المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 40] - البحر المحيط في التفسير - ط الفكر - جـ ٦

[أبو حيان الأندلسي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة يونس

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 23]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 24 الى 25]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 26 الى 61]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 62 الى 70]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 87]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 88 الى 109]

- ‌سورة هود

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 40]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 41 الى 60]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 61 الى 83]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 84 الى 108]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 109 الى 116]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 117 الى 123]

- ‌سورة يوسف

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 29]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 30 الى 44]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 45 الى 64]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 65 الى 68]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 69 الى 87]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 101]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 102 الى 111]

- ‌سورة الرعد

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 19 الى 43]

- ‌سورة ابراهيم

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 10]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 11 الى 17]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 18 الى 34]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 52]

- ‌سورة الحجر

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 1 الى 25]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 26 الى 44]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 45 الى 99]

- ‌سورة النّحل

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 1 الى 29]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 30 الى 50]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 51 الى 74]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 89]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 90 الى 128]

الفصل: ‌[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 40]

‌سورة هود

ترتيبها 11 سورة هود آياتها 122

[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 40]

بسم الله الرحمن الرحيم

الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)

أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (5) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9)

وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلهَ إِلَاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (19)

أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (24)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَاّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلَاّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَاّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (27) قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (28) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29)

وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (39)

حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَاّ قَلِيلٌ (40)

ص: 115

ثَنَى الشَّيْءَ ثَنْيًا طَوَاهُ، يُقَالُ: ثَنَى عِطْفَهُ، وَثَنَى صَدْرَهُ، وَطَوَى كَشْحَهُ. الْحِزْبُ:

ص: 117

جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ يَجْتَمِعُونَ عَلَى أَمْرٍ يَتَعَصَّبُونَ فِيهِ. رَذُلَ الرَّجُلُ رَذَالَةً فَهُوَ رَذْلٌ إِذَا كَانَ سِفْلَةً لَا خَلَاقَ لَهُ، وَلَا يُبَالِي بِمَا يَقُولُ وَمَا يَفْعَلُ. الْإِخْبَاتُ: التَّوَاضُعُ وَالتَّذَلُّلُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَبْتِ وَهُوَ الْمُطَمْئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: الْبَرَاحُ الْقَفْرُ الْمُسْتَوِي، وَيُقَالُ: أَخْبَتَ دَخَلَ فِي الْخَبْتِ، كَأَنْجَدَ دَخَلَ نَجْدًا وَأَتْهَمَ دَخَلَ تِهَامَةَ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَقِيلَ: خَبَتَ ذِكْرُهُ خَمَدَ. وَيَتَعَدَّى أَخْبَتَ بِإِلَى وَبِاللَّامِ، وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ الدَّنِيءِ: الْخَبِيتُ. قَالَ الشَّاعِرُ:

يَنْفَعُ الطَّيِّبُ الْخَبِيتَ مِنَ الرِّزْ

قِ وَلَا يَنْفَعُ الْكَثِيرُ الخبيث

لَزِمَ الشَّيْءَ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَا يُفَارِقُهُ، وَمِنْهُ اللِّزَامُ. زَرَى يَزْرِي حَقُرَ، وَأَزْرَى عَلَيْهِ عَابَهُ، وَازْدَرَى افْتَعَلَ مِنْ زَرَى أَيِ: احْتَقَرَ. التَّنُّورُ مُسْتَوْقَدُ النَّارِ، وَوَزْنُهُ فَعُّولٌ عِنْدَ أَبِي عَلِيٍّ، وَهُوَ أَعْجَمِيٌّ وَلَيْسَ بِمُشْتَقٍّ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: وَزْنُهُ تَفْعُولٌ مِنَ النُّورِ، وَأَصْلُهُ تَنُوُورٌ فَهُمِزَتِ الْوَاوُ ثُمَّ خُفِّفَتْ، وَشُدِّدَ الْحَرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ كَمَا قَالَ:

رَأَيْتُ عَرَابَةَ اللَّوْسِيَّ يَسْمُو

إِلَى الْغَايَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ

يُرِيدُ عَرَابَةَ الْأَوْسِيَّ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ أَقْوَالٌ فِي التَّنُّورِ سَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا إِلَّا قَوْلَهُ: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ «1» الْآيَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ الْآيَةَ.

وَقَوْلُهُ: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ «2» نَزَلَتْ فِي ابْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ «3» نَزَلَتْ فِي نَبْهَانَ التَّمَّارِ.

وَكِتَابٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظُهُورُهُ بَعْدَ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ كَقَوْلِهِ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَأُحْكِمَتْ صِفَةٌ لَهُ. وَمَعْنَى الْإِحْكَامِ: نَظَمَهُ نَظْمًا رَضِيًّا لَا نَقْصَ فِيهِ وَلَا خَلَلَ، كَالْبِنَاءِ الْمُحْكَمِ. وَهُوَ الْمُوَثَّقُ فِي التَّرْصِيفِ، وَعَلَى هَذَا فَالْهَمْزَةُ فِي أَحُكِمَتْ لَيْسَتْ لِلنَّقْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلنَّقْلِ مِنْ حَكُمَ بِضَمِّ الْكَافِ إِذَا صَارَ حَكِيمًا، فالمعنى: جعلت

(1) سورة هود: 11/ 12.

(2)

سورة هود: 11/ 17.

(3)

سورة هود: 11/ 114. [.....]

ص: 118

حَكِيمَةً كَقَوْلِكَ: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ: الْكِتابِ الْحَكِيمِ «1» وَقِيلَ: مِنْ أَحْكَمْتُ الدَّابَّةَ إِذَا مَنَعَهَا مِنَ الْجِمَاحِ بِوَضْعِ الْحَكَمَةِ عَلَيْهَا، فَالْمَعْنَى: مُنِعَتْ مِنَ النِّسَاءِ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:

أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ

إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا

وَعَنْ قَتَادَةَ: أُحْكِمَتْ مِنَ الْبَاطِلِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أُحْكِمَتْ أُتْقِنَتْ شِبْهُ مَا يُحْكَمُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتْقَنَةِ الْكَامِلَةِ، وَبِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ الْقُرْآنُ فِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ فُصِّلَ بِتَقْطِيعِهِ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَثُمَّ عَلَى بَابِهَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْإِحْكَامِ وَالتَّفْصِيلِ. إِذِ الْإِحْكَامُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ، وَالتَّفْصِيلُ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَنْ يُفَصَّلُ لَهُ، وَالْكِتَابُ أَجْمَعُهُ مُحْكَمٌ مُفَصَّلٌ، وَالْإِحْكَامُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النَّسْخِ، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْإِجْمَالِ، إِنَّمَا يُقَالَانِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ بِاشْتِرَاكٍ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَوِّلِينَ: أُحْكِمَتْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَفُصِّلَتْ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: أُحْكِمَتْ مِنَ الْبَاطِلِ، وَفُصِّلَتْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَنَحْوِ هَذَا مِنَ التَّخْصِيصِ الَّذِي هُوَ صَحِيحُ الْمَعْنَى، وَلَكِنْ لَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ. وَقِيلَ: فُصِّلَتْ مَعْنَاهُ فُسِّرَتْ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ فُصِّلَتْ كَمَا تُفَصَّلُ الْقَلَائِدُ بِالدَّلَائِلِ مِنْ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالْأَحْكَامِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْقَصَصِ، أَوْ جُعِلَتْ فُصُولًا سُورَةً سُورَةً وَآيَةً آيَةً، أَوْ فُرِّقَتْ فِي التَّنْزِيلِ وَلَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، أَوْ فُصِّلَ بِهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ أَيْ بُيِّنَ وَلُخِّصَ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْجَحْدَرِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ: ثُمَّ فَصَلَتْ بفتحتين، خفيفة عَلَى لُزُومِ الْفِعْلِ لِلْآيَاتِ. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: يَعْنِي انْفَصَلَتْ وَصَدَرَتْ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَصَلَتْ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ مِنَ النَّاسِ، أَوْ نَزَلَتْ إِلَى النَّاسِ كَمَا تَقُولُ: فَصَلَ فُلَانٌ بِسَفَرِهِ.

قال الزمخشري: وقرىء أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ أَيْ: أَحْكَمْتُهَا أَنَا، ثُمَّ فَصَّلْتُهَا.

(فَإِنْ قُلْتَ) : مَا مَعْنَى ثُمَّ؟ (قُلْتُ) : لَيْسَ مَعْنَاهَا التَّرَاخِي فِي الْوَقْتِ وَلَكِنْ فِي الْحَالِ، كَمَا تَقُولُ: هِيَ مَحْكَمَةٌ أَحْسَنَ الْإِحْكَامِ، ثُمَّ مُفَصَّلَةٌ أَحْسَنَ التَّفْصِيلِ، وَفُلَانٌ كَرِيمُ الْأَصْلِ، ثُمَّ كَرِيمُ الْفِعْلِ انْتَهَى. يَعْنِي أَنَّ ثُمَّ جَاءَتْ لِتَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ لَا لِتَرْتِيبِ الْوُقُوعِ فِي الزَّمَانِ، وَاحْتَمَلَ مِنْ لَدُنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وَمَنْ أَجَازَ تَعْدَادَ الْأَخْبَارِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى خَبَرٍ وَاحِدٍ أَجَازَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنْ يَكُونَ صِلَةَ أُحْكِمَتْ وَفُصِّلَتْ أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ أَحْكَامُهَا وَتَفْصِيلُهَا. وَفِيهِ طِبَاقٌ حَسَنٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى أَحْكَمَهَا حَكِيمٌ وَفَصَّلَهَا

(1) سورة يونس: 10/ 1.

