الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصحابنا في ذلك وإنما اختلاف الرواية في نفس الإفساد هل يباح أو لا؟ ظاهر الرواية لا إلاّ لعذر، ورواية المنتقى يباح بلا عذر، ثم اختلف المشايخ على ظاهر الرواية هل الضيافة عذر أو لا؟ قيل: نعم، وقيل لا، وقيل عذر قبل الزوال لا بعده إلا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوق لأحد الوالدين لا غيرهما حتى لو حلف عليه رجل بالطلاق الثلاث لتفطرن لا يفطر لقوله تعالى:{ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] وقوله تعالى: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] الآية سبقت في معرض ذمهم
على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم والقدر المؤدي عمل كذلك فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصين فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال.
وأجيب: بأن المراد لا تحبطوا الطاعات بالكبائر أو بالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها وهذا غير الإبطال الوجب للقضاء، وقد قال ابن المنير من المالكية في الحاشية: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشافعية في هذه المسألة أظهر.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذكرته مما يطول استقصاؤه ولا يخفى على متأمل، وأخرجه المؤلّف في الأدب وكذا الترمذي.
52 - باب صَوْمِ شَعْبَانَ
(باب) فضل (صوم شعبان).
1969 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَاّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ". [الحديث 1969 - طرفاه في: 1970، 6465].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت)(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم)، أي ينتهي صومه إلى غاية نقول إنه لا يفطر ويفطر فينتهي إفطاره إلى غاية حتى نقول إنه لا يصوم (فما) بالفاء ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: وما (رأيت رسول الله) ولأبوي ذر والوقت: النبي (صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان) وإنما لم يستكمل شهرًا غير رمضان لئلا يظن وجوبه "وما رأيته صيامًا منه في شعبان" بنصب صيامًا. قال البرماوي كالزركشي وروي بالخفض.
قال السهيلي: وهو وهم كأنه بناه على كتابتها بغير ألف على لغة من يقف على المنصوب المنون بلا ألف فتوهمه مخفوضًا لا سيما وصيغة أفعل تضاف كثيرًا فتوهمها مضافة، ولكن الإضافة هنا ممتنعة قطعًا ووجه تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكون أعمال العباد ترفع فيه ففي النسائي من حديث أسامة قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من المشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم، فبين صلى الله عليه وسلم وجه صيامه لشعبان دون غيره من المشهور بقوله: إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما
فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس من يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك، وقيل في تخصيصه شعبان غير ذلك.
وحديث الباب أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الصيام.
1970 -
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ. وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا".
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن عائشة رضي الله عنها حدثته قالت): (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرًا أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله)، واستشكل هذا مع قوله في الرواية الأولى وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان.
وأجيب: بأن الرواية الأولى مفسرة لهذه ومبينة بأن المراد بكله غالبه، وقيل كان يصومه في وقت وبعضه في آخر، وقيل كان يصوم تارة من أوّله وتارة من وسطه وتارة من آخره ولا يترك منه شيئًا بلا صيام، لكن في أكثر من سنة كذا قاله غير واحد كالزركشي
وتعقبه في المصابيح بأن الثلاثة كلها ضعيفة فأما الأول إطلاق الكل على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا غير معهود اهـ.
وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله، ويقال قام فلان ليله أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك فالمراد الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال واستبعده أيضًا فقال كل توكيد لإرادة الشمول ورفع أتجوّز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض مناف له اهـ.
وتعقبه أيضًا الحافظ زين الدين العراقي بأن في حديث أم سلمة عند الترمذي قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان فعطف رمضان عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه وإن مشى ذلك فإنما يمشي على رأي من يقول أن اللفظ الواحد يحمل على حقيقته ومجازه وفيه خلاف لأهل الأصول. قال في عمدة القارئ: ولا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا لأن من قال ذلك قاله في اللفظ الواحد وهنا لفظان شعبان ورمضان اهـ.
فلينظر هذا مع قول ابن المبارك أنه جائز في كلام العرب، قال في المصابيح. وأما الثاني فلأن قولها كان يصوم شعبان كله يقتضي تكرار الفعل وأن ذلك عادة له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة اهـ.
واختلف في دلالة كان على التكرار وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه قال: وهذا استفدناه من قولهم كان حاتم يقري الضيف، وصحح الإمام فخر الدين في المحصول أنها لا تقتضيه لا لغة ولا عرفًا. وقال النووي في شرح مسلم: إنه المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين، وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفًا اهـ.
قال في المصابيح: وأما الثالث فلأن أسماء المشهور إذا ذكرت غير مضاف إليها لفظ شهر كان العمل عامًا لجميعها لا تقول سرت المحرم وقد سرت بعضًا منه ولا تقول صمت رمضان وإنما صمت بعضه، فإن أضفت الشهر إليه لم يلزم التعميم هذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحد. قال الصفار: ولم يخالف في ذلك إلا الزجاج، ويمكن أن يقال إن قولها وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان لا ينفي صيامه لجميعه، فإن المراد أكثرية صيامه فيه على صيامه في غيره من المشهور التي لم يفرض فيها الصوم وذلك صادق بصومه لكله لأنه إذا صامه جميعه صدق أن الصوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصوم الذي أوقعه في غيره ضرورة أنه لم يصم غيره مما عدا رمضان كاملاً.
وأما قولها: لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان فيحمل على الحذف أي إلا رمضان وشعبان بدليل قولها في الطريق الأخرى فإنه كان يصوم شعبان كله وحذف المعطوف والعاطف جميعًا ليس بعزيز كلامهم ففي التنزيل {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] أي ومن أنفق من بعده وفيه سرابيل تقيكم الحر أي والبرد. قال: ويمكن الجمع بطريق أخرى وهي أن يكون قولها وكان يصوم شعبان كله محمولاً على حذف أداة الاستثناء والمستثنى أي إلا قليلاً منه، ويدل عليه حديث عبد الرزاق بلفظ: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صيامًا منه في شعبان فإنه كان يصومه كله إلا قليلاً.
فإن قلت: قد ورد في حديث مسلم أن أفضل الصيام بعد رمضان المحرم فكيف أكثر عليه الصلاة والسلام منه في شعبان دون المحرم؟ أجيب: باحتمال أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر حياته قبل التمكن من صومه أو لعله كان يعرض له فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه.
(وكان) عليه الصلاة والسلام (يقول)(خذوا من العمل ما تطيقون) المداومة عليه بلا ضرر (فإن الله) عز وجل (لا يمل) بفتح الياء التحتية والميم. قال النووي: الملل السآمة وهو بالمعنى المتعاف في حقنا محال في حق الله تعالى فيجب تأويله، فقال المحققون: أي لا يعاملكم معاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته (حتى تملوا). بفتح الأول والثاني أي تقطعوا أعمالكم وقال الكرماني هو إطلاق مجازي عن ترك الجزاء