المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تمهيدالأوضاع العامة لشبه الجزيرة الأندلسية في عصر المرابطين والموحدين - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٣

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌العصر الثالثعصرُ المرابطين والمُوَحّدينْ في المغرب والأندلس

- ‌القسْم الأولعصْر المُرابطين وبدَاية الدّولة الموحّدية

- ‌مقدمة

- ‌تمهيدالأوضاع العامة لشبه الجزيرة الأندلسية في عصر المرابطين والموحدين

- ‌الكِتاب الأولالدولة المُرابطية في أوج سُلطانها

- ‌الفصْل الأوّليوسف بن تاشفين

- ‌الفصْل الثانيأمير المسلمين علي بن يوسف وأحداث عصره

- ‌الفصل الثالِثسقوط سرقسطة

- ‌الفصل الرابعالصراع بين ألفونسو المحارب وبين المرابطين

- ‌الفصل الخامِسُالأمير تاشفين بن علي وغزواته وأعماله في شبه الجزيرة

- ‌الفصل السادِسشرق الأندلس

- ‌الكتابُ الثانيالمهْدي محمّد بن تومَرت والصِّراع بين المرابطين والموحّدين وقيام الدّولة الموحّدية بالمغرِب

- ‌الفصل الأوّلمحمد بن تومرت نشأته وظهوره

- ‌الفصل الثانيالصراع بين المرابطين والموحدين

- ‌الفصل الثالثعقيدة المهدي ابن تومرت وتعاليمه الدينية والسياسية

- ‌الفصل الرابعالصراع بين المرابطين والموحدين

- ‌الفصل الخامِسُنهاية الدولة المرابطية في المغرب

- ‌الفصل السادِسالدولة الموحدية في سبيل التوطد

- ‌الفصْل السّابعفتح المهدية وإجلاء الفرنج عن إفريقية

- ‌الكِتابُ الثالِثثورة القوى الوطنيّة بالأندلسْ وتغلّب الموحّدين على شبه الجزيرة

- ‌الفصل الأوّلالثورة في الأندلس وانهيار سلطان المرابطين

- ‌الفصل الثانيعبد المؤمن وشئون الأندلس وافتتاح إشبيلية وقرطبة وغرناطة وألمرية

- ‌الفصل الثالثالثورة في شرقي الأندلس وظهور محمد بن سعد بن مردنيش

- ‌الفصل الرابعأعوام عبد المؤمن الأخيرة وفاته وخلاله

- ‌الكتابُ الرابعنظم الدّولة المرابطيّة وخواصّ العهْد المرابطيّ

- ‌الفصل الأوّلطبيعة الحكم المرابطي وأوضاعه العسكرية والإدارية والمالية

- ‌الفصل الثانيْالحركة الفكرية الأندلسية خلال العهد المرابطي

- ‌الفصل الثالثالحركة الفكرية الأندلسية خلال العهد المرابطي

- ‌الكتابُ الخامِسالممَالك الإسْبانيّة النصْرانية خلال العصْر المُرابطي وأوائل العصْر الموحّدي

- ‌الفصْل الأوّلألفونسو المحارب وأورّاكا ملكة قشتالة وبداية عهد ألفونسو ريمونديس

- ‌الفصل الثانيالممالك الإسبانية النصرانية في عصر القيصر ألفونسو ريمونديس وقيام مملكة أراجون الكبرى