ص: 119

أَيْ: بَيَّنَهَا وَشَرَحَهَا خَبِيرٌ بِكَيْفِيَّاتِ الْأُمُورِ انْتَهَى. وَلَا يُرِيدُ أَنَّ مِنْ لَدُنْ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلَيْنِ مَعًا مِنْ حَيْثُ صِنَاعَةُ الْإِعْرَابِ، بَلْ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِعْمَالِ، فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَإِنْ لَا تَعْبُدُوا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنْ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، لِأَنَّ فِي تَفْصِيلِ الْآيَاتِ مَعْنَى الْقَوْلِ وَهَذَا أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِأَنْ لَا تَعْبُدُوا أَوْ بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا، فَيَكُونُ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، وَوُصِلَتْ أَنْ بِالنَّهْيِ. وَقِيلَ: أَنْ نَصَبَتْ لَا تَعْبُدُوا، فَالْفِعْلُ خَبَرٌ مَنْفِيٌّ. وَقِيلَ: أَنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَجُمْلَةُ النَّهْيِ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَفِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْعَامِلُ فُصِّلَتْ. وَأَمَّا مَنْ أَعْرَبَهُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ لَفْظِ آيَاتُ أَوْ مِنْ مَوْضِعِهَا، أَوِ التَّقْدِيرُ:

مِنَ النَّظَرِ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، أَوْ فِي الْكِتَابِ أَلَّا تَعْبُدُوا، أَوْ هِيَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا، أَوْ ضَمِنَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا، أو تفصله أَنْ لَا تَعْبُدُوا، فَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنْ عِلْمِ الْإِعْرَابِ. وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي مِنْهُ إِلَى اللَّهِ أَيْ: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مِنْ جِهَتِهِ وَبَشِيرٌ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَتُعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: كَائِنٌ مِنْ جِهَتِهِ. أَوْ تُعَلَّقُ بِنَذِيرٍ أَيْ: أُنْذِرُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ إِنْ كَفَرْتُمْ، وَأُبَشِّرُكُمْ بِثَوَابِهِ إِنْ آمَنْتُمْ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْكِتَابَةِ أَيْ: نَذِيرٌ لَكُمْ مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَبَشِيرٌ مِنْهُ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ بِهِ.

وَقُدِّمَ النَّذِيرُ لِأَنَّ التَّخْوِيفَ هُوَ الْأَهَمُّ. وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْ لَا تَعْبُدُوا، نَهْيٌ أَوْ نَفْيٌ أَيْ: لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ. وَأَمْرٌ بِالِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَبَايِنَانِ، لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ طَلَبُ الْمَغْفِرَةَ وَهِيَ السَّتْرُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهَا تَبِعَةٌ. وَالتَّوْبَةُ الِانْسِلَاخُ مِنَ الْمَعَاصِي، وَالنَّدَمُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهَا، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهَا. وَمَنْ قَالَ: الِاسْتِغْفَارُ تَوْبَةٌ، جَعَلَ قَوْلَهُ: ثُمَّ تُوبُوا، بِمَعْنَى أَخْلِصُوا التَّوْبَةَ وَاسْتَقِيمُوا عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَثُمَّ مُرَتِّبَةٌ، لِأَنَّ الْكَافِرَ أَوَّلُ مَا يُنِيبُ، فَإِنَّهُ فِي طَلَبِ مَغْفِرَةِ رَبِّهِ، فَإِذَا تَابَ وَتَجَرَّدَ مِنَ الْكُفْرِ تَمَّ إِيمَانُهُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : مَا مَعْنَى ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ؟ (قُلْتُ) : مَعْنَاهُ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَابْنُ هُرْمُزَ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: يُمْتِعْكُمْ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَمْتَعَ، وَانْتَصَبَ مَتَاعًا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ جَازَ عَلَى غَيْرِ الْفِعْلِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ. لِأَنَّكَ تَقُولُ: مَتَّعْتُ زَيْدًا ثَوْبًا، وَالْمَتَاعُ الْحَسَنُ الرِّضَا بِالْمَيْسُورِ وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَقْدُورِ، أَوْ حُسْنُ الْعَمَلِ وَقَطْعُ الْأَمَلِ، أَوِ النِّعْمَةُ الْكَافِيَةُ مَعَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، أَوِ الْحَلَالُ الَّذِي لَا طَلَبَ فِيهِ وَلَا تَعَبَ، أَوْ لُزُومُ الْقَنَاعَةِ وَتَوْفِيقُ الطَّاعَةِ أَقْوَالٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَطُولُ نَفْعُكُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَنَافِعَ حَسَنَةٍ مُرْضِيَةٍ، وَعِيشَةٍ وَاسِعَةٍ، وَنِعْمَةٍ مُتَتَابِعَةٍ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقِيلَ هُوَ فَوَائِدُ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ. لِأَنَّ الْكُفَّارَ يُشَارِكُونَ فِي ذَلِكَ

ص: 120

أَعْظَمَ مُشَارَكَةٍ، وَرُبَّمَا زَادُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَوَصْفُ الْمَتَاعِ بِالْحُسْنِ إِنَّمَا هُوَ لِطِيبِ عَيْشِ الْمُؤْمِنِ بِرَجَائِهِ فِي اللَّهِ عز وجل، وَفِي ثَوَابِهِ وَفَرَحِهِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِمَفْرُوضَاتِهِ، وَالسُّرُورِ بِمَوَاعِيدِهِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَالْأَجَلُ الْمُسَمَّى هُوَ أَجَلُ الْمَوْتِ قَالَهُ:

ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي فَضْلِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: يُعْطِي فِي الْآخِرَةِ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ، وَزِيَادَةً مَا تَفَضَّلَ بِهِ تَعَالَى وَزَادَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى كُلَّ أَيْ: جَزَاءُ ذَلِكَ الْفَضْلِ الَّذِي عَمَلَهُ فِي الدُّنْيَا لَا يُبْخَسُ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها «1» أَيْ جَزَاءَهَا. وَالدَّرَجَاتُ تَتَفَاضَلُ فِي الْجَنَّةِ بِتَفَاضُلِ الطَّاعَاتِ، وَتَقَدَّمَ أَمْرَانِ بَيْنَهُمَا تَرَاخٍ، وَرُتِّبَ عَلَيْهِمَا جَوَابَانِ بَيْنَهُمَا تَرَاخٍ، تَرَتَّبَ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ التَّمْتِيعُ الْمَتَاعُ الْحَسَنُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً «2» الْآيَةَ وَتَرَتَّبَ عَلَى التَّوْبَةِ إِيتَاءُ الْفَضْلِ فِي الْآخِرَةِ، وَنَاسَبَ كُلَّ جَوَابٍ لِمَا وَقَعَ جَوَابًا لَهُ، لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ أَوَّلُ حَالِ الرَّاجِعِ إِلَى اللَّهِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُرَتَّبَ عَلَيْهِ حَالُ الدُّنْيَا. وَالتَّوْبَةُ هِيَ الْمُنْجِيَةُ مِنَ النَّارِ، وَالَّتِي تُدْخِلُ الْجَنَّةَ، فَنَاسَبَ أَنْ يُرَتَّبَ عَلَيْهَا حَالُ الْآخِرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَوَلَّوْا مُضَارِعٌ حُذِفَ مِنْهُ التَّاءُ أَيْ: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا. وَقِيلَ: هُوَ مَاضٍ لِلْغَائِبِينَ، وَالتَّقْدِيرُ قِيلَ لَهُمْ: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ. وَقَرَأَ الْيَمَانِيُّ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ: وَإِنْ تَوَلَّوْا بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ، وَفَتْحِ الْوَاوِ، مُضَارِعُ وَلَّى، وَالْأُولَى مضارع أولى. وَفِي كِتَابِ اللَّوَامِحِ الْيَمَانِيُّ وَعِيسَى الْبَصْرَةِ: وَإِنْ تَوَلَّوْا بِثَلَاثِ ضَمَّاتٍ مُرَتَّبًا لِلْمَفْعُولِ بِهِ، وَهُوَ ضِدُّ التَّبَرِّي. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ: تُولُوا بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ، مُضَارِعُ أَوْلَى، وَوُصِفَ يَوْمٌ بِكَبِيرٍ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ. وَقِيلَ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ التي رموا فِيهَا بِالْخِذْلَانِ وَالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ وَأَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ كَبِيرٍ صِفَةٌ لعذاب، وخفض على الجواز. وَبَاقِي الْآيَةِ تَضَمَّنَتْ تَهْدِيدًا عَظِيمًا وَصَرَّحَتْ بِالْبَعْثِ، وَذَكَرَ أَنَّ قُدْرَتَهُ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ مَا يَشَاءُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْبَعْثُ، فَهُوَ لَا يُعْجِزُهُ مَا شَاءَ مِنْ عَذَابِهِمْ.

أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كَانَ يُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَيُحِبُّهُ وَيُضْمِرُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أيضا: فِي نَاسٍ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ فِي الْخَلَاءِ وَمُجَامَعَةِ النِّسَاءِ. وَقِيلَ: فِي بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ، كَانَ إِذَا مَرَّ بِالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ثَنَى صَدْرَهُ وَظَهْرَهُ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ وَغَطَّى وَجْهَهُ كَيْ لا يرى

(1) سورة هود: 11/ 15.

(2)

سورة نوح: 71/ 10- 11.

ص: 121

الرَّسُولَ قَالَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ. وَقِيلَ: فِي طَائِفَةٍ قَالُوا إِذَا أَغْلَقْنَا أَبْوَابَنَا، وَأَرْخَيْنَا سُتُورَنَا، وَاسْتَغْشَيْنَا ثِيَابَنَا، وَثَنَيْنَا صُدُورَنَا، عَلَى عَدَاوَتِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنَا؟ ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ. وَقِيلَ: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْعُدَ عَلَيْهِمْ صَوْتُ الرسول صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَدْخُلُ أَسْمَاعَهُمُ الْقُرْآنُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ.

