المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب اسم الفاعل - شرح التسهيل لابن مالك - جـ ٣

[ابن مالك]

الفصل: ‌باب اسم الفاعل

‌باب اسم الفاعل

ص: وهو الصفة الدالة على فاعل جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه أو معنى الماضي. وتوازن في الثلاثي المجرد فاعلا، وفي غيره المضارع مكسور ما قبل الآخر مبدوءا بميم مضمومة، وربما كسرت في مفعِل أو ضمت عينه، وربما ضمت عين منفعِل مرفوعا. وربما استغنى عن فاعل بمُفعِل وعن مُفعَل بمفعول فيما له ثلاثي، وفيما لا ثلاثي له وعن مفعِل بفاعل ونحوه أو بمفعَل، وعن فاعل بمُفعِل أو مِفعَل. وربما خلف فاعل مفعولا ومفعول فاعلا.

ش: ذكر الصفة مخرج للأسماء الجامدة، ومتناول لاسمي الفاعل والمفعول، وأمثلة المبالغة والصفة المشبهة وغير المشبهة. وذكر الدلالة على الفاعل مخرج لاسم المفعول والمؤدّي معناه، وذكر الجارية على المضارع مخرج للجارية على الماضي كفرِح وحَسن ويقُظ، ولغير الجاريةِ كسهْل وكريم ومتناول لاسم الفاعل ولنحو ضامر الكشح ومنطلق اللسان من الصفات الموافقة اسم الفاعل لفظا لا معنى، ولنحو أهيف وأعمى من الصفات التي على أفعل وفعلهما على فَعِل، فالنوعان جاريان على المضارع من أفعالهما، أي موافقان له في عدة الحروف وتقابل الحركات والسكون، فخرج باب ضامر بقولي "لمعناه أو معنى الماضي" فإنّ ضامرا ونحوه لا يتعرض به لاستقبال ولا مضي، وإنما يراد به معنى ثابت، ولذلك أضيف إلى ما هو فاعل في المعنى كما تضاف الصفة التي لا تجاري المضارع فيقال ضامر الكشح، كما يقال لطيف الكشح، فخالف باب ضامر الفعل معنى وإن وافقه لفظا.

وخرج باب أهيف بذكر التذكير والتأنيث فإن مؤنثه على فَعْلاء فلا مجاراة فيه لا في حال التذكير بخلاف اسم الفاعل فإن تأنيثه لا يغير بنيته فيعرى من المجاراة، بل هو

ص: 70

مستصحبها في حالتي تذكيره وتأنيثه لأن تأنيثه بالتاء وهي في نية الانفصال. ولزم من تقييد اسم الفاعل بكونه صفة جارية خروج أمثلة المبالغة ولم يكن في ذلك ضير لأن اسم الفاعل غيرها، وجريانها في العمل مجراه سننبه عليه في موضعه إن شاء الله.

ولما كمل الكلام على حدّ اسم الفاعل نبهت على كيفية صوغه من الأفعال، وأعلمت أنه من الثلاثي المجرد على زنة فاعل كضارب وشارب، ومن غيره على زنة المضارع بكسر ما قبل آخره وزيادة ميم مضمومة موضع حرف المضارعة كمكرِم ومُعلِم ومتعلِّم ومستخرِج ومدحرِج ومطمئِن ومحرنجم.

وقالوا أنتن الشيء فهو مُنتن على القياس، وقالوا أيضا مِنتن بإتباع الميم العين.

وإليهما أشرت بقولي "وربما كسرت في مُفعل أو ضمت عينه" ومثل منتن قولهم في المُغيرة مِغيرة ثم قلت "وربما ضمت عين منفعل مرفوعا" فأشرت بذلك إلى قولهم هو منحدُر بضم الدال إتباعا للراء، حكاه أبو الفتح بن جني وغيره. ثم قلت "وربما استغني عن فاعل بمُفعِل وعن مُفعَل بمفعول فيما له فعل ثلاثي وفيما لا ثلاثي له" إلى حبّه فهو مُحِبّ ولم يقولوا حابّ. وأشرت بالثاني إلى قولهم أحزنه الأمر فهو محزون، فأغناهم عن محزن، وكذا أحبه فهو محبوب أغناهم عن مُحَب. وندر قول عنترة:

ولقد نزلتِ فلا تظني غيره

منّي بنمزلة المُحبِّ المكْرَمِ

وأشرت بما لا ثلاثي له إلى قول الشاعر:

معى رُدَيْنيُّ أقوام أرُدّ به

عن عِرْضهم وفَرِيصي غير مَرْعُود

ولم يقولوا رعد الفرائص، وإنما قالوا أرعدت. ثم قلت "وربما استغني عن مُفعِل بفاعل ونحول، أو بمُفْعَل" فأشرت إلى قولهم أيفع الغلام إذا شب فهو يافِع، وأورس الرِّمث، وهو شجر إذا اصفر فهو وارس. وأشرت بقولي "ونحوه" إلى قولهم أعقت الفرس فهي عقوق إذا حملت. وأحصرت الناقة إذا ضاق مجرى لبنها فهي حصور. وأشرت بقولي "أو بمفعَل" إلى قولهم أسهب الرجل في الكلام إذا أكثر فهو

