الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المضطرب)
أي هذا مبحثه، وهو النوع الثالث والثلاثون من أنواع علوم الحديث.
وهو في اللغة اسم فاعل من الاضطراب وهو اختلال الأمر وفساد نظامه واختلافه كلمة القوم، وأصله اضطراب الموج لكثرة حركته وضرب بعضه بعضاً، وقال بعضهم: ولو كان المضطرب بفتح الراء لكان اسم مكان للاضطراب، ولكان ذلك أظهر لتحقق المعنى الاصطلاحي لأن الحديث عند التحقيق موضع يظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة اهـ.
واصطلاحاً ما أشار إليه بقوله:
234 -
مَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ حَيْثُ وَرَدْ
…
مِنْ وَاحِدٍ أَوْ فَوْقُ: مَتْنًا أَوْ سَنَدْ
235 -
وَلا مُرَجِّحَ: هُوَ الْمُضْطَرِبُ
…
..................
(ما) موصولة مبتدأ أي الحديثُ الذي اختلفت (وجوهه) أي طرقه بأن يروى على وجوه مختلفة متقاربة (حيث ورد) أي الاختلاف المفهوم من اختلفت (من واحد) أي راو واحدٍ بأن رواه مرة على وجه وأخرى على آخر مخالف له (أو فوق) من الظروف المبنية على الضم لقطعه عن الإضافة ونية معناها معطوف على واحد أي أوْ وَرَدَ من فوق واحد بأن اختلف فيه راويان فأكثر (متناً) منصوب على التمييز أي من حيث متنه (أو سند) معطوف منصوب وقف عليه على لغة ربيعة أي أو من حيث سنده (و) الحال أنه (لا
مرجح) لإحدى الروايتين أو الراويات على الأخرى إذ لو وجد ذلك لانتفى الاضطراب كما سيأتي وكذا إذا أمكن الجمع كما صرح به غيره.
(هو) ضمير فصل (المضطرب) خبر ما وهو بكسر الراء كما هو المشهور، وتقدم عن بعضهم أنه أشار إلى صحة الفتح أيضاً بأنه على الحذف والإيصال أي مضطرب فيه.
وحاصل المعنى: أن المضطرب هو الذي اختلف كلام راويه فيه وَاحِداً كان بأن رواه مرة على وجه ومرة على وجه آخر مخالف له، أو أكثر بأن اختلف راويان فأكثر فرواه كُلٌّ على وجه مخالف للآخر بشرط أن لا يترجح بعضها على بعض، وقد يكون في المتن وفي السَّند. قال الحافظ نقلاً عن الحافظ العلائي: إِن الاختلاف تارة يكون في المتن وتارة في السَّند: فالذي في السَّند يتنوع أنواعاً " أحدها " تعارض الوصل والإرسال " وثانيها " تعارض الوقف والرفع " ثالثها " تعارض الاتصال والانقطاع " رابعها " أن يَرِويَ الحديثَ قوم مثلاً عن رجل تابعي عن صحابي ويرويه ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي بعينه " خامسها " زيادة رجل في أحد الإسنادين " سادسها " الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف. ثم ذكر تفاصيل ذلك كله. ثم قال وأما الاختلاف الذي يقع في المتن فقد أعَل به المحدثون والفقهاء كثيراً من الأحاديث، وأمثلة ذلك كثيرة نقلها الصنعاني في التوضيح ج 2 ص 40 بالبسط فانظره.
والحاصل أن الاضطراب قد يكون في المتن فقط أو في السَّند فقط وهذا الاخلاف هو الأكثر الأغلب وربما يكون فيهما معاً قاله السخاوي.
وقال في النزهة لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون السَّند. مثال الاضطراب في الإسناد حديث أبي بكر أنه قال " يا رسول الله أراك شِبْت قال شيبتني هود وأخواتها " قال الدارقطني: هذا حديث مضطرب فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من
رواه عنه مرسلاً، ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض والجمع متعذر.