ويثنون مُضَارِعُ ثَنَى قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُثْنُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ مُضَارِعُ أَثْنَى صُدُورَهُمْ بِالنَّصْبِ. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: وَلَا يُعْرَفُ الْإِثْنَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ وَجَدْتُهَا مَثْنِيَّةً مِثْلَ أَحْمَدْتُهُ وَأَمْجَدْتُهُ، وَلَعَلَّهُ فَتَحَ النُّونَ وَهَذَا مِمَّا فُعِلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ نَصْبُ صُدُورَهُمْ بِنَزْعِ الْجَارِ، وَيَجُوزُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ صُدُورُهُمْ رَفْعًا عَلَى الْبَدَلِ بَدَلَ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: مَاضِيهِ أَثْنَى، وَلَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ: عَرَّضُوهَا لِلْإِثْنَاءِ، كَمَا يُقَالُ: أَبِعْتَ الْفَرَسَ إِذَا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ.

وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَابْنَاهُ زَيْدٌ وَمُحَمَّدٌ، وَابْنُهُ جَعْفَرٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ يَعْمَرَ، وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى، وَالْجَحْدَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو رَزِينٍ، وَالضَّحَّاكُ:

تَثْنُونِي بِالتَّاءِ

مُضَارِعُ أَثْنَوْنِي عَلَى وَزْنِ افْعَوْعَلَ نَحْوَ اعْشَوْشَبَ الْمَكَانُ صُدُورُهُمْ بِالرَّفْعِ، بِمَعْنَى تَنْطَوِي صُدُورُهُمْ. وَقَرَأَ أَيْضًا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ يَعْمَرَ، وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ:

يَثْنُونِي بِالْيَاءِ صُدُورُهُمْ بِالرَّفْعِ، ذُكِّرَ عَلَى مَعْنَى الْجَمْعِ دُونَ الْجَمَاعَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا:

لَيَثْنُونَ بِلَامِ التَّأْكِيدِ فِي خَبَرِ إِنَّ، وَحَذْفِ الْيَاءِ تَخْفِيفًا وَصُدُورُهُمْ رُفِعَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَعُرْوَةُ، وَابْنُ أَبِي أَبْزَى، وَالْأَعْشَى: يَثَّنُّونَ وَوَزْنُهُ يَفْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنِّ، بُنِيَ مِنْهُ افْعَوْعَلَ وَهُوَ مَا هَشَّ وَضَعُفَ مِنَ الْكَلَأِ، وَأَصْلُهُ يَثْنَوْنَنَ يُرِيدُ مُطَاوَعَةَ نُفُوسِهِمْ لِلشَّيْءِ، كَمَا يَنْثَنِي الْهَشُّ مِنَ النَّبَاتِ. أَوْ أَرَادَ ضَعْفَ إِيمَانِهِمْ وَمَرَضَ قُلُوبِهِمْ وَصُدُورُهُمْ بِالرَّفْعِ. وَقَرَأَ عُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ هَمَزَ فَقَرَأَ يَثْنَئِنُّ مِثْلَ يَطْمَئِنُّ، وَصُدُورُهُمْ رُفِعَ، وَهَذِهِ مِمَّا اسْتُثْقِلَ فِيهِ الْكَسْرُ عَلَى الْوَاوِ كَمَا قِيلَ: أَشَاحَ. وَقَدْ قِيلَ أَنَّ يَثْنَئِنُّ يَفْعَئِلُّ مِنَ الثَّنِّ. الْمُتَقَدِّمِ، مِثْلَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ، فَحُرِّكَتِ الْأَلِفَ لِالْتِقَائِهِمَا بِالْكَسْرِ، فَانْقَلَبَتْ هَمْزَةً. وَقَرَأَ الْأَعْشَى: يَثْنَؤُونَ مِثْلَ يَفْعَلُونَ مَهْمُوزُ اللَّامِ، صُدُورَهُمْ بِالنَّصْبِ. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: وَلَا أَعْرِفُ وَجْهَهُ لِأَنَّهُ يُقَالُ: ثَنَيْتُ، وَلَمْ أَسْمَعْ ثَنَأْتُ. وَيَجُوزُ أَنَّهُ قَلَبَ الْيَاءَ أَلِفًا عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ: أَعْطَأْتُ فِي أَعْطَيْتُ، ثُمَّ هَمَزَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ: وَلَا الضَّالِّينَ «1» وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَثْنَوِي بِتَقْدِيمِ الثَّاءِ عَلَى النُّونِ، وَبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الْوَاوِ عَلَى وَزْنِ تَرْعَوِي. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ غَلَطٌ لَا تَتَّجِهُ انْتَهَى. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لا حظ الْوَاوَ فِي هَذَا الْفِعْلِ لَا يُقَالُ: ثَنَوْتُهُ فَانْثَوَى كما

(1) سورة فاتحة الكتاب: 1/ 7.

ص: 122

يُقَالُ: رَعَوْتُهُ أَيْ كَفَفْتُهُ فَارْعَوَى فَانْكَفَّ، وَوَزْنُهُ افْعَلَّ. وقرأ نضير بْنُ عَاصِمٍ، وَابْنُ يَعْمَرَ، وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ: يَنْثُونَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلَى الثَّاءِ، فَهَذِهِ عَشْرُ قِرَاءَاتٍ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ.

وَالضَّمِيرُ فِي إِنَّهُمْ عَائِدٌ عَلَى بَعْضِ مَنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم من الْكُفَّارِ أَيْ: يَطْوُونَ صُدُورَهُمْ على عداوته. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ يَزْوَرُّونَ عَنِ الْحَقِّ وَيَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأَنَّ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى الشَّيْءِ اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، وَمَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وَانْحَرَفَ ثَنَى عَنْهُ صَدْرَهُ وَطَوَى عَنْهُ كَشْحَهُ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ، يَعْنِي: وَيُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، فَلَا يُطْلِعُ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى ازْوِرَارِهِمْ. وَنَظِيرُ إِضْمَارِ يُرِيدُونَ، لِعَوْدِ الْمَعْنَى إِلَى إِضْمَارِهِ الْإِضْمَارُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ «1» مَعْنَاهُ: فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ. وَمَعْنَى أَلَا حِينَ: يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ وَيُرِيدُونَ الِاسْتِخْفَاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ أَيْضًا كَرَاهَةً لِاسْتِمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عليه السلام: جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ «2» انْتَهَى. فَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا هُوَ الْأَفْصَحُ الْأَجْزَلُ فِي الْمَعْنَى انْتَهَى. وَيَظْهَرُ مِنْ بَعْضِ أَسْبَابِ النُّزُولِ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَمَا

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قَالَ: قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارُ الَّذِينَ كَانُوا إِذَا لَقِيَهُمْ رسول الله صلى الله عليه وسلم تَطَامَنُوا وَثَنَوْا صُدُورَهُمْ كَالْمُتَسَتِّرِ، وَرَدُّوا إِلَيْهِ ظُهُورَهُمْ، وَغَشُوا وُجُوهَهُمْ بِثِيَابِهِمْ تَبَاعُدًا مِنْهُمْ وَكَرَاهِيَةً لِلِقَائِهِ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَيْهِ أَوْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَنَزَلَتِ الْآيَةِ انْتَهَى.

فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِيَسْتَخْفُوا مُتَعَلِقًا بُقُولِهِ: يَثْنُونَ، وَكَذَا قَالَ الْحَوْفِيُّ. وَقِيلَ: هِيَ اسْتِعَارَةٌ لِلْغِلِّ، وَالْحِقْدِ الَّذِي كَانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَطْوِي كَشْحَهِ عَلَى عَدَاوَتِهِ، وَيَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْهَا، فَمَعْنَى الْآيَةِ: أَلَا إِنَّهُمْ يُسِرُّونَ الْعَدَاوَةَ وَيَتَكَتَّمُونَ لَهَا، لِيَخْفَى فِي ظَنِّهِمْ عَنِ اللَّهِ عز وجل، وَهُوَ تَعَالَى حِينَ تَغَشِّيهِمْ بِثِيَابِهِمْ وَإِبْلَاغِهِمْ فِي التَّسَتُّرِ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حِينَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: يَعْلَمُ، وَكَذَا قَالَهُ الْحَوْفِيُّ لَا لِلْمُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَيُرِيدُونَ الِاسْتِخْفَاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: أَلَا حِينَ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أَيْ: أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَسْتَخْفُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَعْلَمُ.

وَقِيلَ: كَانَ بَعْضُهُمْ يَنْحَنِي عَلَى بَعْضٍ لِيَسَارِهِ فِي الطَّعْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبَلَغَ مِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ قَتَادَةُ: أَخْفَى مَا يَكُونُ إذا حتى ظَهْرَهُ وَاسْتَغْشَى ثَوْبَهُ، وَأَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ هِمَّتَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَطْوُونَهَا عَلَى الْكُفْرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُخْفُونَ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ الشَّحْنَاءِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُخْفُونَ لِيَسْمَعُوا كَلَامَ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَكْتُمُونَهَا إِذَا

(1) سورة الشعراء: 26/ 63.

(2)

سورة نوح: 71/ 7.