- ‌الفصل الثالثقيام مملكة البرتغال وبداية عصر ملكها ألفونسو هنريكيز

الفصل: ‌تمهيدالأوضاع العامة لشبه الجزيرة الأندلسية في عصر المرابطين والموحدين

‌تمهيد

الأوضاع العامة لشبه الجزيرة الأندلسية في عصر المرابطين والموحدين

كانت موقعة الزلاّقة (479 هـ - 1086 م)، موقعة الحسم، في مصاير اسبانيا المسلمة، سواء إزاء اسبانيا النصرانية، أو إزاء المرابطين. فقد انقشع الخطر الداهم الذي كان يهددها بالفناء العاجل، مذ سقطت طليطلة حصن الأندلس من الشمال في أيدى النصارى، وقد كتبت لها حياة جديدة. ولكن الزلاّقة، كانت من جهة أخرى نذيراً بأعظم تحول وقع في مصايرها منذ الفتح، ذلك أن المرابطين الذين قدموا إليها إخواناً في الدين، وأصدقاء مجاهدين منجدين، انقلبوا عقب الزلاّقة إلى أعداء فاتحين. وما كاد الموقف يتضح لعاهل المرابطين يوسف ابن تاشفين عقب النصر، وتبدو له دول الطوائف الأندلسية على حقيقتها، دويلات متخاذلة متنابذة، يسودها الإنحلال، ويقضم أسسها الترف والخور، حتى قرر أمره تجاه أمراء الطوائف. وسواء أكان هذا القرار قد أملته شهوة الفتح، ورغبة الاستيلاء على هذه البلاد الخضراء الغنية الساحرة، أم كان بقصد حمايتها من النصارى، والتحوط بذلك لسلامة المغرب، بصون جناحه الدفاعي من الشمال - الأندلس - فقد نفذ عاهل المرابطين قراره، واستولت جيوشه تباعاً على دول الطوائف، في فترة لا تتجاوز عشرين عاماً، فيما بين سنتي 483 و502 هـ (1090 - 1109 م)، وذلك حسبما فصلناه من قبل في كتابنا " دول الطوائف ".

وأضحت الأندلس من ذلك الحين ولاية مغربية، تخضع لحكومة مرّاكش، وتحكمها القبائل البربرية المغربية، بعد أن كان المغرب قبل ذلك بنحو قرن فقط، ولاية أندلسية تخضع لخلافة قرطبة الأموية. ونحن نعرف أن البربر قد اضطلعوا في فتح الأندلس بأعظم قسط، ولكنهم لم ينالوا نصيبهم الحق، في حكم هذه البلاد الجديدة، وغلب سلطان العرب سادة البربر عند الفتح. وعلى الرغم من أن البربر كانت لهم ما بين آونة وأخرى، في ظل الدولة الأموية، بعض

ص: 25

الحظوة، وكان لهم في ظل الدولة العامرية قسط بارز من النفوذ والسلطان، وعلى الرغم من أنهم نالوا قسطهم من أسلاب الخلافة، وقامت لهم في عهد الطوائف عدة من الدول القوية، بلغت في ظل بني حمّود مرتبة الخلافة، فإنهم في ظل المرابطين، يبسطون لأول مرة سلطانهم كاملا على الأندلس، ويستأثرون فيها بالحكم والسيادة، وتختفي خلال ذلك رياسة الأسر والزعامات الأندلسية. أجل إن عهد المرابطين بالأندلس لم يكن طويل الأمد. ذلك أنه لم يدم أكثر من زهاء نصف قرن. ولكن سلطان البربر على الأندلس يمتد بعد انتهاء الدولة المرابطية، على يد وريثتها الدولة الموحدية، أكثر من قرن آخر. وفي وسع المؤرخ أن يلاحظ ما بين هذين العهدين، من أوجه التماثل التي تجمع بينهما، وأن يلاحظ في نفس الوقت أوجه الخلاف والتناقض التي تباعد بينهما، وتسبغ على كل منهما خواصه ومميزاته.

إن المرابطين والموحدين، ينتمي كلاهما إلى طائفة من تلك القبائل البربرية، التي أخذت على كر العصور في حكم المغرب وسيادته بأوفر نصيب، فالمرابطون ينتمون بالأخص إلى لمتونة وكدالة ومسّوفة، وينتمي الموحدون بالأخص إلى هرغة ومصمودة وهنتانة وكومية. وقد نشأت كلتا الدولتين، المرابطية والموحدية، في ظروف متشابهة، كأنما رسمت لكل منهما على نسق واحد، فكلتاهما قامت على أسس دينية، وعلى يد فقيه وداعية متعصب؛ فكان داعية الدولة المرابطية، الفقيه عبد الله بن ياسين، وكان داعية الدولة الموحدية، المهدي محمد بن تومرت، وتحولت كلتاهما إلى ملك سياسي على يد زعيم موهوب وقائد بارع، فكان زعيم الدولة المرابطية الذي وطد دعائمها، وشاد ملكها السياسي، يوسف بن تاشفين، وكان قرينه عبد المؤمن بن علي، هو الذي وضع أسس الدولة الموحدية، ووطد دعائمها. واستطاعت الدولة الموحدية، بعد أن قضت على الدولة المرابطية، أن تسيطر على نفس الرقعة الإقليمية الشاسعة، التي كانت تحتلها، سواء في المغرب أو الأندلس، وإن كانت الأندلس لم تخلص للموحدين إلا بعد فترة من الصراع المحلي، ولاسيما ضد الثورة في شرقي الأندلس.