ومثله حديث مجاهد عن الحكم بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم في نضح الفرج بعد الوضوء قد اختلف فيه على عشرة أقوال، فقيل: عن مجاهد عن الحكم أو ابن الحكم عن أبيه، وقيل عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه، وقيل عن مجاهد عن الحكم غير منسوب عن أبيه، وقيل عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه، وقيل عن مجاهد عن سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، وقيل عن مجاهد عن الحكم بن سفيان بلا شك، وقيل عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له الحكم أو أبو الحكم، وقيل عن مجاهد عن ابن الحكم أو أبي الحكم بن سفيان، وقيل عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو ابن أبي سفيان، وقيل عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الناظم في التدريب.
ومثال المضطرب في المتن على ما اختاره الناظم حديث البسملة المتقدم في المعل، قال: فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب والمضطرب يجامع المعل لأنه قد تكون علته ذلك ثم ذكر حكمه بقوله:
...............
…
وَهْوَ لِتَضْعِّيفِ الْحَدِيثِ مُوجِبُ
(وهو) أي الاضطراب المفهوم من المضطرب مطلقاً سواء كان في السَّند أو في المتن مبتدأ خبره موجب (لتضعيف الحديث) أي الحكم على الحديث بالضعف متعلق بـ (موجب) بكسر الجيم اسم فاعل من أوجب الشيء إذا أثبته يعني أنه سبب لضعف الحديث فلا يعمل به لإشعاره بعدم ضبط الراوي الذي هو شرط في الصحة والحسن.
لكن هذا الحكم ليس على إطلاقه بل هو مقيد بما إذا لم يكن الاضطراب بسبب اختلاف في اسم ثقة أو اسم أبيه أو نسبته أو نحو ذلك وإلا فلا يضر في صحة الحديث وإلى ذلك أشار بقوله:
236 -
إِلَاّإِذَا مَا اخْتَلَفُوا فِي اسْمٍ أَوَ اْبْ
…
لِثِقَةٍ فَهْوَ، صَحِيحٌ مُضْطَرِبْ
(إلا إذا ما) زائدة (اختلفوا) أي الرواة (في اسم) أي تعيين اسم راو (أَوَ اْبْ) بنقل حركة الهمزة إلى الواو وحذفها للوزن، أي أو تعيين اسم أبِ رَاوٍ وقوله (لثقة) صفة لاسم وأب، أي كائنين لثقة يعني أنهم إذا اختلفوا في اسم ثقة أو أبيه وكذا في نسبه أو نحو ذلك فإنه لا يضر في صحة الحديث مع الاضطراب ولذا قال (فهو) أي الحديث الذي وقع فيه ذلك الاختلاف (صحيح) لكون راويه ثقة (مضطرب) للاختلاف فيه.
والحاصل أن الاضطراب قد يجامع الصحة وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك ويكون ثقة فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطرباً، وفي الصَّحِيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره فقال: فقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصَّحِيح والحسن. وإلى هذا أشار بقوله:
237 -
الزَّرْكَشِيُّ: الْقَلْبُ وَالشُّذُوذُ عَنْ
…
وَالاِضْطِرَابُ فِي الصَّحِيحِ وَالْحَسَنْ
(الزركشي) مبتدأ حذف خبره تقديره قائل، أو فاعل لفعل محذوف أي قال والأول أولى.
وهو العلامة محمد بن عبد الله بن بَهَادِر أبو عبد الله بدر الدين قال الحَافِظ ابن حجرٍ: كان الزركشي رحمه الله منقطعاً في منزله لا يتردد إلى أحد إلا إلى سوق الكتب، وكان يطالع في حانوت الكتب طول نهاره ومعه أوراق يعلق فيها ما يعجبه ثم يرجع فينقله إلى تصانيفه، وقال ابن العماد نقلاً عن البرماوي: كان منقطعاً إلى الاشتغال بالعلم لا يشتغل عنه بشيء وله أقارب يكفونه أمر دنياه فزهد رحمه الله عن الدنيا وعف فيها ألف تآليف عديدة أكثر من خمسة وأربعين كتاباً في مختلف الفنون من علوم القرآن والحديث ومصطلحه والفقه والقواعد والأصول وغيرها، ولد رحمه الله في مصر سنة 745 هـ من أسرة تركية، وكان أبوه مملوكاً، وتوفي يوم الأحد
ثالث رجب 794 هـ ودفن بالقرافة الصغرى بمصر، والزركشي نسبة إلى الزركش وهي كلمة فارسية مركبة من زر أي الذهب وكش أي ذو. والمقصود بها نسج الحرير بالذهب ولقب به لأنه تعلم هذه الصناعة في بداية عمره واشتغل بها فترة.