ص: 123

نَاجَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي أَمْرِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. وَقِيلَ: يَثْنُونَهَا حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعْنَى يَسْتَغْشُونَ:

يَجْعَلُونَهَا أَغْشِيَةً. وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَنْسَاءِ:

أَرْعَى النُّجُومَ وَمَا كُلِّفْتُ رِعْيَتَهَا

وَتَارَةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمَارِي

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالثِّيَابِ اللَّيْلُ، وَاسْتُعِيرَتْ لَهُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَلَاقَةِ بِالسَّتْرِ، لِأَنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُ كَمَا تَسْتُرُ الثِّيَابُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أَخْفَى لِلْوَيْلِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى حِينِ يَسْتَغْشُونَ. قال ابن عطية: ومن هَذَا الِاسْتِعْمَالِ قَوْلُ النَّابِغَةِ:

عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا

وَقُلْتُ أَلَمَّا أَصِحُّ وَالشَّيْبُ وَازِعُ

انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يُسِرُّونَ بِقُلُوبِهِمْ، وَمَا يُعْلِنُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ. وَقِيلَ: مَا يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وَمَا يُعْلِنُونَ بِالنَّهَارِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ سَرَائِرَهُمْ كَمَا يَعْلَمُ مَظْهَرَانِهِمْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ فِي عِلْمِهِ بَيْنَ إِسْرَارِهِمْ وَإِعْلَانِهِمْ، فَلَا وَجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إِلَى مَا يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفَاءِ وَاللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهُمْ، وَاسْتِغْشَائِهِمْ بِثِيَابِهِمْ، وَنِفَاقُهُمْ غَيْرُ نَافِقٍ عِنْدَهُ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْآيَةِ أَنَّهُ أَرَادَ بِمَا يُسِرُّونَ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ وَالْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْبُغْضِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَأَعْمَالُ الْقُلُوبِ خَفِيَّهٌ جِدًّا، وَأَرَادَ بِمَا يُعْلِنُونَ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنَ اسْتِدْبَارِهِمُ النبي صلى الله عليه وسلم وَتَغْشِيَةِ ثِيَابِهِمْ، وَسَدِّ آذَانِهِمْ وَهَذِهِ كُلُّهَا أَعْمَالٌ ظَاهِرَةٌ لَا تَخْفَى.

وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ: الدَّابَّةُ هُنَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى رِزْقٍ، وعلى اللَّهِ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا هُوَ تُفَضُّلٌ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ تَعَالَى أَنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أَبْرَزَهُ فِي حَيِّزِ الْوُجُوبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُسْتَقَرَّهَا حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَمُسْتَوْدَعَهَا الْمَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ.

وَعَنْهُ أَيْضًا: مُسْتَقَرَّهَا فِي الرَّحِمِ، وَمُسْتَوْدَعَهَا فِي الصُّلْبِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: مُسْتَقَرَّهَا فِي أَيَّامِ حَيَاتِهَا، وَمُسْتَوْدَعَهَا حِينَ تَمُوتُ وَحِينَ تُبْعَثُ. وَقِيلَ: مُسْتَقَرَّهَا فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ، وَمُسْتَوْدَعَهَا فِي الْقَبْرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا «1» وساءَتْ مُسْتَقَرًّا «2» وَقِيلَ: مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُهَا، وَمُسْتَوْدَعَهَا مَا تَصِيرُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: الْمُسْتَقَرُّ مَا حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَالْمُسْتَوْدَعُ مَا سَيُوجَدُ بَعْدَ الْمُسْتَقَرِّ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْمُسْتَقَرُّ مَكَانُهُ مِنَ الْأَرْضِ

(1) سورة الفرقان: 25/ 76.

(2)

سورة الفرقان: 25/ 66.

ص: 124

وَمَسْكَنُهُ، وَالْمُسْتَوْدَعُ حَيْثُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ مِنْ صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ أَوْ بَيْضَةٍ انْتَهَى.

وَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا مَصْدَرَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا اسْمَيْ مَكَانٍ، وَيَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الْفِعْلِ مِنْهُ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ أَيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمُسْتَوْدَعُ فِي اللَّوْحِ يَعْنِي: وَذِكْرُهَا مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ. وَقِيلَ: الْكِتَابُ هُنَا مَجَازٌ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ أَوْلَى.

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ: لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا، ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ قَادِرًا، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى فِي سُورَةِ يُونُسَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، تَقْدِيرُهُ قَبْلَ خَلْقِ السموات وَالْأَرْضِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ وَالْعَرْشَ كَانَا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلُ. قَالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ يَاقُوتَةً خَضْرَاءَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا بِالْهَيْبَةِ فَصَارَتْ مَاءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الْمَاءَ عَلَى مَتْنِهَا، ثُمَّ وَضَعَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ وَقَدْ قِيلَ لَهُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ الْمَاءُ؟ قَالَ: كَانَ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ، والظاهر تعلق لِيَبْلُوَكُمْ بِخَلَقَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَهَا مَسَاكِنَ لِعِبَادِهِ، وَيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيهَا بِفُنُونِ النِّعَمِ، وَيُكَلِّفَهُمْ فِعْلَ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابَ الْمَعَاصِي، فَمَنْ شَكَرَ وَأَطَاعَ أَثَابَهُ، وَمَنْ كَفَرَ وَعَصَى عَاقَبَهُ. وَلَمَّا أَشْبَهَ ذَلِكَ اخْتِبَارَ الْمُخْتَبِرِ قَالَ:

لِيَبْلُوَكُمْ، يُرِيدُ لِيَفْعَلَ بِكُمْ مَا يَفْعَلُ الْمُبْتَلِي لِأَحْوَالِكُمْ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. (فَإِنْ قُلْتَ) : كَيْفَ جَازَ تَعْلِيقُ فِعْلِ الْبَلْوَى؟ (قُلْتُ) : لِمَا فِي الِاخْتِبَارِ مِنْ مَعْنَى الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ طَرِيقُ اللَّهِ، فَهُوَ مَلَابِسٌ لَهُ كَمَا تَقُولُ: انْظُرْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ وَجْهًا، وَاسْتَمِعْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ صَوْتًا، لِأَنَّ النَّظَرَ وَالِاسْتِمَاعَ مِنْ طُرُقِ الْعِلْمِ انْتَهَى. وَفِي قَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ وَعَصَى عَاقَبَهُ، دَسِيسَةَ الِاعْتِزَالِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:

وَاسْتَمِعْ أَيُّهُمْ أَحْسَنَ صَوْتًا، فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ أَنَّ اسْتَمِعْ تُعَلَّقُ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا مِنْ غَيْرِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ سَلْ وَانْظُرْ، وَفِي جَوَازِ تَعْلِيقِ رَأْيِ الْبَصَرِيَّةِ خِلَافٌ. وَقِيلَ: لِيَبْلُوَكُمْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكُمْ، وَمَقْصِدُ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ الْبَشَرِ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُ الْفِعْلِ، وَخَلَقَكُمْ لِيَبْلُوكُمْ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ:

وَكَانَ خَلْقُهُ لَهُمَا لِمَنَافِعَ يَعُودُ عَلَيْكُمْ نَفْعُهَا فِي الدُّنْيَا دُونَ الْأُخْرَى، وَفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْلُوَكُمْ.

وَمَعْنَى أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا: أَهَذَا أَحْسَنُ أَمْ هَذَا.

قَالَ ابْنُ بَحْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَيُّكُمْ

ص: 125

أَحْسَنُ عَقْلًا، وَأَوْرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَأَسْرَعُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ»

وَلَوْ صَحَّ هَذَا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَزْهَدُ فِي اللَّهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَتْقَى لِلَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَكْثَرُكُمْ شُكْرًا.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : فَكَيْفَ قِيلَ: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَأَعْمَالُ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ الَّتِي تَتَفَاوَتُ إِلَى حَسَنٍ وَأَحْسَنَ، فَأَمَّا أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فَتَفَاوُتُهُمَا إِلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ؟ (قُلْتُ) : الَّذِينَ هُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا هُمُ الْمُتَّقُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إِلَى تَحْصِيلِ مَا هُوَ غَرَضُ الله منن عِبَادِهِ، فَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ، وَاطَّرَحَ ذِكْرَ مَنْ وَرَاءَهُمْ تَشْرِيفًا لَهُمْ وَتَنْبِيهًا عَلَى مَكَانِهِمْ منه، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ تَيَقُّظًا لِلسَّامِعِينَ وَتَرْغِيبًا فِي حِيَازَةِ فَضْلِهِمُ انْتَهَى. وَلَئِنْ قُلْتَ، خِطَابٌ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. وَقَرَأَ عِيسَى الثَّقَفِيُّ: وَلَئِنْ قُلْتُ بِضَمِّ التَّاءِ إِخْبَارًا عَنْهُ تَعَالَى، وَالْمَعْنَى: وَلَئِنْ قُلْتَ مُسْتَدِلًا عَلَى الْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، إِذْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ، دِلَالَةٌ عَلَى الْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ، فَمَتَى أَخْبَرَ بِوُقُوعِ مُمْكِنٍ وَقَعَ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِالْبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وَتَيَقَّنَ وقوعه. وقرىء: أَيُّكُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَوَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمُ:

