الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأمر أُبَيّ بن كعب يعلمهم قرآنًا، وأجازهم عليه الصلاة والسلام، وانصرفوا.
منهم عيبة غيري، فقال صلى الله عليه وسلم:"قد أخذت ورُدَّتْ إلى موضعها"، فخرجوا حتى أتوا رحلهم، فسألوه، فقال: فزعت من نومي، ففقدت العيبة، فقمت في طلبها، فإذا رجل قاعدًا، فثار يعدو مني، فانتهيت إلى حيث انتهى، فإذا أثر حفر، وإذا هو قد غيب العيبة، فاستخرجتها، فقالوا: نشهد أنه رسول الله، فإنه قد أخبرنا خبرها، وأنها قد رُدَّتْ، فرجعوا، فأخبروه صلى الله عليه وسلم، وجاء الغلام الذي خلَّفوه فأسلم، "وأمر" النبي صلى الله عليه وسلم "أُبَيّ بن كعب يعلمهم قرآنًا، وأجازهم عليه الصلاة والسلام" كما كان يجيز الوفود، وهو تشبيه في أصل الجائزة؛ لأنه لم يكن له جائزة مخصوصة، وإنما يدفع ما اتفق جوده، وهو يتفاوت قلة وكثرة، فقد أجاز بخمس أواق وبعشر، وباثنتي عشرة، وبأزيد، كما مر، "وانصرفوا" إلى بلادهم.
الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد
وقدم عليه وفد الأزد، ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة، وأبو موسى المديني، من حديث أحمد بن أبي الحواري.
الوفد "الثالث والثلاثون":
"وقدم عليه وفد الأزد" بفتح الهمزة، وسكون الزاي، ودال مهملة، ويقال بالسين لقربها من الزاي، ينسبون إلى جدهم الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقيل: اسم الأزد درًا بدال قبل الراء، وإليه إجماع الأنصار، ذكره الحازمي "ذكر" أي: روى "أبو نعيم" بضم النون- الحافظ الكبير، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى الأصفهاني، الصوفي، الأحول، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأجاز له مشايخ الدنيا، وهو ابن ست سنين وتفرَّد بهم، ورحلت الحفاظ إلى بابه لعلمه وضبطه وعلوّ إسناده، وله عدة تصانيف. مات في المحرم سنة ثلاث وأربعمائة، "في كتاب معرفة الصحابة، وأبو موسى" محمد بن أبي بكر، عمر بن أحمد الأصفهاني "المديني" بكسر الدال، وسكون التحتية- نسبة إلى مدينة أصفهان، الحافظ الكبير شيخ الإسلام، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، وسمع الكثير، ورحل وعني بهذا الشأن، وانتهى إليه التقدم فيه مع علوّ الإسناد، وعاش حتى صار أوحد وقته، وشيخ زمانه إسنادًا وحفظًا مع التواضع، ولا يقبل من أحد شيئًا، وله معرفة الصحابة، وغيرها من التصانيف، مات في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، "من حديث أحمد" بن عبد الله بن ميمون بن العباس بن الحارث التغلبي -بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام- نسبة إلى تغلب بن وائل قبيلة، يكنَّى أبا الحسن "بن أبي الحواري" بفتح المهملة والواو الخفيفة وكسر الراء وفتحها، والكسر أشهر، والفتح حُكِيَ
قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخلنا عليه وكلَّمْنَاه أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا.
عن أهل الإتقان.
كما قاله النووي في البستان، ثقة زاهد من العاشرة، وهم كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حنبل، كما أفصح به في ديباجة التقريب.
روى له أبو داود وابن ماجه، ومات سنة ست وأربعين ومائتين، لا مائة كما زعم، لقوله في خطبة التقريب، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات، فهم بعد المائتين، وهذا من العاشرة، وقد أرَّخه ابن عساكر والذهبي وغيرهما سنة ست، وقيل: سبع وأربعين ومائتين.
