الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
.................................................
متوجه إلى اليمامة، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا، فاعبروها لي، إني رأيت أن رأسي قد حلق، وأنه خرج من فمي طائر، ولقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأن ابني يطلبني طلبًا حثيثًا، ثم رأيته حُبِسَ عني، قالوا: خيرًا، قال: أما أنا والله فقد أوّلتها، قالوا: بماذا؟ قال: أمَّا حلق رأسي فوضعه، وأمَّا الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأمَّا المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها، وأمَّا طلب ابني إياي ثم حبسه عني، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني، فقُتِلَ شهيدًا باليمامة، وجُرح ابنه جراحة شديدة، ثم استفل منها، ثم استشهد عام اليرموك زمن عمر. انتهى.
وبقتل الطفيل يوم اليمامة جزم ابن سعد أيضًا، ومن قبله ابن الكلبي، وقيل: باليرموك، قاله ابن حبان، وقيل: بأجنادين، قاله موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود عن عروة، ويأتي في ترجمة عمرو بن الطفيل، أنه الذي استشهد باليرموك، قاله في الإصابة.
وعند ابن سعد: إن عمرو بن الطفيل قُطِعَت يده أيضًا، زيادةً على الجراحة الشديدة يوم اليمامة، ثم صحّ، فبينا هو مع عمر إذ أُتِيَ بطعام، فتنحَّى، فقال مالك: لعله لمكان يدك، قال: أجل، قال: والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، ففعل.
قال ابن أبي حاتم: لا أعلم، روى عن الطفيل شيء، وتعقبه الحافظ بأن البغوي أخرج من حديث عبد ربه، عن الطفيل بن عمرو الدوسي، قال: أقرأني أُبَيّ بن كعب القرآن، فأهدَيْتُ له فرسًا.. الحديث، وقال غريب: وعبد ربه لم يسمع من الطفيل، والله أعلم.
الوفد الرابع عشر: وقد نصارى نجران
…
الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران
وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، فلمَّا دخلوا المسجد النبوي بعد العصر حانتز
"الوفد الرابع عشر":
"وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران" بفتح النون وسكون الجيم- بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاث وسبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع، كما في الفتح، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهو أوّل من نزلها، والأخدود المذكور في القرآن في قرية من قراها، وهي اليوم خراب، ليس فيها إلّا المسجد الذي أمر عمر بن الخطاب ببنائه، وكانت نصارى نجران غزاهم ذو نواس اليهودي من حمير، فأحرق في الأخدود من لم يرتد، ثم الإضافة في وفد نصارى لامية حقيقة، أي: طائفة هي مقدمة نصارى، أو بيانية، والمعنى: إن الوفد هم نصارى نجران، والتقييد بالنصارى يحتمل التخصيص، كأنّ
صلاتهم، فقاموا يصلون فيه، فأراد الناس منعهم، فقال عليه الصلاة والسلام:"دعوهم"، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وكانوا ستين راكبًا، منهم أربعة وعشرون رجلًا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم؛ العاقب أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، واسمه: عبد المسيح. والسيد: صاحب رحلهم ومجتعهم، واسمه: الأيهم -بتحتية ساكنة، ويقال: شرحبيل، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل،
يكون بها مشركون ويهود، وإنه لبيان الواقع، "فلما دخلوا المسجد النبوي بعد العصر حانت صلاتهم" دخل وقتها، "فقاموا يصلون فيه"، لا يقال الصلاة حيثما كان الشخص من خصائص هذه الأمة لحديث الصحيحين:"أعطيت خمسًا لم يعطهنّ أحد قبلي"، وفيهن:"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