ائْتِ السُّوقَ إِنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، بِمَعْنَى عَلَّكَ أَيْ: وَلَئِنْ قُلْتَ لَهُمْ لَعَلَّكُمْ مَبْعُوثُونَ بِمَعْنَى تَوَقَّعُوا بَعْثَكُمْ وَظُنُّوهُ، لَأَثْبَتُوا الْقَوْلَ بِإِنْكَارِهِ لَقَالُوا: وَيَجُوزُ أَنْ يُضَمَّنَ. قُلْتَ مَعْنَى ذَكَرْتَ انْتَهَى يَعْنِي: فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لِأَنَّهَا فِي مَوْضِعِ مَفْعُولِ ذَكَرْتَ، وَالظَّاهِرُ الْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الْقَوْلِ أَيْ: إِنَّ قَوْلَكَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ إِلَّا سِحْرٌ أَيْ بُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ كَبُطْلَانِ السِّحْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ مِنَ الْبَعْثِ. أَيْ: إِنَّ الْبَعْثَ. وَقِيلَ: أَشَارُوا بِهَذَا إِلَى الْقُرْآنِ، وَهُوَ النَّاطِقُ بِالْبَعْثِ، فَإِذَا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إِنْكَارُ مَا فِيهِ مِنَ الْبَعْثِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَّبُوا وَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ، فَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ إِنْ كَانَ مَفْطُورًا بِقُرُبَاتِ الله فاطر السموات وَالْأَرْضِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَرَّبِ بِهَذَا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْهُ بِكَثِيرٍ وَهُوَ البعث من القبور، إذا الْبَدَاءَةُ أَعْسَرُ مِنَ الْإِعَادَةِ، وإذ خلق السموات وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ انْتَهَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَالْأَعْرَجُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةُ، وَفِرْقَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ: سِحْرٌ. وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: سَاحِرٌ، يُرِيدُونَ وَالسَّاحِرُ كَاذِبٌ مُبْطِلٌ، وَلَئِنْ أَخَّرْنَا حَكَى تَعَالَى نَوْعًا آخَرَ مِنْ أَبَاطِيلِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ، وَالْعَذَابُ هُنَا عَذَابُ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: عَذَابُ يَوْمِ بَدْرٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَتْلُ جِبْرِيلَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَالظَّاهِرُ الْعَذَابُ الْمَوْعُودُ بِهِ، وَالْأُمَّةُ هُنَا الْمُدَّةُ مِنَ الزَّمَانِ قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْجُمْهُورُ، وَمَعْنَاهُ: إِلَى حِينٍ. وَوَقْتٍ مَعْلُومٍ مَا يَحْبِسُهُ اسْتِفْهَامٌ، قَالُوهُ وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: سُمِّيَتِ

ص: 126

الْمُدَّةُ أُمَّةً، لِأَنَّهَا يُقْضَى فِيهَا أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ وَتَحْدُثُ أُخْرَى، فَهِيَ عَلَى هَذَا الْمُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الْأَخْبَارَ بِأَنَّهُ يَوْمٌ لَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ وَلَا يَصْرِفُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ يَوْمَ مَنْصُوبٌ بِقَوْلِهِ:

مَصْرُوفًا، فَهُوَ مَعْمُولٌ لِخَبَرِ لَيْسَ. وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْهَا قَالُوا: لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْمَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ الْعَامِلِ، وَنُسِبَ هذا المذهب لسيبويه، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ.

وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَالْمُبَرِّدُ: إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَا يَدُلُّ جَوَازُ تَقَدُّمِ الْمَعْمُولِ عَلَى جَوَازِ تَقَدُّمِ الْعَامِلِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الظَّرْفَ الْمَجْرُورَ يَتَّسِعُ فِيهِمَا مَا لَا يَتَّسِعُ فِي غَيْرِهِمَا، وَيَقَعَانِ حَيْثُ لَا يَقَعُ الْعَامِلُ فِيهِمَا نَحْوَ: إِنَّ الْيَوْمَ زَيْدًا مُسَافِرٌ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِنْ دَوَاوِينِ الْعَرَبِ فَلَمْ أَظْفَرْ بِتَقَدُّمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْهَا، وَلَا بِمَعْمُولِهِ، إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:

فَيَأْبَى فَمَا يَزْدَادُ إِلَّا لَجَاجَةً

وَكُنْتُ أَبِيًّا فِي الْخَفَا لَسْتُ أَقْدُمُ

وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جُمْلَةِ وَحَاقَ بِهِمْ.

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ: لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى عَذَابَ الْكُفَّارِ وَإِنْ تَأَخَّرَ لَا بُدَّ أَنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِمْ وَكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ الْعَذَابَ لما جبلوا عليه من كُفْرِ نَعْمَاءِ اللَّهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِحْسَانِهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِمْ مِنْ فَخْرِهِمْ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ هُنَا هُوَ جِنْسٌ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ هَذَا الْخُلُقَ فِي سَجَايَا النَّاسِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُمُ الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَّرَائِعُ وَالْإِيمَانُ إِلَى الصَّبْرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا مُتَّصِلًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا بِالْإِنْسَانِ الْكَافِرُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ إِنْسَانٌ مُعَيَّنٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الوليد بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ. وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا وَمَعْنَى رَحْمَةً: نِعْمَةً مِنْ صِحَّةٍ، وَأَمْنِ وَجْدَةٍ، ثُمَّ نَزَعْنَاهَا أَيْ سلبناها منه. ويؤوس كَفُورٌ، صِفَتَا مُبَالَغَةٍ وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ شَدِيدُ الْيَأْسِ كَثِيرُهُ، يَيْأَسُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِّعْمَةِ الْمَسْلُوبَةِ، وَيَقْطَعُ رَجَاءَهُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ صَبْرٍ وَلَا تَسْلِيمٍ لِقَضَائِهِ. كَفُورٌ كَثِيرُ الْكُفْرَانِ، لِمَا سَلَفَ لِلَّهِ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ ذَكَرَ حَالَةَ الْإِنْسَانِ إِذْ بدىء بِالنِّعْمَةِ وَلَمْ يَسْبِقْهُ الضُّرُّ، ثُمَّ ذَكَرَ حَالَهُ إِذَا جَاءَتْهُ النِّعْمَةُ بَعْدَ الضُّرِّ. وَمَعْنَى ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ أَيِ: الْمَصَائِبُ الَّتِي تَسُوءُنِي. وَقَوْلُهُ هَذَا يَقْتَضِي نَظَرًا وَجَهْلًا، لِأَنَّ ذَلِكَ

ص: 127

بِإِنْعَامٍ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ اتِّفَاقٌ أو بعد، وَهُوَ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ. إِنَّهُ لَفَرِحٌ أَشِرٌ بَطِرٌ، وَهَذَا الْفَرَحُ مُطْلَقٌ، فَلِذَلِكَ ذُمَّ الْمُتَّصِفُ بِهِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ لِلْمَدْحِ إِلَّا مُقَيَّدًا بِمَا فِيهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ «1» وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: لَفَرِحٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَهِيَ قِيَاسُ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ فَعِلَ اللَّازِمِ. وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: لَفَرُحٌ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَهِيَ كَمَا تَقُولُ: نَدُسٌ، وَنَطُسٌ. وَفَخْرُهُ هُوَ تَعَاظُمُهُ عَلَى النَّاسِ بِمَا أَصَابَهُ مِنَ النَّعْمَاءِ، وَاسْتَثْنَى تَعَالَى الصَّابِرِينَ يَعْنِي عَلَى الضَّرَّاءِ وَعَامِلِي الصَّالِحَاتِ. وَمِنْهَا الشُّكْرُ عَلَى النَّعْمَاءِ. أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي زَوَالَ العقاب والخلاص منه، وأجر كَبِيرٌ هُوَ الْجَنَّةُ، فَيَقْتَضِي الْفَوْزَ بِالثَّوَابِ. وَوَصَفَ الْأَجْرَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرٌ، لِمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورفع التكاليف، والأمن الْعَذَابِ، وَرِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ، وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ.

فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ آيَاتٍ تَعَنُّتًا لَا اسْتِرْشَادًا، لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُسْتَرْشِدِينَ لَكَانَتْ آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ كَافِيَةً فِي رَشَادِهِمْ. وَمِنَ اقْتِرَاحَاتِهِمْ: لَوْلَا أَنْزِلُ عَلَيْهِ كَنْزٌ، أو جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، وَكَانُوا لَا يَعْتَدُّونَ بِالْقُرْآنِ، وَيَتَهَاوَنُونَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِمَّا جَاءَ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ، فَكَانَ يَضِيقُ صَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُلْقِيَ إِلَيْهِمْ مَا لَا يَقْبَلُونَهُ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَحَرَّكَ اللَّهُ مِنْهُ وَهَيَّجَهُ لِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَطَرَحَ الْمُبَالَاةَ بِرَدِّهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ وَاقْتِرَاحِهِمْ بِقَوْلِهِ: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ أَيْ: لَعَلَّكَ تَتْرُكُ أَنْ تُلْقِيَهُ إِلَيْهِمْ، وَتُبْلِغَهُ إِيَّاهُمْ مَخَافَةَ رَدِّهِمْ وَتَهَاوُنِهِمْ بِهِ، وَضَائِقٌ بِهِ صدرك بأن تتلوه عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا مَخَافَةَ أَنْ يَقُولُوا: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ، هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَا اقْتَرَحْنَا نَحْنُ مِنَ الْكَنْزِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ مَا لَا نُرِيدُهُ وَلَا نَقْتَرِحُهُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ أَيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُنْذِرَهُمْ بِمَا أُوحِيَ إِلَيْكَ، وَتُبْلِغَهُمْ مَا أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ، وَلَا عَلَيْكَ رَدُّوا أَوْ تَهَاوَنُوا أَوِ اقْتَرَحُوا، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يَحْفَظُ مَا يَقُولُونَ، وَهُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ مَا يجب أَنْ يَفْعَلَ، فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَكِلْ أَمْرَكَ إِلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كُفَّارِ قُرَيْشٍ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَوْ تَرَكْتَ سَبَّ آلِهَتِنَا وَتَسْفِيهَ آبَائِنَا لَجَالَسْنَاكَ وَاتَّبَعْنَاكَ، وَقَالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْأَقْوَالِ، فَخَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم على هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ الْمُخَاطَبَةِ، وَقَّفَهُ بِهَا تَوْقِيفًا رَادًّا

(1) سورة آل عمران: 3/ 170.

