المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 101] - البحر المحيط في التفسير - ط الفكر - جـ ٦

[أبو حيان الأندلسي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة يونس

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 23]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 24 الى 25]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 26 الى 61]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 62 الى 70]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 87]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 88 الى 109]

- ‌سورة هود

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 40]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 41 الى 60]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 61 الى 83]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 84 الى 108]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 109 الى 116]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 117 الى 123]

- ‌سورة يوسف

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 29]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 30 الى 44]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 45 الى 64]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 65 الى 68]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 69 الى 87]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 101]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 102 الى 111]

- ‌سورة الرعد

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 19 الى 43]

- ‌سورة ابراهيم

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 10]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 11 الى 17]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 18 الى 34]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 52]

- ‌سورة الحجر

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 1 الى 25]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 26 الى 44]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 45 الى 99]

- ‌سورة النّحل

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 1 الى 29]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 30 الى 50]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 51 الى 74]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 89]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 90 الى 128]

الفصل: ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 101]

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنْ رَوْحِ اللَّهِ بِالضَّمِّ أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ الَّتِي تَحْيَا بِهَا الْعِبَادُ انْتَهَى. وَقَرَأَ أُبَيٌّ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَافِرِ، إِذْ فِيهِ التَّكْذِيبُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، أَوِ الْجَهْلُ بصفات الله

[سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 101]

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) قالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (97)

قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يَا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)

ص: 316

الْمُزْجَاةُ: الْمَدْفُوعَةُ يَدْفَعُهَا كُلُّ تَاجِرٍ رَغْبَةً عَنْهَا وَاحْتِقَارًا مِنْ أَزْجَيْتُهُ إِذَا دَفَعْتَهُ وَطَرَدْتَهُ، وَالرِّيحُ تُزْجِي السَّحَابَ. وَقَالَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ:

لَبَّيْكَ عَلَى مِلْحَانِ ضَيْفٍ مُدْفَعٍ

وَأَرْمَلَةٍ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أَرْمَلَا

الْإِيثَارُ: لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَّفَضُّلِ وَأَنْوَاعَ الْعَطَايَا. التَّثْرِيبُ: التَّأْنِيبُ وَالْعَتْبُ، وَعَبَّرَ بعضهم عنه بالتعيير.

وَمِنْهُ «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يَثْرِبْ»

أَيْ لَا يُعَيِّرْ. وَأَصْلُهُ مِنَ الثَّرْبِ وَهُوَ الشَّحْمُ الذي هو غاشية الْكِرْشِ، وَمَعْنَاهُ: إِزَالَةُ الثَّرْبِ، كَمَا أَنَّ التَّجْلِيدَ وَالتَّقْرِيعَ إِزَالَةُ الْجِلْدِ وَالْقَرَعِ، لِأَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ كَانَ ذَلِكَ غَايَةَ الْهُزَالِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يُمَزِّقُ الْأَعْرَاضَ، وَيُذْهِبُ بَهَاءَ الْوَجْهِ. الْفَنَدُ: الْفَسَادُ، قَالَ:

أَلَا سُلَيْمَانُ إِذْ قَالَ الْإِلَهُ لَهُ

قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ

وَفَنَّدْتُ الرَّجُلَ أَفْسَدْتُ رَأْيَهُ وَرَدَدْتُهُ قَالَ:

يَا عَاذِلَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي

فَلَيْسَ مَا قُلْتُ مِنْ أَمْرٍ بِمَرْدُودِ

وَأَفْنَدَ الدَّهْرُ فُلَانًا أَفْسَدَهُ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلُ مَا أَرَادَ فَإِنَّهُ

إِذَا كَلَّفَ الْإِفْنَادَ بِالنَّاسِ أَفْنَدَا

الْقَدِيمُ: الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ أَعْصَارٌ، وَهُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ. الْبَدْوِ الْبَادِيَةُ وَهِيَ خِلَافُ الْحَاضِرَةِ.

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبُوا مِنَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ وَدَخَلُوهَا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَالضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ، وَكَانَ آكَدُ مَا حَدَّثُوهُ فِيهِ شَكْوَى مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجَهْدِ قَبْلَ مَا وَصَّاهُمْ بِهِ مِنْ تَحَسُّسِ نَبَأِ يُوسُفَ وَأَخِيهِ. وَالضُّرُّ: الْهُزَالُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْجُوعِ، وَالْبِضَاعَةُ كَانَتْ زُيُوفًا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: قَلِيلَةٌ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ:

نَاقِصَةٌ. وَقِيلَ: كَانَتْ عَرُوضًا. قِيلَ: كَانَتْ صُوفًا وَسَمْنًا. وَقِيلَ: صَنَوْبَرًا وَحَبَّةَ الْخَضْرَاءِ وَهِيَ الْفُسْتُقُ قَالَهُ: أَبُو صَالِحٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. وَقِيلَ: سَوِيقُ الْمُقْلِ وَالْأَقِطِ، وَقِيلَ: قَدِيدُ وَحْشٍ. وَقِيلَ: حِبَالًا وَأَعْدَالًا وَأَقْتَابًا، ثُمَّ الْتَمَسُوا مِنْهُ إِيفَاءَ الْكَيْلِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ. وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا أَيْ: بِالْمُسَامَحَةِ وَالْإِغْمَاضِ عَنْ رَدَاءَةِ الْبِضَاعَةِ، أَوْ زِدْنَا عَلَى حَقِّنَا، فَسَمُّوا مَا هُوَ فَضْلٌ وَزِيَادَةٌ لَا تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ. قِيلَ: لِأَنَّ

ص: 317

الصَّدَقَاتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقِيلَ: كَانَتْ تَحِلُّ لِغَيْرِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم.

وَسُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا، أَرَادَ أَنَّهَا كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ تَمَسْكَنُوا لَهُ وَطَلَبُوا أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ رَقَّ لَهُمْ وَمَلَكَتْهُ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ شَاهِدٌ لِذَلِكَ، لِذِكْرِ اللَّهِ وَجَزَائِهِ انْتَهَى. وَقِيلَ: كَانَتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً، وَلَكِنْ قَالُوهَا تَجَوُّزًا اسْتِعْطَافًا مِنْهُمْ لَهُ فِي الْمُبَايَعَةِ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ سَاوَمْتَهُ فِي سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِنْ ثَمَنِهَا كَذَا، فَلَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَهَبَكَ، وَإِنَّمَا حَسُنَتْ مَعَهُ الْأَفْعَالُ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْكَ إِلَى سَوْمِكَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّمَا خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا أَمْرَ أَخِيهِمْ بِنْيَامِينَ أَيْ: أَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا عَلَى أَبِيهِ. وَقَالَ النَّقَّاشُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ، هِيَ مِنَ الْمَعَارِيضِ الَّتِي هِيَ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كَافِرًا عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ. وَلَوْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ فِي الْآخِرَةِ كُذِّبُوا، فَقَالُوا لَهُ لَفْظًا يُوهِمُ أَنَّهُمْ أَرَادُوهُ، وَهُمْ يَصِحُّ لَهُمْ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ بِالتَّأْوِيلِ.

وَرُوِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لَهُ: مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَاسْتَعْطَفُوهُ، رَقَّ لَهُمْ وَرَحِمَهُمْ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَارْفَضَّ دَمْعُهُ بَاكِيًا، فَشَرَعَ فِي كَشْفِ أَمْرِهِ إِلَيْهِمْ. فَيُرْوَى أَنَّهُ حَسَرَ قِنَاعَهُ وَقَالَ لَهُمْ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ أَيْ: مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الصِّغَرِ، وَإِذَايَةِ بِنْيَامِينَ بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ؟ وَكَانُوا يُذِلُّونَهُ وَيَشْتُمُونَهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَنَسَبَهُمْ إِمَّا إِلَى جَهْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَإِمَّا إِلَى جَهْلِ السيئات وَقِلَّةِ الْحُنْكَةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَتَاهُمْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَكَانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا، فَكَلَّمَهُمْ مُسْتَفْهِمًا عَنْ مَعْرِفَةِ وَجْهِ الْقُبْحِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُرَاعِيَهُ التَّائِبُ فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ لَا تَعْلَمُونَ قُبْحَهُ، فَلِذَلِكَ أَقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَهُ فَتُبْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ؟ لِأَنَّ عِلْمَ الْقُبْحِ يَدْعُو إِلَى الِاسْتِقْبَاحِ، وَالِاسْتِقْبَاحُ يَجُرُّ التَّوْبَةَ، فَكَانَ كَلَامُهُ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وَتَنَصُّحًا لَهُمْ فِي الدِّينِ، وَإِيثَارًا لِحَقِّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ الْمَكْرُوبُ وَيَنْفُثُ الْمَصْدُورُ وَيَشْتَفِي الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ وَيُدْرِكُ ثَأْرَهُ الْمُوتُورَ، فَلِلَّهِ أَخْلَاقُ الْأَنْبِيَاءِ مَا أَوْطَاهَا وَأَسْمَحَهَا، وَلِلَّهِ حَصَى عُقُولِهِمْ مَا أَرْزَنَهَا وَأَرْجَحَهَا انْتَهَى! وَقِيلَ: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْعِلْمِ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عُلَمَاءَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا فَعَلُوا مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ إِلَّا جَاهِلٌ سَمَّاهُمْ جَاهِلِينَ. وَفِي التَّحْرِيرِ مَا لُخِّصَ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ: هَلْ عَلِمْتُمْ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ، وَمُرَادُهُ تَعْظِيمُ الْوَاقِعَةِ أَيْ: مَا أَعْظَمَ مَا ارْتَكَبْتُمْ مِنْ يُوسُفَ. كَمَا يُقَالُ: هَلْ تَدْرِي مَنْ عَصَيْتَ؟

وَقِيلَ: هَلْ بِمَعْنَى قَدْ، لِأَنَّهُمْ كانوا عالمين، وفعلتم بِيُوسُفَ إِفْرَادُهُ مِنْ أَبِيهِمْ، وَقَوْلُهُمْ: بِأَنَّ

ص: 318

الذِّئْبَ أَكَلَهُ، وَإِلْقَاؤُهُ فِي الْجُبِّ وَبَيْعُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ إِنْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ بَاعُوهُ، وَقَوْلُهُمْ: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ، وَالَّذِي فَعَلُوا بِأَخِيهِ أَذَاهُمْ لَهُ وَجَفَاؤُهُمْ لَهُ، وَاتِّهَامُهُ بِسَرِقَةِ الصَّاعِ، وَتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ سَرَقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ مَا إِذْ وَاجَهَ أَبَاهُمْ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وَتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أَنْ يَذْكُرَهُ مَعَ نَفْسِهِ وَأَخِيهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ: جَاهِلُونَ صِبْيَانٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ:

مُذْنِبُونَ. وَقِيلَ: جَاهِلُونَ بِمَا يَجِبُ مِنْ بَرِّ الْأَبِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَرْكِ الْهَوَى. وَقِيلَ:

جاهلون بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ يُوسُفَ. وَقِيلَ: جَاهِلُونَ بِالْفِكْرِ فِي الْعَاقِبَةِ، وَعَدَمِ النَّظَرِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَغَرَضُ يُوسُفَ تَوْبِيخُ إِخْوَتِهِ وَتَأْنِيبِهِمْ عَلَى مَا فَعَلُوا فِي حَقِّ أَبِيهِمْ وَفِي حَقِّ أَخَوَيْهِمْ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِقُلُوبِهِمْ، وَبَسْطِ عُذْرٍ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أُقَدِّمُكُمْ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ جَهَالَةَ الصِّبَا أَوِ الْغُرُورِ، وَكَأَنَّهُ لَقَّنَهُمُ الْحُجَّةَ كَقَوْلِهِ: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ «1» وَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْهَيْصَمِ فِي قِصَّةٍ مِنْ أَنَّهُ صَلَبَهُمْ، وَالثَّعْلَبِيُّ فِي حِكَايَتِهِ أَنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَبَكَوْا وَجَزِعُوا، فَرَقَّ لَهُمْ وَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ الْآيَةَ، لَا يَصِحُّ الْبَتَّةَ، وَكَانَ يُوسُفُ مِنْ أَرَقِّ خَلْقِ اللَّهِ وَأَشْفَقَهُمْ عَلَى الْأَجَانِبِ، فَكَيْفَ مَعَ إِخْوَتِهِ وَلَمَّا اعْتَرَفُوا بِالْخَطَأِ قَالَ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْآيَةَ.

قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ. قالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ: لَمَّا خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: هَلْ عَلِمْتُمْ؟ أَدْرَكُوا أَنَّهُ لَا يَسْتَفْهِمُ مَلِكٌ لَمْ يَنْشَأْ عِنْدَهُمْ، وَلَا تَتَبَّعَ أَحْوَالَهُمْ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ فِيمَا يَظْهَرُ إِلَّا وَعِنْدَهُ عِلْمٌ بِحَالِهِمْ فَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يُكَلِّمُهُمْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فَرَفَعَهُ وَوَضَعَ التَّاجَ وَتَبَسَّمَ، وَكَانَ يُضِيءُ مَا حَوْلَهُ مِنْ نُورِ تَبَسُّمِهِ أَوْ رَأَوْا لَمْعَةً بَيْضَاءَ كَالشَّامَةِ فِي فَرَقِهِ حِينَ وَضَعَ التَّاجَ وَكَانَ مِثْلُهَا لِأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَسَارَةَ، فَتَوَسَّمُوا أَنَّهُ يُوسُفُ، وَاسْتَفْهَمُوهُ اسْتِفْهَامَ اسْتِخْبَارٍ. وَقِيلَ: اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَرَفُوهُ بِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : كيف عَرَفُوهُ؟ (قُلْتُ) : رَأَوْا فِي رُوَائِهِ وَشَمَائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهُمْ بِذَلِكَ مَا شَعَرُوا بِهِ أَنَّهُ هُوَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ مَا خَاطَبَهُمْ بِهِ لا يصدر إلا عن حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، لَا عَنْ بَعْضِ أَعِزَّاءِ مِصْرَ. وقرأ الجمهور: أإنك على

(1) سورة الانفطار: 82/ 6.

ص: 319

الِاسْتِفْهَامِ، وَالْخِلَافُ فِي تَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ، أَوْ تَلْيِينِ الثَّانِيَةِ وَإِدْخَالِ أَلِفٍ فِي التَّلْيِينِ، أَوِ التَّحْقِيقِ مَذْكُورٌ فِي القراآت السَّبْعِ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّكَ بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُرَادَةٌ. وَيَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلَى الْخَبَرِ الْمَحْضِ، وَقَدْ قَالَهُ بَعْضُهُمْ لِتَعَارُضِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ إِنِ اتَّحَدَ الْقَائِلُونَ فِي الْقَوْلِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وَبَعْضًا أَخْبَرَ، وَنَسَبَ فِي كُلٍّ مِنَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَى الْمَجْمُوعِ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: أَمْكَنَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ بعيد.

وقرأ أبي: أإنك، أَوْ أَنْتَ يُوسُفُ. وَخَرَّجَهُ ابْنُ جِنِّي عَلَى حَذْفِ خبر إن وقدره: أإنك لَأَنْتَ يُوسُفُ، أَوْ أَنْتَ يوسف. وقدره الزمخشري: أإنك يُوسُفُ، أَوْ أَنْتَ يُوسُفُ، فَحَذَفَ الْأَوَّلَ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ قَالَ: وَهَذَا كَلَامٌ مُسْتَعْجَبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِمَا يُسْمَعُ، فَهُوَ يُكَرِّرُ الِاسْتِثْبَاتَ انْتَهَى. وَحَكَى أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالُوا: أَوَ أَنْتَ يُوسُفُ؟ وَفِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ: أإنك لَأَنْتَ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ دَخَلَتْ عَلَى أَنْتَ، وَهُوَ فَصْلٌ. وَخَبَرُ إِنَّ يُوسُفُ كَمَا تَقُولُ: إِنْ كَانَ زَيْدٌ لَهُوَ الْفَاضِلُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى أَنْتَ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَيُوسُفُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْتَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ إِنَّ لِحَيْلُولَةِ اللَّامِ بَيْنَهُمَا. وَلَمَّا اسْتَفْهَمُوهُ أَجَابَهُمْ فَقَالَ: أَنَا يُوسُفُ كَاشِفًا لَهُمْ أَمْرَهُ، وَزَادَهُمْ فِي الْجَوَابِ قَوْلَهُ: وَهَذَا أَخِي، لِأَنَّهُ سَبَقَ قَوْلُهُ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ؟ وَكَانَ فِي ذِكْرِ أَخِيهِ بَيَانٌ لِمَا سَأَلُوا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَتَوْطِئَةً لِمَا ذُكِرَ بعد من قوله: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا أي: بالاجتماع بعد الفرقة والأنس بعد الوحشة. ثم ذكر أنّ سبب منّ الله عليه هُوَ بِالتَّقْوَى وَالصَّبْرِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ لَا تُخَصَّ التَّقْوَى بِحَالَةٍ وَلَا الصَّبْرُ. وَقَالَ مجاهد: من يتقي فِي تَرْكِهِ الْمَعْصِيَةَ وَيَصْبِرْ فِي السِّجْنِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: من يتقي الزِّنَا وَيَصْبِرْ عَلَى الْعُزُوبَةِ. وَقِيلَ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ وَيَصْبِرْ عَلَى الْمَصَائِبِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنْ يَتَّقِ، مَنْ يَخَفِ اللَّهَ وَعِقَابَهُ، وَيَصْبِرْ عَنِ الْمَعَاصِي، وَعَلَى الطَّاعَاتِ. وقيل: من يتقي مَعَاصِيَ اللَّهِ، وَيَصْبِرْ عَلَى أَذَى النَّاسِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تَخْصِيصَاتٌ بِحَسَبِ حَالَةِ يُوسُفَ وَنَوَازِلِهِ.

وَقَرَأَ قُنْبُلٍ: مَنْ يَتَّقِي، فَقِيلَ: هُوَ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الْيَاءَ الَّتِي هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ، وَهَذِهِ الْيَاءُ إِشْبَاعٌ. وَقِيلَ: جَزَمَهُ بِحَذْفِ الْحَرَكَةِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ: لَمْ يَرْمِي زَيْدٌ، وَقَدْ حَكَوْا ذَلِكَ لُغَةً. وقيل: هو مرفوع، ومن مَوْصُولٌ بِمَعْنَى الَّذِي، وَعُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ وَهُوَ: وَيَصْبِرْ، وَذَلِكَ عَلَى التَّوَهُّمِ. كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ مَنْ شَرْطِيَّةٌ، ويتقي مَجْزُومٌ. وَقِيلَ: وَيَصْبِرْ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى مَرْفُوعٍ، وَسُكِّنَتِ الرَّاءُ لَا لِلْجَزْمِ، بَلْ لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ، كَمَا سُكِّنَتْ فِي يَأْمُرْكُمْ، وَيُشْعِرْكُمْ، وَبُعُولَتْهِنَّ، أَوْ مُسَكِّنًا لِلْوَقْفِ، وَأَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى

ص: 320

الْوَقْفِ. وَالْأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ يَكُونَ يَتَّقِي مَجْزُومًا عَلَى لُغَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِيءُ فِي الشِّعْرِ لَا فِي الْكَلَامِ، لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّحْوِيِّينَ قَدْ نقلوا أنه لغة.