"قال: سمعت أبا سليمان" عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الزاهد، العنسي -بالنون- "الداراني" بفتح الدال فألف فراء خفيفة فألف فنون، ويقال: بهمز بدل النون، وبالنون أشهر وأكثر، كما قال ابن السمعاني، نسبة إلى داريا قرية بدمشق، على غير قياس، إمام كبير الشأن، ارتفع قدره وعلا ذكره، وأخذ الحديث عن جمع، منهم سفيان الثوري، قال في التقريب: وهو ثقة لم ير، ومسندًا إلا حديثًا واحدًا، وله حكايات في الزهد، قال النووي في بستانه، كان من كبار العارفين، أصحاب الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، والحكم المتظاهرة، وهو أحد مفاخر بلادنا دمشق وما حولها، مات سة اثنتي عشرة، أو خمس عشرة ومائتين، وقيل غير ذلك.
"قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد" بضم السين وفتح الواو "الأزدي" زاد في رواية العسكري: إنه حَدَّثه بساحل دمشق، "قال: حدثني أبي" يزيد "عن جدي" سويد بن الحارث.
هكذا رواه العسكري من هذا الطريق، وكذا الرشاطي وابن عساكر من وجهين آخرين، عن ابن أبي الحواري، ورواه أبو سعد النيسابوري في شرف المصطفى من وجه آخر، عن ابن أبي الجواري، فقال علقمة بن سويد ن علقمة ابن الحارث، فذكر أبو موسى بسبب ذلك علقمة بن الحارث، والأول أشهر، قاله في الإصابة.
"قال: وفدت سابع سبعة" أي: واحدًا منهم، لا أنه زائد عليه؛ لأن اسم الفاعل إن أخذ من اثنين إلى عشرة، ثم أضيف إلى أصله، فمعناه: إنه واحد من ذلك العدد لا زائد، وإن أضيف إلى دون أصله صيَّره بانضمامه إليه زائدًا عليها، "من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخلنا عليه وكلماه، أعجبه ما رأى من سمتنا" سكينتنا ووقارنا.
قال في المصباح: السمت السكينة والوقار، وهو حسن السمت، أي: الهيئة "وزينا" بكسر
فقال: "ما أنتم"؟ قلنا: مؤمنون، فتبسَّم عليه الصلاة والسلام وقال:"إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم"؟ قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلَّقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلّا أن تكره منها شيئًا، فقال صلى الله عليه وسلم:"ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي"؟
قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت.
قال: "وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها"؟
قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة
الزاي- الهيئة، فالعطف تفسيري، "فقال:"ما أنتم"؟ " أي: ما صفتكم، أمؤمنون أم كفار؟ ولذا أجابوا، "قلنا: مؤمنون" أي: متصفون بالإيمان، فما يسأل بها عن صفات العقلاء، كما يسأل بها عن غيرهم.
قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3]، أي: الطيب، فاستعملت ما لصفة ما يعقل، أي: للوصف المشتَق الدالِّ على الحدث وصاحبه، وليس المراد بالوصف مبدأ الاشتقاق، الذي هو المعنى المصدري، ضرورة أن المعنى المصدري لا ينكح، "فتبسَّم عليه الصلاة والسلام" فرحًا بإيمانهم "وقال:"إن لكل قول حقيقة"، " أي: علامة أو ماهية، التي هي سبب في تحققه، "فما حقيقة قولكم وإيمانكم" عطف تفسير، أو مسبب على سبب، والقول بمعنى المقول، "قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا" بفتحات، وإسكان تاء التأنيث، ونا مفعول والفاعل، "رسلك" ففيه إفادة أنه أرسل إليهم رسلًا، وإن لم يذكرهم المصنف، ويحتمل أن مرادهم رسله الذين بعثهم إلى اليمن؛ إذ هم منه "أن نؤمن بها" أي: نصدق "وخمس أمرتنا" بفتح الهمزة، والميم، والراء وإسكان التاء- رسلك "أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية" أي: ما قبل إيمانهم، "فنحن عليها إلّا أن تكره منها شيئًا" فنتركه، وهذا من قوة إيمانهم، ومزيد فقههم، "فقال صلى الله عليه وسلم:"ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي"؟ قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله" نصدق به وبصفاته الواجبة له، "وملائكته" جمع مَلَك، أي: نصدِّق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: عباد مكرمون، "وكتبه" نصدّق بأنها كلام الله، وأن ما اشتملت عليه حق، "ورسله" أي: نصدق بصدقهم فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذكر لتأخر إيجادهم، لا لأفضلية الملائكة، "والبعث بعد الموت" من القبور وما بعده من الصراط والميزان والجنة والنار، "قال: "وما الخمس التي أمرتكم" رسلي "أن تعلموا بها"؟ قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله" أي: ومحمد رسول الله؛ لأنها صارت علمًا على الشهادتين، أو أنَّ رسله اقتصروا عليها تدريجًا لهم، واكتفاءً بقولهم أوَّلًا: ورسله، فحكوا له لفظ رسله، "ونقيم الصلاة" المكتوبة،
ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلًا.