ص: 71

مسهَب. وكذا إذا ذهب عقله من لدغ الحية، وألفج الرجل إذا ذهب ماله فهو ملفَج. وقيل أيضا يفع وورس وعقت وحصرت، وأسهب اللديغ، وألفج ذو المال على المبنى على أسهب وألفج. ولم يرد في أفعل إلا فعل الفاعل، هذا إذا كان بمعنى أكثر الكلام. فأما أسهب بمعنى فصح، وبمعنى بلغ الرجل في حفره، وبمعنى أكثر في العطاء، وبمعنى تغيّر وجهه، وبمعنى نزل السهب، أي المكان السهل، فاسم الفاعل منه بكسر الهاء على القياس، وكذا من أسهب الفرس إذا كان سابقا. وحكى ابن سيده أنه يقال عمّ الرجل بمعروفه ولمّ متاع القوم فهو مُعِم ومعَمّ، ومُلِمّ وملَمّ ولا نظير لهما، وإليهما أشرت بقولي "عن فاعل بمُفعِل أو مِفعَل" ثم قلت "وربما خلف فاعل مفعولا ومفعول فاعلا" فأشرت بالأول إلى كاس بمعنى مكسوّ، وبالثاني إلى قولهم قطّ السعرُ فهو مقطوط إذا غلا ولم يقولوا قاطّ ذكره ابن سيده، وهو نادر. ومما خلف فيه فاعل مفعولا قول الشاعر:

لقد عيّل الأيتامَ طعنةُ ناشره

أناشِر لا زالتْ يمينُك ماشره

أي مأشوة، والمأشورة المقطوعة بمئشار.

فصل: ص: يعمل اسم الفاعل غير المصغر والموصوف مفردا وغير مفرد عمل فعله مطلقا. وكذا إن حُوّل للمبالغة من فاعل إلى فعّال أو فَعول أو مِفعال، خلافا للكوفيين. وربما عمل محولا إلى فعيل أو فَعِل. وربما بني فعّال ومِفعال وفَعيل وفَعول من أفعل. ولا يعمل غير المعتمد على صاحب مذكور أو منويّ أو على نفي صريح أو مؤوّل أو استفهام موجود أو مقدر. ولا الماضي غير الموصول به "أل"

ص: 72

أو محكي به الحال خلافا للكسائي. بل يدل على فعل ناصب لما يقع بعده مفعولا به يتوهّم أنه معمول له، وليس نصب ما بعد المقرون بأل مخصوصا بالمضي خلافا للرماني ومن وافقه، ولا على التشبيه بالمفعول به خلافا للأخفش، ولا بفعل مضمر خلافا لقوم.

ش: قد تقدم أن اسم الفاعل هو الصفة الدالة على فاعل جارية في التذكير والتأنيث على المضارع، وسأبين ذلك ببيان تام. ثم أشير بعد ذلك إلى عمله. فليعلم أنه يعمل عمل فعله إن أريد به الحال والاستقبال واعتمد على صاحب مذكور نحو زيد مكرم رجلا طالبا العلم محققا معناه، أو على صاحب منوي كقول الشاعر:

وما كلُّ ذي لُبّ بمُؤتيك نُصْحَه

وما كلُّ مُؤتٍ نصْحَه بلبيب

وكقول الآخر:

وكم مالئٍ عينيه من شيء غيره

إذا راج نحو الجمرة البيضُ كالدُّمى

ويروى: ومن مالئ عينيه أو على نفي صريح كقول الشاعر:

ما راع الخَلّانُ ذمّةً ناكِث

بلْ مَن وفى يَجد الخليلَ خليلا

أو على نفي مؤوّل كقوله:

وإنَّ امْرأ لم يُعْن إلّا بصالِح

لغير مُهين نفسَه بالمطامع

أو على استفهام موجود كقول الشاعر:

أناوٍ رجالُك قتلَ امرئٍ

من العزّ في حُبّك اعتاضَ ذُلّا

ص: 73

أو على استفهام مقدّر كقوله:

ليت شعري مقيمٌ العُذْرَ قومي

أم هم لي في حبّها عاذِلونا

ولا يعمل اسم الفاعل إذا لم يقصد به معنى الفعل كصاحب في أكثر الاستعمال، لعدم الاعتماد على صاحب مذكور أو منويّ. ولا إذا صُغّر أو وُصف أو قُصد به المضيّ ولم توصل به الألف واللام، ولا حكيت به الحال، فلا يقال هذا ضُويرب زيدا، ولا هذا ضارب عنيف زيدا، ولا هذا ضارب أمس زيدا لا اليوم.

