وتوجد منه قطعة مخطوطة هي " السفر الثالث عشر " ضمن نسخة محفوظة بالمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد (وقد وصفناها في بيان المصادر) لوحة 7 أ. وقد نقل إلينا رواية ابن القطان هذه عن الموقعة الأستاذ هويثي في كتابه: Las Grandes Batallas de la Reconquista، p. 118 & 119
(3)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 68). وراجع كتابي " دول الطوائف " ص 336.
حادث كان حاسماً في مصير المعركة. ذلك أن الأمير الصبي سانشو ابن ملك قشتالة، ازدلف إلى قلب المعمعة إلى جانب مؤدبه غرسية أردونيث أو الكونت دي قبره، فلم يلبث أن أحاطت بهما ثلة من الفرسان المسلمين، وتوالت عليهما الطعان، فسقط الفتى من فوق جواده، وقد أصابته طعنة قاتلة، وسقط فوقه الكونت دي قبره مدافعاً عنه (1)، فدب الهرج إلى صفوف القشتاليين وكثر القتل بينهم، ولجأ الكثيرون منهم إلى الفرار، وسقط معظم القادة والكونتات قتلى، وارتد ألبا رهانيس في فلول القشتاليين صوب طليطلة، وحاول الكونتات السبعة الذين كانوا يؤلفون حاشية الأمير القتيل، الفرار إلى حصن بلنشون القريب، فلحقت بهم جماعة من المسلمين المدجنين وقتلتهم عن آخرهم، وعرف مكان مصرعهم فيما بعد " بالكونتات السبعة ". وهكذا تمت الهزيمة الساحقة على الجيش القشتالي، وأحرز المسلمون نصرهم الباهر، في ذلك اليوم المشهود.
هكذا كانت أدوار موقعة أقليش الشهيرة، التي أعادت بروعتها، وانتصار المرابطين الساحق فيها، ذكريات موقعة الزلاّقة. وتعرف الموقعة في الرواية النصرانية " بموقعة الكونتات السبعة " نسبة إلى الكونتات السبعة الذين كانوا حاشية لولي عهد قشتالة. وتقدر بعض الروايات الإسلامية خسائر القشتاليين فيها بنيف وثلاثة وعشرين ألفاً (2). وتجاريها في ذلك بعض الروايات النصرانية، فتقدر خسائر القشتاليين بعشرين ألفاً (3). بيد أنه يبدو مما سبق أن ذكرناه عن عدد الجيشين المتحاربين، ومما ذكره الأمير تميم في رسالته عن الموقعة، أن خسائر النصارى لم تكن بهذه النسبة المغرقة، وإن كان مما لا ريب فيه أنها كانت فادحة. ويقول لنا الأمير تميم في رسالته إنه أمر عقب الموقعة بجمع رؤوس القتلى من النصارى، فجمعت الدانية منها، وتركت النائية، فبلغ ما جمع منها أكثر من ثلاثة آلاف رأس، ميزت منها رؤوس غرسية أردونيث (أردونش) أو الكونت دي قبره، وقواد طليطلة، وكدست، وأذن من فوقها المؤذنون وفقاً للتقليد المأثور. واستولى
(1) ويقدم إلينا ابن القطان رواية أخرى عن مصرع " الإنفانت " سانشو، فيقول إنه أفلت من قلب المعركة في ثمانية من النصارى ولجأ معهم إلى حصن بلشون (بلنشون)، وكان فيه رعية لهم من المسلمين، فاختبأ عندهم رجاء أن يسلموا من القتل، فلحق بهم المسلمون وقتلوهم وقتل معهم ولد أذفونش (المخطوط السالف الذكر لوحة 7 ب).
(2)
روض القرطاس ص 104.
(3)
M. Lafuente: Historia General de Espana (Barcelona 1899) V. III. p. 202
المرابطون في نفس الوقت على مقادير هائلة من الأسلاب والغنائم، من المال والخيل والبغال والسلاح والدروع وغيرهما.
وأما عن خسائر المسلمين في الموقعة، فإنه يبدو أنها كانت أيضاً ذات شأن، وإن لم يكن لدينا من أقوال الرواية الإسلامية أرقام معينة. وكل ما ذكر عن ذلك عبارة أوردها صاحب روض القرطاس في ختام كلامه عن المعركة يقول فيها:" واستشهد جماعة من المسلمين رحمهم الله " وقول ابن القطان: " واستشهد في هذه الوقيعة الإمام الجزولي وكان رجل صدق، وجماعة من الأعيان والعربان "(1). على أننا نستنتج ذلك من إحجام المرابطين، عن مطاردة فلول الجيش القشتالي مطاردة شاملة والتوغل في أرض النصارى.
وغادر الأمير تميم في قواته ميدان المعركة عائداً إلى غرناطة، مكللا بغار الظفر، وكتب إلى أخيه أمير المسلمين على بالفتح، رسالته التي سبق ذكرها.
وترك قوات مرسية وبلنسية تحت إمرة قائديها لحصار قلعة أقليش، فلبثا على حصارها فترة، ولما رأيا مناعتها تظاهرا بالانسحاب، وارتدا في قواتهما قليلا ورتبا الكمائن، فخرج النصارى من القلعة، فانقض عليهم المسلمون، وأمعنوا فيهم قتلا وأسراً، واحتلوا القصبة، وبذلك تم استيلاؤهم على أقليش، وترتب على ظفر المسلمين باحتلال هذه القلعة المنيعة، أن سقطت في أيديهم عدة من البلاد والحصون المجاورة، مثل وبذة وقونقة وأقونية وكونسويجرا، وغيرها (2).
وتعنى الروايات النصرانية بذكر معركة أقليش عناية خاصة، وهي لا تخرج في مجملها عما تقدمه إلينا الروايات الإسلامية من التفاصيل، ولاسيما ما أورده الأمير تميم في خطابه الرسمي عن الموقعة. بيد أن الروايات النصرانية تفيض بنوع
(1) روض القرطاس ص 104. وابن القطان في المخطوط السالف الذكر (لوحة 7 ب).
(2)
راجع في حوادث موقعة أقليش، روض القرطاس ص 103 و 104، وابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 68)، وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط المشار إليه، لوحه 6 و 7)، ورسالة الأمير تميم الرسمية عن المعركة وهي التي أنشأها الكاتب ابن شرف، وقد نشرناها في باب الوثائق منقولة عن مخطوط الإسكوريال رقم 488 الغزيري لوحات 54 - 58، ونشرها الأستاذ هويثي في كتابه Las Grandes Batallas de la Reconquista ص 120 - 126. ويشير ابن خلدون إلى المعركة إشارة عابرة (ج 6 ص 188). وأورد عنها ابن الكردبوس خلاصة موجزة (كتاب الإكتفا - مخطوط أكاديمية التاريخ السالف الذكر)، ولم يذكرها صاحب الحلل الموشية. ومن المراجع القشتالية F. Codera: Decadencia y Disparicion de los Almoravides، p. 8-10 ; Lafuente: Hist. General de Espana، Vol II. p. 201 & 202
خاص في تفاصيل مصرع الإنفانت سانشو، ومصرع مؤدبه غرسية أردونيث، فتذكر لنا كيف سقط الأمير عن جواده الجريح، وكيف حجبه الكونت غرسية بدرعه وجسمه، وأخذ يدافع عنه وهو مسجى، حتى قتل بدوره، وتشيد بفروسية الكونت، ورائع صفاته. ثم تصف لنا كيف وقع النبأ المحزن على الملك الشيخ ألفونسو السادس وقع الصاعقة، وكيف استسلم إلى التأوه والنواح بمحضر من سادته. والواقع أن الملك الشيخ لم يستطع احتمال تلك الصدمة الأليمة طويلا، إذ توفي بعد ذلك بنحو عام في 30 يونيه سنة 1109 م.