قال الخطابي: وأما من قبله، فإنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة، كالبيع والصوامع؛ لأنا نقول إنما ذلك في الحضر، فأمَّا السفر، فتباح لهم الصلاة في غيرها، وقد كان عيسى يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، "فأراد الناس منعهم" لما فيه من إظهار دينهم الباطل بحضرة المصطفى، وفي مسجده، "فقال عليه الصلاة والسلام:"دعوهم" ، اتركوهم تأليفًا لهم ورجاء إسلامهم، ولدخولهم بأمان، فأقرَّهم على كفرهم، ومنع مَنْ تعرَّض لهم، فليس فيه إقرار على الباطل، "فاستقبلوا المشرق، فصلوا صلاتهم،" ومستقبل المشرق بالمدينة ليس مستقبلًا للكعبة، ولا مستدبرها، كما حملوا عليه حديث الصحيحين:"إذا أتى أحدكم بغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا" ، بخلاف نحو مصر، فمن شَرَّق استقبلها، "وكانوا ستين راكبًا، منهم أربعة وعشرون رجلًا من إشرافهم" كما عند ابن إسحاق، وسرد أسماءهم، وفي رواية ابن سعد: أربعة عشر، ولا منافاة لاحتمال أن الأربعة عشر أعظم الأشراف، "والأربعة والعشرون، منهم ثلاثة نفر" إضافة بيانية؛ إذ النفر من الثلاثة "إليهم يئول أمرهم، العاقب أمير القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم" يشبه عطف السبب على المسبب، "واسمه: عبد المسيح" والعاقب لقبه، "والسيد صاحب رحلهم" أي: ارتحالهم، أي: صاحب معرفة أماكنهم في الرحيل؛ لخبرته بالطرق، "ومجتمعهم" بالجر أو الرفع، عطف على صاحب، أي: مكان اجتماعهم عند آرائهم، فلا ينافي أن العاقب صاحب رأيهم، "واسمه: الأيهم -بتحتية ساكنة" ثم هاء، بزنة جعفر، "ويقال: شرحبيل" اسمه بدل الأيهم، "وأبو حارثة بن علقمة" في الفتح، وأبو الحارث علقمة، بإسقاط ابن "أخو بكر بن وائل"، المراد أنه من قبيلة بكر، المذكور لا أخوه حقيقة، وهذا كثير في كلامهم كقوله:
قد شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرَّفوه ومَوَّلُوه، وكان يعرف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وشأنه وصفته، مما علمه من الكتب المتقدمة، ولكن حمله جَهْلُه على الاستمرار في النصرانية، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عن أهلها.
فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، فقال:"إن أنكرتم ما أقول فهلمَّ أباهِلكم".
أيا أخوينا عبد شمس ونوفلًا
…
أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
"قد شرف فيهم، ودرس كتبهم" عطف علة على معلول، "وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرَّفوه وموَّلوه" أي: جعلوا له مالًا يتخذ قنية؛ لحبهم من تدين من العرب بدينهم، "وكان يعرف أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشأنه وصفته، مما علمه من الكتب المتقدمة، لكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عن أهلها" وسماه: جاهلًا وإن كان عالمًا، تنزيلًا له منزلة الجاهل؛ لأنه لم يعمل بعلمه، فهو والجاهل سواء، أو لأنّ عناده حمله على تأويلات باطلة لشبه واهية، فهي فاسدة، فصاحبها جاهل، والأحسن أن المراد بالجهل: السفه والخطأ، فإنه يطلق عليهما لغة، "فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فامتنعوا،" فلم يؤمنوا، "فقال:"إن أنكرتم ما أقول" بأن اعتقدتم بطلانه، فلا ينافي قوله: فامتنعوا، أو المعنى: إن دمتم على إنكاركم وعنادكم ظلمًا وعدوانًا، "فهلُمَّ أُبَاهِلُكم"، أي: ألاعنكم؛ بحيث يلعن كلٌّ منَّا الكاذب، كما قال تعالى:{ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] .
قال البيضاوي: البهلة -بالضم والفتح- اللعنة، وأصله: الترك، من قولهم: بهلت الناقة، إذا تركتها بلا صرار، وهو بصادٍ وراءين مهملات بينهما ألف.
قال الجوهري: صررت الناقة: شددت عليها الصرار، وهو خيط يشد فوق الخلف، لئلّا يرضعها ولدها.