وفضلا عن ذلك، فقد كانت تجمع بين الدولتين، بالنسبة للأندلس، إذا أغضينا عن العوامل الإقليمية والسياسية، التي كانت تحرك هاتين الدولتين، إلى بسط سيادتهما على هذا الإقليم الغني الساحر - كانت تجمع بينهما فكرة الجهاد،

ص: 26

وحماية الأندلس، من عدوان الممالك الإسبانية النصرانية. وهنا تبدو وجوه الخلاف بين الدولتين. ذلك أنه بالرغم من وحدة الغاية، فقد كان المرابطون يضطرمون بروح جهاد قوية خالصة، وقد استطاعوا في ظل هذا الروح الدافع أن يصدوا عن الأندلس عدوان اسبانيا النصرانية، وأن يحرزوا بعد الزلاّقة، النصر في عدة مواقع مماثلة، حاسمة في صدع قوى اسبانيا النصرانية. وإذا استثنينا موقف المرابطين من سقوط سرقسطة، وهو السقطة العسكرية المرابطية البارزة خلال هذا الكفاح، فإن الصراع الذي اضطلع به المرابطون ضد الممالك الإسبانية النصرانية، كان صراعاً قوياً وناجحاً، وقد أحرز المرابطون خلاله ضد النصارى عدة من الانتصارات الباهرة، ولاسيما في أقليش (سنة 501 هـ - 1108 م)، وفي إفراغة (528 هـ - 1134 م). وقد استطاع المرابطون على وجه العموم حتى أواخر عهدهم، الذي استطال بالأندلس زهاء خمسين عاماً، أن يحافظوا على رقعة الوطن الأندلسي، ولم يصدع من كفاحهم ضد النصارى، سوى قيام الثورة عليهم في مختلف القواعد، عند ظهور الموحدين وعبورهم إلى الأندلس.

أما الموحدون فبالرغم من أنه كانت تحدوهم مثل الروح، التي كانت تحدو المرابطين، في محاربة اسبانيا النصرانية، والذود عن الأندلس، فإنهم لم يحرزوا مثلما أحرز المرابطون من التوفيق في هذا الكفاح. وقد بذل الموحدون بالفعل جهوداً فادحة في سبيل الاضطلاع بحركة الجهاد بالأندلس، وصد عدوان اسبانيا النصرانية عنها، وقد عبرت جيوشهم الجرارة مراراً إلى شبه الجزيرة، مزودة بكميات هائلة من العتاد والسلاح، ولكنهم وهم في إبان قوتهم، لم يحوزوا توفيقاً في حملاتهم الغازية ضد النصارى، فتحطمت حملة الخليفة أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ضد القشتاليين، تحت أسوار وبذة (567 هـ -1172 م)، وتحطمت حملته الثانية ضد البرتغاليين تحت أسوار شَنترين (580 هـ - 1184 م)، ومنيت الجيوش الموحدية بهزيمة فادحة، وهلك الخليفة نفسه في الموقعة. ويرجع هذا الفشل إلى عدة أسباب، منها اختلال نظام الجيوش الموحدية، وضعف قيادتها، واختلال وسائل تموينها، كما يرجع إلى اشتداد ساعد مملكة البرتغال، واستغراقها معظم جهود الموحدين، في ولاية الغرب الأندلسية؛ ولم تبرز الجيوش الموحدية في جهادها ضد النصارى إلا في معركة الأرك العظيمة، التي أحرز فيها الخليفة يعقوب المنصور، انتصاره الباهر على القشتاليين، في شهر رجب سنة 591 هـ

ص: 27

(يوليه سنة 1195 م). على أن هذا النصر العظيم، لم يلبث أن محت آثاره موقعة العقاب المشئومة، التي أحرز فيها القشتاليون نصرهم الساحق على الجيوش الموحدية بقيادة الخليفة محمد الناصر ولد المنصور، وذلك في صفر سنة 609 هـ (يونيه سنة 1212 م)، والتي كانت ضربة قاضية، لقوى الموحدين بالأندلس والمغرب، ولم يمض على وقوعها سوى أعوام قلائل حتى انهار سلطان الموحدين بالأندلس، وأخذت قواعد الأندلس الكبرى تسقط تباعاً في أيدي النصارى في وابل من المحن المؤلمة.