وإنما امتنع العمل بالتصغير والوصف لأنهما من خصائص الأسماء، فيزيلان شبه الفعل معنى ولفظا، ولم ير الكسائي ذلك مانعا، لأنه حكى عن بعض العرب أظنني مرتحلا وسويّرا فرسخا. وأجاز أن يقال أنا زيدا ضارب أيّ ضارب، ولا حجة فيما حكاه، لأن فرسخا ظرف، والظرف يعمل فيه رائحة الفعل. وأما إجازته أنا زيدا ضارب أيّ ضارب فلا حجة فيه، لأنه لم يقل أنا سمعته عن العرب، بل ذكره تمثيلا، ولو رواه عن العرب لم يكن فيه حجة، لأنه كان يحمل على أن زيدا منصوب بضارب وضارب خبر أنا وأي ضارب خبر ثان. وهذا توجيه سهل موافق للأصول المجمع عليها فلا يعدل عنه، وقد احتج الكسائي بقول الشاعر:

إذا فاقِدٌ خطباءُ فرخين رجَّعتْ

ذكرتُ سُلَيْمَى في الخليط المُزايل

ولا حجة في هذا لإمكان تخريجه على جعل فرخين منصوبا برجعت على إسقاط حرف الجر، وأصله رجعت على فرخين، فحذف على وتعدى الفعل بنفسه فنصب، ويجوز نصب فرخين بفقدت مقدرا مدلولا عليه باسم الفاعل الموصوف، فإن مالا يعمل يجوز أن يدل على ما يعمل. وقد احتج للكسائي أيضا بقول

ص: 74

الشاعر:

وقائلةٍ تخشى عليَّ أظُنُّه

سيُودي به تَرْحالُه ومذاهبُهْ

فإن تخشى صفة لقائلة وقد وقعت قبل المفعول الذي هو أظنه. والجواب أن يقال أظنه محكي بقالت أو تقول مقدرا فبطل الاحتجاج.

وأجاز الكسائي أيضا إعمال اسم الفاعل المقصود به المضيّ مع كونه عاريا من الألف واللام. ومذهبه في هذه المسألة ضعيف، لأن اسم الفاعل الذي يراد به المضي لا يشبه الفعل الماضي إلّا من قِبَل المعنى، فلا يُعطى ما أعطى المشابه لفظا ومعنى، أعني الذي يراد به معنى المضارع، كما لم يعط الاسم من منع الصرف بعلة واحدة ما أعطى ذو العلتين، وأيضا فإن الفعل المضارع محمول على اسم الفاعل في الإعراب، فحمل اسم الفاعل عليه في العمل. ولم يحمل الفعل الماضي على اسم الفاعل في إعراب فلم يحمل اسم الفاعل عليه في العمل. قال سيبويه:"وإذا أخبر أن الفعل قد وقع وانقطع فهو بغير التنوين البتة؛ لأنه إنما أجرى مجرى الفعل المضارع له كما أشبهه الفعل المضارع في الإعراب، فكل واحد منهما داخل على صاحبه" هذا نصه.

قلت: فالمسوى في العمل بين اسم الفاعل المقصود به معنى الماضي وبين اسم الفاعل المقصود به معنى المضارع، كالمسوّى بين الفعل الماضي والفعل المضارع في الإعراب، وهذا لا يصح، فلا يصح ما هو بمنزلته.

وإن وقع الذي بمعنى الماضي صلة للألف واللام استوى هو والذي بمعنى المضارع في استحقاقه العمل، لانه وقع موقعا يجب تأوله فيه بالفعل، كما يجب تأول الألف

ص: 75

واللام بالذي أو أحد فروعه، فقام تأوّله مقام ما فاته من الشبه اللفظي، كما قام لزوم التأنيث في المؤنث بالألف وعدم النظير في الجمع مقام سبب ثان في منع الصرف.

وإذا كان في وقوع الذي بمعنى المضي صلة تصحيح لعمله بعد أن لم يكن عاملا كان في وقوع الذي بمعنى المضارع صلة توكيدا لاستحقاق ما كان له من العمل.

والحاصل أن اسم الفاعل الموصول بالألف واللام يعمل في المضي والحضور والاستقبال. وقد ظن قوم منهم الرماني أنه لا يعمل إلا في المضي، وحملهم على ذلك أن سيبويه حين ذكر إعمال اسم الفاعل المقرون بالألف واللام لم يقدره إلا بالذي فعل فقال:"هذا باب من الاستفهام يكون فيه الاسم رفعا، ومما لا يكون فيه إلا الرفع أعبد الله أنت الضاربه، لأنك تريد معنى أنت الذي ضربه". وقال بعد هذا الباب بأبواب يسيرة: "هذا باب صار فيه الفاعل بمنزلة الذي فعل في المعنى" ثم قال بعد ذلك: "قولك هذا الضارب زيدا فصار بمعنى الذي ضرب زيدا وعمل فيه عمله" هذا نصه. ثم تمادى على مثل هذا في جميع الباب، ولم يتعرض للذي بمعنى المضارع، لأنه قد صح له العمل دون الألف واللام فعمله عند اقترانه بهما على معنى الذي أحق وأولى، للعلة السابق ذكرها.

ولو لم يكن إعمال الذي بمعنى المضارع مسموعا عند وصل الألف واللام به لوجب الحكم بجوازه للأولوية المشار إليها. فكيف وقد ثبت إعماله في القرآن وغيره: فمن إعماله في القرآن قوله تعالى: (والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله

ص: 76

كثيرا والذاكرات)، ومن إعماله في غير القرآن قول الشاعر:

فَبتُّ والهمُّ تغشاني طوارقُه

من خَوْف رِحلة بين الظاعنين غدا

ومثله قول عمرو بن كلثوم:

وقد علم القبائل غيرَ فَخْرٍ

إذا قُبَبٌ بأبْطَحها بُنينا

بأنّا العاصِمون بكُلّ كَحْل

وأنّا الباذِلون لمُجْتَدينا

وأنا المانعون لما يَلينا

إذا ما البيضُ زايلت الجفونا

وأنا المانعون إذا قَدَرْنا

وأنا المهلكون إذا لقينا

وأنا الشاربون الماء صَفْوًا

ويشربُ غيرُنا كدِرا وطينا

ومثله قول الآخر:

إذا كنت مَعْنِيّا بجُود وسُودَد

فلاتكُ إلّا المُجْمل القولَ والفعلا

ولا تلفَ إنْ أوذيتَ يوما مكافئا

فمَنْ كافَأ الباغين لم يكْمُل الفضلا

ومذهب الأخفش أن النصب بعد مصحوب أل على التشبيه بالمفعول به، وأصحابه يقولون إن قصد بأل العهد فالنصب على التشبيه بالمفعول به، وإن قصد معنى الذي فالنصب باسم الفاعل. وقال قوم النصب بفعل محذوف

ص: 77

بعد ما قرن بأل من اسم الفاعل أو مصدر. وكل ذلك تكلف لا حاجة إليه. وقد نبه على ذلك كله في متن الكتاب: وإذا أضيف اسم الفاعل الذي بمعنى المضي واقتضى بعد الإضافة من جهة المعنى مفعولا به جيء به منصوبا كقولك: هذا معطي زيد أمس درهما. ونصبه عند الجمهور بفعل مقدر مدلول عليه باسم الفاعل، لأن الدلالة يُكْتَفى فيها بالمعنى المجرد، فإذا اكتُفِي فيها بمعنى ولفظ متضمن حروف المدلول عليه أحق وأولى. وأجاز السيرافي نصبه باسم الفاعل وإن كان بمعنى الماضي، لأنه اكتسب بالإضافة إلى الأول شبها بمصحوب الألف واللام ولأن ارتباطه بما يقتضيه لا بد منه. والارتباط إما بالإضافة وإما بنصبه إياه. وتنزل هذا منزلة رفع أفعل التفضيل الظاهر في مسألة الكحل ونظائرها، وإن كان أصلها المنع.

وقوّى أبو علي الشلوبين مذهب السيرافي بقولهم: هو ظان زيد أمس فاضلا؛ فإن فاضلا تعيّن نصبه بظانّ، لأنه إن أضمر له ناصب لزم حذف أول مفعوليه وثاني مفعولي ظان، وذلك لا يجوز، لامتناع الاقتصار على أحد مفعولي ظن. والصحيح قول الجمهور، والتعليل بشبه المضاف بذي الألف واللام ضعيف، لأن عمل ذي الألف واللام إنما يصح لوقوعه صلة، ووجوب تأوله لذلك بفعل، والمضاف بضد ذلك. وأما الارتباط بزائد على المضاف إليه فيكفي فيه شعور الذهن به. وأما هو ظان زيد فاضلا فليس إلا حذف أول مفعولي ظن المدلول عليه بظان وذلك شبيه بحذف ثاني مفعولي ظن المحذوف في أزيدا ظننته فاضلا، وأما ظان فيست إضافته على نية العمل، فيطلب مفعولا ثانيا ولكن إضافته كإضافة اسم جامد، وكاستعماله غير مضاف نحو هذا ظان أمس زيدا فاضلا، على نصب زيد وفاضل بظن مدلولا عليه باسم الفاعل، فهذا وأمثاله لا خلاف في جوازه، وبه يتخلص من إعمال اسم الفاعل الماضي غير موصول به الألف واللام. ولا يمنع التثنية ولا الجمع مطلقا إعمال اسم الفاعل المستوفي شروط العمل، ولا فرق في ذلك بين جمع التكسير وجمعي التصحيح.

فإن قيل: هلا امتنع لجمع التكسير العمل كما امتنع بالتصغير لاستوائهما في تغير نظم الواحد. فالجواب أن التصغير لم يمنع العمل لتغيير نظم الواحد فحسب. بل لكونه

ص: 78

مغيرا نظم الواحد ومحدثا فيه معنى غير لائق بالفعل وهو معنى الموصوفية، فإن معنى قولك ضويرب: ضارب صغير. والجمع وإن غير نظم الواحد فليس محدثا في المجموع معنى لا يليق بالفعل، لأن الجمع بمعنى العطف، فإن معنى قولك ضُرّاب: ضارِب وضارِب وضارِب والعطف لائق بالفعل. فلذلك امتنع عمل اسم الفاعل بالتصغير دون التكسير. وأما التثنية وجمع التصحيح فحقيقان بأن يبقى العمل معهما، لأنهما يساويان جمع التكسير في تضمن معنى العطف ويفوقانه بأنهما لم يغيرا نظم الواحد.

ويساوي اسم الفاعل العامل بالشروط المذكورة في إفراد وغيره ما قُصد به المبالغة من موازن: فعّال وفَعول ومِفعال، كقول مَن سمعه سيبويه يقول: أمّا العسلَ فأنا شرّاب، وكقول الشاعر:

أخا الحَرْبِ لبّاسًا إليها جِلالَها

وليسَ بوَلّاج الخلائفِ أعْقلا

وكقول الآخر:

هَجُومِ عليها نَفْسَه غير أنّه

متى يُرْمَ في عينيه بالشَّبْح ينهضِ

وكقول الآخر:

عشيةَ سُعْدى لو تراءَتْ لراهِب

بدُومة تَجْدٌ دونَه وحَجيجُ

قلى دينَه واهتاجَ للشَّوق إنها

على الشَّوقِ إخوانَ العزاءِ هيوجُ

وكقول بعض العرب: إنه لَمِنْحار بوائكها وكقول الشاعر:

ص: 79

شُمٌّ مهاوينُ أبْدانِ الجزور مخا

مِيصُ العشيّاتِ لا خُورٌ ولا قُزُمُ

وكقول الآخر:

ثم زادوا أنّهم في قومهم

غُفرٌ ذَنبهم غيرُ فُخُرْ

فغفر جمع غَفور، ومهاوين جمع مهوان وكان أصله مُهين، فبنى على مفعال لقصد المبالغة، واستصحب العمل له مفردًا ومجموعا. وكذلك فَعُول إذا جمع على فُعُل كما قال غُفُر ذنبَهم. ولو كسّر فعّال لاستصحب أيضا عمله، إلا أن العرب استغنت بتصحيحه عن تكسيره لاستثقال فك التضعيف.

وألحق سيبويه بالثلاثة فَعيلا وفَعِلا مقصودا بهما المبالغة ثم قال: "وفَعِل أقلّ من فعيل بكثير" ثم قال: ومنه قول ساعدة بن جؤية:

حتى شآها كليلٌ مَوْهنًا عَمِلٌ

باتتْ طِرابًا وبات الليلَ لم يَنَم

قال أبو الحجاج يوسف بن سليمان الشنتمري: قال النحويون هذا غلط من سيبويه، وذلك أن الكليل هو البرق الضعيف وفعله لا يتعدى. والموهن الساعة من الليل فهو منتصب على الظرف. واعتذر لسيبويه بأن كليلا بمعنى مكلّ كأنه قال: هذا البرق مكلّ الوقتَ بدوامه عليه، كما يقال أتعبت يومك وغير ذلك من المجاز.

قلت: وهذا عندي تكلف لا حاجة إليه. وإنما ذكر سيبويه هذا البيت شاهدا على أن فاعلا قد يعدل به إلى فعيل وفعِل على سبيل المبالغة، كما يعدل به إلى فعول

ص: 80

وفعّال ومِفعال، فذكر هذا البيت لاشتماله على كليل للعدل به عن كالّ، وعلى عمِل المعدول به عن عامل، لم يتعرض لوقوع الإعمال. وإنما يحتج له في ثبوت إعمال فعيل بقول بعض العرب: إن الله سميع دعاء مَن دعاه. ورواه بعض الثقات. ومما يحتج له به قول الشاعر:

فتاتانِ أمّا منهما فَشبيهةٌ

هِلالًا والأخرى منهما تُشْبِهُ البَدْرا

فأعمل شبيهة أنثى شبيه مع كونه من أشبه كنذير من أنذر. وإذا ثبت إعمال فعيل من أفعل مع قلة نظائره كان إعمال فعيل من الثلاثي أولى لكثرته. وأنشد سيبويه مستشهدا على إعمال فعِل قول الشاعر:

حذِرٌ أمُورا لاتَضيرُ وآمِنٌ

ما ليس مُنْجِيَه من الأقْدار

وروي عن المازني أن اللاحقي قال سألني سيبويه عن شاهد في تعدّي فعِل فعملت له هذا البيت، وينسب مثل هذا القول إلى ابن المقفع، ولا اختلاف في تسمية هذا المدّعى بشعر بإنها موضوعة، ووقوع مثل هذا مستبعد، فإن سيبويه لم يكن يحتج بشاهد لا يثق بانتسابه إلى من يحتج بقوله، وإنما يحمل القدح في البيت المذكور على أنه من وضع الحاسدين وتقوّل المتقوّلين. وقد جاء إعمال فعِل فيما لا سبيل إلى القدح فيه وهو قول زيد الخيل:

أتاني أنّهم مَزِقون عِرْضى

جِحاشُ الكرْمَلين لهم فَدِيدُ

ص: 81

فأعمل مزقا وهو فَعِل عدل به للمبالغة عن مازق. ووافق الجرمي سيبويه في إعمال فعِل وقال إنه على وزن الفعل فجاز أن يجرى مجراه، ويحق لفعِل أن يكثر استعماله لأنه مقصور عن فاعل، ومنه قول الشاعر:

أصْبَحَ قلبي صردا

لا يَشْتَهي أن يردا

إلا عَرادًا عَردَا

وصلِيّانا بَرِدا

أراد عاردا وباردا، وكثر ذلك في المضاعف كقولهم بَرّ وشرّ بمعنى بارّ وشارّ.

والمشهور بناء هذه الأمثة من الثلاثي. وقد يبنى من أفعل فعّال كأدرك فهو درّاك، وأسأر فهو سارّ، وفعيل كأنذر فهو نذير، وآلم فهو أليم، وأسمع فهو سميع. ومنه قول الشاعر:

أمِنْ رَيْحانة الداعي السميعُ

يُؤرّقني وأصْحابي هجُوعُ

أراد الداعي المسمع. وقد يبنى أيضا من أفعال مفعال، كمعطاء ومهداء ومعوان ومهوان، وندر بناء فعول ذي المبالغة من أفعل في قول الشاعر يصف ناقة:

جَهولٌ وكان الجهلُ منها سَجِيّةً

ولكنّها للقائدين رَهُوقُ

أي كثيرة الإرهاق لمن يقودها.

ص: يضاف اسم الفاعل المجرد الصالح للعمل إلى المفعول به جوازا إن كان ظاهرا، ووجوبا إن كان ضميرا متصلا، خلافا للأخفش وهشام في كونه منصوب المحل. وشذ فصل المضاف إلى ظاهر بمفعول أو ظرف. ولا يضاف المقرون بالألف واللام إلا إذا كان مثنى أو مجموعا على حده، أو كان المفعول به معرفا بهما، أو مضافا إلى معرف بهما، أو إلى ضميره. ولا يغني كون المفعول

ص: 82

به معرفا بغير ذلك، خلافا للفراء، ولا كونه ضميرا خلافا للرماني والمبرد في أحد قوليه. ويجر المعطوف على مجرور ذي الألف واللام إن كان مثله أو مضافا إلى مثله أو إلى ضميره، لا إن كان غير ذلك، وفاقا لأبي العباس".

ش: اسم الفاعل المجرد هو العاري من الألف واللام. وذكره مخرج للمقرون بهما، وذكر الصالح للعمل مخرج المجرد الذي أريد به المضيّ، ومدخل المحول إلى أحد أبنية المبالغة، فإن اسم الفاعل واقع عليه بعد التحويل.

والحاصل أن اسم الفاعل المشار إليه إذا ذكر بعده مفعول به ظاهر متصل جاز نصبه بمقتضى المفعولية، وجره بمقتضى الإضافة. وإن كان المفعول به ضميرا متصلا وجب كونه مجرورا بالإضافة فمثال ذي الوجهين لكون المعمول ظاهرا متصلا قوله تعالى (واللهُ مخرجٌ ما كنتم تكتمون) وقوله تعالى (ربَّنا إنك جامعُ الناس ليومٍ لا ريبَ فيه). ومثال ذي الوجه الواحد لكون المعمول ضميرا متصلا قولك هذا مكرمك وهذان مكرماك وهؤلاء مكرموك. فالكاف في الأمثلة الثلاثة وشبهها في موضع جر على مذهب سيبويه وأكثر المحققين، وهو الصحيح لأن الظاهر هو الأصل والمضمرات نائبة عنه، فلا ينسب إلى شيء منها إعراب لا ينسب إليه إلا إذا كان المضمر بلفظ غير صالح بالإعراب الظاهر الذي وقع موقعه كالكاف والهاء من لولاك ولولاه، فإن الجر إليهما منسوب عند سيبويه مع أنه إعراب غير صالح للظاهر الذي وقعها موقعه، وحمله على ذلك أن لفظ الكاف والهاء غير صالح للرفع بل للنصب والجر، لكن النصب ممتنع لامتناع لازمه، وهو أن يقال لولاني، وإنما يقال لولاي دون لولاني، فتعين الحكم بالجر.

وزعم الأخفش وهشام الكوفي أن كاف مكرمك وشبهه في موضع نصب، لأن موجب النصب المفعولية وهي محققة، وموجب الجر الإضافة وهي غير محققة، إذ لا دليل عليها إلا حذف التنوين ونون التثنية والجمع ولحذفها سبب غير الإضافة وهو صون الضمير المتصل من وقوعه منفصلا، وهذه شبهة تحسب قوية وهي ضعيفة؛

ص: 83

لأن النصب الذي تقتضيه المفعولية لا يلزم كونه لفظيا، بل يكتفى فيه بالتقدير، ولذلك جاز أن تزاد بعض حروف الجر مع بعض المفعولات نحو (ردفَ لكم) وخشّنت بصدره، ولولا ذلك لامتنعت إضافة اسم الفاعل إلى المفعول به الظاهر، وأيضا فإن عمل الأسماء النصب أقلّ من عملها الجر، فينبغي عند احتمال النصب والجر في معمول اسم أن يحكم بالجر حملا على الأكثر. وأما جعل حذف التنوين والنون لصون الضمير المتصل من وقوعه منفصلا فمستغنى عنه لوجهين: أحدهما أن حذفه للإضافة محصّل لذلك فلا حاجة إلى سبب آخر. الثاني أن مقتضى الدليل بقاء الاتصال بعد التنوين ونوني التثنية والجمع، لأن نسبتها من الاسم كنسبة نون التوكيد من الفعل، واتصال الضمير لا يزال بنون التوكيد، فكذلك لا يزول بالتنوين ونوني التثنية والجمع ولو قصد النصب. وقد نبّهوا على جواز ذلك باستعماله في الشعر بقول الشاعر:

هم القائلونَ الخيرَ والآمِرونه

إذا ما خَشوا من مُحْدَث الأمرِ مُعْظما

ومثله قول الآخر:

ولم يرتفقْ والناسُ مُحتَضِرونَه

جميعًا وأيْدي المُعْتفين رَواهِقُهْ

ويتعين غالبا نصب معمول اسم الفاعل إذا انفصل ظاهرا كان كقوله تعالى: (إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً) أو مضمرا كالهاء التي بعد الكاف في قول الشاعر:

لا تَرْجُ أو تخشَ غير الله إنّ أذًى

واقِكَهُ اللهُ لا ينفكُّ مأمونا

ومن هذين المثالين وأشباههما احترزت بذكر "متصلا" بعد قولي "إن كان ضميرا" ثم قلت: "وشذّ فصل المضاف إلى ظاهر بمفعول أو ظرف" فنبهت

ص: 84

بذلك على قراءة بعض القراء (فلا تحسبنَّ الله مخلفَ وعده رُسُلِه) وعلى قول الشاعر:

وكرّارِ خلفِ المُجْحريْن جوادَه

إذا لم يُحام دون أنثى حليلُها

وعلى قول الراجز:

رُبَّ ابن عَمٍ لسُلَيْمى مَشمَعِلّ

طباخِ ساعات الكرى زاد الكسِلْ

ثم نبهت على أن المقرون بالألف واللام يجوز أن يضاف إذا كان مثنى أو مجموعا على حده إلى المفعول به مطلقا، وإن لم يكن مثنى ولا مجموعا على حده لم يضف إلّا إلى معرف بالألف واللام، أو إلى مضاف إلى المعرف بهما، أو إلى ضمير المعرف بهما؛ فالأول كقول الشاعر:

إنْ يغْنيا عنِّي المُسْتوطِنا عَدَنٍ

فإنّني لستُ يومًا عنهما بِغَنِي

والثاني كقوله:

ليس الأخلاءُ بالمُصْغِي مسامِعهم

إلى الوشاةِ ولو كانوا ذَوي رحمِ

والثالث كقول الآخر:

أبأنا بها قتلى وما في دمائها

وفاءٌ وهُنّ الشّافيات الحوائمِ

والرابع كقول الآخر:

ص: 85

لقد ظفِرَ الزوّارُ أقفيةِ العِدى

بما جاوز الآمالَ مِ القتلِ والأسْر

والخامس كقول الشاعر:

الودُّ أنتِ المُسْتَحقةُ صفْوِه

منّي وإنْ لم أرْجُ منكِ نَوالا

وأجرى الفراء العلم وغيره من المعارف مجرى ذي الألف واللام في الإضافة إليه، فيقال على مذهبه: هذا الضارب زيد والضارب عبده والمكرم ذينك والمعين اللذين نصراك، ولا مستند له في هذا من نثر ولا نظم وله من النظر حظ؛ وذلك بأن تقدر الإضافة قبل الألف واللام، وهي إضافة كلا إضافة، إذ هي لمجرد التخفيف، فلم يمنع لحاق الألف واللام عند قصد التعريف، فإن مانع اجتماعهما مع الإضافة إنما هو توقّي اجتماع معرّفَين وهو مأمون فيما نحن بصدده، فلم يضر جوازه، ولا يلزم من ذلك جواز الحسن وجهِه، لأن المضاف والمضاف إليه فيه وفيما أشبهه شيء واحد في المعنى، فحقه أن يمنع هو وغيره مما إضافته كإضافته، إلا أنّ المستعمل مقبول وإن خالف القياس. وما خالف القياس ولم يستعمل تعيّن اجتنابه كالحسن وجهِه.

وزعم الزمخشري أن كاف المكرمك وشبهه في موضع جر مع منعه جر الظاهر الواقع موقعه. وقد تقدم في قولي أن الظاهر أصل والمضمر نائب عنه، ولا ينسب إلى النائب مالا ينسب إلى المنوب عنه، فمذهب الزمخشري في هذا ضعيف، وقد سبقه إلى ذلك الرماني والمبرد، إلا أن المبرد رجع عن ذلك، كذا قال ابن السراج.