روى البيهقي في الدلائل: إنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان: "بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي.." الحديث. وفيه: فأتوه، فسألهم، وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى؟ قال: " ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم"، فأصبح الغد، وقد أنزل الله:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 59] الآية، إلى قوله:{فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] .
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: إن رهطًا من نجران قدموا على النبي، فيهم
وفي البخاري من حديث حذيفة؛ جاء السيد والعاقب صاحبَا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريدان أن يلاعناه -يعني: يباهلاه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل.
وعند أبي نعيم: إن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل الذي قال ذلك هو العاقب؛ لأنه كان صاحب رأيهم، وفي زيادات يونس بن بكير في المغازي: إن الذي قال ذلك هو شرحبيل.
فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنَّا -يعني: باهلناه- لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، زاد في رواية ابن مسعود عند الحاكم: أبدًا، ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا،
السيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ قال: "من هو"؟ قالوا: عيسى، تزعم أنه عبد الله، فقال:"أجل"، قالوا: فهل رأيت مثل عيسى، أو أنبئت به، ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل، فقال له: قل لهم إذا أتوك {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] الآية، إلى قوله:{مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60] الآية.
"وفي البخاري من حديث حذيفة" بن اليمان: "جاء السيد والعاقب صاحبا نجران" كأنَّ السيد كان له تصرف في نجران، وإن لم يكن بالإمارة، فأطلق عليهما صاحبيهما، لاشتراكهما في مطلق التصرف، فلا ينافي ما مَرَّ أن الأمير هو العاقب، وأمَّا أبو حارثة فكأنه كان عندهم يرجع إليه في استعلام الأحكام، لا في التصرف، فلم يذكره "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريدان أن يلاعناه، يعني: يباهلاه" تفسير من المصنف لقوله: يلاعناه لا من الحديث.
قال في الفتح: وذكر ابن إسحاق بإسناد مرسل: إن ثمانين آية من أوّل سورة آل عمران نزلت في ذلك، يشير إلى قله تعالى:{فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} الآية، "فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، وعند أبي نعيم" في كتاب الصحابة:"إن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل الذي قال ذلك هو العاقب؛ لأنه كان صاحب رأيهم، وفي زيادات يونس بن بكير" الشيباني على سيرة شيخه ابن إسحاق "في المغازي: أن الذي قال ذلك شرحبيل" وهو موافق لما عند أبي نعيم، بناءً على أن السيد اسمه شرحبيل، كما مَرَّ، وفصل المصنف بين أجزاء الحديث بهذه الجملة من فتح الباري، لبيان المبهم في قوله: أحدهما، ثم عاد لتتميم حديث البخاري، "فوالله لئن كان نبيًّا" فهو مقول الأحد، "فلاعنّا" في رواية الكشميهني: فلاعننا، فإظهار النون، كما في الفتح، وليس في البخاري، فلاعنَّاه بضمير، "يعني: باهلناه" فسره بالأخفى دفعًا لتوهّم أنها غير المباهلة، "لا نفلح نحن، ولا عقبنا من بعدنا".
وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث إلا أمينًا، فقال:"لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمين". فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، فلمَّا قام قال صلى الله عليه وسلم:"هذا أمين هذه الأمة".
"زاد في رواية ابن مسعود عند الحاكم" لفظة "أبدًا، ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا"، في رواية ابن مسعود، فأتيا فقالا: لا نلاعنك، ولكنَّا نعطيك ما سألت، أي: في كتابك من الجزية، إن لم يسلموا.
ففي رواية البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم كتب إليهم، يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم، فقد آذنتكم بحرب.