كانت قصة الجهاد في سبيل الله، وقصة حماية الأندلس من عدوان النصارى، تجثم وراء هذه المعركة الطويلة المستمرة بين المرابطين والموحدين من ناحية، وبين اسبانيا النصرانية من ناحية أخرى، وكان المرابطون والموحدون، تحملهم في هذا الصراع المستمر ضد اسبانيا النصرانية، فضلا عن غريزة الاحتفاظ بالنفس، نزعة لا شك فيها من الجهاد الإسلامي، والذود عن معاقل الإسلام وتراثه في " جزيرة الأندلس ". وهم قد عبروا البحر أول ما عبروا إلى الأندلس، تدفعهم تلك النزعة النبيلة، ولم تخمد نزعة الجهاد في صدورهم طوال الوقت الذي كانت تضطرم فيه المعارك باستمرار، بينهم وبين اسبانيا النصرانية، وكثيراً ما غزت الجيوش المرابطية والموحدية، أراضي اسبانيا النصرانية من تلقاء نفسها، طلباً للجهاد ليس غير، وقد عبر الخلفاء الموحدون إلى الأندلس في جيوشهم الجرارة مراراً، لمتابعة هذا الجهاد، الذي كان شعارهم دائماً في محاربة النصارى في شبه الجزيرة الإسبانية.

* * *

ولقد كان من الطبيعي أن تنشب بين المرابطين والموحدين، وهم سادة الأندلس الجدد، وبين زعماء الأندلس المحليين معركة السلطان والملك. ولقد كانت هذه المعركة التي تغذيها عوامل مختلفة، هي محنة الأندلس الحقيقية، وكانت تتجدد من خلالها صور المعارك الانتحارية، التي أثخنت الأندلس أيام الطوائف بجراحها الدامية. على أنه مهما كانت بواعث الأسف والأسى، التي تقترن بمثل هذه المعارك، ومهما كان لنا أن نستنكرها وأن نحكم عليها، فإنه يصعب على المؤرخ، أولا أن يحدد المسئولية في شأنها أو أن يلقي تبعتها على فريق بعينه، وثانياً أن يتجاهل العوامل القومية والوطنية، التي كانت من ورائها. وهي في ذلك تفترق عن معارك

ص: 28

الطوائف، التي لم تكن تحدوها سوى الأطماع والأهواء الشخصية الوضيعة.

ومما يلاحظ أن الثورة على سلطان المرابطين في الأندلس، لم تضطرم إلا في آواخر عهدهم في شبه الجزيرة، في نفس الوقت الذي اضطرم فيه المغرب بثورة الموحدين الجارفة، وتضعضع سلطان المرابطين في عقر دولتهم، وتعذر عليهم إرسال الإمداد إلى ما وراء البحر. على أن هذه الثورة كانت في الواقع أقدم عهداً وأعمق جذوراً، إذ هي ترجع إلى عهد الفتح المرابطي ذاته. وكانت الأندلس، حينما اشتدت عليها وطأة اسبانيا النصرانية، وعجزت دول الطوائف الضعيفة المتنابذة، عن رد عدوانها، وجاء سقوط طليطلة نذيراً بالخطر الداهم، قد استقبلت المرابطين إخواناً في الدين منجدين منقذين، وأكد نصر الزلاّقة الباهر ومن بعده جواز يوسف بن تاشفين الثاني لنصرة الطوائف في حصار حصن لييط (أليدو)(481 هـ -1088 م) هذا الاعتبار وهذا المعنى. على أن فكرة الاستنصار بالمرابطين لم تكن دون توجس، ودون تخوف من العواقب. وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا " دول الطوائف " كيف عارض المعتمد بن عباد ولده الرشيد، في فكرة الاستنصار بالمرابطين، وحذره من مقدمهم وقوله:" يا أبت أتدخل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدد شملنا " وكيف أنه كان ثمة بين أمراء الطوائف، ورجالات الأندلس، من لم ترقه هذه الفكرة، توجساً من عواقبها (1).