قال: "وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية"؟.
قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضاء بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء.
فقال صلى الله عليه وسلم: "حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء"، ثم قال: "وأنا أزيدكم خمسًا، فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون،
أي: نديمها، أو نأتي بها على ما ينبغي، "ونؤتي الزكاة" المفروضة، "ونصوم رمضان، ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلًا" طريقًا، "قال:"وما الخمس التي تخلَّقتم بها في الجاهلية"، قلنا: الشكر عند الرخاء" أي: الثناء على الله تعالى عند حصول النعم، وصرفها فيما يحمد، كصدقة وإغاثة ملهوف، وغير ذلك، "والصبر عند البلاء" أي: عدم الجزع والتضجر، وهذا قد يحصل وإن لم يكن رضا، ولذا قال: "والرضا" وهو الانقياد والطمأنينة باطنًا، "بِمُرِّ القضاء" أي: بالمر من المقضي، فالإضافة بمعنى من أو بالمر لمقضى من إضافة الصفة للموصوف، بحيث نراه في الباطن، كالنعم التي يستلذ بها، فجمع بينهما للتنبيه على طلبهما معًا، أي: الصبر والرضا "والصدق" أي: الثبات "في مواطن" جمع موطن كمسجد، مشاهد "اللقاء" للأعداء؛ بحيث لا نفر منهم، بل نصبر على حربهم، وإطلاق الصدق على الثبات مجاز شائ، "وترك الشماتة" أي: الفرح "بالأعداء"؛ إذا نزلت بهم مصيبة، "فقال صلى الله عليه وسلم: "حكماء علماء" خبر مبتدأ محذوف، أي: هم، والمعنى: إنهم يفعلون أمورهم متقنة موافقة للحق، والخطاب للحاضرين غيرهم ثناء عليهم، وقدَّم الحكمة على العلم؛ لأنها الصفة القائمة بهم، الدالة على كمال عقولهم، والعلم طريق إلى معرفة الحسن من القبيح، ولكن صاحبه قد لا يعمل به، ودليل تقديرهم دون أنتم قوله:"كادوا" قاربوا "من فقههم أن يكونوا أنبياء"؛ لأن هذه الخمس التي تخلقوا بها من قِبَلِ أنفسهم في الجاهلية، بعض صفات الأنبياء، وعلى تقدير المبتدأ: أنتم، والخطاب لهم يكون كادوا التفاتًا، إلّا أن الأَوَّل أبلغ، لما فيه من الاعتناء بالإخبار عن صفاتهم الحميدة، "ثم قال:"وأنا أزيدكم خمسًا، فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم كما تقولون"،" متصفين بالخمس عشرة التي ذكرتم، "فلا تجمعوا ما لا تأكلون" جواب الشرط، أي: زيادة على الحاجة، فيكون نفعه لمن بعدكم، "فلا تجمعوا ما لا تأكلون" جواب الشرط، أي: زيادة على الحاجة، فيكون نفعه لمن بعدكم، وحسابه عليكم، والإتيان بالشرط بعد قوله حكماء علماء، حثٌّ لهم على ملازمة الفعل، كأنه قيل: وصفتم أنفسكم بما يفيد حرصكم على الإيمان