ومقول القول جملة قوله (القلب) الآتى في الباب التالي، مبتدأ (والشذوذ) المتقدم عطف عليه (عن) بتشديد النون إلا أنها خففت هنا للوزن أي ظهر خبر المبتدإ، ووحد الضمير بتأويل المذكور (والاضطراب) الذي نحن في مبحثه وهو مبتدأ خبره محذوف أي كذلك، وقوله في (الصَّحِيح والحسن) متعلق بعن.
والمعنى أن القلب والشذوذ والاضطراب وجد في قسم الصَّحِيح والحسن فعلى هذا فقولهم إِن الاضطراب موجب لضعف الحديث إنما هو في الأغلب.
ثم ذكر مفهوم قوله ولا مرجح فقال:
238 -
وَلَيْسَ مِنْهُ حَيْثُ بَعْضُهَا رَجَحْ
…
بَلْ نُكْرُ ضِدٍّ أَوْ شُذُوذُهُ وَضَحْ
(وليس) الحديث الذي اختلفت وجوهه (منه) أي من المضطرب المحكوم عليه بالضعف (حيث بعضها) أي الوجوه وكذا الوجهان (رجح) أي زاد قوة على غيره إما بالأحفظية وإما بأكثرية الملازمة للمروي عنه أو غيرهما من وجوه الترجيجات.
فاسم ليس ضمير يعود إلى ما في قوله ما اختلفت، و " منه " خبرها، و " حيث " ظرف متعلق بليس لأنها بمعنى انتفى، والمعنى أن ما اختلفت وجوهه إذا ترجحت منه إحدى الروايتين، أو الروايات بمرجح من المرجحات لا يكون في قسم المضطرب المردود بل الحكم للراجح لأن المرجوح كالعدم كما أشار إليه بقوله (بل نكر ضد) أي منكرٌ ضِدُّهُ، والنكر بضم فسكون وزان قفل المنكر، وهو كلام إضافي خبر لمحذوف: أي هو
منكر الضد. وقوله: (أو شذوذه) أي الضد، مبتدأ خبره قوله (وضح) أي ظهر.
والمعنى: أن ذلك الراجح لا يكون مضطرباً بل الحكم له وأن ضده المرجوح إما منكر أو شاذ.
وكذا إذا أمكن الجمع بحيث يمكن أن يكون المتكلم معبراً باللفظين فأكثر عن معنى واحد أو يحمل كل منهما على حالة لا تنافي الأخرى فلا يكون مضطرباً.
مثال الأول: حديث الواهبة نفسها فإنه قد اختلفت الرواية في اللفظة الواقعة منه صلى الله عليه وسلم ففي رواية " زوجتكها " وفي أخرى " أنكحتكها " وفي أخرى " ملكتها " وفي أخرى " أملكتكها " وفي أخرى " مكناكها " وأكثرها في الصَّحِيحين، وتأويل هذه الألفاظ سهل فإنها راجعة إلى معنى واحد. ومثال الثاني كحديث الترمذي " إن في المال حقاً سوى الزكاة " مع حديث ابن ماجه " ليس في المال حق سوى الزكاة " فالحق المثبت في الأول هو المستحب والمنفي في الثاني هو الواجب على أنهما ضعيفان من قبل ضعف راويه شيخ شريك، وقد صنف الحافظ كتاباً سمَّاه " المقترب في بيان المضطرب " التقطه من العلل للدارقطني وزاد عليه غير أنه لم يطبع.
(تَتِمَّة): الزيادة قوله إلا إذا ما اختلفوا إِلى آخر البيتين.
ولما كان الاضطراب يقع في الإسناد والمتن ناسب ذكر القلب بعده لكونه كذلك ولذا قال: