الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب المنصوب على الاختصاص:
والاختصاص في الأصل اختصصته بكذا، أي خصصته1 به، وفي الاصطلاح: تخصيص حكم علق بضمير بما2 تأخر عنه من اسم ظاهر معرف.
والباعث عليه فخر أو تواضع أو زيادة بيان، فالأول نحو: علي؛ أيها الجواد؛ يعتمد الفقير. والثاني نحو: إني؛ أيها العبد؛ فقير إلى عفو الله. والثالث نحو: نحن؛ العرب؛ أقرى الناس للضيف3.
وهو خبر استعمل بصورة النداء توسعا، كما استعمل الخبر بصيغة الأمر، نحو: أحسن بزيد: والأمر بصيغة الخبر نحو: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} [البقرة: 233] . "و" المنصوب على الاختصاص "هو اسم" ظاهر غير نكرة ولا مبهم، "معمول لـ: أخص" مضارع "خص" "واجب الحذف"، كما يجب حذف ناصب المنادى.
"فإن كان" المنصوب على الاختصاص "أيها" في التذكير، إفرادًا وتثنية وجمعًا، "أو: أيتها" في التأنيث إفرادًا وتثنية وجمعًا، "استعملا" في الاختصاص "كما يستعملان في النداء، فيضمان" لفظًا وينصبان محلا، ويتصل بهما "ها" التنبيه وجوبًا، "ويوصفان لزومًا باسم لازم الرفع" مراعاة للفظيهما، "محلى بـ: أل" الجنسية. "نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل" فأنا أفعل" مبتدأ وخبر: وأيها: في موضع نصب على الاختصاص بفعل محذوف وتقديره "أخص" و"الرجل": نعت "أي" على اللفظ.
1 سقطت من "ب".
2 في "أ"، "ط":"ما".
3 من شواهد الكتاب 2/ 234، وشرح ابن الناظم ص431، وشرح ابن عقيل 2/ 298.
"واللهم اغفر لنا أيتها العصابة"1 بكسر العين، فأيتها؛ بالضم في موضع نصب على الاختصاص بفعل محذوف تقديره "أخص" والعصابة: نعت "أيتها" على اللفظ، وجملة الاختصاص في المثالين في موضع نصب على الحال. والمعنى: أنا أفعل كذا مخصوصًا من بين الرجال، واللهم اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب.
وما ذكره من أن أيها وأيتها مبنيان على الضم في موضع نصب بفعل الاختصاص محذوفًا هو مذهب الجمهور، وذهب الأخفش إلى أن كلا منهما منادى، قال2: ولا ينكر أن ينادي الإنسان نفسه. ألا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه: "كل الناس أفقه منك يا عمر".
وذهب السيرافي3 إلى أن "أيا" في الاختصاص معربة، وزعم أنها تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، [والتقدير: أنا أفعل كذا هو أيها الرجل، أي المخصوص به. والثاني أن يكون مبتدأ والخبر محذوف] 4 والتقدير: أيها الرجل المخصوص أنا المذكور.
"وإن كان" المنصوب على الاختصاص "غيرهما" أي غير أيها وأيتها "نصب" لفظًا، سواء كان [لفظه] 5 مفردًا أم مضافًا، فالأول "نحو: نحن"؛ العرب، أقرى الناس للضيف. والثاني [نحو] 5 قوله صلى الله عليه وسلم: "إنا " معاشر الأنبياء لا نورث " " 6، فالعرب ومعاشر: منصوبان على الاختصاص بفعل محذوف وجوبًا تقديره: أخص العرب وأخص معاشر الأنبياء. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
620-
الاختصاص كنداء........
…
............................
البيتين7.
1 شرح ابن الناظم ص430، والكتاب 2/ 232.
2 انظر قوله في همع الهوامع 1/ 171.
3 انظر ما ذهب إليه السيرافي في الارتشاف 3/ 166، وهمع الهوامع 1/ 17.
4 سقط ما بين المعكوفين من "ب".
5 إضافة من "ب"، "ط".
6 أخرجه البخاري في صحيحه برواية: "لا نورث، ما تركنا صدقة" برقم 2926، 2927، وأخرجه مسلم برقم 1759، وفي حاشية يس 1/ 191:"ذكر أبو الحسين البزار الواعظ في كتاب النصيحة بالثقة أنه روى: نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث".
7 البيتان هما:
ألاختصاص كنداء دون يا
…
كأيها الفتى بإثر ارجونيا
وقد يرى ذا دون تلو أل
…
كمثل نحن العرب أسخى من بذل
والمنصوب على الاختصاص يشارك المنادى في ثلاثة أحكام:
أحدها: إفادة الاختصاص بالمتكلم، كما أن المنادى يفيد الاختصاص بالمخاطب.
والثاني: أن كل واحد منهما لا يكون إلا للحاضر.
والثالث1: أن الاختصاص واقع في معرض التوكيد، والنداء قد2 يكون كذلك، كقولك لمن هو مصغ إليك: كان الأمر كذا يا فلان.
"ويفارق المنادى في أحكام" لفظية ومعنوية: فأما الأحكام اللفظية فأمور:
"أحدها: أنه ليس معه حرف نداء لا لفظًا ولا تقديرًا"، بخلاف المنادى فإنه لا يخلو عن ذلك.
"الثاني: أنه لا يقع في أول الكلام بل في أثنائه" أي وسطه، "كالواقع بعد: نحن" في المثال، وبعد "أنا" "في الحديث المتقدم"، وهذا الحديث بلفظ "نحن". قال الحافظ3: غير موجود، وإنما الموجود في سنن النسائي الكبرى: إنا معاشر الأنبياء4. كما شرحنا. "أو بعد تمامه" أي الكلام "كالواقع بعد "أنا" و"لنا"5 في المثالين قبله" وهما "أنا أفعل كذا أيها الرجل" و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" فالمخصوص وهو "أيها" في المثال الأول "أيتها" في المثال الثاني وقعا بعد تمام الكلام، لأن كلا من قولك "أنا أفعل كذا" و"اللهم اغفر لنا" كلام تام6 بخلاف المنادى، فإنه يقع في أول الكلام، نحو: يا الله اغفر لنا.
"والثالث: أنه يشترط أن يكون المقدم7 عليه اسما بمعناه" في التكلم والخطاب، "والغالب كونه" أي:[كون] 8 المقدم على المخصوص "ضمير تكلم" يخصه أو يشارك فيه، فالأول نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل، والثاني نحو: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة.
1 في "ب": "والثايلث".
2 في "ب": "فلا".
3 في "أ": "الحافظ".
4 السنن الكبرى للنسائي 4/ 64.
5 في "ب"، "ط":"نا".
6 سقطت من "ب".
7 في "ب": "المتقدم".
8 إضافة من "ط".
"وقد يكون" المقدم "ضمير خطاب كقول بعضهم: بك؛ الله؛ نرجو الفضل"، فـ"بك" متعلق بـ"نرجو"، والله: منصوب على الاختصاص، والفضل: مفعول "نرجو". وفي هذا المثال شذوذان: كونه بعد ضمير خطاب، وكونه علمًا. قاله في الشذور1.
ولا يكون المتقدم ضمير غائب ولا اسما ظاهرًا، فلا يجوز: بهم معشر العرب؛ ختمت المكارم، ولا: بزيد؛ العالم؛ يقتدي الناس2.
"والرابع والخامس: أنه يقل كونه علمًا، وأنه ينتصب مع كونه مفردا" معرفة3، "كما في هذا المثال" وهو: بك؛ الله؛ نرجو الفضل، ومثله: سبحانك الله العظيم، والمنادى يكثر كونه علما، ويضم مع كونه مفردًا.
والسادس: أن يكون بـ"أل" قياسًا كقولهم: نحن؛ العرب؛ أقرى الناس للضيف، والمنادى لا يكون كذلك.
والسابع والثامن والتاسع والعاشر: أن لا يكون نكرة ولا اسم إشارة ولا موصولا ولا ضميرًا. قاله في الارتشاف4. والمنادى يكون كذلك.
الحادي عشر: أن "أيا" هنا لا توصف باسم الإشارة، وتوصف به في النداء.
الثاني عشر: أن صفة "أي" هنا واجبة الرفع5 بلا خلاف، كما قاله في الارتشاف6، وفي الثاني طرقها7 خلاف، أجاز المازني نصبها.
الثالث عشر: أن أيا هنا اختلف في ضمتها: هل هي إعراب أو بناء، وفي النداء بناء بلا خلاف.
[الرابع عشر: العامل المحذوف هنا لم يعوض عنه شيء وعوض عنه في النداء حرف.
الخامس عشر: أن العامل المحذوف] 8 هنا فعل الاختصاص، وفي النداء فعل الدعاء9.
1 شرح شذور الذهب ص222.
2 الكتاب 2/ 236.
3 سقطت من "ب".
4 الارتشاف 3/ 167.
5 سقطت من "ب" كلمة: "الرفع".
6 الارتشاف 3/ 166.
7 بعده في "ب": "الرفع"، وهي الكلمة نفسها التي سقطت في الحاشية السابقة.
8 سقط ما بين المعكوفين من "ب".
9 في "ب": "الدعا".
والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر: أنه لا يكون تاليًا لحرف النداء، وأنه لا يعنى به إلا نفس المتكلم، وأنه لا يجوز فيه الترخيم.
والتاسع عشر والعشرون: أنه لا يستغاث به، وأنه لا يندب.
وأما الأحكام المعنوية فأمور:
أحدها: أن الكلام مع الاختصاص خبر، ومع النداء إنشاء.
والثاني: أن الغرض من ذكره تخصيص مدلوه من بين أمثاله بما نسب إليه.
والثالث: أنه مفيد لفخر أو تواضع أو زيادة بيان، بخلاف النداء فيهما.