والحاص أنّ الضمير المتصل باسم الفاعل مقرون بالألف واللام غير مثنى ولا مجموع على حده منصوب على مذهب سيبويه والأخفش، مجرور على مذهب الفراء وعلى مذهب الرماني والزمخشري، إلا أن في مذهبهما مخالفة النائب للمنوب عنه، ومذهب الفراء سالم من ذلك. وهما يلتزمان الحكم بالجر والفراء يجيز النصب والجر، كما أجازهما في زيد ونحوه من: هو الضارب زيدا. وأما الضمير في نحو جاءك الزائراك والمكرموك فجائز فيه الوجهان بإجماع، لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه. ويجوز جر المعطوف في نحو جاء الضارب الغلام والجارية، والطالب العلم وأدب

ص: 86

الأبرار، لأنه صالح للوقوع في موضع المعطوف عليه. وكذلك نحو جاء المشتري الناقة وفصيلها جائز أيضا؛ لأنه بمنزلة جاء المشتري الناقة وفصيل الناقة؛ لأن الضمير عائد عليها. ومثله قول الشاعر:

الواهبُ المائة الهجان وعبدِها

عُوذا تُزجِّي أطفالُها

فجاز هذا، لأنه بمنزلة الواهب المائة وعبد المائة. فالمسائل الثلاثة جائزة بلا خلاف. فإن كان المعطوف كزيد مما لم يقرن بالألف واللام ولم يضف إلى مقرون بهما ولا إلى ضمير المقرون بهما فإن سيبويه يجيز جره أيضا، ومنع ذلك أبو العباس وهو المختار عند أبي بكر بن السراج، وهو عندي أصح القولين، لأن العاطف كالقائم مقام العامل في المعطوف عليه. واسم الفاعل المقرون بالألف واللام على مذهب سيبويه وغيره من البصريين لا يجر زيدا ونحوه، فلا يصح أن يعطف على المجرور به، ولا حجة في نحو رب رجل وأخيه و:

أيُّ فتى هيْجاء أنتَ وجارِها

لأنهما في تقدير رب رجل وأخ له، وأي فتى هيجاء أنت وجارٍ لها. ومثل هذا التقدير لا يتأتى فيما نحن بسبيله فلا يصح جوازه.

ص: "يعمل اسم المفعول عمل فعله مشروطا فيه ما شرط في اسم الفاعل، وبناؤه من الثلاثي على زنة مفعول ومن غيره على زنة اسم فاعله مفتوحا ما قبل آخره، ولم يستغن فيه بمفعول عن مفعَل. وقد ينوب عن مفعول فِعْل أو فَعْل أو فُعْلة أو فعيل، وهو مع كثرته مقصور على السماع. وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس [له] فعيل بمعنى فاعل. وقد يصاغ بقصد المفعولية من أفعل".

ص: 87

ش: الهاء من قولي عمل فعله عائدة على المفعول، فكأنه قيل يعمل اسم المفعول عمل فعل المفعول أي عمل الفعل الذي لم يسم فاعله، فيقال هذا مذهوب به، ومضروب عنده، ومعطى ابنه درهما، ومعلم أخوه زيدا صديقك، كما يقال ذُهب به، وضُرب عنده، وأعطى ابنه درهما، وأعلم أخوه زيدا صديقك.

ويشترط في إعمال ما شرط في إعمال اسم الفاعل من اعتماد على صاحب مذكور أو منوي أو على نفي صريح أو مؤول أو على استفهام موجود أو مقدر أو غير ذلك. ومن إعماله معتمدا على مقدر قول الشاعر:

فهنَّ مِن بين مَتْروك به رَمَقٌ

صرعى وآخر لم يُتْرَك به رَمَقُ

ومثله:

ونحن تَرَكْنا تغلبَ ابنةَ وائِل

كمَضْروبة رجلاه مُنْقَطِع الظّهر

وبناؤه من الثلاثي على زنة مفعول نحو علم فهو معلوم، ومن الرباعي والخماسي والسداسي على زنة اسم فاعله مفتوحا ما قبل آخر نحو مُدحرَج ومجتذَب ومستفهَم ما لم يستغن فيه بمفعول عن مُفعَل كمزكوم ومحموم ومحزون، ومنه محبوب في الأكثر. وقد نبهت على ذلك فيما مضى. ومثال فِعْل النائب عن مفعول ذِبْح وطِرْح وطِحْن بمعنى مذبوح ومطروح ومطحون. ومثال فَعْل لَفْظ ولَقْط ونَفْض وقَبْض، بمعنى ملفوظ وملقوط ومنفوض ومقبوض. ومثال فُعْلة أُكلَة ولُقْمة ومُضغة وغُرْفة وحُرْقة.

ومثال فعيل خبيء وجريح وكليم وصريع وأخيذ، وقتيل وأسير ودهين وخضيب ولديغ وغسيل ودقيق وفعيل هذا مع كثرته مقصور على السماع، وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس له فعيل بمعنى فاعل كقتيل، لا فيما له فعيل بمعنى فاعل. وقد يصاغ فعيل بقصد المفعولية من أفعل، فمن ذلك قولهم أعقدت العسل فهو عقيد. وأعلّ الله فلانا فهو عليل.

ص: 88