الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَحَدُّ الزَّانِي إِنْ كَانَ مُحْصَنًا الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ، يُخْرَجُ إِلَى أَرْضٍ فَضَاءٍ، فَإِنْ كَانَ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ يَبْتَدِئُ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، فَإِذَا امْتَنَعَ الشُّهُودُ أَوْ بَعْضُهُمْ لَا يُرْجَمُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَعَلَى سُقُوطِ الْحَدِّ بِالرُّجُوعِ وَإِلَّا لَمَا أَفَادَ التَّلْقِينُ.
وَإِذَا أَقَرَّ الْخَصِيُّ بِالزِّنَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِيلَاجِ لِسَلَامَةِ آلَتِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمَجْبُوبُ لَا يُحَدُّ لِكَذِبِهِ قَطْعًا، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِمَا، وَلَا يُحَدُّ الْأَخْرَسُ بِالْإِقْرَارِ إِشَارَةً لِلشُّبْهَةِ، وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ غَائِبَةٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُحَدَّ حَتَّى تَحْضُرَ لِجَوَازِ أَنَّهَا تَدَّعِي شُبْهَةً لِسُقُوطِ الْحَدِّ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مَاعِزًا أَقَرَّ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ غَائِبَةٍ فَرَجَمَهُ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ إِحْضَارِهَا. الْمَقْضِيُّ بِرَجْمِهِ إِذَا قَتَلَهُ إِنْسَانٌ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ مُبَاحَ الدَّمِ بِالْقَضَاءِ.
[فصل حَدُّ الزِّنَا]
فَصْلٌ (وَحَدُّ الزَّانِي إِنْ كَانَ مُحْصَنًا الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ) لِحَدِيثِ مَاعِزٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَجَمَهُ وَكَانَ مُحْصَنًا. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِثَلَاثٍ " وَذَكَرَ مِنْهَا " أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ» وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ.
وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الرَّجْمِ " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ " وَهَذَا مِمَّا قَالُوا إِنَّهُ قُرْآنٌ نُسِخَ لَفْظُهُ وَبَقِيَ مَعْنَاهُ، وَعَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ: (يُخْرَجُ إِلَى أَرْضٍ فَضَاءٍ) كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمَاعِزٍ أَمَرَ بِرَجْمِهِ وَلَمْ يَحْفِرْ لَهُ.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ يَبْتَدِئُ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ بَدَأَ بِرَجْمِ الْهَمْدَانَيَّةِ لَمَّا أَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا وَقَالَ: الرَّجْمُ رَجْمَانِ: رَجْمُ سِرٍّ، وَرَجْمُ عَلَانِيَةٍ، فَالْعَلَانِيَةُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمَرْأَةِ مَا فِي بَطْنِهَا، وَالسِّرُّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ فَتَرْجُمُ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَلِأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالشُّهُودِ ضَرْبُ احْتِيَالٍ لِلدَّرْءِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَتَجَاسَرُ عَلَى الْأَدَاءِ وَتَتَعَاظَمُ الْمُبَاشِرَةُ حُرْمَةً لِلنَّفْسِ فَيَرْجِعُ عَنِ الشَّهَادَةِ.
قَالَ: (فَإِذَا امْتَنَعَ الشُّهُودُ أَوْ بَعْضُهُمْ لَا يُرْجَمُ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ رُجُوعِهِمْ، وَكَذَا إِذَا غَابُوا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ، وَكَذَا إِذَا مَاتُوا أَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ، وَكَذَا إِذَا جُنُّوا أَوْ فَسَقَوْا أَوْ قَذَفُوا فَحُدُّوا أَوْ حُدَّ أَحَدُهُمْ أَوْ عَمِيَ أَوْ خَرِسَ أَوِ ارْتَدَّ، لِأَنَّ الطَّارِئَ عَلَى الْحَدِّ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْمَوْجُودِ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي رُجُوعِ الْمُقِرِّ فَصَارَ كَأَنَّهُمْ شَهِدُوا وَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُحَدُّ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِذَا غَابَ الشُّهُودُ رُجِمَ وَلَمْ يُنْتَظَرُوا، وَكَذَا إِذَا امْتَنَعُوا أَوِ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مُبَاشَرَةُ الشُّهُودِ كَالْجَلْدِ. قُلْنَا الْجَلْدُ لَا يُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَرُبَّمَا وَقَعَ
وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ ابْتَدَأَ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا فَحَدُّهُ الْجَلْدُ مِائَةٌ لِلْحُرِّ وَخَمْسُونَ لِلْعَبْدِ، وَيُضْرَبُ بِسَوْطٍ لَا ثَمَرَةَ لَهُ ضَرْبًا مُتَوَسِّطًا يُفَرِّقُهُ عَلَى أَعْضَائِهِ إِلَّا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَفَرْجَهُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مُهْلِكًا، وَلَا كَذَلِكَ الرَّجْمُ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إِذَا كَانُوا مَرْضَى أَوْ مَقْطُوعِي الْأَيْدِي يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ إِذَا كَانَ بِعُذْرٍ ظَاهِرٍ زَالَتِ التُّهْمَةُ، وَلَا كَذَلِكَ لَوْ مَاتُوا لِاحْتِمَالِ الرُّجُوعِ أَوِ الِامْتِنَاعِ فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً؛ وَلَا بَأْسَ لِكُلِّ مَنْ رَمَى أَنْ يَتَعَمَّدَ مَقْتَلَهُ لِأَنَّهُ وَاجِبُ الْقَتْلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا رَحِمٍ مِنْهُ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ مَقْتَلَهُ وَيُوَلِّيَ ذَلِكَ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
قَالَ: (وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ ابْتَدَأَ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ حُفْرَةً إِلَى صَدْرِهَا وَأَخَذَ حَصَاةً مِثْلَ الْحِمَّصَةِ فَرَمَاهَا بِهَا وَقَالَ: ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ، فَلَمَّا طَعَنَتْ أَخْرَجَهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا وَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أَهْلِ الْحِجَازِ لَوَسِعَتْهُمْ» وَلِحَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْبَطَ الْمَرْجُومُ وَلَا يُمْسَكَ وَلَا يُحْفَرَ لِلرَّجُلِ لَكِنَّهُ يُقَامُ قَائِمًا ثُمَّ يُرْجَمُ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِمَاعِزٍ، وَمَا نُقِلَ أَنَّهُ هَرَبَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَيُغْسَلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ. «وَقَالَ صلى الله عليه وسلم فِي مَاعِزٍ: " اصْنَعُوا بِهِ مَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ، فَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ غُفِرَ لَهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْغَمِسُ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» وَلِأَنَّهُ مَقْتُولٌ بِحَقٍّ فَصَارَ كَالْمَقْتُولِ قِصَاصًا.
قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا فَحَدُّهُ الْجَلْدُ مِائَةٌ لِلْحُرِّ وَخَمْسُونَ لِلْعَبْدِ) قَالَ تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْإِمَاءِ: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] .
قَالَ: (يُضْرَبُ بِسَوْطٍ لَا ثَمَرَةَ لَهُ ضَرْبًا مُتَوَسَّطًا يُفَرِّقُهُ عَلَى أَعْضَائِهِ إِلَّا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَفَرْجَهُ) لِأَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه كَسَرَ ثَمَرَةَ السَّوْطِ لَمَّا أَرَادَ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِهِ " وَالْمُتَوَسِّطُ مِنَ الضَّرْبِ بَيْنَ الْمُتْلِفِ وَغَيْرِ الْمُؤْلِمِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ الِانْزِجَارُ بِدُونِ الْهَلَاكِ. وَأَمَّا التَّفْرِيقُ عَلَى الْأَعْضَاءِ لِأَنَّهُ إِذَا جَمَعَ الضَّرْبَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى التَّلَفِ، وَالْحَدُّ غَيْرُ مُتْلِفٍ، وَلِيُدْخِلَ الْأَلَمَ عَلَى كُلِّ عُضْوٍ كَمَا وَصَلَتِ اللَّذَّةُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَّقِي الْأَعْضَاءَ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ فِيهَا التَّلَفُ، أَوْ تَلَفُ مَا لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ، إِذِ التَّلَفُ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ فَالرَّأْسُ وَالْفَرْجُ مَقْتَلٌ، وَالْوَجْهُ مَكَانُ الْبَصَرِ وَالشَّمِّ. وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِلْجَلَّادِ: اتَّقِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَضْرِبُ الرَّأْسَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:" اضْرِبُوا الرَّأْسَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِيهِ " وَلِأَنَّهُ لَا يُخْشَى التَّلَفُ بِسَوْطٍ وَسَوْطَيْنِ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ، وَأَثَرُ الصِّدِّيقِ وَرَدَ فِي حَرْبِيٍّ كَانَ رَاعِيًا وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ الْقَتْلَ.
وَيُجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهِ إِلَّا الْإِزَارَ، وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إِلَّا عَنِ الْفَرْوِ وَالْحَشْوِ، وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ، وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ، وَلَا يُجْمَعُ عَلَى الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ، وَلَا يُجْمَعُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالنَّفْيُ إِلَّا أَنْ يَرَاهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فَيَفْعَلَهُ بِمَا يَرَاهُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَيُجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهِ إِلَّا الْإِزَارَ) هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِيصَالِ الْأَلَمِ إِلَيْهِ، وَحَدُّ الزِّنَا مَبْنَاهُ عَلَى شِدَّةِ الضَّرْبِ فَيَقَعُ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ، وَنَزْعُ الْإِزَارِ يُؤَدِّي إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَلَا يُنْزَعُ.
قَالَ: (وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إِلَّا عَنِ الْفَرْوِ وَالْحَشْوِ) لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السَّتْرِ، وَفِي نَزْعِ ثِيَابِهَا كَشْفُ عَوْرَتِهَا، وَالسِّتْرُ يَحْصُلُ بِدُونِ الْحَشْوِ وَالْفَرْوَ، وَفِيهِمَا مَنْعٌ مِنْ وُصُولِ الْأَلَمِ فَيُنْزَعَانِ وَتُضْرَبُ جَالِسَةً لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا. وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: يُضْرَبُ الرِّجَالُ فِي الْحُدُودِ قِيَامًا وَالنِّسَاءِ قُعُودًا (وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ، وَعَلِيٌّ رضي الله عنه حَفَرَ لِلْهَمْدَانِيَّةِ، وَإِنَّ تَرْكَهُ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ.
(وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، وَلَا يُمَدُّ وَلَا يُشَدُّ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ عُقُوبَةٍ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَلَا يُجْمَعُ عَلَى الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ) لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْجَلْدِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِّ الزَّجْرُ وَهُوَ لَا يَنْزَجِرُ بَعْدَ هَلَاكِهِ، وَزَجْرُ غَيْرِهِ يَحْصُلُ بِالرَّجْمِ إِذِ الْقَتْلُ أَبْلَغُ الْعُقُوبَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ: (وَلَا يَجْمَعُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالنَّفْيُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] الْآيَةَ، وَأَنَّهُ بَيَانٌ لِجَمِيعِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ كُلُّ الْمَذْكُورِ، أَوْ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِحَرْفِ الْفَاءِ وَهُوَ الْجَزَاءُ، فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُسَاوِيهِ أَوْ يَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ، إِذِ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَلِأَنَّ النَّفْيَ يَفْتَحُ عَلَيْهَا بَابَ الزِّنَا لِقِلَّةِ اسْتِحْيَائِهَا مِنْ عَشِيرَتِهَا وَفِيهِ قَطْعُ الْمَادَّةِ عَنْهَا فَرُبَّمَا اتَّخَذَتْ ذَلِكَ مَكْسَبًا وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه: كَفَى بِالتَّغْرِيبِ فِتْنَةً وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» قُلْنَا: الْآيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ فَنَسَخَتْهُ. بَيَانُهُ أَنَّ الْجَلْدَ فِي الْأَصْلِ كَانَ الْإِيذَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَآذُوهُمَا) ثُمَّ نُسِخَ بِالْحَبْسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} [النساء: 15] إِلَى قَوْلِهِ: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا} [النساء: 15] ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» الْحَدِيثَ فَكَانَ بَيَانًا لِلسَّبِيلِ الْمَوْعُودِ فِي الْآيَةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجَلْدِ، فَكَانَتْ نَاسِخَةً لِلْكُلِّ، أَوْ نَقُولُ: هُوَ حَدِيثُ آحَادٍ فَلَا يُزَادُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَرَاهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فَيَفْعَلُهُ بِمَا يَرَاهُ) فَيَكُونُ سِيَاسَةً وَتَعْزِيرًا لَا حَدًّا، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَا رُوِيَ مِنَ التَّغْرِيبِ
وَلَا يُقِيمُ الْمَوْلَى الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَإِذَا كَانَ الزَّانِي مَرِيضًا، فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ، وَإِلَّا لَا يُجْلَدُ حَتَّى يَبْرَأَ، وَالْمَرْأَةُ الْحَامِلُ لَا تُحَدُّ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، فَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ فَحَتَّى تَتَعَالَى مِنْ نِفَاسِهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّجْمُ فَعَقِيبَ الْوِلَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ مَنْ يُرَبِّيهِ فَحَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ نَفَى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُّومِ فَقَالَ: لَا أَنْفِي بَعْدَهَا أَحَدًا؛ وَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ، قَالَ تَعَالَى:{وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور: 2] فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ سِيَاسَةً وَتَعْزِيرًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَدًّا لَاشْتُهِرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَلَوِ اشْتُهِرَ لَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ وَقَدِ اخْتَلَفُوا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ وَرُجُوعِ عُمَرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ، وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي مَسْجِدٍ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ» وَرَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُسْتَقَادَ فِي الْمَسَاجِدِ أَوْ يُنْشَدَ فِيهَا الشِّعْرُ أَوْ يُقَامَ فِيهَا الْحُدُودُ» وَلِأَنَّهُ عَسَاهُ يَنْفَصِلُ مِنْهُ مَا يُنَجِّسُ الْمَسْجِدَ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَهُ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَيَأْمُرَ مَنْ يَجْلِدُهُ وَهُوَ يُشَاهِدُهُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِأَمِينٍ وَيَأْمُرَهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ:«وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» قَالَ: (وَلَا يُقِيمُ الْمَوْلَى الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ) لِأَنَّ الْحَدَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إِلَّا نَائِبُهُ، وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ؛ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ حَتَّى جَازَ تَعْزِيرُ الصَّبِيِّ، وَحُقُوقُ الشَّرْعِ مَوْضُوعَةٌ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:(أَرْبَعٌ إِلَى الْوُلَاةِ) وَعَدَّ مِنْهَا إِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَلِأَنَّ الْمَوْلَى مُتَّهَمٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى عَبْدِهِ لِأَنَّهُ يَخَافُ نُقْصَانَ مَالِيَّتِهِ فَلَا يَضْرِبُ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ فَلَا تَحْصُلُ مُصْلِحَةُ الزَّجْرِ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الزَّانِي مَرِيضًا فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ) لِأَنَّ الْإِتْلَافَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّأْخِيرِ.
قَالَ: (وَإِلَّا لَا يُجْلَدُ حَتَّى يَبْرَأَ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى، الْهَلَاكِ وَلَيْسَ مَشْرُوعًا، وَلِهَذَا «أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِحَسْمِ يَدِ السَّارِقِ» وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ.
قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ الْحَامِلُ لَا تُحَدُّ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا) لِأَنَّهُ يُخَافُ مِنَ الْحَدِّ هَلَاكُ وَلَدِهَا الْبَرِيءِ عَنِ الْجِنَايَةِ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه هَمَّ بِرَجْمِ حَامِلٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه: إِنْ كَانَ لَكَ عَلَيْهَا سَبِيلٌ فَلَا سَبِيلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا فَخَلَّى عَنْهَا، فَإِذَا وَلَدَتْ (فَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الْجِلْدُ فَحَتَّى تَتَعَالَى مِنْ نِفَاسِهَا) لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ ضَعِيفَةٌ (وَإِنْ كَانَ الرَّجْمُ فَعَقِيبَ الْوِلَادَةِ) لِأَنَّ التَّأْخِيرَ كَانَ بِسَبَبِ الْوَلَدِ وَقَدِ انْفَصَلَ عَنْهَا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ مَنْ يُرَبِّيهِ فَحَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا)
وَإِحْصَانُ الرَّجْمِ: الْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَالدُّخُولُ، وَهُوَ الْإِيلَاجُ فِي الْقُبُلِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُمَا بِصِفَةِ الْإِحْصَانِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّ فِي ذَلِكَ صِيَانَةَ الْوَلَدِ عَنِ الْهَلَاكِ. وَرُوِيَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْغَامِدِيَّةِ لَمَّا أَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَهِيَ حَامِلٌ اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي " فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَتْ، فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي حَتَّى يَسْتَغْنِيَ وَلَدُكِ، فَجَاءَتْ وَفِي يَدِهِ خُبْزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا وَلَدِي قَدِ اسْتَغْنَى، فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ» وَيُحْبَسُ الْمَرِيضُ حَتَّى يَبْرَأَ وَالْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ إِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ مَخَافَةَ أَنْ تَهْرُبَ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لَا يُحْبَسُ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ صَحِيحٌ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْحَبْسِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَحْبِسِ الْغَامِدِيَّةَ؛ وَلَوْ قَالَتِ الزَّانِيَةُ: أَنَا حُبْلَى يُرِيهَا النِّسَاءَ، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ حُبْلَى حَبَسَهَا سَنَتَيْنِ ثُمَّ رَجَمَهَا، وَهَذَا التَّقَادُمُ لَا يَمْنَعُ الْإِقَامَةَ لِأَنَّهُ بِعُذْرٍ، وَلَوْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ ضَعِيفُ الْخِلْقَةِ يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ لَوْ ضُرِبَ شَدِيدًا يُضْرَبُ مِقْدَارَ مَا يَتَحَمَّلُهُ مِنَ الضَّرْبِ.