والمحسنين: عَامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَنْ تَقَدَّمَ، أَوْ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمُتَّقِينَ وَالصَّابِرِينَ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا يضيع أجرهم. وآثرك: فَضَّلَكَ بِالْمُلْكِ، أَوْ بِالصَّبْرِ، وَالْعِلْمِ قَالَهُمَا ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ بِالْحِلْمِ وَالصَّفْحِ ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، أَوْ بِحُسْنِ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، وَالْعِلْمِ، وَالْحِلْمِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْمُلْكِ، وَالسُّلْطَانِ، وَبِصَبْرِكَ عَلَى أَذَانَا قَالَهُ:

صَاحِبُ الْغُنْيَانِ. أَوْ بِالتَّقْوَى، وَالصَّبْرِ وَسِيرَةِ الْمُحْسِنِينَ قَالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ «1» الْآيَةَ وَخِطَابُهُمْ إِيَّاهُ بِذَلِكَ اسْتِنْزَالٌ لِإِحْسَانِهِ، وَاعْتِرَافٌ بِمَا صَدَرَ منهم في حقه. وخاطئين: من خطىء إِذَا تَعَمَّدَ. وَأَمَّا أَخْطَأَ فَقَصْدُ الصَّوَابِ وَلَمْ يُوَفَّقْ له. ولا تَثْرِيبَ: لَا لَوْمَ وَلَا عقوبة. وتثريب اسم لا، وعليكم الخبر، واليوم مَنْصُوبٌ بِالْعَامِلِ فِي الْخَبَرِ أَيْ: لَا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : بِمَ تَعَلَّقَ الْيَوْمَ؟

(قُلْتُ) : بِالتَّثْرِيبِ، أَوْ بِالْمُقَدَّرِ فِي عَلَيْكُمْ مِنْ معنى الاستقرار، أو بيغفر. وَالْمَعْنَى:

لَا أَثْرُبُكُمُ الْيَوْمَ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ فَمَا ظَنُّكُمْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ! ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لكم، فدعا لهم بِمَغْفِرَةِ مَا فَرَطَ مِنْهُمْ. يُقَالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، وَيَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ جَمِيعًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُشَمِّتِ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ. أَوِ اليوم يغفر الله لكم بِشَارَةً بِعَاجِلِ الْغُفْرَانِ، لِمَا تَجَدَّدَ يَوْمَئِذٍ مِنْ تَوْبَتِهِمْ وَنَدَمِهِمْ عَلَى خَطِيئَتِهِمْ انْتَهَى. أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْيَوْمَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّثْرِيبِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ، وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ معموله بقوله: وعليكم إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، أو صفة لتثريب، وَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ مَعْمُولَ الْمَصْدَرِ مِنْ تَمَامِهِ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ اليوم متعلقا بتثريب لَمْ يَجُزْ بِنَاؤُهُ، وَكَانَ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَبَّهِ بِالْمُضَافِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمُطَوَّلَ، وَيُسَمَّى الْمَمْطُولَ، فَكَانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ الثَّانِي فَتَقْدِيرٌ حَسَنٌ، وَلِذَلِكَ وَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ اليوم أكثر القراء. وابتدأوا بيغفر اللَّهُ لَكُمْ عَلَى جِهَةِ الدُّعَاءِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ إِسْحَاقَ وَالطَّبَرِيِّ. وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اليوم متعلقا بيغفر فمقول، وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ عَلَى عَلَيْكُمْ، وَابْتَدَأَ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْوَقْفُ عَلَى الْيَوْمَ أَرْجَحُ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلَى مَغْفِرَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بوحي. وأما قوله:

(1) سورة يوسف: 12/ 90.

ص: 321

فَبِشَارَةٌ إِلَى آخِرِهِ، فَعَلَى طريق الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّ الْغُفْرَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ تَابَ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنَّمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ أَوْقَاتِ الْعَفْوِ، وَسَبِيلُ الْعَافِي فِي مِثْلِهِ أَنْ لَا يُرَاجِعَ عُقُوبَةً. وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لتثريب، وَيَكُونَ الْخَبَرُ الْيَوْمَ، وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ. وَقِيلَ: عَلَيْكُمْ بيان كلك فِي قَوْلِهِمْ: سَقْيًا لَكَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يتعلق عليكم بتثريب، لِأَنَّهُ كَانَ يُعْرَبُ، فَيَكُونُ مُنَوَّنًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَابِ الْمُشَبَّهِ بِالْمُضَافِ. وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْخَبَرَ مَحْذُوفٌ، وعليكم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَثْرِيبَ، وَذَلِكَ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْعَامِلَ فِي الْيَوْمَ وَتَقْدِيرُهُ: لا تثريب يثرب عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، كَمَا قَدَّرُوا فِي لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ «1» أَيْ: يَعْصِمُ الْيَوْمَ، لَكَانَ وَجْهًا قَوِيًّا، لِأَنَّ خَبَرَ لَا إِذَا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ. وَلَمَّا دَعَا لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْغُفْرَانِ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ الرُّحَمَاءِ، فَهُوَ يَرْجُو مِنْهُ قَبُولَ دُعَائِهِ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ.

وَالْبَاءُ فِي بِقَمِيصِي الظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْحَالِ أَيْ: مَصْحُوبِينَ أَوْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ. وَقِيلَ: للتعدية أي: اذهبوا بقميصي، أَيِ احْمِلُوا قَمِيصِي.

قِيلَ: هُوَ الْقَمِيصُ الَّذِي تَوَارَثَهُ يُوسُفُ وَكَانَ فِي عُنُقِهِ، وَكَانَ مِنَ الْجَنَّةِ، أَمَرَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام أَنَّ يُرْسِلَهُ إِلَيْهِ فَإِنَّ فِيهِ رِيحَ الْجَنَّةِ، لَا يَقَعُ عَلَى مُبْتَلًى وَلَا سَقِيمٍ إِلَّا عُوفِيَ. وَقِيلَ: كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ كَسَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ خَرَجَ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ لِإِسْحَاقَ، ثُمَّ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِيُوسُفَ.

