المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌(المقلوب) وفي نسخة المحقق: القلب أي هذا مبحثه وهو النوع الرابع - شرح الأثيوبي على ألفية السيوطي في الحديث = إسعاف ذوي الوطر بشرح نظم الدرر في علم الأثر - جـ ١

[محمد بن علي بن آدم الأثيوبي]

الفصل: ‌ ‌(المقلوب) وفي نسخة المحقق: القلب أي هذا مبحثه وهو النوع الرابع

(المقلوب)

وفي نسخة المحقق: القلب أي هذا مبحثه وهو النوع الرابع والثلاثون من أنواع علوم الحديث.

وهو لغة اسم مفعول من قلب من باب ضرب، يقال قلب فلان الشيء إذا صرفه عن وجهه. وأما اصطلاحاً فقال بعض المحققين لايمكن تعريف أنواع المقلوب كلها في تعريف واحد لأنها أنواع مختلفة لا يمكن جمعها في حقيقة واحدة فإذا كان كذلك فاولى أن نقسم المقلوب إلى أنواعه المختلفة ثم نبين حقيقة كل نوع على حدة اهـ.

وسيذكر ذلك الناظم وعرفه السخاوي بأنه تغيير من يعرف بروايةٍ ما بغيره عمداً أو سهواً.

239 -

الْقَلْبُ فِي الْمَتْنِ وَفِي الإِسْنَادِ قَرْ

إِمَّا بِإِبْدَالِ الَّذِي بِهِ اشْتَهَرْ

240 -

بِوَاحِدٍ نَظِيرِهِ لِيُغْرِبَا

أَوْ جَعْلِ إِسْنَادِ حَدِيثٍ اجْتَبَى

241 -

لآخَرٍ وَعَكْسُهُ إِغْرَابًا اْوْ

مُمْتَحَِنًا، كَأَهْلِ بَغْدَادَ، حَكَوْا

(القلب) أي قلب الحديث بتقديم وتأخير مبتدأ خبره جملة قوله " قَرْ "(في المتن وفي الإسناد) أي متن الحديث أو إسناده متعلق بقوله (قَرْ) أي ثبت وخففت راؤه للوزن، والمعنى أن القلب ثبت في متن الحديث أو في إسناده.

والحاصل أنه ينقسم القلب إلى قسمين: قسم في المتن، وهو قليل بالنسبة إلى قلب الإسناد.

ص: 266

وحقيقته كما قال السخاوي: أن يعطى أحد الشيئين ما اشتهر للآخر.

ونحوه قول ابن الجزري: هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه. مثاله حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه ففيه " ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله " فإنه مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه كما في الصَّحِيحين قاله الحافظ وله أمثله كثيرة.

والقسم الثاني: في الإسناد وهو كثير وقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راو أو نسبه كأن يقول كعب بن مرة بدل مرة بن كعب، وقد ألف الخطيب في هذا كتاباً سماه رفع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب.

ومنه أن يكون الحديث مشهوراً براوٍ من الرواة فيقلبه الراوي بنظيره لغرض وإليه أشار بقوله (إما) بالكسر حرف تفصيل (بإبدال) الراوي (الذي اشتهر به) أي بالحديث متعلق باشتهر (بواحد) من الرواة متعلق بإبدال (نظيره) بالجر عطف بيان أو بدل. أي مماثل له في الطبقة كحديث مشهور عن سالم جُعِلً عن نافع، أو عن مالك جعل عن عبيد الله بن عمر (لِيُغْرِبَا) بالبناء للمفعول، والفاعل ضمير يعود إلى الراوي المبدل، والألف للإطلاق، من الإغراب يقال أغرب فلان إذا جاء بشيء غريب أي لأجل أن يأتي بحديث غريب لا يعرفه النَّاس إذ الغريب يرغب فيه النَّاس، وممن كان يفعل ذلك من الوضاعين حماد بن عمرو النصيبي، وأبو اسماعيل إبراهيم بن أبي حية اليَسَع، وبهلول بن عبيد الكندي، مثاله حديث رواه عَمْرُو بن خالد الحراني عن حماد النصيبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً " إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤهم بالسلام " الحديث فهذا حديث مقلوب قلبه حماد فجعله عن الأعمش فإنما هو معروف بسهيل بن أبي صالح عن أبيه هكذا أخرجه مسلم من رواية شعبة والثَّوري وجرير بن