ثم تنحرف الرواية النصرانية بعد ذلك إلى منحدر الأسطورة، فتزعم أن الملك ألفونسو أراد أن ينتقم لمصرع ولده، فسار إلى قرطبة وحاصرها، وفيها علي بن يوسف " أمير المؤمنين "، وأن النصارى أسروا ذات ليلة جماعة من المسلمين حاولوا مهاجمتهم، وتبين أن رئيسهم عبد الله، وهو من أشراف قرطبة، هو الذي قتل ابن عبّاد حمو الملك ألفونسو، ووالد زوجته ماريا، التي كانت تسمى زائدة، وأنه أمر بتقطيع أشلاء عبد الله هذا وحرقها، وأحرق معه عدداً من الأشراف المسلمين، وأنه أخيراً استطاع أن يرغم علياً أمير المؤمنين على طلب الصلح، وأداء ضريبة فادحة لقشتالة (1).
وكانت موقعة أقليش، بعد الزلاّقة (479 هـ)، واستيلاء المرابطين على بلنسية، (495 هـ)، أعظم نصر أحرزه المرابطون على قوات قشتالة، وهو نصر كان من أثره توطيد سلطان المرابطين في المناطق الوسطى والشرقية في شبه الجزيرة، وفي إعلاء سمعتهم العسكرية والدفاعية.
- 2 -
ونستطيع أن نقول أيضاً إن حملة أقليش كانت فاتحة لبرنامج منظم من الغزوات المرابطية لأراضي النصارى. ذلك أنه لم يمض سوى عام وشهرين على موقعة أقليش، حتى عبر أمير المسلمين علي بن يوسف البحر إلى الأندلس للمرة الثانية في جيوشه الجرارة، وكان عبوره من سبتة، في الخامس عشر من محرم سنة 503 هـ (أغسطس 1109 م). وكان عبوره في تلك المرة بقصد الجهاد خاصة، أو حسبما يقول لنا صاحب الحلل الموشية " برسم الجهاد، ونصر الملة، وإعزاز الكلمة ".
(1) يراجع في ذلك بالأخص: Primera Cronica General de Espana (Ed. M. Pidal) ، Parte II. p. 554. 556
وسار إلى غرناطة، وأقام بها مدى حين " ريثما تلاحقت حشوده وتأهبت متطوعته وجنوده ". وتقدر الرواية الجيوش المرابطية الغازية هذه المرة، بنيف ومائة ألف فارس وثلاثمائة ألف راجل. وهو تقدير يحمل طابع المبالغة. ولما تكاملت الحشود، سار علي في قوات ضخمة، صوب قرطبة، فأقام بها شهراً يضع خططه، ويستكمل أهباته. ثم غادر قرطبة على رأس قواته، وعبر جبال الشارات (سييرّا مورينا) ثم جبل طليطلة، وانقض المرابطون كالسيل على أراضي ولاية طليطلة، فعاثوا فيها وانتسفوا زروعها، وخربوا ديارها، وسبوا كثيراً من ْالسكان، واستولوا على كثير من القلاع والحصون، وهبت ريح من الرعب والروع على النصارى في تلك الأنحاء. وتقول لنا الرواية الإسلامية إن المرابطين ساروا أولا إلى مدينة طلبيرة الواقعة على نهر التاجُه غربي طليطلة، واقتحموها عنوة، وقتلوا معظم سكانها النصارى. واستنقذوا من كان بها من أسرى المسلمين، ولجأت جماعة من النصارى الذين بها إلى القصبة، ثم تسربوا منها ليلا إلى النهر ناجين بأنفسهم، فاستولى المرابطون على القصبة، وانتهبوا سائر ما في المدينة من السلاح والمتاع، وردوا كنيستها كما كانت جامعاً، وندب لها أمير المسلمين والياً من قبله، ورتب بها حامية قوية. ويضع ابن القطان تاريخ اقتحام المرابطين لطلبيرة في منتصف شهر المحرم سنة 503 هـ، ولكن المرجح أنه وقع بعد ذلك بنحو شهر أو شهرين، إذ كان عبور أمير المسلمين إلى شبه الجزيرة حسبما تقدم في منتصف المحرم (1). وافتتح المرابطون من حصون أحواز طليطلة سبعة وعشرين، ثم استولوا على مجريط ووادي الحجارة، وقصدوا بعد ذلك إلى طليطلة فضربوا حولها الحصار. ولكن الرواية النصرانية تقدم إلينا تفصيلا آخر للغزوة المرابطية، فتقول لنا إن المرابطين بعد أن عاثوا في أراضي قشتالة الجنوبية، ساروا أولا إلى طليطلة، واقتحموا منيتها (ضاحيتها) الخضراء الواقعة على نهر التاجُه، وهي التي كانت من قبل جنة لبني ذى النون، ثم ضربوا الحصار حول عاصمة قشتالة، وكان يدافع عنها قائد قشتالة الأول ألبار هانيس في حامية قوية، ولم يلبث المرابطون على حصار طليطلة وفقاً للرواية الإسلامية سوى ثلاثة أيام. ثم غادروها بعد أن
(1) ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص 70).
وابن القطان في " نظم الجمان "(المخطوط السالف الذكر لوحة 3 أو 5 أ).
قطعوا ثمارها، وانتسفوا زروعها (1)، ولكن الرواية القشتالية تقول لنا بالعكس إن الحصار قد دام سبعة أيام، بذل المرابطون فيها جهوداً فادحة، وضربوا أسوارها بالمجانيق ضرباً شديداً، وحاولوا حرق بعض أبراجها، ولكن جهودهم ذهبت كلها سدى، واستطاع القشتاليون، اعتماداً على حصانة مدينتهم، وأسوارها المنيعة العالية، أن يردوا كل محاولات المرابطين، وفي اليوم السابع، خرج ألبار هانيس في قواته، واشتبك مع المرابطين في معركة شديدة، واضطر المرابطون على أثرها إلى رفع الحصار، ومغادرة المدينة بعد أن أحرقوا آلات الحصار (سنة 1110 م). ثم تقول الرواية القشتالية إن المرابطين ساروا بعد ذلك إلى طلبيرة، فاقتحموها وقتلوا حاميتها، ثم ساروا من بعدها شمالا، واستولوا على مجريط ووادي الحجارة وقناليش وغيرها من قواعد هذه المنطقة. وهنا دب الوباء في الجيش المرابطي، فاضطر علي بن يوسف أن يغادر أراضي العدو، وأن يعود أدراجه إلى قرطبة. وعلى أي حال فإن الروايات المختلفة العربية والقشتالية تتفق على أن هذه الغزوة المرابطية لأراضي قشتالة، كانت من حيث ضخامة حشودها وأهباتها، واتساع نطاقها، بالغة الأثر في ردع القشتاليين ونذيرهم (2).
وعاد علي بن يوسف على أثر ذلك إلى مراكش، ولكن الغزوات المرابطية استمرت على نشاطها وشدتها، في أنحاء شبه الجزيرة. ففي نفس الوقت الذي كانت فيه الجيوش المرابطية تحت أسوار طليطلة سار جيش مرابطي زاخر بقيادة الأمير سير بن أبى بكر والى إشبيلية صوب الغرب إلى أراضي البرتغال.
وكانت هذه المملكة النصرانية الجديدة الناشئة في كنف قشتالة، قد بدأت في ظل أميرها هنري البرجوني، صهر ملك قشتالة ألفونسو السادس وزوج ابنته غير الشرعية، تريسا، تنمو ويشتد ساعدها بسرعة، وكانت قاعدتها يومئذ
(1) هذه رواية ابن عذارى في البيان المغرب، في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر. ولكن صاحب روض القرطاس يقول لنا إن المرابطين لبثوا على حصار طليطلة مدة شهر (روض القرطاس ص 105).