ص: 128

عَلَى أَقْوَالِهِمْ، وَمُبْطِلًا لَهَا. وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ عليه السلام هَمَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَطُّ تَرْكَ شَيْءٍ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَلَا ضَاقَ صَدْرُهُ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ. وَلَعَلَّكَ هَاهُنَا بِمَعْنَى التَّوْقِيفِ وَالتَّقْرِيرِ، وَمَا يُوحَى إِلَيْهِ هُوَ الْقُرْآنُ والشريعة وَالدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ كَانَ فِي ذَلِكَ سَبُّ آلِهَتِهِمْ، وَتَسْفِيهُ آبَائِهِمْ أَوْ غَيْرَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَظُمَ عَلَيْهِ مَا يَلْقَى مِنَ الشِّدَّةِ، فَمَالَ إِلَى أَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ إِذْنٌ فِي مُسَاهَلَةِ الْكُفَّارِ بَعْضَ الْمُسَاهَلَةِ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا جَاءَتْ آيات الموادعة. وعبر بضائق دُونَ ضَيِّقٍ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي اللَّفْظِ مَعَ تَارِكٌ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقٌ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا، لِأَنَّهُ وَصْفٌ لَازِمٌ، وَضَائِقٌ وَصْفٌ عَارِضٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:(فَإِنْ قُلْتَ) :

لِمَ عَدَلَ عَنْ ضِيقٍ إِلَى ضَائِقٍ؟ (قُلْتُ) : لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ضَيِّقٌ عَارِضٌ غَيْرُ ثَابِتٍ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَفْسَحَ النَّاسِ صَدْرًا. وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: سَيِّدٌ وَجَوَادٌ، تُرِيدُ السِّيَادَةَ وَالْجُودَ الثَّابِتَيْنِ الْمُسْتَقِرَّيْنِ، فَإِذَا أَرَدْتَ الْحُدُوثَ قُلْتَ: سَائِدٌ وَجَائِدٌ انْتَهَى. وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، بَلْ كُلُّ مَا يُبْنَى مِنَ الثُّلَاثِيِّ لِلثُّبُوتِ وَالِاسْتِقْرَارِ عَلَى غَيْرِ وَزْنِ فَاعِلٍ رُدَّ إِلَيْهِ إِذَا أُرِيدَ مَعْنَى الْحُدُوثِ، فَنَقُولُ: حَاسِنٌ مِنْ حَسُنَ، وَثَاقِلٌ مِنْ ثَقُلَ، وَفَارِحٌ مِنْ فَرِحَ، وَسَامِنٌ مِنْ سَمِنَ، وَقَالَ بَعْضُ اللُّصُوصِ يَصِفُ السِّجْنَ وَمَنْ سُجِنَ فِيهِ:

بِمَنْزِلَةٍ أَمَّا اللَّئِيمُ فَسَامِنٌ بِهَا

وَكِرَامُ النَّاسِ بَادٍ شُحُوبُهَا

وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي بِهِ عَلَى بَعْضٍ. وَقِيلَ: عَلَى مَا، وَقِيلَ: عَلَى التَّبْلِيغِ، وَقِيلَ: عَلَى التَّكْذِيبِ، قِيلَ وَلَعَلَّ هُنَا لِلِاسْتِفْهَامِ بِمَعْنَى هَلْ، وَالْمَعْنَى: هَلْ أَنْتَ تَارِكٌ مَا فِيهِ تَسْفِيهُ أَحْلَامِهِمْ وَسَبُّ آلِهَتِهِمْ كَمَا سَأَلُوكَ؟ وَقَدَّرُوا كَرَاهَتَهُ أَنْ يَقُولُوا، وَلِئَلَّا يَقُولُوا، وَبِأَنْ يَقُولُوا، ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ. وَالْكَنْزُ الْمَالُ الْكَثِيرُ. وَقَالُوا: أُنْزِلَ، وَلَمْ يَقُولُوا أُعْطِيَ، لِأَنَّ مُرَادَهُمُ التَّعْجِيزُ، وَأَنَّهُمُ الْتَمَسُوا أَنْ يُنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ كَنْزٌ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، فَإِنَّ الْكُنُوزَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَرْضِ. وَطَلَبُهُمْ آيَةً تَضْطَرُّ إِلَى الْإِيمَانِ، وَاللَّهُ عز وجل لَمْ يَبْعَثِ الْأَنْبِيَاءَ بِآيَاتِ اضْطِرَارٍ، إِنَّمَا بَعَثَهُمْ بِآيَاتِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَلَمْ يَجْعَلْ آيَةَ الِاضْطِرَارِ إِلَّا لِلْأُمَّةِ الَّتِي أَرَادَ تَعْذِيبَهَا لِكُفْرِهَا بَعْدَ آيَةِ الِاسْتِدْلَالِ، كَالنَّاقَةِ لِثَمُودَ. وَآنَسَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ، أَيِ: الَّذِي فُوِّضَ إِلَيْكَ هُوَ النِّذَارَةُ لَا تَحْصِيلُ هِدَايَتِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ مُقَاتِلٌ:

وَقِيلَ: كَافِلٌ بِالْمَصَالِحِ قَادِرٌ عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمُحْصِي لِإِيمَانِ مَنْ شَاءَ، وَكُفْرِ مَنْ شَاءَ. قِيلَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، وَقِيلَ: مَحْكَمَةٌ.

ص: 129

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَمْ مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ، وَالْهَمْزَةِ أَيْ: أَيَقُولُونَ افْتَرَاهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: أَمِ اسْتِفْهَامٌ تَوَسَّطَ الْكَلَامَ عَلَى مَعْنَى: أَيَكْتَفُونَ بِمَا أَوْحَيْتُ إِلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ، أَمْ يَقُولُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَإِنْ قَالُوا: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ انْتَهَى. فَجَعَلَ أَمْ مُتَّصِلَةً، وَالظَّاهِرُ الِانْقِطَاعُ كَمَا قُلْنَا، وَالضَّمِيرُ فِي افْتَرَاهُ عَائِدٌ عَلَى قَوْلِهِ: مَا يُوحَى إِلَيْكَ، وَهُوَ الْقُرْآنُ.

وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ أَطْمَاعُهُمْ بِأَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْهِ إِلَّا لِدَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي افْتَرَاهُ، وَإِنَّمَا تَحَدَّاهُمْ أَوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرَيَاتٍ قَبْلَ تَحَدِّيهِمْ بِسُورَةٍ، إِذْ كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، وَالْبَقَرَةُ مَدَنِيَّةً، وَسُورَةُ يُونُسَ أَيْضًا مَكِّيَّةً، وَمُقْتَضَى التَّحَدِّي بِعَشْرٍ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ طَلَبِ الْمُعَارَضَةِ بِسُورَةٍ، فَلَمَّا نَسَبُوهُ إِلَى الِافْتِرَاءِ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ إِرْخَاءً لِعِنَانِهِمْ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: هَبُوا إِنِّي اخْتَلَقْتُهُ وَلَمْ يُوحَ إِلَيَّ فَأْتُوا أَنْتُمْ بِكَلَامٍ مِثْلِهِ مُخْتَلَقٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، فَأَنْتُمْ عَرَبٌ فُصَحَاءُ مِثْلِي لَا تَعْجِزُونَ عَنْ مِثْلِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا عُيِّنَ بِقَوْلِهِ: مِثْلِهِ، فِي حُسْنِ النَّظْمِ وَالْبَيَانِ وَإِنْ كَانَ مُفْتَرًى. وَشَأْنُ مَنْ يُرِيدُ تَعْجِيزَ شَخْصٍ أَنْ يُطَالِبَهُ أَوَّلًا بِأَنْ يَفْعَلَ أَمْثَالًا مِمَّا فَعَلَ هُوَ، ثُمَّ إِذَا تَبَيَّنَ عَجْزُهُ قَالَ لَهُ: افْعَلْ مِثْلًا وَاحِدًا وَمِثْلُ يُوصَفُ بِهِ الْمُفْرَدُ وَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا «1» وَتَجُوزُ الْمُطَابَقَةُ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ «2» وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ «3» وَإِذَا أُفْرِدَ وَهُوَ تَابِعٌ لِمُثَنًّى أَوْ مَجْمُوعٍ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ الْمُثَنَّى، وَالْمَجْمُوعِ أَيْ: مِثْلَيْنِ وَأَمْثَالٍ. وَالْمَعْنَى هُنَا بِعَشْرِ سُوَرٍ أَمْثَالِهِ ذَهَابًا إِلَى مُمَاثَلَةِ كُلِّ سُورَةٍ مِنْهَا لَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَعَ التَّحَدِّي فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِعَشْرٍ لِأَنَّهُ قَيَّدَهَا بِالِافْتِرَاءِ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِي الْقَدْرِ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ غَايَةَ الْقِيَامِ، إِذْ قَدْ عَجَّزَهُمْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ دُونَ تَقْيِيدٍ، فَهِيَ مُمَاثَلَةٌ تَامَّةٌ فِي غُيُوبِ الْقُرْآنِ وَنَظْمِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَعُجِّزُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنْ قِيلَ لَهُمْ: عَارِضُوا الْقَدْرَ مِنْهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهِ فِي التَّقْدِيرِ، وَالْغَرَضُ وَاحِدٌ، وَاجْعَلُوهُ مُفْتَرًى لَا يَبْقَى لَكُمْ إِلَّا نَظْمُهُ، فَهَذِهِ غَايَةُ التَّوْسِعَةِ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَارِضُوا عَشْرَ سُوَرٍ بِعَشْرٍ، لِأَنَّ هَذِهِ إِنَّمَا كَانَتْ تَجِيءُ مُعَارَضَةَ سُورَةٍ بِسُورَةٍ مُفْتَرَاةٍ، وَلَا يُبَالِي عَنْ تَقْدِيمِ نُزُولِ هَذِهِ عَلَى هَذِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا النَّظَرَ أَنَّ التَّكْلِيفَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ

(1) سورة المؤمنون: 23/ 47.