قَالَ: (وَإِحْصَانُ الرَّجْمِ: الْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَالدُّخُولُ، وَهُوَ الْإِيلَاجُ فِي الْقُبُلِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُمَا بِصِفَةِ الْإِحْصَانِ) أَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] أَوْجَبَ عَلَيْهِنَّ عُقُوبَةً تَتَنَصَّفُ وَالرَّجْمَ لَا يَتَنَصَّفُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَاءِ، وَأَمَّا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَلِأَنَّهُ لَا خِطَابَ بِدُونِهِمَا، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسِ بِمُحْصَنٍ» وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم: " رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ» فَإِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ. وَأَمَّا النِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَالدُّخُولُ فَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ» وَالْبِكْرُ اسْمٌ لِمَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَلِأَنَّ بِهِ يُتَوَصَّلُ إِلَى وَطْءِ الْحَلَالِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» وَالثَّيِّبُ هُوَ الْوَاطِئُ فِي النِّكَاحِ الْحَلَالِ فِي الْقُبُلِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ نِعَمٌ مُتَوَافِرَةٌ مُتَكَامِلَةٌ صَادَّةٌ لَهُ عَنِ الْفَاحِشَةِ فَكَانَتْ جِنَايَتُهُ عِنْدَ وُجُودِهَا مُتَغَلِّظَةً، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ وَالْمَعْصِيَةَ عِنْدَ تَكَامُلِ نِعَمِ الْمُنْعِمِ أَقْبَحُ وَأَفْحَشُ فَيُنَاسِبُ تَغْلِيظُ الْعُقُوبَةِ فِي حَقِّهِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُمَا عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ فَلِأَنَّ كُلَّ وَطْءٍ لَا يُوجِبُ إِحْصَانَ أَحَدِ الْوَاطِئِينَ لَا يُوجِبُ إِحْصَانَ الْآخَرِ كَالْمَمْلُوكَيْنِ وَالْمَجْنُونَيْنِ. وَصُورَتُهُ: لَوْ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ أَوْ صَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ أَوْ كَافِرَةٍ وَدَخَلَ بِهَا لَمْ يَصِرْ مُحْصَنًا، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً عَاقِلَةً بَالِغَةً وَهُوَ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ لَا تَصِيرُ مُحْصَنَةً إِلَّا إِذَا دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مُحْصَنًا بِهَذِهِ الْإِصَابَةِ لَا بِمَا قَبْلَهَا، لِأَنَّ نِعَمَ الزَّوْجِيَّةِ لَا تَتَكَامَلُ مَعَ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ تُنَفِّرُ الطِّبَاعَ إِمَّا لِعَدَاوَةِ الدِّينِ أَوْ لِذُلِّ الرِّقِّ أَوْ لِعَدَمِ الْعَقْلِ أَوْ لِنُقْصَانِهِ وَعَدَمِ مَيْلِ الصَّبِيَّةِ إِلَيْهِ فَلَا تَتَغَلَّظُ جِنَايَتَهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ، وَعَنْهُ أَنَّ الْوَطْءَ إِذَا حَصَلَ قَبْلَ الْعِتْقِ ثُمَّ أُعْتِقَا صَارَا مُحْصَنَيْنِ بِالْوَطْءِ الْأَوَّلِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلَّ وَطْءٍ لَا يُوجِبُ إِحْصَانَ أَحَدِهِمَا