(2)
تراجع تفاصيل هذه الغزوة في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص 70) وروض القرطاس ص 105، والحلل الموشية ص 62، وابن خلدون ج 6 ص 188. وكتاب الاكتفاء لابن الكردبوس (مخطوط أكاديمية التاريخ السالف الذكر لوحة 164). وراجع أيضاً: F. Codera: Dec. y Dis. de los Almoravides، p. 232 & 234 وكذلك M. Lafuente Hist. General de Espana VoL. III. p. 229
قُلُمرية، ومن ثم فإن الرواية الإسلامية تعرف أميرها " بصاحب قُلُمرية ".
وكانت يومئذ تضم عدة من القواعد الإسلامية القديمة من قواعد ولاية الغرب.
فسار الأمير سير في قواته صوب بطليوس، ثم زحف على يابُرة وافتتحها على الفور، ثم قصد إلى أشبونة فاستولى عليها هي وضاحيتها شنترة، وسار بعد ذلك شمالا، واستولى على مدينة شنترين، الواقعة على نهر التاجُه، ويستفاد من الرسالة التي وجهها سير بفتح هذه المدينة إلى أمير المسلمين، وهو من إنشاء كاتبه الوزير أبى محمد عبد المجيد بن عبدون، أن المرابطين هاجموها أولا فاستعصت عليهم، فضربوا حولها الحصار حتى سلمت، وكان قد قتل من حاميتها عدد كبير، فسلم الباقون، وأسروا سائر من بها. وقد كانت شنترين، حسبما ورد في هذه الرسالة من أعظم قلاع الغرب وأكثرها موارد لوقوعها في بسيط وافر الخصب (1)، ووصل سير في زحفه نحو الشمال إلى مقربة من مدينة قلمرية عاصمة الإمارة. ولم تستطع القوات البرتغالية بقيادة الكونت هنري، دفعاً للقوات المرابطية الغازية. وكان افتتاح المرابطين لهذه القواعد الغربية في سنة 504 هـ (1111 م) وتقول الرواية الإسلامية إن الأمير سير، افتتح في هذه الغزوة أيضاً مدينة بطليوس وبرتقال (2). ولكن بطليوس كانت في أيدي المرابطين منذ انتزعوها من بني الأفطس في سنة 488 هـ (1094 م). وأما برتقال، وهي تعني في الجغرافية الأندلسية ثغر بورتو، فهي تقع في أقصى شمالي البرتغال، وفي شمال قُلُمرية، ومن ثم فإن المرابطين لم يصلوا في زحفهم إليها ولم يفتتحوها.
ومما هو جدير بالذكر أنه على أثر هذه الغزوة، وفد على مدينة إشبيلية المنصور بن عمر المتوكل بن الأفطس قادماً من أراضي قشتالة، وكان قد سار إليها في أمواله وذخائره، والتجأ إلى ملك قشتالة ألفونسو السادس، حينما غزا المرابطون مملكة بطليوس سنة 488 هـ، وقتلوا أباه عمر المتوكل وأخويه. وقيل إنه اعتنق النصرانية يومئذ. ولما وصل إلى إشبيلية، أخذ إلى حضرة أمير المسلمين بمراكش فكانت له لديه منزلة ملحوظة.
ولم يمض قليل على ذلك حتى سارت حملة مرابطية جديدة صوب قشتالة،
(1) راجع الرسالة المذكورة في المعجب للمراكشي ص 90 - 93.
(2)
روض القرطاس ص 105.
بقيادة الأمير أبى محمد مزدلي والي قرطبة (1)، وكان أمير المسلمين علي بن يوسف قد أسند إليه ولاية قرطبة وغرناطة منذ سنة 505 هـ. وولى أخاه أبا الطاهر تميما والي غرناطة ولاية تلمسان بالمغرب. وعاث المرابطون في أراضي قشتالة، وخربوا ربوعها بالنار والسيف، واستولوا على حصن أرجنة أو أرلبة Oreja وقتلوا حاميته، وسبوا كثيراً من النساء والأطفال، ثم قصدوا إلى مدينة طليطلة عاصمة قشتالة، وضربوا حولها الحصار مرة أخرى (507 هـ - 1114 م). وكان ألبار هانيس قائد قشتالة الأكبر، عندئذ في منطقة قونقة، وكان قد استطاع انتزاع قونقة، من المرابطين (1111 م)، ولكنها لم تلبث في يد القشتاليين سوى فترة يسيرة. فلما ترامت إليه أنباء الغزوة المرابطية، وحصار المرابطين لطليطلة، هرع لمدافعتهم في جيش قوامه عشرة آلاف فارس. ونشبت بين القشتاليين والمرابطين تحت أسوار المدينة المحصورة، معارك عديدة، منى فيها كل من الفريقين بخسائر، وفقد القشتاليون وفقاً لأقوال الروايتين العربية والنصرانية سبعمائة قتيل، ولكنهم استطاعوا أن يحملوا المرابطين على رفع الحصار، بعد أن نجحوا في إحراق آلاتهم الثقيلة (2). وتقول الرواية العربية إن ألبار هانيس حينما أقبل لنصرة مواطنيه، وسار مزدلي للقائه، فر أمامه ليلا ولم يجرأ على مقاتلته، وعاد مزدلي على أثر ذلك إلى قرطبة ظافراً، ثم تقص علينا خبر غزوة أخرى قام بها مزدلي في منطقة وادي الحجارة، وأن صاحبها " الزند غرسيس " حينما سار مزدلي لقتاله، لجأ إلى الفرار واحتوى مزدلي على محلته وسائر أثقاله وأمتعته (3) وهي غزوة لم تشر إليها الرواية النصرانية. وتزيد الرواية العربية على ذلك أن الأمير مزدلي توفي في شوال سنة 508 هـ (1115 م) أعني في العام التالي لحصار طليطلة، وذلك أثناء غزوة قام ضد القشتاليين على مقربة من حصن مسطانية (4) الواقع في طريق قرطبة. وكتب بنبأ وفاته إلى أمير المسلمين على بن تاشفين، فأمر بتولية ولده محمد بن مزدلي مكانه على قرطبة، وبتولية ولده عبد الله على غرناطة. ولم يمكث محمد في ولاية
(1) ويقول ابن الكرديوس في كتاب " الاكتفاء " إن الحملة كانت بقيادة الأميرين مزدلي، وسير ابن أبى بكر (مخطوط أكاديمية التاريخ السالف الذكر لوحة 165 أ).
(2)
M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 230
(3)
روض القرطاس ص 105.
(4)
ابن الخطيب عن ابن الصيرفي في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 180)؛ والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 77).
قرطبة سوى أشهر قلائل، ثم خرج في عسكره ليرد القوات القشتالية التي اقتربت من أراضي ولاية قرطبة، ونشب بين الفريقين قتال عنيف سقط فيه محمد بن مزدلي وعدد كبير من زعماء لمتونة منهم الأمير محمد بن الحاج، والأمير أبو إسحق ابن دانية، والأمير أبو بكر بن واسينو، وجملة وافرة من الحشم وأهل الأندلس، وذلك في مستهل صفر سنة 509 هـ (27 يونيه 1115 م). ولما وصل خبر هذه النكبة إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، بادر فندب لولاية قرطبة ابن عمه الأمير أبا بكر يحيى بن تاشفين، فقدم إليها على عجل، وما كاد يستقر بها حتى حشد قواته، وسار في أثر القشتاليين صوب بياسة، ولحق به عبد الله بن مزدلي صاحب غرناطة في قواته ونشبت بين المرابطين والنصارى معركة جديدة، هزم فيها المرابطون مرة أخرى، وقتل منهم عدد جم، وذلك في اليوم الثامن والعشرين من جمادى الثانية سنة 509 هـ (أواخر أكتوبر 1115 م)(1).