وفي رواية ابن أبي شيبة، وأبي نعيم، وغيرهما؛ أنه صلى الله عليه وسلم قال:"لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران"، لو تمموا على الملاعنة، ولما غدا إليهم أخذ بيد حسن، وحسين، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول:"إذا أنا دعوت فأمِّنوا"، فقال أسقفهم: إني لأرى وجوهًا، لو سألوا الله أن يزيل جبلًا من جباله لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، والله لقد عرفتم نبوَّته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم، أي: عيسى، فوالله ما باهل قوم نبيًّا إلّا هلكوا، فإن أبيتم إلا دينكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا، فقالوا: يا أبا القاسم، لا نلاعنك، فقال:"فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم"، فأبوا، قال:"فإني أنذركم"، قالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنَّا نصالحك، فصالحهم، وقال:"والذي نفسي بيده، إن العذاب تدلَّى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضَّطرم عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر"، "وابعث معنا رجلًا أمينًا" يأخذ ما تجعله علينا، "ولا تبعث معنا إلا أمينًا" ذكره بعد سابقه؛ لأنه لا حصر فيه، فيصدق بما لو بعث مع الأمين غيره، "فقال:"لأبعثنَّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين"، أي: بالغًا في الأمانة، ففيه توكيد، والإضافة فيه نحو قولهم: إن زيد العالم، حق عالم، وجد عالم، أي: عالم حقًّا وجدًّا، يعني: عالم يبالغ في العلم جدًّا، ولا يترك في الجد المستطاع منه شيئًا، "فاستشرف لها" أي: تطلَّع "أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" ورغبوا فيها، حرصًا على نيل صفة الأمانة البالغة، لا على الولاية من حيث هي.
وفي رواية أبي يعلى عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: ما أحببت الإمارة إلا مرة واحدة، فذكر هذه القصة، وقال في آخرها: فتعرضت أن تصيبني، "فقال:"قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، فلمَّا قام، قال صلى الله عليه وسلم:"هذا أمين هذه الأمة"، والأمين هو الثقة الرضي، وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره، لكن السياق يشعر بأنه له مزيدًا في ذلك، لكن خص النبي صلى الله عليه وسلم كل أحد من الكبار بفضيلة، وصفه بها، فأشعر بقدر زائد فيها على غيره، كالحياء لعثمان، والقضاء
وفي رواية يونس بن بكير: إنه صالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وساق الكتاب الذي بينهم مطولًا.
وذكر ابن سعد: إن السيد والعاقب رجعَا بعد ذلك وأسلما.
وفي ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصَرَّ بعد ظهور الحجة، ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفًا وخلفًا، ومما عرف بالتجربة أنَّ من باهل وكان مبطلًا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة.
لعلي، ونحو ذلك، قاله الحافظ.
"وفي رواية يونس بن بكير: إنه صالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية" من "وساق الكتاب الذي بينهم مطولًا،" وقد ذكره الشامي، وغيره.
"وذكر ابن سعد: إن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك" إلى المدينة، "وأسلما" كما هو بقية كلام ابن سعد، كما في الفتح، وذكرهما معًا في الإصابة، فقال عن ابن سعد وابن المدائني: إنهم رجعوا إلى بلادهم، فلم يلبث السيد والعاقب إلّا يسيرًا، حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري، "وفي ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصَرَّ بعد ظهور الحجة" على المخالفة، "ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفًا وخلفًا".
زاد في الفتح: وقد دعا ابن عباس إلى ذلك، ثم الأوزاعي، "ومما عرف بالتجربة أن من باهل، وكان مبطلًا، لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة".
قال الحافظ: وقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة، فلم يقم بعدها غير شهرين.
قال: وفي القصة أيضًا -يعني: من الفوائد: أنَّ إقرار الكافر بالنبوَّة لا يدخله الإسلام حتى يلتزم أحكامه، وجواز مجادلة أهل الكتاب، ومصالحتهم على ما يراه الإمام من أصناف المال، ويجري ذلك مجرى ضرب الجزية، فإن كلًّا مال يؤخذ على وجه الصغار في كل عام، وفيها بعث الإمام الرجل، العالم، الأمين إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام، ومنقبة ظاهرة لأبي عبيدة.
وذكر ابن إسحاق: أنه صلى الله عليه وسلم بعث عليًّا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، وهذه غير قصة أبي عبيدة؛ لأنه توجه معهم، فقبض مال الصلح ورجع، وعلي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فقبض ما استحق عليهم من الجزية، ويأخذ ممن أسلم ما وجب عليه من الصدقة، والله أعلم، انتهى.