ص: 267

عَبدالحميد، وعبد العزيز الدراوردي كلهم عن سهيل، قال أبو جعفر العقيلي: لا يحفظ هذا من حديث الأعمش إنما هو من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه، ولهذا كره أهل الحديث تتبع الغرائب فإنه قلما يصح منها. أفاده العراقي في شرح ألفيته.

ومن أقسام قلب الإسناد أن يؤخذ إسناد متن فيركب على متن آخر وبالعكس وإليه أشار بقوله (أو) بمعنى الواو أي إما (بجعل حديث اجتبى) بالبناء للفاعل أي اختاره لقلب إسناده، والجملة صفة لحديث وقوله (لآخَرٍ) متعلق بجعل وصرف للوزن أي لمتن آخر، ويحتمل أن يكون اجتبى مفعولاً ثانياً لجعل ولآخر متعلق به أي مجتبى لمتن آخر بأن يجعل سند هذا لمتن هذا (وعكسه) مبتدأ حذف خبره أي كذلك، أو خبر لمحذوف، أي مثله عكسه، ويجوز جره عطفاً على إسناد، ونصبه مفعولاً لمحذوف أي وفعل عكسه بأن يجعل إسناد هذا الآخر لذلك المتن. ثم أشار إلى الغرض الباعث عليه فقال:(إغراباً) مفعول لأجله أي فعل هذا لأجل الإغراب على النَّاس كما يقصد ذلك بالقسم الأول فيكون ذلك باعتبار القصد كالوضع، (أو مُمْتَحَِنًا) بصيغة اسم المفعول مصدر معطوف على إغراباً أي أو امتحانه أو بصيغة اسم الفاعل أي فعله حال كونه ممتحناً لحفظ المحدث، ومختبراً له هل اختلط أم لا؟ وهل يقبل التلقين أم لا؟ فإن فطن له عرف حفظه فأخذ عنه، وإن خفي عليه عرف ضعفه فلم يعتمد عليه، وهذا يفعله كثير من المحدثين وهو كما قال الحافظ: محرم إلا بشرط أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة.

ثم ذكر من أمثلة القلب للامتحان قصة امتحان أهل بغداد للإمام البخاري رحمه الله فقال: (كأهل بغداد) خبر لمحذوف أي مثال ذلك كامتحان أهل بغداد للإمام البخاري رحمه الله.

وبغداد اسم بلد يذكر ويؤنث والدال الأولى مهملة، وأما الثانية ففيها ثلاث لغات، حكاها ابن الأنباري، وغيره: دال مهملة، وهو الأكثر، والثانية

ص: 268

نون، والثالثة وهي الأقل ذال معجمة. بناها أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين لما تولى الخلافة سنة (136). اهـ المصباح باختصار،

وقوله (حكموا) جملة مستأنفة بين بها أن هذه القصة مشهورة تداول العلماء نقلها ودونوها في دواوينهم، أو حال من المضاف المقدر أي حال كونها محكية من الحفاظ.

وحاصل القصة ما رواه الخطيب، حدثني ابن أبي الحسن الساحلي أنا أحمد بن حسن الرازي سمعت أبا أحمد بن عدي يقول سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسنادٍ آخرَ، وإسنادَ هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوه إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقُون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فَهِم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب رجل آخر من العشرة وسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري: لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه، فلم يزل يلقى عليه واحداً بعد آخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على لا أعرفه فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث، والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد

ص: 269

إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها فأقرَّ النَّاس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.

ذكره العراقي في شرح ألفيته.

قال الحافظ نقلاً عن العراقي: ما العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب في الأحاديث لاتساع معرفته، وإنما العجب منه في كونه حفظ موالاة الأحاديث على الخطأ من مرة واحدة قاله في التوضيح.