وكان الأمير سير بن أبى بكر اللمتوني والي إشبيلية، والقائد العام للجيوش المرابطية في إسبانيا قد توفي قبيل وفاة الأمير مزدلي بقليل في جمادى الأول في سنة 507 هـ (1114 م)، فعين مكانه لولاية إشبيلية محمد بن فاطمة فلبث على ولايتها حتى توفي سنة 515 هـ (1121 م). وهكذا فقد المرابطون في شبه الجزيرة بوفاة مزدلي، وسير بن أبى بكر، قائدين من أعظم قواد لمتونة وألمعهم.
وقد كان مزدلي، وهو مزدلي بن تيولتكان بن الحسن بن محمد بن ترقوت (تُرجوت)، من أركان الدولة اللمتونية والعصبة الصنهاجية، وكان من أقارب يوسف بن تاشفين لالتقائهما في ترقوت. ويصفه ابن الخطيب بأنه كان "بطلا ثبتاً، بهمة من البهم، بعيد الصيت، عظيم الجلد، أصيل الرأي، مستحكم الحنكة، طال عمره، وحمدت مواقفه، وبعدت غاراته، وعظمت في العدو وقائعه "(2) وقد كان من أعظم أعمال مزدلي استرجاعه لمدينة بلنسية من أيدي جنود السيد الكمبيادور بعد وفاته وجنود قشتالة، وذلك في سنة 495 هـ (1102 م). وكان
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 77). وروض القرطاس ص 105. ومما يلفت النظر أن صاحب البيان يذكر هنا الأمير محمد بن الحاج، وهو والي سرقسطة بين قتلى موقعة قرطبة. بيد أننا سنرى، فيما بعد أن هناك رواية أخرى تضع مقتله في العام السابق وفي غزوة أخرى بالثغر الأعلى.
(2)
ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 180).
قد وُلّي بلنسية ثم قرطبة، وغرناطة أيام يوسف، ثم وُلّي قرطبة قبيل وفاته ببضعة أعوام من قبل علي بن يوسف.
وأما سير بن أبى بكر، فقد كان أيضاً من أعظم زعماء لمتونة وقادتها، وقد ظهر بنوع خاص بشجاعته وبراعته العسكرية الفائقة في موقعة الزلاّقة (479 هـ).
ولما جاز أمير المسلمين يوسف بن تاشفين جوازه الثالث إلى شبه الجزيرة في سنة 483 هـ، وبدأ افتتاح دول الطوائف بالاستيلاء على غرناطة، فوض عند عودته إلى المغرب بشئون الأندلس إلى الأمير سير، وعهد إليه بافتتاح ممالك الغرب الأندلسية، فافتتح سير مملكة إشبيلية من أيدي بني عباد (484 هـ)، ثم افتتح مملكة بطليوس من أيدي بني الأفطس (488 هـ)، في الظروف والمناظر العنيفة المروعة، التي فصلناها في كتابنا " دول الطوائف ". وكانت آخر الغزوات العظيمة التي قام بها سير، هي افتتاحه لقواعد الغرب من يابرة حتى أشبونة سنة 504 هـ هـ (1111 م) حسبما تقدم من قبل.
ويجب أن نلاحظ أنه كان من أسباب نشاط الغزوات المرابطية في تلك الفترة، وإقدامها على مهاجمة طليطلة عاصمة قشتالة ومحاصرتها غير مرة، ما وقع في اسبانيا النصرانية عقب وفاة ألفونسو السادس دون وارث (1109 م)، وقيام ابنته أورّاكا في العرش، من حروب أهلية حول السلطان بين أوراكا وزوجها ألفونسو الأول ملك أراجون من جهة، وبينها وبين أشراف جلِّيقية أنصار ولدها ألفونسو ريمونديس من جهة أخرى، وضعف الجبهة الدفاعية النصرانية بذلك، وعجزها عن القيام بغزوات كبيرة في أراضي المسلمين، وخصوصاً بعد مصرع ألبار هانس قائد قشتالة الكبير في إحدى هذه المعارك الأهلية، وقد كان هذا القائد الشهير زميل السيد الكمبيادور ومعاونه، من أعظم قادة اسبانيا النصرانية في هذا العصر.
- 3 -
وشملت موجة الغزو المرابطي شرقي الأندلس كذلك. ونحن نعرف أن المرابطين بقيادة أبى عبد الله محمد بن الحاج والي بلنسية، قد استولوا على سرقسطة من أيدي بني هود في أواخر سنة 503 هـ (1110 م) حسبما سبق أن فصلناه من قبل في تاريخ مملكة سرقسطة. وكان يوسف بن تاشفين قد أوصى ولده علياً
فيما أوصاه، بأن يهادن بني هود ملوك سرقسطة، وأن يتركهم في ملكهم حائلا بينه وبين النصارى. وكانت هذه سياسة فطنة، تتفق مع ظروف سرقسطة وموقعها في الثغر الأعلى بين الممالك النصرانية. ولكن الحوادث سارت في طريق آخر، واختلف أهل سرقسطة مع ملكهم عبد الملك بن المستعين بن هود الملقب بعماد الدولة، لارتمائه في أحضان النصارى، وتغليبهم في مصالح الدولة. وكتبوا إلى أمير المسلمين علي بن يوسف يدعونه لامتلاك بلادهم. وكان على بعد أن تلقي فتوى الفقهاء بوجوب خلع عماد الدولة، وفقاً لرغبات أهل سرقسطة، بعد أن زحفت الجنود المرابطية بالفعل من بلنسية نحو الشمال - قد أراد أن يبقى على رياسة بني هود استجابة لضراعة عماد الدولة، ولكن الحوادث سبقته، وانتهى المرابطون بالاستيلاء على سرقسطة، وذلك في اليوم العاشر من ذي القعدة سنة 503 هـ (يونيه 1110 م) ودخل ابن الحاج قصر " الجعفرية " الشهير واستقر فيه. وكان عماد الدولة حينما شعر بمقدم المرابطين، قد غادر سرقسطة في أهله وأمواله إلى حصن روطة المنيع، الواقع على نهر خالون (شلون). وهكذا انتهت مملكة سرقسطة، وانتهى ملك بني هود، وامتد سلطان المرابطين بذلك، إلى قلب الثغر الأعلى.
ولبث ابن الحاج والياً على سرقسطة بضعة أعوام، وهو يحوطها بحمايته ويرد عنها أطماع النصارى، المحيطين بها من الشرق والغرب والشمال، ويقوم بغزو أراضيهم والعيث فيها من آن لآخر. وفي سنة 504 هـ (1111 م) زحف ألفونسو الأول ملك أراجون (المحارب)(1)، نحو سرقسطة ومعه عماد الدولة عبد الملك ابن المستعين حتى أصبح قريباً منها، وخرج محمد بن الحاج في قواته لمدافعته، وقدمت الجند المرابطية من مرسية على عجل يقودها واليها محمد بن عائشة، فلما رأى ألفونسو تفوق المرابطين، ارتد أدراجه، وطاردته العساكر المرابطية حيناً، واستمر المرابطون على غزواتهم المخربة في أراضيه. وسارت قوة منهم بقيادة علي ابن كنفاط اللمتوني صوب قلعة أيوب، وحاصرت بعض حصون عبد الملك بن هود، فاستغاث عبد الملك بحليفه وحاميه ألفونسو، وقدمت لمعاونته نجدة من النصارى، فانهزم المرابطون وأسر قائدهم ابن كنفاط، وبقي في أسر عبد الملك مدة ثم أخلي سبيله (2).
(1) تسمى الرواية الإسلامية ألفونسو المحارب " ابن رذمير " نسبة إلى اسم أبيه " سانشو راميرز ".
(2)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 73).
ولما اشتدت موجة الغزو المرابطي لأراضي قشتالة، خرج ابن الحاج في قواته من سرقسطة في شهر صفر سنة 508 هـ (يوليه 1114 م)، وانضم إليه في لاردة محمد بن عائشة في قواته. وسارت القوات المرابطية المتحدة شرقاً، واخترقت أراضي إمارة برشلونة، وهي تثخن فيها، وتستولي على مقادير عظيمة من السبي والغنائم، واستمرت كذلك حتى وصلت إلى ظاهر مدينة برشلونة العظيمة.
وعندئذ بعث ابن الحاج الغنائم والسبي مع بعض قواته لتعود من الطريق الكبير، واتجه هو بباقي قواته غرباً ليسير من طريق البرية، وهو أقصر وأقرب إلى سرقسطة، ولكنه فوجىء خلال الطريق بقوات كثيفة من النصارى متأهبة في كمائنها، فنشب القتال بين الفريقين، وقاتل ابن الحاج وقواته قتالا عنيفاً، حتى سقط معظمهم، وفي مقدمتهم - وفقاً لهذه الرواية - قائدهم الباسل، ونجا ابن عائشة وقليل من صحبه، بيد أن ابن الحاج، وفقاً لرواية ابن عذارى المتقدمة لم يقتل في هذه الموقعة، وإنما قتل في العام التالي في موقعة قرطبة التي سبق ذكرها.
ولما علم أمير المسلمين على بهذه النكبة، وما أصاب محمداً بن عائشة على أثرها من الذهول، عين صهره زوج أخته الأمير أبا بكر بن ابراهيم بن تافلوت والي مرسية، أيضاً والياً على بلنسية وطرطوشة وسرقسطة، وأمره بالسير لغزو النصارى. فجمع ابن تافلوت سائر قواته، وسار شمالا إلى برشلونة، وهو يثخن في أراضيها بالنار والسيف ثم حاصرها. وأقام على حصارها عشرين يوماً، حتى خرج إلى لقائه أميرها رامون برنجير في قوات برشلونة وأربونة، ونشبت بين الفريقين معارك عنيفة قتل فيها كثير من النصارى، وخسر المسلمون نحو سبعمائة قتيل، وارتد المرابطون بعد ذلك صوب أراضيهم (1).
وكان أبو عبد الله محمد بن الحاج من أكابر زعماء لمتونة وقوادها، وكان يتصل بصلة القرابة المتينة ليوسف بن تاشفين، إذ يرجع نسبه إلى ترقوت أو ترجوت جد العاهل المرابطي، وعرف بابن الحاج، إذ قام أبوه بأداء الفريضة وقد ظهر منذ البداية، مذ عبر إلى شبه الجزيرة مع يوسف بن تاشفين في سنة 484 هـ، بمقدرته وأعماله العسكرية البارزة، أولا حين افتتاحه لقرطبة من يد
(1) روض القرطاس ص 104 و 105، وراجع أيضاً: F. Codera: ibid ; p. 20-22 هذا وقد سبق أن أتينا على رواية ابن عذارى التي تقول بمقتل ابن الحاج ضمن من قتلوا من أمراء لمتونة في موقعة قرطبة في سنة 509 هـ.
ابن عباد، ثم في محاربته للقشتاليين، في غير موقعة. ولما تولى علي بن يوسف، عينه أولا والياً للمغرب، ولكنه لم يمكث في هذا المنصب سوى أشهر قلائل، ثم ندبه لولاية بلنسية وشرقي الأندلس، في سنة 501 هـ. ومن بلنسية سار ابن الحاج إلى سرقسطة، استجابة لدعوة أهلها، وانتزعها من يد بني هود، واستقر والياً لها حسبما تقدم.
وكان من أعظم الأعمال التي حققها أمير المسلمين علي بن يوسف يومئذ، استرداده للجزائر الشرقية واستنقاذها من أيدي الغزاة النصارى. وقد سبق أن تحدثنا، عند كلامنا عن مملكة دانية، عن أخبار الجزائر الشرقية وأحوالها، وكيف أنه حينما سقطت مملكة دانية في يد المقتدر بن هود في سنة 468 هـ، (1076 م)، وانتهت بذلك رياسة علي بن مجاهد موفق الدولة، كان على حكمها، (أي الجزائر)، عبد الله المرتضي، وكيف أن المرتضي أعلن استقلاله عندئذ، واستبد بحكمها. ولما توفي المرتضي في سنة 486 هـ، خلفه في حكم الجزائر فتى من أخص فتيانه هو مبشر بن سليمان، فضبط شئونها بحزم وكفاية، وتلقب بناصر الدولة، واستمر على حكمها فترة طويلة، وهو بمعزل عن حوادث شبه الجزيرة. وكانت الجيوش المرابطية خلال ذلك، تستولى تباعاً على قواعد الأندلس الشرقية، فاستولت على بلنسية في سنة 495 هـ، ثم استولت بعد ذلك على سرقسطة وقواعد الثغر الأعلى (502 هـ). بيد أن مبشراً لم يفكر بالرغم من وجود الجيوش المرابطية على مقربة منه في ثغور اسبانيا الشرقية، أن ينضوي تحت لواء المرابطين، أو يعقد الحلف معهم، واستمر على استقلاله بحكم الجزائر، حتى دهمتها الغزوة النصرانية الكبرى.
وقد سبق أن فصلنا في أخبار مملكة دانية، من كتابنا " دول الطوائف " قصة الغزو النصراني للجزائر الشرقية، وكيف أنه لما كثرت غارات البحارة المسلمين على الشواطىء الإيطالية الشمالية والغربية، وشواطىء قطلونية الإسبانية، عقدت جمهوريتا بيزة (بيشه) وجنوة، وإمارة برشلونة حلفاً لافتتاح الجزائر، وفي أوائل سنة 508 هـ (1114 م) خرج من مياه جنوة أسطول الغزو، وقوامه نحو ثلاثمائة سفينة، ومعه وحدات بحرية أخرى من برشلونة وفرنسا، وفرض الغزاة على مدينة ميورقة عاصمة الجزائر حصاراً محكماً صارماً، وقاسى المسلمون أهوالا من الحصار الذي استمر زهاء عام، وفي أواخر سنة 508 (أوائل
سنة 1115 م) اقتحم الغزاة أسوار ميورقة ودخلوها، واحتلوا قصر المُدَينة، وعاثوا في أنحائها، قتلا ونهباً وسبياً، وقتلوا من سكانها جملة عظيمة، وكانت محنة مروعة.
وفي خلال ذلك، كان المرابطون يرقبون تطور الحوادث في الجزائر. ولم يكن أمير المسلمين بغافل عن أهمية الجزائر، وأهمية موقعها بالنسبة لحماية شواطىء الأندلس الشرقية. ولما حاصر النصارى ميورقة، بعث مبشرٌ بصريخه إلى أمير المسلمين، ولكنه توفي خلال الحصار، وحاول خلفه القائد أبو الربيع سليمان، أن يغادر الجزيرة ليسعى في طلب النجدة، فأسره النصارى. ولكن صريخ مبشر وصل إلى أمير المسلمين على يد بحار جرىء هو القائد أبو عبد الله بن ميمون، استطاع أن يخترق الحصار بسفينته تحت جنح الظلام، ولم يستطع النصارى لحاقاً به.