وقد تحققت هذه المخاوف، وانهار ذلك المعنى النبيل الذي بثه نصر الزلاّقة لأمد قصير، وانقلب المنقذون إلى فاتحين، واستولى المرابطون على دول الطوائف واحدة بعد أخرى، واقترن هذا الفتح في بعض الأحيان بكثير من العنف، والقسوة، وسقط عدد من أمراء الطوائف مدافعين عن أنفسهم وملكهم. وكان لهذا التحول بلا ريب أعظم صدى في جنبات الأندلس، وأعمق أثر في نفوس الأمة الأندلسية. ومن جهة أخرى فإن أساليب الحكام والقادة المرابطين، في حكم هذا القطر الجديد، لم تكن لينة ولا رفيقة، وذلك بالرغم مما كان يحدوها ويوجهها في معظم الأحيان من جانب أمير المسلمين، من النيات الطيبة والنصائح المثالية لعماله وقادته، باتباع العدل، والرفق بالرعية، وكانت أساليب هؤلاء

(1) راجع كتاب دول الطوائف، ص 78، والحلل الموشية ص 27 و 28، وأعمال الأعلام لابن الخطيب (طبع بيروت) ص 245 وكتاب التبيان للأمير عبد الله بن بلقين ص 103 و 104.

ص: 29

الحكام والقادة، ومعظمهم من أقارب أمير المسلمين وأصهاره، تجافي بعنفها وخشونتها ما جبلت عليه الأمة الأندلسية المتحضرة المترفة، من الأساليب المهذبة الرقيقة. ومن ثم فإنه لا يدهشنا أنه لم يمض سوى خمسة عشر عاماً فقط، على وفاة عاهل المرابطين يوسف بن تاشفين، حتى اضطرمت الثورة في قرطبة حاضرة الأندلس يومئذ، ضد المرابطين في سنة 515 هـ (1121 م)، في أوائل عهد علي بن يوسف، وذلك وفقاً لقول الثوار " ذباً عن الحُرَم والدماء والأموال "(1).

ولم تكن هذه الفورات وأمثالها، في البداية سوى محاولات للتنفس من حكم المرابطين المتزمت المرهق. ولم تقو الفكرة الوطنية الأندلسية وتتبلور إلا فيما بعد، في أواخر عهد المرابطين، حينما اضطرمت الأندلس كلها، من شرقها إلى غربها، بالثورة ضدهم، وقام أحمد بن قسيّ في غرب الأندلس، في ميرتلة وشلب وباجة سنة 539 هـ (1144 م)، وقام في نفس العام أبو جعفر ابن حمدين في قرطبة، وأبو الحسن على ابن أضحى في غرناطة. وفي نفس الوقت انهار سلطان المرابطين تباعاً في شرقي الأندلس، وقام القاضي ابن عبد العزيز أولا في بلنسية، ومرسية.

ثم نهض ابن عياض فغلب عليهما بعد طائفة من الأحداث والانقلابات المتوالية، ودعا بالرياسة لسيف الدولة ابن هود. وتقلد ابن هود الرياسة الإسمية، وهو في تقلده إياها، يمثل الفكرة القومية الأندلسية، ولما قتل ابن هود في موقعة البسيط، التي نشبت بين قوات بلنسية وابن هود، وبين القشتاليين وذلك في سنة 540 هـ (1146 م) دعا ابن عياض لنفسه، وغلب على شرقي الأندلس كله، إلى أن لقي مصرعه في معركة نشبت بينه وبين القشتاليين في سنة 542 هـ (1147 م). وعندئذ خلفه في الرياسة نائبه وصهره محمد بن سعد بن مردنيش، وسرعان ما اشتد ساعده، وبسط سلطانه القوي على سائر القواعد الشرقية من بلنسية حتى قرطاجنة. وكان ابن مردنيش يمثل الفكرة القومية الأندلسية في أعمق صورها، وقد شهر علم النضال ضد الموحدين أعواماً طويلة، حتى تبددت قواه، ثم خبت فورته بوفاته، وذلك كله حسبما نفصل بعد في مواضعه. وكان سلطان المرابطين قد انهار نهائياً في شرقي الأندلس، قبل ثورة ابن مردنيش بعدة أعوام، وإن كان بفضل الجهود العنيفة التي بذلها قائد المرابطين القوي ابن غانية، قد لبث في بعض القواعد الوسطى والغربية لفترة قصيرة أخرى.

(1) الحلل الموشية ص 63.