وقال السخاوي: ولا يضر جهالة شيوخ ابن عدي في الإسناد فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم اهـ. ثم أشار إلى أن هذا النوع يسمى بالسرقة فقال:

242 -

وَهْوَ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالسَّرِقَهْ

...................

(وهو) أي القلب الواقع في السَّند (يسمى) بالبناء للمفعول (عندهم) أي المحدثين (بالسرقة) أي سرقة الحديث، يعني أن فاعل هذا يطلق عليه أنه يسرق الحديث، وربما قيل في الحديث نفسه مسروق.

قال السخاوي: وفي إطلاق السرقة علىِ ذلك نظر إلا أن يكون الراوي المبدل به عند بعض المحدثين منفرداً به فسرقهُ الفاعل منه، وللخوف من هذه الآفة كره أهل الحديث تتبع الغرائب اهـ.

مثاله ما تقدم من حديث أبي هريرة مرفوعاً " إذا لقيتم المشركين " الحديث.

ثم إن ما ذكر كله يكون عن قصد لغرض من الأغراض، وقد يقع عن غير قصد بل غلطاً وإليه أشار بقوله:

...............

وَقَدْ يَكُونُ الْقَلْبُ سَهْوًاً أَطْلَقَهْ

(وقد يكون القلب) المذكور بنوعيه أي متناً أو إسناداً (سهواً) أي غلطاً من الراوي الثقة لا قصداً كما يكون من الوضاعين، فالقلب اسم يكون

ص: 270

وسهواً خبرها أي ذا سهو، وقوله (أطلقه) جملة حالية من القلب أي حال كون الراوي مُطْلِقَهْ، ويحتمل كون يكون تامة والقلب فاعل وسهواً مفعول لأجله، أو حال.

وحاصل المعنى: أنه قد يقع القلب حال كون الراوي مطلقاً له أي ذاكره لأجل سهوه أي غلطه من غير قصد.

مثاله ما روى إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني " قال إسحاق بن عيسى فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث فقال: وَهِمَ أبو النضر يعني جرير بن حازم إنما كنا جميعاً في مجلس ثابت وحجاج (1) بن أبي عثمان معنا فحدثنا حجاج الصواف عن يَحْيَى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني " فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس فقد انقلب الإسناد على جرير، والحديث معروف من رواية يَحْيَى بن أبي كثير، رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف عن يَحْيَى.

(تنبيه): قال السخاوي رحمه الله: ومن هذا القسم ما يقع الغلط فيه بالتقديم في الأسماء والتأخير كمرة بن كعب، فيجعله كعب بن مرة، ومسلم بن الوليد، فيجعله الوليد بن مسلم، ونحو ذلك مما أوهمه كون اسم أحدهما اسم أبي الآخر، وقد صنف كل من الخطيب والحافظ في هذا القسم خاصة، فأما الخطيب ففيما كان من نمط المثال الأخير، يعني تقديم الأسماء وتأخيرها فقط، وسماه " رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب " وهو مجلد ضخم، وأما الحافظ فإنه أفرد من علل الدارقطني مع زيادة كثير ما كان من نمط المثالين الذين قبله وسماه " جلاء القلوب في

(1) هو حجاج الصواف المذكور.

ص: 271

معرفة المقلوب " وقال: إنه لم يجد من أفرده مع مسيس الحاجة إليه بحيث أدى الإخلال به إلى عد الحديث الواحد أحاديث إذا وقع القلب في الصحابي، ويوجد ذلك في كلام الترمذي فضلاً عمن دونه، حيث يقول وفي الباب عن فلان وفلان، ويكون الواقع أنه حديث واحد اختلف على راويه. اهـ كلام السخاوي بتغيير يسير.

(تَتِمَّة): الزيادة قوله: القلب في المتن، وقوله وهو يسمى عندهم بالسرقة.

ولما كان الإدراج يشبه القلب من حيث أنه يكون في المتن وفي الأسناد، ومن حيث أن بعضه يكون لغرض صحيح فيكون جائزاً، وبعضه لغير ذلك فيكون حراماً ناسب ذكره بعده فلذا قال:

ص: 272