وكان أمير المسلمين، قد أتم عندئذ أهباته البحرية الضخمة، فبعث لإنجاد الجزائر واستنقاذها أسطولا ضخماً قوامه نحو ثلاثمائة سفينة، وأقلعت السفن المرابطية بسرعة صوب الجزائر، بقيادة أمير البحر المرابطي ابن تفرتاش أو (تافرطاش). ولما علم البيزيون وحلفاؤهم بمقدم هذا الأسطول الإسلامي الضخم، وأدركوا أن لا أمل لهم في مدافعته، غادروا ميورقة مثقلين بالغنائم والسبي، بعد أن استصفوا ثرواتها وخربوا ربوعها، وأحرقوها وقتلوا معظم أهلها، ووصلت السفن المرابطية في أثرهم إلى الجزيرة في أواخر سنة 509 هـ (1116 م) واحتلها المرابطون وشرعوا في تعميرها، وعاد إليها الفارون من سكانها.
وتزيد الرواية الإسلامية على ذلك أنه لما انصرفت السفن النصرانية ناجية إلى أوطانها، دهمتها العواصف والأمواج العالية، فحملت منها أربع سفن صوب ثغر دانية، فطاردها القائد أبو السداد، حتى غرقت منها واحدة، وتمكن من أسر الثلاث الأخرى (1).
وعين أمير المسلمين والياً للجزائر هو وانور بن أبى بكر اللمتوني، وبذلك أضحت الجزائر الشرقية جزءاً من الإمبراطوربة المرابطية الكبرى. ودخلت في عهد جديد من تاريخها. وسنرى فيما بعد، أى دور خطير تلعبه الجزائر الشرقية، كمركز للثورة " المرابطية " المريرة، التي حمل لواءها بنو غانية حكام
(1) ابن الكردبوس في كتاب الاكتفاء (مخطوط أكاديمية التاريخ السالف الذكر لوحة 165 ب).
الجزائر، ضد الدولة الموحدية قاهرة الدولة المرابطية، ووريثة ملكها في المغرب والأندلس (1).
- 4 -
في بداية سنة 503 هـ (1109 م) وقع في قرطبة حادث كبير الدلالة، عميق الأثر، بالرغم من عدم أهميته الظاهرة، هو إحراق كتاب " إحياء علوم الدين " للإمام أبى حامد الغزالي، ويقول ابن القطان إن هذا الحادث وقع " في أول عام ثلاثة وخمسمائة "، ومعنى ذلك أنه وقع قبيل عبور علي بن يوسف إلى شبه الجزيرة بأسابيع قلال. وكان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، في أواخر عهده على صلة طيبة بالإمام الغزالي، وكان يستفتيه باعتباره عميد فقهاء المشرق، في عظائم الأمور، ومن ذلك أنه استفتاه في مسألة خلع ملوك الطوائف (2)، وكان الغزالي من جانبه يقدر يوسف ونصرته للإسلام، حتى قيل إنه اعتزم أن يسير إلى المغرب لرؤياه، ولكنه حينما وصل إلى الإسكندرية، علم بوفاة يوسف (سنة 500 هـ)، فعدل عن رحلته (3). ولكن الأمور تغيرت في عهد ولده علي. وكان علي يتسم بنوع من الورع والزهد، ويميل إلى إيثار الفقهاء ومشاورتهم، فاشتد نفوذ الفقهاء بالمغرب والأندلس في عهده، حتى أصبح لا يقطع في أمر من الأمور، صغيراً كان أو كبيراً إلا برأيهم، وهكذا علت مكانتهم، واشتد نفوذهم، حتى سيطروا فيما بعد على الدولة. وكان من أشدهم نفوذاً لدى أمير المسلمين، قاضي قرطبة أبو عبد الله محمد بن حَمْدين. وكان الفقهاء عندئذ يؤثرون علم الفروع بعنايتهم، وهو علم العبادات، والمعاملات، ويهملون علم الأصول، أو أصول الدين. وكان لا يحظى لدى أمير المسلمين إلا من برع في علم الفروع (4). فلما وصلت كتب
(1) يراجع في أخبار غزو النصارى للجزائر الشرقية واستنقاذها على يد المرابطين، ابن خلدون ج 4 ص 165، وروض القرطاس ص 105، والروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص 188، وراجع كتابي " دول الطوائف " ص 201 - 204 ومن المراجع القشتالية: A. Campaner y Fuertes: Bosquejo Historico de la Dominacion Islamita en las Islas Baleares (Palma 1888) p. 105-135
ركذلك: P. y Vives: Los Reyes Taifas، p. 41
(2)
ابن خلدون في العبر ج 6 ص 187 و 188، وأعمال الأعلام لابن الخطيب ص 247.
وراجع كتابي دول الطوائف ص 327.
(3)
ابن خلكان ج 2 ص 488، والمؤنس في أخبار إفريقية وتونس لابن دينار ص 106.
(4)
المراكشي في المعجب ص 95 و 96.
الإمام الغزالي إلى المغرب والأندلس، وفي مقدمتها كتاب " الإحياء "، وقرئت وذاع ما فيها، سخط الفقهاء المرابطون، وأنكروا كثيراً من المسائل التي وردت في كتاب " الإحياء "" وزعموا أنها مخالفة للدين، وكان أبو القاسم ابن حَمْدين (1) من أشد الفقهاء مبالغة في ذلك حتى أنه قال " بتكفير " من قرأ كتاب " الإحياء ". ورفع ابن حمدين ومعه فقهاء قرطبة، الأمر إلى علي بن يوسف، وأجمعوا على وجوب مطاردة كتاب " الإحياء " وإحراقه؛ فأخذ على برأيهم، وجمعت نسخ الكتاب واحتفل بإحراقها في رحبة المسجد الجامع بقرطبة أمام الباب الغربي بعد أن أشبعت جلودها بالزيت، ونفذت كتب أمير المسلمين، إلى سائر أنحاء الأندلس والمغرب بإحراقه حيثما وجد، وانتزعت نسخه من أصحابها، وتوالى إحراق الكتاب في سائر أنحاء المغرب، وشدد أمير المسلمين في ذلك حتى إنه أنذر بعقوبة الإعدام ومصادرة المال لكل من وجد عنده (2)، واستمرت هذه المطاردة لكتاب الإحياء وباقي كتب الغزالي طوال أيام المرابطين، وجدد المرسوم بذلك في أواخر عهد تاشفين بن علي بن يوسف (سنة 538 هـ) حسبما نذكر بعد.
والحقيقة أن حملة الفقهاء المرابطين على كتاب الإحياء، لم تكن راجعة لأمور تتعلق بالعقيدة أو لأنه يخالف الدين في شىء، بل كانت ترجع قبل كل شىء إلى ما ورد فيه من حملة لاذعة على علماء الفروع، والتنويه بجهلهم، وسخف مجادلاتهم السطحية، ووصف الغزالي لهم بأنهم " مجانين " " وكونهم يجهلون علم الأصول، الذي ينوه الغزالي بأهميته وعظيم قدره (3).
ويحمل ابن القطان على هؤلاء الجهلة الذين قاموا بإحراق هذا "الكتاب العظيم "، ويقول لنا إن إحراقه كان سبباً لزوال ملكهم، واستئصال شأفتهم، ثم ينقل إلينا قصة وجود المهدي ابن تومرت في حلقة الإمام الغزالي بالمشرق، ووقوف الغزالي
(1) هو أخو القاضي أبو جعفر أحمد بن حمدين الثائر فيما بعد بمدينة قرطبة.
(2)
ابن القطان في " نظم الجمان "(المخطوط السالف الذكر لوحة 6 أ)، ونقله ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 76)، والحلل الموشية ص 76، والمعجب ص 96.
(3)
المؤنس في أخبار إفريقية وتونس ص 106 و 107، وراجع مقدمة العلامة جولدسيهر الفرنسية لكتاب " محمد بن تومرت ": Mohamed ibn Toumert et la Théologie de l'Islam dans le Maghreb au XI eme Siècle p. 35 & 36
منه على ما تم من إحراق كتابه بقرطبة، ودعائه " أن يمزق الله ملكهم كما مزقوه، وأن يذهب دعوتهم كما أحرقوه ". بيد أننا سوف نرى فيما بعد، عند الكلام على نشأة ابن تومرت وظهوره، بطلان هذه القصة، وما يحيط بها من المتناقضات المنطقية والزمنية.