ص: 30

كانت هذه الفورات المتعاقبة التي اضطرمت ضد المرابطين في مختلف القواعد الأندلسية، في تلك الفترة العصيبة من أيامهم، تتسم بالرغم من اتخاذها في بعض نواحيها صورة الحرب الأهلية، بالطابع الوطني، وتمثل بوضوح فكرة تحرير الأندلس من النير المرابطي. ولم يكن أولئك الزعماء الخوارج، يحجمون في سبيل تحقيق غايتهم، أو في سبيل التطاحن فيما بينهم، عن الإستعانة بالنصارى، وهي وسيلة شائنة، خطرة في نفس الوقت، تتحطم لديها سائر الاعتبارات الوطنية والدينية. بيد أنه يجب أن نذكر أنها نفس الوسيلة اليائسة التي لجأ إليها أمراء الطوائف، حينما استشفوا نية عاهل المرابطين في القضاء عليهم، فلم يحجموا عن الالتجاء إلى ملك قشتالة، ألفونسو السادس، أخطر أعدائهم، والمنتزع لقواعدهم وأراضيهم، والتحالف معه على رد الجيوش المرابطية. وكان الملوك النصارى يسارعون بتلبية أمثال هذه الدعوات، ليس فقط انتهازاً لما تقدمه إليهم من فرص الضرب والتفريق بين الأمراء المسلمين، واستنزاف قواهم، وانتزاع ما يمكن انتزاعه منهم من الأموال والأراضي، ولكن كذلك شعوراً منهم بالخطر المشترك، الذي يهدد الوطن المشترك - شبه الجزيرة الإسبانية - من جراء تغلب القبائل البربرية المرابطية عليه، واستقرارها فيه، وقد تمثلت هذه الظاهرة فيما بعد أيام الموحدين، أصدق تمثيل، في ثورة محمد بن سعد بن مردنيش، وفي تحالفه المستمر الوثيق مع الملوك النصارى، ضد الموحدين.

* * *

ونستطيع أن نقول إنه منذ انهارت ثورة ابن مردنيش في شرقي الأندلس بوفاته سنة 567 هـ (1072 م)، واستولى الموحدون على مملكة مرسية، خلُصت الأندلس كلها لطاعة الموحدين، وغاضت النزعة القومية الأندلسية، واستسلمت الأندلس لحكم سادتها من وراء البحر، واستطاع الموحدون أن يوطدوا سلطانهم في الجزيرة مدى نصف قرن آخر، وسطع البلاط الموحدي في إشبيلية، التي جعل الموحدون منها حاضرة الأندلس، وخصوها بمنتهى الرعاية، وعملوا على تحصينها، وتجميلها بطائفة من الصروح الفخمة، وقامت منشآتهم العمرانية العظيمة بإشبيلية، وغيرها من قواعد الأندلس، من قصور ومساجد وحصون وقناطر وأسوار، تشيد بهمتهم وقوة سلطانهم، وفخامة دولتهم.

والتف حول البلاط الموحدي سواء بإشبيلية أو المغرب، أعلام الأندلس من كل

ص: 31

ضرب، من فقهاء وعلماء وكتاب وشعراء، وحشد الخلفاء الموحدون إلى جانبهم أقطاب البيان والتفكير الأندلسيين، واتخذوا منهم وزراء وكتاباً وأطباء، وخدم علماء وفلاسفة عظام، مثل ابن طُفيل، وابن زهر، وابن رشد، في بلاط الخليفة الموحدي.

وهكذا استقام الأمر بالأندلس في ظل الحكم الموحدي مدى نصف قرن

آخر، وشغل الموحدون داخل إمبراطوريتهم العظمية بالمغرب، بتوطيد سلطانهم،

وقمع نزعات العصيان المحلية، وشغلوا بالأخص بمكافحة بني غانية، والقضاء

على ثورتهم وحركاتهم المخربة بإفريقية، وهي ثورة اقتضت منهم أفدح الجهود،

وكادت في بعض الأحيان أن تقضى على سلطانهم في إفريقية. ثم كان عهد الخليفة الناصر ابن المنصور، وكانت حملته المشئومة إلى الأندلس، وكانت نكبة العقاب الساحقة (609 هـ)، وما ترتب عليها من انهيار سلطان الموحدين في شبه الجزيرة؛ عندئذ تغيرت الأمور، وتجهمت الحوادث، ولم يقتصر الأمر عندئذ على استطالة الممالك النصرانية، وضغطها على مختلف نواحي الأندلس، وتحفزها لافتتاح قواعدها الكبرى، ولكن حدث في نفس الوقت أن أخذت بوادر الثورة تتحرك داخل الأندلس، تغذيها العوامل القومية القديمة، ضد حكم وهنت دعائمه.

وكان موطن هذه الثورة الجديدة، شرقي الأندلس، وكان على رأسها زعيمان ينتمي كلاهما إلى بيت من البيوت الثائرة القديمة، أولهما زيان بن مردنيش، والثاني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود؛ وبينما انحصرت حركة زيان ببلنسية، إذا بدعوة ابن هود تجتاح مرسية وألمرية وغرناطة ومالقة، وكانت حركة ابن هود تمثل فكرة الأندلس القومية أصدق تمثيل، وترى إلى تحرير الأندلس من نير الموحدين، والنصارى معاً، ولكن موارده وقواته، لم تكن تسمح له بأن يضطلع بمثل تلك المهمة الفادحة. ومن جهة أخرى، فقد نهض النصارى لانتهاز الفرصة السانحة، وانتزاع قواعد الأندلس الكبرى، خلال تلك الغمار المضطرمة، فقام ألفونسو التاسع ملك ليون بانتزاع قواعدها الغربية، ماردة وبطليوس وغيرها (627 هـ) ثم قام فرناندو الثالث بانتزاع قرطبة عاصمة الخلافة القديمة (شوال سنة 633 هـ - يونيه 1236 م) - وذلك في الوقت الذي تخلى فيه ابن هود عن إنجادها، وشغل بالعمل لتوطيد سلطانه في جنوبي الأندلس. وكان لسقوط قرطبة أعمق وقع في تلك الأندلس المفككة المنهوكة القوى، ولكنه كان أمراً محتوماً لا سبيل إلى اتقائه.

ص: 32

ولم يمض قليل على ذلك، حتى توفي ابن هود في أوائل سنة 635 هـ، وهو في إبان قوته وطموحه، وانهارت بوفاته أماني ومشاريع كثيرة، وفي العام التالي استطاع خايمي الأول أو الفاتح ملك أراجون، أن يستولي على بلنسية عاصمة الشرق (صفر سنة 636 هـ - سبتمبر 1238 م) وكان قد استولى قبل ذلك في سنة 628 هـ على الجزائر الشرقية. وفي الوقت الذي أخذ يتوالى فيه سقوط القواعد الشرقية والوسطى، في أيدي النصارى، كان محمد بن الأحمر من جانبه، يعمل بكل ما وسع لبسط سلطانه على القواعد الجنوبية. وهكذا أضحت الأندلس مرة أخرى مسرحاً لغمار متوالية من الحوادث والفتن التي تمزق أوصالها، وتجعلها فريسة هينة لعدوها الخالد - إسبانيا النصرانية - ينتزع قواعدها وأراضيها تباعاً، ولا تجد وسيلة ناجعة لدفع هذا العدوان الجارف، بعد أن انهار سلطان الموحدين وقواهم بالأندلس، وبعد أن فقدت الأندلس منعتها ومواردها العسكرية القديمة، في ظل حكم الدولة الغالبة.

ولم تفق الأندلس من تلك المحنة الطاحنة، إلا وقد فقدت قواعدها الكبرى شرقاً وغرباً - قرطبة، وبلنسية، ومرسية، وشاطبة، ودانيه، وجيان، وإشبيلية وبطليوس، وماردة، وشلب، وغيرها وغيرها - وأضحت أنقاضاً متناثرة، تجتمع أشلاؤها الدامية في الجنوب، فيما وراء نهر الوادي الكبير، ولاح من خلال ذلك كله، أن ساعة الأندلس الأخيرة قد دنت، وأنه لم يبق على اسبانيا النصرانية إلا أن تجتني بقية تراثها الممزق، وأن تختتم هذه السلسلة من معارك " الإسترداد "" La Reconquista " العظيمة بضربة أخيرة، تكون هي القاضية على حياة اسبانيا المسلمة، لولا أن شاء القدر أن تلتئم هذه الأنقاض المتناثرة من تراث الأندلس الكبرى، وأن تبعث من بينها قوة فتية جديدة، تتمثل في قيام مملكة غرناطة، آخر دول الإسلام في الأندلس.

تلك هي الخطوط العريضة لصورة العصر، الذي نحاول أن نضطلع باستعراض أحداثه، وشرح ظروفه وخواصه، - عصر المرابطين والموحدين.

ص: 33