وَقِيلَ: هُوَ الْقَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، أَرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ يَعْقُوبُ أَنَّهُ عُصِمَ مِنَ الْفَاحِشَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَمِيصٌ مِنْ مَلْبُوسِ يُوسُفَ بِمَنْزِلَةِ قَمِيصِ كُلِّ وَاحِدٍ، قَالَ ذَلِكَ: ابْنُ عَطِيَّةَ. وَهَكَذَا تَتَبَيَّنُ الْغَرَابَةُ فِي أَنْ وَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ مِنْ بَعْدُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ قُمُصِ الْجَنَّةِ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ غَرَابَةً ولوجده كل أحد. وَقَوْلُهُ: فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ عَمِيَ مِنَ الْحُزْنِ، إِمَّا بِإِعْلَامِهِمْ، وَإِمَّا بِوَحْيٍ. وَقَوْلُهُ:

يَأْتِ بَصِيرًا، يَظْهَرُ أَنَّهُ بِوَحْيٍ. وَأَهْلُوهُ الَّذِينَ أَمَرَ بِأَنْ يُؤْتَى بِهِمْ سَبْعُونَ، أَوْ ثَمَانُونَ، أَوْ ثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ، أَوْ سِتَّةٌ وَتِسْعُونَ، أَقْوَالٌ أَوَّلُهَا لِلْكَلْبِيِّ وَثَالِثُهَا لِمَسْرُوقٍ. وَفِي وَاحِدٍ مِنْ هذا العدد حلوا بِمِصْرَ وَنَمُوا حَتَّى خَرَجَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ مَعَ مُوسَى عليه السلام سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ. وَمَعْنَى:

يَأْتِ، يَأْتِينِي، وَانْتَصَبَ بَصِيرًا عَلَى الْحَالِ.

وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ. قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ

(1) سورة هود: 11/ 43.

ص: 322

لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ. فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ. قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: فَصَلَ مِنَ الْبَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا انْفَصَلَ مِنْهُ وَجَاوَزَ حِيطَانَهُ، وَهُوَ لَازِمٌ. وَفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا فَرَّقَ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ. وَمَعْنَى فَصَلَتِ الْعِيرُ: انْفَصَلَتْ مِنْ عَرِيشِ مِصْرَ قَاصِدَةً مَكَانَ يَعْقُوبَ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقِيلَ: بِالْجَزِيرَةِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ آثَارَهُمْ وَقُبُورَهُمْ هُنَاكَ إِلَى الْآنِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمَّا انْفَصَلَ الْعِيرُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، هَاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عُرْفَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: مِنْ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا، وَكَانَ مُدَّةُ فِرَاقِهِ مِنْهُ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: وَجَدَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَعَنْهُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيَالٍ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْمَهْرَوِيِّ: أَنَّ الرِّيحَ اسْتَأْذَنَتْ فِي إِيصَالِ عُرْفِ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ:

صَفَّقَتِ الرِّيحُ الْقَمِيصَ فَرَاحَتْ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا، وَاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ. وَمَعْنَى لَأَجِدُ: لَأَشُمُّ فَهُوَ وُجُودُ حَاسَّةِ الشَّمِّ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَإِنِّي لَأَسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمَامَةٍ

يَهُبُّ بِهَا مِنْ نَحْوِ أَرْضِكِ رِيحُ

وَمَعْنَى تُفَنِّدُونِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: تُسَفِّهُونِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا:

تُجَهِّلُونِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: تُضَعِّفُونِ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ: تُكَذِّبُونِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تُهْرِمُونِ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ، وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وَخَرِفْتَ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو:

تُقَبِّحُونِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: تُعَجِّزُونِ. وقال أبو عبيد: تُضَلِّلُونِ. وَقِيلَ: تُخَطِّئُونِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَهِيَ رَاجِعَةٌ لِاعْتِقَادِ فَسَادِ رَأْيِ الْمُفَنِّدِ إِمَّا لِجَهْلِهِ، أَوْ لِهَوًى غَالِبٍ عَلَيْهِ، أَوْ لِكَذِبِهِ، أَوْ لِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ لِذَهَابِ عَقْلِهِ بِهَرَمِهِ. وَقَالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ: يقال شج مفند أي: قد فسد رَأْيَهُ، وَلَا يُقَالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ قَطُّ أَصِيلٌ فَيَدْخُلُهُ التَّفْنِيدُ. وَقَالَ مَعْنَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَالَ: التَّفْنِيدُ النِّسْبَةُ إِلَى الْفَنَدِ وَهُوَ الْخَوْفُ وَإِنْكَارُ الْعَقْلِ، مِنْ هَرَمَ يُقَالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، وَلَا يُقَالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي شَبِيبَتِهَا ذَاتُ رَأْيٍ فَتُفَنَّدُ في كبرها. ولولا هُنَا حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِوُجُودٍ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْمَعْنَى لَوْلَا تَفْنِيدُكُمْ إِيَّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي انْتَهَى. وَقَدْ يُقَالُ: تَقْدِيرُهُ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِي لَأَخْبَرْتُكُمْ بِكَوْنِهِ حَيًّا لَمْ يَمُتْ، لِأَنَّ وِجْدَانِي رِيحَهُ دَالٌّ عَلَى حَيَاتِهِ. وَالْمُخَاطَبُ

ص: 323

بِقَوْلِهِ: تُفَنِّدُونِ، الظَّاهِرُ مِنْ تَنَاسُقِ الضَّمَائِرِ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى مَنْ كَانَ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ غَيْرَ الَّذِينَ رَاحُوا يَمْتَارُونَ، إِذْ كَانَ أَوْلَادُهُ جَمَاعَةً. وَقِيلَ: الْمُخَاطَبُ وَلَدُ وَلَدِهِ وَمَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مِنْ قَرَابَتِهِ. وَالضَّلَالُ هُنَا لَا يُرَادُ بِهِ ضِدُّ الْهُدَى وَالرَّشَادِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَعْنَى إِنَّكَ لَفِي خَطَئِكَ، وَكَانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ بِنْيَامِينَ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْحُزْنَيْنِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الشَّقَاءُ وَالْعَنَاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الْجُنُونُ، وَيَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ غَلَبَةَ الْمَحَبَّةِ. وَقِيلَ:

الْهَلَاكُ وَالذَّهَابُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ: ذَهَبَ فِيهِ. وَقِيلَ: الْحُبُّ، وَيُطْلَقُ الضَّلَالُ عَلَى الْمَحَبَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ مِنَ الْجَفَاءِ الَّذِي لَا يَسُوغُ لَهُمْ مُوَاجَهَتُهُ بِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ: قَالُوا لِوَالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوهَا لِوَالِدِهِمْ، وَلَا لِنَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفِي ذَهَابِكَ عَنِ الصَّوَابِ قُدُمًا فِي إِفْرَاطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، ولهجك بذكره، ورجائك لقاءه، وَكَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْبَشِيرَ كَانَ يَهُوذَا، لِأَنَّهُ كَانَ جَاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ. وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيُّ: قَالَ يَهُوذَا لِإِخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْقُرْحَةِ، فَدَعُونِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ، وَقَالَ هَذَا المعنى: السدي. وأن تَطَّرِدُ زِيَادَتُهَا بَعْدَ لَمَّا، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِي أَلْقَاهُ عَائِدٌ عَلَى الْبَشِيرُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، هُوَ لِقَوْلِهِ: فَأَلْقُوهُ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى يَعْقُوبَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ الْوَجْهُ كُلُّهُ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّهُ مَتَى وَجَدَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ الْبَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ. وَقِيلَ: عَبَّرَ بِالْوَجْهِ عَنِ الْعَيْنَيْنِ لِأَنَّهُمَا فِيهِ. وَقِيلَ: عَبَّرَ بالكل عن البعض. وارتدّ عَدَّهُ بَعْضُهُمْ فِي أَخَوَاتِ كَانَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَخَوَاتِهَا، فَانْتَصَبَ بَصِيرًا عَلَى الْحَالِ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى حَالَتِهِ الْأُولَى مِنْ سَلَامَةِ الْبَصَرِ. فَفِي الْكَلَامِ مَا يُشْعِرُ أَنَّ بَصَرَهُ عَادَ أَقْوَى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَ، لِأَنَّ فَعِيلًا مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، وَمَا عَدَلَ مِنْ مِفْعَلٍ إِلَى فَعِيلٍ إِلَّا لِهَذَا الْمَعْنَى انْتَهَى. وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ فَعِيلًا هُنَا لَيْسَ لِلْمُبَالَغَةِ، إِذْ فَعِيلُ الَّذِي لِلْمُبَالَغَةِ هُوَ مَعْدُولٌ عَنْ فَاعِلٍ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَأَمَّا بَصِيرًا هُنَا فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَصُرَ بِالشَّيْءِ، فَهُوَ جَارٍ عَلَى قِيَاسِ فَعُلَ نَحْوَ ظَرُفَ فَهُوَ ظَرِيفٌ، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ بِمَعْنَى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ فعيلا بمعنى مفعل لَيْسَ لِلْمُبَالَغَةِ نَحْوَ: أَلِيمٌ وَسَمِيعٌ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ وَمُسْمِعٍ.

وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ سَأَلَ الْبَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ؟ قَالَ: مَلِكُ مِصْرَ. قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِالْمُلْكِ؟ قَالَ:

عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَجِدِ الْبَشِيرُ عِنْدَ يَعْقُوبَ شَيْئًا يُبِيتُهُ بِهِ وقال: ما خبرنا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعَ لَيَالٍ، وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: رَجَعَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ الْعَمَى، وَالْقُوَّةُ بَعْدَ الضَّعْفِ،

ص: 324

وَالشَّبَابُ بَعْدَ الْهَرَمِ، وَالسُّرُورُ بَعْدَ الْكَرْبِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنِّي أَعْلَمُ، مَحْكِيٌّ بِالْقَوْلِ وَيُرِيدُ بِهِ إِنَّمَا أشكوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. فَقِيلَ: مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْ حَيَاةِ يُوسُفَ، وَأَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. وَقِيلَ: مِنْ صِحَّةِ رُؤْيَا يُوسُفَ عليه السلام، وَقِيلَ: مِنْ بَلْوَى الْأَنْبِيَاءِ بِالْحُزْنِ، وَنُزُولِ الْفَرَجِ، وَقِيلَ: مِنْ أَخْبَارِ مَلَكِ الْمَوْتِ إِيَّايَ، وَكَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَا لَا تَعْلَمُونَ هُوَ انْتِظَارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَقَطْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ، أَوْ قَوْلَهُ: وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: إِنِّي أَعْلَمُ، كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْقَوْلُ انْتَهَى. وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. وَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ وَقَرَّتْ عَيْنُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى ابْنِهِ يُوسُفَ، وَقَرَّرَهُمْ عَلَى قَوْلِهِ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ؟ طَلَبُوا منه أن يستغفر لهم اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ، وَاعْتَرَفُوا بِالْخَطَأِ السابق منهم، وسوف أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ: عِدَةٌ لَهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ بِسَوْفَ، وَهِيَ أَبْلَغُ فِي التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ. فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّهُ أَخَّرَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ إِلَى السَّحَرِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:

إِلَى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ: إِلَى سَحَرِهَا. قَالَ السُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلٌ، وَالزَّجَّاجُ: أَخَّرَ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، لَا ضِنَّةً عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفَارِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: سَوْفَ إِلَى قِيَامِ اللَّيْلِ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَفِرْقَةٌ: إِلَى اللَّيَالِي الْبِيضِ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا يُسْتَجَابُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَخَّرَهُ حَتَّى يَسْأَلَ يُوسُفَ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ. وَقِيلَ: أَخَّرَهُمْ لِيَعْلَمَ حَالَهُمْ فِي صِدْقِ التَّوْبَةِ وَإِخْلَاصِهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ الدَّوَامَ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ. وَلَمَّا وَعَدَهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ رَجَاهُمْ بِحُصُولِ الْغُفْرَانِ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأَهْلِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَارُوا حَتَّى تَلَقَّوْا يُوسُفَ.

قِيلَ: وَجَهَّزَ يُوسُفُ إِلَى أَبِيهِ جِهَازًا، وَمِائَتَيْ رَاحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إِلَيْهِ بِمَنْ مَعَهُ، وَخَرَجَ يُوسُفُ قِيلَ: وَالْمَلِكُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنَ الْجُنْدِ وَالْعُظَمَاءِ وَأَهْلِ مِصْرَ بِأَجْمَعِهِمْ، فَتَلَقَّوْا يَعْقُوبَ عليه السلام وَهُوَ يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلَى يَهُوذَا، فَنَظَرَ إِلَى الْخَيْلِ وَالنَّاسِ فَقَالَ: يَا يَهُوذَا أَهَذَا فِرْعَوْنُ مِصْرَ؟ فَقَالَ: لَا، هَذَا وَلَدُكَ. فَلَمَّا لَقِيَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ

ص: 325

قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذْهِبَ الْأَحْزَانِ. وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ قَالَ لَهُ لَمَّا الْتَقَيَا: يَا أَبَتِ، بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُكَ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقِيَامَةَ تَجْمَعُنَا؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ تُسْلَبَ دِينَكَ، فَيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ.

آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ أَيْ: ضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَعَانَقَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا أَبُوهُ وَأُمُّهُ رَاحِيلُ. فَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ أُمُّهُ بِالْحَيَاةِ. وَقِيلَ: كَانَتْ مَاتَتْ مِنْ نِفَاسِ بِنْيَامِينَ، وَأَحْيَاهَا لَهُ لِيَصْدُقَ رُؤْيَاهُ فِي قَوْلِهِ: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ «1» حُكِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ إِسْحَاقَ أَيْضًا. وَقِيلَ: أَبُوهُ وَخَالَتُهُ، وَكَانَ يَعْقُوبُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ مَوْتِ رَاحِيلَ، وَالْخَالَةُ أُمٌّ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَتْ رَبَّتْ يُوسُفَ، وَالرَّابَّةُ تُدْعَى أُمًّا.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَبُوهُ وَجَدَّتُهُ أُمُّ أُمِّهِ، حَكَاهُ الزَّهْرَاوِيُّ. وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتَهُ.

وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: ادْخُلُوا مِصْرَ، إِنَّهُ أَمَرَ بِإِنْشَاءِ دُخُولِ مِصْرَ. قَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ حِينَ تَلَقَّاهُمْ انْتَهَى. فَيَبْقَى قَوْلُهُ: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ كَأَنَّهُ ضَرَبَ لَهُ مَضْرِبٌ، أَوْ بَيْتٌ حَالَةَ التَّلَقِّي فِي الطَّرِيقِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِيهِ. وَقِيلَ: دَخَلُوا عَلَيْهِ فِي مِصْرَ.

وَمَعْنَى ادْخُلُوا مِصْرَ أَيْ: تَمَكَّنُوا مِنْهَا وَاسْتَقِرُّوا فِيهَا. وَالظَّاهِرُ تَعَلَّقَ الدُّخُولُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالدُّخُولِ، عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ إِنَّمَا تَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَمَا لَا يَشَاءُ لَا يَكُونُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّقْدِيرُ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَخَلْتُمْ آمِنِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الْجَزَاءُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِالْجُمْلَةِ الْجَزَائِيَّةِ بَيْنَ الْحَالِ وَذِي الْحَالِ. وَمِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَأَنَّ مَوْضِعَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي فِي كَلَامِ يَعْقُوبَ انْتَهَى. وَهَذَا الْبِدْعُ مِنَ التَّفْسِيرِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، بَلْ فِي غَايَةِ الِامْتِنَاعِ.

وَالْعَرْشُ سَرِيرُ الْمُلْكِ. وَلَمَّا دَخَلَ يُوسُفُ مِصْرَ وَجَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ عَلَى سَرِيرِهِ، وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، أَكْرَمَ أَبَوَيْهِ فَرَفَعَهُمَا مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّفْعُ وَالْخُرُورُ قَبْلَ دُخُولِ مِصْرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ادْخُلُوا مِصْرَ، فَكَانَ يَكُونُ فِي قُبَّةٍ مِنْ قِبَابِ الْمُلُوكِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى الْبِغَالِ أَوِ الْإِبِلِ، فَحِينَ دَخَلُوا إِلَيْهِ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ: ادْخُلُوا مِصْرَ، وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ. وَخَرُّوا لَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي وَخَرُّوا عَائِدٌ عَلَى أَبَوَيْهِ وَعَلَى إِخْوَتِهِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي وَخَرُّوا عَائِدٌ عَلَى إِخْوَتِهِ وَسَائِرِ مَنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ هَيْبَتِهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الضَّمِيرِ أَبَوَاهُ، بَلْ رَفَعَهُمَا عَلَى

(1) سورة يوسف: 12/ 4.

ص: 326

سَرِيرِ مُلْكِهِ تَعْظِيمًا لَهُمَا. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا أَنَّهُ السُّجُودُ الْمَعْهُودُ، وَأَنَّ الضَّمِيرُ فِي لَهُ عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ لِمُطَابَقَةِ الرُّؤْيَا فِي قَوْلِهِ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً «1» الْآيَةَ وَكَانَ السُّجُودُ إِذْ ذَاكَ جَائِزًا مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ بِالْمُصَافَحَةِ، وَتَقْبِيلِ الْيَدِ، وَالْقِيَامِ مِمَّا شُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ فِي بَابِ التَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ تَحِيَّةُ الْمُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ السَّلَامَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: هَذَا السُّجُودُ كَانَ إِيمَاءً بِالرَّأْسِ فَقَطْ. وَقِيلَ: كَانَ كَالرُّكُوعِ الْبَالِغِ دُونَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ. وَلَفْظَةُ وخروا تأبى هذين التفسيرين. قَالَ الْحَسَنُ: الضَّمِيرُ فِي لَهُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ أَيْ: خَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا شُكْرًا عَلَى مَا أَوْزَعَهُمْ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ رَأَيْتُهُمْ لِأَجْلِي سَاجِدِينَ. وَإِذَا كَانَ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ السُّجُودُ تَحِيَّةً لَا عِبَادَةً. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّارَانِيُّ: لَا يَكُونُ السُّجُودُ إِلَّا لِلَّهِ لَا لِيُوسُفَ، وَيَبْعُدُ مِنْ عَقْلِهِ وَدِينِهِ أَنْ يَرْضَى بِأَنْ يَسْجُدَ لَهُ أَبُوهُ مَعَ سَابِقَتِهِ مِنْ صَوْنِ أَوْلَادِهِ، وَالشَّيْخُوخَةِ، وَالْعِلْمِ، وَالدِّينِ، وَكَمَالِ النُّبُوَّةِ. وَقِيلَ:

الضَّمِيرُ وَإِنْ عَادَ عَلَى يُوسُفَ فَالسُّجُودُ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَجَعَلُوا يُوسُفَ قِبْلَةً كَمَا تَقُولُ:

صَلَّيْتُ لِلْكَعْبَةِ، وَصَلَّيْتُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقَالَ حَسَّانُ:

مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ

عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ عَنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنِ

أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ

وَأَعْرَفَ النَّاسِ بِالْأَشْيَاءِ وَالسُّنَنِ

وَقِيلَ: السُّجُودُ هُنَا التَّوَاضُعُ، وَالْخُرُورُ بِمَعْنَى الْمُرُورِ لَا السُّقُوطِ عَلَى الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ:

وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً «2» أَيْ لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْهَا. وَقَالَ ثَابِتٌ: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ أَيْ: سُجُودُكُمْ هَذَا تَأْوِيلٌ، أَيْ: عَاقِبَةُ رُؤْيَايَ أَنَّ تِلْكَ الْكَوَاكِبَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ. وَمِنْ قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيَايَ، وَالْمَحْذُوفُ فِي مِنْ قَبْلُ تَقْدِيرُهُ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْكَوَائِنِ وَالْحَوَادِثِ الَّتِي جَرَتْ بَعْدَ رُؤْيَايَ. وَمَنْ تَأَوَّلَ أَنَّ أَبَوَيْهِ لَمْ يَسْجُدَا لَهُ زَعَمَ أَنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلرُّؤْيَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، فَسُجُودُ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ يُعَبَّرُ بِتَعْظِيمِ الْأَكَابِرِ مِنَ النَّاسِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَهَابَ يَعْقُوبَ عليه السلام مَعَ وَلَدِهِ مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مِصْرَ لِأَجْلِ يُوسُفَ نِهَايَةٌ فِي التَّعْظِيمِ لَهُ، فَكَفَى هَذَا الْقَدْرُ فِي صِحَّةِ الرُّؤْيَا

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ لَمَّا رَأَى سُجُودَ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ هَالَهُ ذَلِكَ وَاقْشَعَرَّ جِلْدَهُ مِنْهُ.

وَقَالَ لِيَعْقُوبَ: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ، ثُمَّ ابْتَدَأَ يُوسُفُ عليه السلام بِتَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ

(1) سورة يوسف: 12/ 4.

(2)

سورة الفرقان: 25/ 73.

ص: 327

فَقَالَ: قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا

أَيْ: صَادِقَةً، رَأَيْتُ مَا يَقَعُ لِي فِي الْمَنَامِ يَقَظَةً، لَا بَاطِلَ فِيهَا وَلَا لَغْوَ. وَفِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رُؤْيَاهُ وَسُجُودِهِمْ خِلَافٌ مُتَنَاقِضٌ. قِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ رُتَبِ الْعَدَدِ. وَكَذَا الْمُدَّةُ الَّتِي أَقَامَ يَعْقُوبُ فِيهَا بِمِصْرَ عِنْدَ ابْنِهِ يُوسُفَ خِلَافٌ متناقض، وأحسن أَصْلُهُ أَنْ يَتَعَدَّى بِإِلَى قَالَ: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ «1» وَقَدْ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ قَالَ تَعَالَى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً «2» كَمَا يُقَالُ أَسَاءَ إِلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّاعِرُ:

أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةً

لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ

وَقَدْ يَكُونُ ضَمِنَ أَحْسَنَ مَعْنَى لَطَفَ، فَعَدَّاهُ بِالْبَاءِ، وَذَكَرَ إِخْرَاجَهُ مِنَ السِّجْنِ وَعَدَلَ عَنْ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْجُبِّ صَفْحًا عَنْ ذِكْرِ مَا تَعَلَّقَ بِقَوْلِ إِخْوَتِهِ، وَتَنَاسَيًا لِمَا جَرَى مِنْهُمْ إِذْ قَالَ:

لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ «3» وَتَنْبِيهًا عَلَى طَهَارَةِ نَفْسِهِ، وَبَرَاءَتِهَا مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُرَاوَدَةِ. وَعَلَى مَا تَنَقَّلَ إِلَيْهِ مِنَ الرِّيَاسَةِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِخِلَافِ مَا تَنَقَّلَ إِلَيْهِ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْجُبِّ، إِلَى أَنْ بِيعَ مَعَ الْعَبِيدِ، وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنَ الْبَادِيَةِ. وَكَانَ يَنْزِلُ يَعْقُوبُ عليه السلام بِأَطْرَافِ الشَّامِ بِبَادِيَةِ فِلَسْطِينَ، وَكَانَ رَبَّ إِبِلٍ وَغَنَمٍ وَبَادِيَةٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَانُوا أَهْلَ عَمَدٍ وَأَصْحَابَ مَوَاشٍ يَتَنَقَّلُونَ فِي الْمِيَاهِ وَالْمَنَاجِعِ. قِيلَ: كَانَ تَحَوَّلَ إِلَى بَادِيَةٍ وَسَكَنَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ. وَقِيلَ: كَانَ خَرَجَ إِلَى بَدَا وَهُوَ مَوْضِعٌ وَإِيَّاهُ عَنَى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ:

وَأَنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَعْبًا إِلَى بَدَا

إِلَيَّ وَأَوْطَانِي بِلَادٌ سِوَاهُمَا

وَلِيَعْقُوبَ عليه السلام بِهَذَا الْمَوْضِعِ مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ. يُقَالُ: بَدَا الْقَوْمُ بَدْوًا، إِذَا أَتَوْا بَدَا كَمَا يُقَالُ: غَارُوا غَوْرًا، إِذَا أَتَوُا الْغَوْرَ. وَالْمَعْنَى: وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ مَكَانٍ بَدَا، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَابَلَ يُوسُفَ عليه السلام نِعْمَةَ إِخْرَاجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِمَجِيئِهِمْ مِنَ الْبَدْوِ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ، وَزَوَالِ حُزْنِ أَبِيهِ.

فَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَنْقُلُهُ مِنَ الْبَادِيَةِ إِلَى الْحَاضِرَةِ»

مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ أَيْ أَفْسَدَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَزَغَ، وَأَسْنَدَ النَّزْغَ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ الْمُوَسْوِسُ كَمَا قَالَ: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها «4» وَذَكَرَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ أَمْرِ أُخْوَتِهِ، لِأَنَّ النِّعْمَةَ إِذَا جَاءَتْ

(1) سورة القصص: 28/ 77.

(2)

سورة البقرة: 2/ 83.

(3)

سورة يوسف: 12/ 92.

(4)

سورة البقرة: 2/ 36.

ص: 328