- 5 -
ولم يمض قليل على استرداد المرابطين للجزائر الشرقية حتى عبر أمير المسلمين علي بن يوسف البحر إلى الأندلس للمرة الثالثة منذ جلوسه، وذلك في أواخر المحرم سنة 511 هـ الموافق لشهر مايو سنة 1117 م (1)، أعني في بداية الصيف، وهو الفصل المفضل للعبور والجهاد، على نحو ما وقع في الجواز الثاني. وفي روض القرطاس أن هذا العبور قد وقع سنة 513 هـ، بعد سقوط سرقسطة وقواعد الثغر الأعلى، وأنه هو الجواز الثاني لأمير المسلمين، وهو تحريف واضح في التاريخ والوصف. ولا تقدم إلينا الرواية الإسلامية عن هذا الجواز، وما اقترن به من الحوادث تفاصيل شافية، ويكتفي صاحب الحلل الموشية وابن الخطيب كلاهما، بالإشارة إليه في كلمات عابرة. ولكن صاحب روض القرطاس وابن عذارى يقدمان لنا عنه بعض التفاصيل. وفي الرواية الأولى، أن علياً جاز إلى الأندلس برسم الجهاد وإصلاح شئونها، وجازت معه جموع غفيرة من المرابطين والمتطوعة من العرب وزناتة والمصامدة وسائر قبائل البربر، وأنه سار في قواته صوب قرطبة وعسكر خارجها، فأتته الوفود للسلام عليه، ووقف منها على أحوال البلاد، وكان من تصرفاته عندئذ، أن عزل القاضي أبا الوليد بن رشد (الجد) عن قضاء قرطبة، وولى مكانه أبا القاسم ابن حمدين (2). ولكن سوف نرى أن هذا التصرف قد وقع في مناسبة لاحقة. أما ابن عذارى فإنه يقول لنا، إن علياً قصد عند عبوره إلى مدينة إشبيلية، وهناك لحقت به العساكر العدوية والأندلسية، وقصدت إليه وفود العلماء والفقهاء والمجاهدين من قرطبة، وكذلك جموع المتطوعة من غرناطة. وأما ما يتعلق بغزوات على في هذا الجواز، فتتخلص في أنه سار في قواته نحو أراضي البرتغال، وغزا قُلُمرية (ويسميها صاحب روض القرطاس سنبرية،
(1) الحلل الموشية ص 62، وابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 147، والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 79).
(2)
روض القرطاس ص 106.
وابن عذارى قلمورية)، وأثخن في تلك الأنحاء تخريباً وقتلا وسبياً، ولم تستطع قوات الملكة تيريسا ملكة البرتغال يومئذ، أن تقوم بأية أعمال دفاعية ذات شأن، وفر أمامه النصارى في كل مكان، واعتصموا بالمعاقل المنيعة، وأنه على العموم " دوخ بلاد الشرك بجيوش لا تحصى "(1). ويستفاد من أقوال الرواية النصرانية أن علياً وصل بقواته إلى أحواز قلمرية، وبعد أن حاصرها، دخلها عنوة، وذلك في يوم 22 يونيه سنة 1117 م، وهو يوافق يوم 18 صفر سنة 511 هـ (2). ويقول لنا ابن عذارى إن حصار قلمرية استمر عشرين يوماً، ومعنى ذلك أنه بدأ في 2 يونيه الموافق 28 من المحرم، فإذا ذكرنا أن علياً قد عبر إلى الأندلس في أواخر المحرم، وفقاً لرواية ابن عذارى، فإنه تبدو ثمة في التواريخ ثغرة واضحة. وإذن فلا بد أن يكون عبور علي قد وقع في أوائل المحرم، أو أن تكون قلمرية قد سقطت في أيدي المرابطين، بعد التاريخ الذي تحدده الرواية النصرانية، بشهر أو نحوه، وهو ما يفسح لمسير على وغزوته بضعة أسابيع، وهي أقل ما يمكن أن تستغرقه مثل هذه الغزوة.
والظاهر أن علياً لم يحتفظ بقُلُمرية لأية مدة، فقد انصرف عنها عقب افتتاحها إلى إشبيلية حسبما يقول ابن عذارى. ويفسر ذلك موقع قلمرية النائي، وصعوبة الاحتفاظ بها في منطقة يحيط بها النصارى من كل صوب.
وتذكر لنا الرواية الإسلامية نبأ غزوة قام بها في نفس الوقت القائد عبد الله ابن فاطمة، ومنصور بن الأفطس - وهو الذي سبق أن ذكرنا خبر عوده من أراضي النصارى إلى إشبيلية والتجائه إلى حماية أمير المسلمين - في أرض النصارى، وهي غزوة عادا منها إلى إشبيلية مثقلين بالسبي والغنائم الكثيرة (3).
- 6 -
وقضى أمير المسلمين علي بن يوسف، عقب عوده من الأندلس، بحاضرته مراكش، زهاء أربعة أعوام، وفي أوائل سنة 515 هـ (ربيع سنة 1121 م)، عبر إلى شبه الجزيرة مرة أخرى في جيش عظيم من صنهاجة وزناتة ومصمودة وغيرها من قبائل البربر، وقيل أن حشوده لم تبلغ في أية عبور سابق ما بلغته هذه
(1) الحلل الموشية ص 63.
(2)
F. Codera: Dec. y Dis. de los Almoravides، p. 236
(3)
البيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 79).
المرة من الضخامة والأهبة. وكان هذا هو الجواز الرابع لأمير المسلمين. وقد اختلفت الرواية في بواعثه، وقيل إن علياً اهتز لما بلغه من توالي المحن على جيوشه في شبه الجزيرة، وبخاصة لما أصابها في كتندة من هزيمة ساحقة، فعبر إلى الأندلس، لتدارك الموقف، وإصلاح الأمور، والعمل على توطيد سمعة الجيوش المرابطية (1)، بيد أنه كان ثمة باعث أهم وأخطر، وهو الذي تردده أكثر من رواية، وهو قيام الثورة ضد المرابطين في قرطبة. ويلخص لنا صاحب الحلل الموشية الحادث في أن أمير المسلمين كان قد ولّى على قرطبة الأمير أبا يحيى بن روادة، فحدث بينه وبين أهلها نفور وسوء تفاهم فثاروا عليه، وحدثت بينهم وبين من كان بها من المرابطين فتنة كبيرة، ونهب العامة قصر الوالي، ودور المرابطين، واشتدت الحال (2). ولكن ابن عذارى يقدم إلينا رواية أخرى يقول فيها: إنه في سنة 514 هـ، " نفذ أمر أمير المسلمين إلى البلاد الأندلسية، بإحياء المجانيق والآلات الحربية، فلما كمل منه المختص بغرناطة، خرج لمشاهدة التجربة لها والرمي بها أجداي بن سير اللمتوني صاحب الأعنة. فتزاحم هناك الجم الغفير، فرام الفسحة، وأشار برسيخ كان في يده فأصاب صبياً في مقتله فقضى لوقته، وانفض اللفيف، وتهرجت البلدة. فاسترضى ولي الدم بدفع الدية، فسكنت الثورة، وأمهل الله القاتل ثم أخذه. ولما كمل ما أنشىء منها بقرطبة، وقد جاء عيد النحر، فخرج ثانية عامل البلدة لمشاهدة التجربة، وقد أقبل السواد الأعظم الذي لا يطاق، بمجمع حضور العيد، وحضور كل ذاعر وناعق، من كل حدب وشاهق، فكثر التدافع والتزاحم، ودهم الحشم، فكثر بينهم التزاحم، وأقبل لفيف الربض الغربي، فالتقى بأسهم على القصر، ورام صاحبه المدافعة بحشمه وخدمه فغلبوا، واقتحم القصر عليه و [انتهب] جميع ما فيه، وخرج هو فاراً بنفسه، وركب القاضي أبو الوليد بن رشد في أعلام الفقهاء، فردع العامة، وقمع السفلة "(3).