(2)

سورة محمد: 47/ 18.

(3)

سورة الواقعة: 56/ 23.

ص: 130

الرَّيْبِ، وَلَا يُزِيلُ الرَّيْبَ إِلَّا الْعِلْمُ بِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ التَّامَّةِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّمَا التَّكْلِيفُ بِسَبَبِ قَوْلِهِمُ: افْتَرَاهُ وَكُلِّفُوا نَحْوَ مَا قَالُوا: وَلَا يَطَّرِدُ هَذَا فِي آيَةِ يُونُسَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ مُقَدَّمَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى تِلْكَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ السُّورَةُ الْوَاحِدَةُ إِلَّا مُفْتَرَاةً، وَآيَةُ سُورَةِ يُونُسَ فِي تَكْلِيفِ سُورَةٍ مُرَتَّبَةٍ عَلَى قَوْلِهِمُ افْتَرَاهُ، وَكَذَلِكَ آيَةُ الْبَقَرَةِ إِنَّمَا رَمَتْهُمْ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُفْتَرًى. وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ لَمْ يَلْحَظِ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّكْلِيفَيْنِ فِي كَمَالِ الْمُمَاثَلَةِ مَرَّةً، وَوُقُوفِهَا عَلَى النَّظْمِ مَرَّةً انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: مِثْلِهِ، لَا يُرَادُ بِهِ الْمِثْلِيَّةُ فِي كَوْنِ الْمُعَارِضِ عَشْرَ سُورٍ، بَلْ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلَى مُمَاثَلَةٍ فِي مِقْدَارٍ مَا مِنَ الْقُرْآنِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ السُّوَرَ الَّتِي وَقَعَ بِهَا طَلَبُ الْمُعَارَضَةِ لَهَا هِيَ مُعَيَّنَةٌ الْبَقَرَةُ، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَالْأَنْفَالُ، وَالتَّوْبَةُ، وَيُونُسُ، وَهُودٌ. فَقَوْلُهُ: مِثْلِهِ، أَيْ مِثْلُ هَذِهِ عَشْرُ السُّوَرِ، وَهَذِهِ السُّوَرُ أَكْثَرُهَا مَدَنِيٌّ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بمكة عَلَى مَا لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ؟ وَلَعَلَّ هَذَا لَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالضَّمِيرُ فِي فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، عَائِدٌ عَلَى مَنْ طَلَبَ مِنْهُمُ الْمُعَارَضَةَ، وَلَكُمْ الضَّمِيرُ جَمْعٌ يَشْمَلُ الرسول والمؤمنين. وجوز أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، كَمَا جَاءَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ «1» قَالَهُ: مُجَاهِدٌ. وَقِيلَ:

ضَمِيرُ يَسْتَجِيبُوا عَائِدٌ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ، وَلَكُمْ خِطَابٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِدُعَاءِ مَنِ اسْتَطَاعُوا قَالَهُ الضَّحَّاكُ أَيْ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَنْ تَدْعُونَهُ إِلَى المعارضة فأذعنوا حينئذ، واعلموا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّهُ أُنْزِلَ مُلْتَبِسًا بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنْ نَظْمٍ مُعْجِزٍ لِلْخَلْقِ، وَإِخْبَارٍ بِغُيُوبٍ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ. وَأَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ تَوْحِيدَهُ وَاجِبٌ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ أَيْ تَابِعُونَ لِلْإِسْلَامِ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ؟ وَعَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعْنًى فَاعْلَمُوا أَيْ: دُومُوا عَلَى الْعِلْمِ وَازْدَادُوا يَقِينًا وَثَبَاتَ قَدَمٍ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَمَعْنَى فَهَلْ أنتم مسلمون:

أي مخلصو الْإِسْلَامِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بِعِلْمِ اللَّهِ، بِإِذْنِ اللَّهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بِأَمْرِهِ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ:

مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا عَائِدٌ عَلَى مَنِ اسْتَطَعْتُمْ، وَفِي لَكُمْ عَائِدٌ عَلَى الْكُفَّارِ، لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَلِكَوْنِ الْخِطَابِ يَكُونُ لِوَاحِدٍ.

وَلِتَرَتُّبِ الْجَوَابِ عَلَى الشَّرْطِ تَرَتُّبًا حَقِيقِيًا مِنَ الْأَمْرِ بِالْعِلْمِ، وَلَا يَتَحَرَّرُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فَدُومُوا عَلَى الْعِلْمِ، وَدُومُوا عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلِأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ تَحْرِيضًا عَلَى تَحْصِيلِ الْإِسْلَامِ، لَا أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْإِخْلَاصُ، وَلَمَّا طُولِبُوا بِالْمُعَارَضَةِ وَأُمِرُوا بِأَنْ يَدْعُوا مَنْ يُسَاعِدُهُمْ عَلَى تَمَكُّنِ الْمُعَارَضَةِ، وَلَا اسْتَجَابَ أَصْنَامُهُمْ وَلَا آلهتهم لهم، أمروا

(1) سورة القصص: 28/ 50.

ص: 131

بِأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَيْسَ مُفْتَرًى فَتُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْأُلُوهِيَّةِ لَا يَشْرَكُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا آلِهَتُهُمْ وَأَصْنَامُهُمْ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجِيبُوا لِظُهُورِ عَجْزِهِمْ، وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَطَالِبِ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّمَا نَزَّلَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّايِ وَتَشْدِيدِهَا، وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةً أَيْ: إِنَّ التَّنْزِيلَ. وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ: إِنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ، وَحُذِفَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِوُجُودِ جَوَازِ الْحَذْفِ.

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لَا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ:

مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا، أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ الْكُفَّارِ الْمُنَاقِضِينَ فِي الْقُرْآنِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِهِمُ الدنيوية وما يؤولون إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. وَظَاهِرٌ مِنَ الْعُمُومِ فِي كُلِّ مَنْ يُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْجَزَاءُ مَقْرُونٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ «1» الآية. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ فِي الْكَفَرَةِ، وَفِي أَهْلِ الرِّيَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَعُونَةُ حِينَ حُدِّثَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمُرَائِينَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ أَنَسٌ: هِيَ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ جَاهَدُوا مَعَ الرَّسُولِ فَأَسْهَمَ لَهُمْ، وَمَعْنَى يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا أَيْ يَقْصِدُ بِأَعْمَالِهِ الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّهَا صَالِحَةٌ الدُّنْيَا فَقَطْ، وَلَا يَعْتَقِدُ آخِرَةً. فَإِنَّ اللَّهَ يُجَازِيهِ عَلَى حُسْنِ أَعْمَالِهِ كَمَا جَاءَ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعِمُهُ فِي الدُّنْيَا بِحَسَنَاتِهِ. وَإِنِ انْدَرَجَ فِي الْعُمُومِ الْمُرَاءُونَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَمَا تَرَى أَحَدَهُمْ إِذَا صَلَّى إِمَامًا يَتَنَغَّمُ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، وَيُرَتِّلُهُ أَحْسَنَ تَرْتِيلٍ، وَيُطِيلُ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَيَتَبَاكَى فِي قِرَاءَتِهِ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ اخْتَلَسَهَا اخْتِلَاسًا، وَإِذَا تَصَدَّقَ أَظْهَرَ صَدَقَتَهُ أَمَامَ مَنْ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَدَفَعَهَا لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا حَتَّى يُثْنِيَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَأَهْلُ الرِّبَاطِ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ.

وَأَيْنَ هَذَا مِنْ رَجُلٍ يَتَصَدَّقُ خُفْيَةً وَعَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، كما

جاء في: «السبعة الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظله، ورجل تصدق بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالَهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ»

وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ جِدًّا، وَإِذَا تَعَلَّمَ عِلْمًا رَاءَى بِهِ وَتَبَجَّحَ، وَطَلَبَ بِمُعْظَمِهِ يَسِيرَ حُطَامٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا. وَقَدْ فَشَا الرِّيَاءُ فِي هذه الأمة فُشُوًّا كَثِيرًا حَتَّى لَا تَكَادَ تَرَى مُخْلِصًا لِلَّهِ لَا فِي قَوْلٍ، وَلَا فِي فِعْلٍ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَوَّلِ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النار يوم القيامة.

(1) سورة الإسراء: 17/ 18. [.....]

ص: 132

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: نُوَفِّ بِنُونِ الْعَظَمَةِ، وَطَلْحَةُ بْنُ مَيْمُونٍ: يُوَفِّ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُوفِ بِالْيَاءِ مُخَفَّفًا مُضَارِعُ أوفى. وقرىء تُوَفَّ بِالتَّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأعمالهم بِالرَّفْعِ، وَهُوَ عَلَى هَذِهِ القراآت مَجْزُومٌ جَوَابُ الشَّرْطِ، كَمَا انْجَزَمَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ «1» وَحُكِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّ كَانَ زَائِدَةٌ، وَلِهَذَا جُزِمَ الْجَوَابُ.