وأخيراً يقدم إلينا ابن الأثير عن هذه الثورة تفاصيل أوفى، ومن نوع خاص، فيقول إنه لما كان يوم الأضحى (من سنة 514 هـ)، خرج الناس متفرجين، فمد عبد من عبيد أبى بكر يده إلى امرأة وأمسكها. فاستغاثت فأغاثها الناس،
(1) روض القرطاس ص 106.
(2)
الحلل الموشية ص 63.
(3)
ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة التي عثر بها المؤلف في مكتبة القرويين).
فوقع بين العبيد وأهل قرطبة فتنة عظيمة، ونشب القتال بينهم حتى دخل الليل، ووصل الخبر إلى الوالي الأمير أبى بكر، واجتمع إليه الفقهاء والأعيان، واقترحوا عليه تهدئة للحال أن يقتل واحداً من العبيد الذين أثاروا الفتنة، فأنكر ذلك وغضب، وفي اليوم التالي استعد للقتال وأظهر السلاح، والعدد، فاجتمع لقتاله أهل قرطبة بزعامة الأعيان والفقهاء وهزموه، فتحصن بالقصر فحاصروه، وفر منهم بعد مشقة، فنهبوا القصر وأحرقوا دور المرابطين، ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم من قرطبة على أقبح صورة (1).
تلك هي تفاصيل الفتنة القرطبية التي أهمت أمير المسلمين، وحملته على المبادرة إلى العبور إلى الأندلس. بين أن هذه الحوادث الظاهرة، كانت تحمل في ثنيتها، عوامل أخطر وأبعد مدى، فلم يكن الأمر في الواقع متعلقاً بحادث شغب عابر، ولكنه كان أعمق جذوراً، وكان أول فورة علنية ضد الحكم المرابطي. وقد سبق أن أشرنا إلى أن أساليب المرابطين في الحكم لم تكن تتسم بكثير من الرفق والكياسة، وأنها كانت بالعكس تتسم بالضغط والخشونة. ولم ينجح المرابطون مذ غلبوا على الأندلس، منذ نحو ربع قرن، أن ينشئوا في البلاد المفتوحة نظاماً مدنياً للحكم، فبقيت الأندلس في أيامهم، تعاني ضغط الحكم العسكري المرهق، وكانت تزمت المرابطين الديني، وحجرهم على الأفكار والعقائد، سبباً آخر من أسباب التذمر لدى العقلاء والمفكرين. وكانت الحاميات المرابطية المكونة من أخلاط البربر، تعامل جموع الشعب بصلف وتعال وجفاء، وكانت جموع الشعب من جانبها تحقد عليها، وتنظر إليها بعين المقت والحفيظة، وهذا إلى ما كان يشعر به الشعب الأندلسي بصفة عامة من ألم نفسي عميق لفقد استقلاله وحرياته، في ظل أولئك السادة الجدد، الذين عبروا الى الأندلس باسم إنقاذها، ثم انتهوا بأن فرضوا عليها نيرهم الحديدي.
ولم تك ثورة قرطبة سوى أولي البوادر المادية لهذه الثورة النفسية. ومن ثم فقد قدر أمير المسلمين خطورتها، وبادر بالقدوم إلى الأندلس لمعالجة الموقف، وكان في استعداداته العسكرية الضخمة ما ينم عن توجسه من عواقب هذه الفورة التي ربما وجدت صداها في بعض القواعد الأخرى.
(1) ابن الأثير ج 10 ص 197.
ووصل علي بن يوسف بحشوده إلى ظاهر قرطبة في شهر ربيع الآخر سنة 515 هـ (يوليه سنة 1121 م)، وهو ينوي أن يخمد الهياج بشدة، فأغلقت قرطبة دونه أبوابها، واستعد أهلها للدفاع عن أنفسهم، واستفتوا فقهائهم، فأفتوا بأنه متى عرضت الحقائق فيما حدث على أمير المسلمين، وتبين منها أن الأمر لم يكن عدواناً من أهل قرطبة، وإنما كان بالعكس دفاعاً عن الحرم والدماء والأموال، فإن أصر أمير المسلمين على موقفه، واستمع لنصح المفسدين، وجب القتال دفاعاً عن النفس والحرم (1). ويقول لنا ابن الأثير من جهة أخرى، إن أمير المسلمين، بادر عند مقدمه بحصار قرطبة، فقاتله أهلها قتال من يريد أن يحمي دمه وحريمه وماله، وأنه لما رأى شدة قتالهم، دخل السفراء بينه وبينهم، وسعوا في الصلح (2). على أنه يبدو أنه لم يكن ثمة قتال، وإنما تذرع أمير المسلمين بالهدوء والصبر، وأقام أمام المدينة فترة، حتى تردد إليه وجوه قرطبة وأعيانها.
ويقول لنا ابن عذارى إن أمير المسلمين استدعى القاضي أبا الوليد بن رشد (الجد) قاضي قرطبة وفقهاء المدينة، وجرت بينهم أحاديث طويلة في أمر الثورة والانتزاء على الرياسة، واقتحام قصر الوالي وانتهابه، وذكّر أعيان قرطبة أمير المسلمين بوصية أبيه، في أن يقبل من أحسن من أهل قرطبة، وأن يتجاوز عمن أساء منهم.
وكان محمد بن داود قاضي إشبيلية في ركاب أمير المسلمين، فجعل يعظم الأمر، ويبالغ في تصوير شناعته، ويقول إنه اجتراء وعصيان وضلال. ودافع القاضي ابن رشد من جهة أخرى عن موقف أهل المدينة، وبين أنهم لم يشقوا عصا ولا نبذوا طاعة، وأنه كان من واجب الوالي أن يعاقب المذنب من عبيده، فقال أمير المسلمين فتمكنوا منهم، فقال ابن رشد ليس لنا قدرة على حصرهم، وإنما يحصرهم صاحب الأمر، ثم بعد ذلك يأمر الصفح عنهم. وانتهت المفاوضات بالاتفاق على أن يقوم أهل قرطبة بالتعويض عما نهب من المرابطين، وارتضى أمير المسلمين هذا الاتفاق، ولكنه غضب لموقف ابن رشد وإيضاحاته، فصرفه عن القضاء، وولى مكانه أبا القاسم بن حَمْدين، وأمر كذلك بصرف الأمير عبد الله ابن تينغمر عن غرناطة، وأسند نظر غرناطة إلى أخيه الأمير أبى الطاهر تميم، وكان يومئذ بفاس، فاستحثه إلى الحضور، ولبث تميم والياً على غرناطة مدى
(1) الحلل الموشية ص 63.
(2)
ابن الأثير ج 10 ص 197.
عامين، ثم عين بعد ذلك والياً لإشبيلية مكان الأمير أبى بكر بن علي بن يوسف، فلبث واليها حتى وفاته في سنة 520 هـ (1).
ولم يمكث علي بن يوسف هذه المرة طويلا بالأندلس، إذ وافته أنباء مزعجة من مراكش، عن قيام محمد بن تومَرت المهدي ببلاد السوس الأقصى، واستفحال أمره (2).
(1) ابن عذارى في البيان المغرب (من الأوراق المخطوطة، التي عثر بها المؤلف والتي سبقت الإشارة إليها)، وروض القرطاس ص 106 وكذلك: F. Codera: ibid ; p. 237 & 238
(2)
الحلل الموشية ص 64، 74.