وَلَعَلَّهُ لَا يَصِحُّ، إِذْ لَوْ كَانَتْ زَائِدَةً لَكَانَ فِعْلُ الشَّرْطِ يُرِيدُ، وَكَانَ يَكُونُ مَجْزُومًا، وَهَذَا التَّرْكِيبُ مِنْ مَجِيءِ فِعْلِ الشَّرْطِ مَاضِيًا وَالْجَوَابِ مُضَارِعًا لَيْسَ مَخْصُوصًا بِكَانَ، بَلْ هُوَ جَائِزٌ فِي غَيْرِهَا. كَمَا رُوِيَ فِي بَيْتِ زُهَيْرٌ:

وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ

وَلَوْ رَامَ أَنْ يَرْقَى السَّمَاءَ بِسُلَّمِ

وقرأ الحسن: نوفي بِالتَّخْفِيفِ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِحَذْفِ الْحَرَكَةِ الْمُقَدَّرَةِ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: أَلَمْ يَأْتِيكَ وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا كَمَا ارْتَفَعَ فِي قَوْلِ الشاعر:

وَإِنْ شُلَّ رَيْعَانُ الْجَمِيعِ مَخَافَةً

يَقُولُ جِهَارًا وَيْلَكُمْ لَا تَنْفِرُوا

وَالْحَصْرُ فِي كَيْنُونَةِ النَّارِ لَهُمْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْآيَةَ فِي الْكُفَّارِ، فَإِنِ انْدَرَجَ أَهْلُ الرِّيَاءِ فِيهَا فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي حَقِّهِمْ: ليس يجب لهم ولا يَحِقُّ لَهُمْ إِلَّا النَّارُ كَقَوْلِهِ: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ «2» وَجَائِزٌ أَنْ يَتَغَمَّدَهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مَا صَنَعُوا فِيهَا، الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الآخرة، والمجرور مُتَعَلِّقٌ بِحَبِطَ، وَالْمَعْنَى: وَظَهَرَ حُبُوطُ مَا صَنَعُوا فِي الْآخِرَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: صَنَعُوا، فَيَكُونُ عَائِدًا عَلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، كَمَا عَادَ عَلَيْهَا فِي فِيهَا قبل. وما في فيما اصنعوا بمعنى الذي، أو مصدرية، وباطل وما بعده توكيد لِقَوْلِهِ: وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا، وَبَاطِلٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ إِنْ كَانَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ، وَمَا كَانُوا هُوَ الْمُبْتَدَأُ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ ارْتَفَعَ مَا بِبَاطِلٍ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: وَبَطَلَ جَعَلَهُ فِعْلًا مَاضِيًا. وَقَرَأَ أُبَيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: وَبَاطِلًا بِالنَّصْبِ، وَخَرَّجَهُ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَيَعْمَلُونَ، فَهُوَ مَعْمُولُ خَبَرِ كَانَ مُتَقَدِّمًا. وَمَا زَائِدَةٌ أَيْ: وَكَانُوا يَعْمَلُونَ بَاطِلًا، وَفِي جَوَازِ هَذَا التَّرْكِيبِ خِلَافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُ الْخَبَرِ عَلَى الْجُمْلَةِ بأسرها من كان اسمها وَخَبَرِهَا، وَيَشْهَدُ لِلْجَوَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ «3» ومن منع

(1) سورة الشورى: 42/ 20.

(2)

سورة النساء: 4/ 93.

(3)

سورة سبأ: 34/ 40.

ص: 133

تَأَوَّلَ. وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَنْتَصِبَ بَاطِلًا عَلَى مَعْنَى الْمَصْدَرِ عَلَى بَطَلَ بُطْلَانًا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَتَكُونُ مَا فَاعِلَةً، وَتَكُونُ مِنْ إِعْمَالِ الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْأَمْرِ، وَحَقَّ أَنْ يُبْطِلَ أَعْمَالَهُمْ لِأَنَّهَا لَمْ تُعْمَلْ لِوَجْهٍ صَحِيحٍ، وَالْعَمَلُ الْبَاطِلُ لَا ثَوَابَ لَهُ.

أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ: لَمَّا ذَكَرَ حَالَ مَنْ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَكَرَ حَالَ مَنْ يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَحُذِفَ الْمُعَادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْهَمْزَةُ وَالتَّقْدِيرُ: كَمَنْ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَكَثِيرًا مَا حُذِفَ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً «1» وقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ «2» وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ، لَا تَعْقِبُونَهُمْ فِي الْمَنْزِلَةِ وَلَا تُفَارِقُونَهُمْ، يُرِيدُ أَنَّ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ تَفَاوُتًا بَعِيدًا وَتَبَايُنًا بَيِّنًا، وَأَرَادَ بِهِمْ مَنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَيْ: عَلَى بُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيَانٍ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ حَقٌّ وَهُوَ دَلِيلُ الْعَقْلِ، وَيَتْلُوهُ وَيَتْبَعُ ذَلِكَ الْبُرْهَانَ شَاهِدٌ مِنْهُ أَيْ: شَاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ مِنْهُ مِنَ اللَّهِ، أَوْ شَاهِدٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنْ قَبْلِهِ. وَمِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ كِتَابُ مُوسَى وَهُوَ التَّوْرَاةُ أَيْ: وَيَتْلُو ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ كِتَابُ مُوسَى. وقرىء كِتَابَ مُوسَى بِالنَّصْبِ، وَمَعْنَاهُ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، وَيَتْلُوهُ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ شَاهِدٌ مِنْهُ، شَاهِدٌ مِمَّنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ:

وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ «3» قُلْ: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ «4» وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى وَيَتْلُوهُ وَمِنْ قَبْلِ التَّوْرَاةِ إِمَامًا كِتَابًا مُؤْتَمًّا فِي الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ انْتَهَى. وَقِيلَ فِي أَفَمَنْ كَانَ: الْمُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ،

وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ: مُحَمَّدٌ وَالْمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، وَالْبَيِّنَةُ الْقُرْآنُ أَوِ الرَّسُولُ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالشَّاهِدُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَعِكْرِمَةُ: هُوَ جِبْرِيلُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هُوَ الرَّسُولُ.

وَقَالَ أَيْضًا مُجَاهِدٌ: هُوَ مَلَكٌ وَكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ. قَالَ ابْنُ عطية:

(1) سورة فاطر: 35/ 8.

(2)

سورة الزمر: 39/ 9.

(3)

سورة الأحقاف: 46/ 10.

(4)

سورة الرعد: 13/ 43.

ص: 134

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألفاظ جبريل،

وقيل: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

وَرَوَى الْمِنْهَالُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: مَا فِي قُرَيْشٍ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَمَا نَزَلَ فِيكَ؟ قَالَ: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وَقِيلَ: هُوَ الْإِنْجِيلُ قَالَهُ: الْفَرَّاءُ. وَقِيلَ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: هُوَ إِعْجَازُ الْقُرْآنِ قَالَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ،

وَقِيلَ: صُورَةُ الرسول صلى الله عليه وسلم وَوَجْهُهُ وَمَخَايِلُهُ، لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ نَظَرَ إِلَيْهِ عَلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وَقِيلَ: هو أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ يَعُودُ إِلَى الدِّينِ أَوْ إِلَى الرَّسُولِ، أَوْ إِلَى الْقُرْآنِ. وَيَتْلُوهُ بِمَعْنَى يَتْبَعُهُ، أَوْ يَقْرَؤُهُ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِي يَتْلُوهُ وَالْمَنْصُوبُ وَالْمَجْرُورُ فِي مِنْهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَا يُنَاسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِنْ هَذِهِ.

وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ: كِتَابُ مُوسَى بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ. وَإِذَا لَمْ يُعْنَ بِالشَّاهِدِ الْإِنْجِيلُ فَإِنَّمَا خَصَّ التَّوْرَاةَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّ الْمِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتَانِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالْإِنْجِيلُ يُخَالِفُ فِيهِ الْيَهُودُ، فَكَانَ الِاسْتِشْهَادُ بِمَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ أَوْلَى. وَهَذَا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الْجِنِّ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى «1» وَمَعَ قَوْلِ النَّجَاشِيِّ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ.

وَانْتَصَبَ إِمَامًا عَلَى الْحَالِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْكُفَّارَ وَأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا النَّارُ، أَعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِمْ، وَالشَّاهِدُ الْقُرْآنُ، وَمِنْهُ عَائِدٌ عَلَى رَبِّهِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ الْقُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: وَمِنْ قَبْلِهِ، أَيْ: وَمِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ كِتَابُ موسى، فمعناه: أنه تضافر عَلَى هِدَايَتِهِ شَيْئَانِ: كَوْنُهُ عَلَى أَمْرٍ وَاضِحٍ مِنْ بُرْهَانِ الْعَقْلِ، وَكَوْنُهُ يُوَافِقُ ذَلِكَ الْبُرْهَانُ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ الْإِلَهِيَّيْنِ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ. وَالْإِشَارَةُ بِأُولَئِكَ إِلَى مَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ رَاعَى مَعْنَى مَعَ، فَجَمَعَ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ يَعُودُ إِلَى التَّوْرَاةِ، أَوْ إِلَى الْقُرْآنِ، أَوْ إِلَى الرَّسُولِ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. وَالْأَحْزَابُ جَمِيعُ الْمِلَلِ قَالَهُ: ابْنُ جُبَيْرٍ، أَوْ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، قَالَهُ قَتَادَةُ. أَوْ قُرَيْشٌ قَالَهُ: السُّدِّيُّ، أَوْ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو الْمُغِيرَةِ بن عبد الله المخزومي، وَآلُ أَبِي طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ ضَامَّهُمْ مِنَ الْمُتَحَزِّبِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْتَهَى. فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ أَيْ: مَكَانُ وَعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إِلَيْهِ. وَقَالَ حَسَّانُ:

أَوْرَدْتُمُونَا حِيَاضَ الْمَوْتِ ضَاحِيَةً

فَالنَّارُ موعدها والموت لاقيها

(1) سورة الأحقاف: 46/ 30.

ص: 135

وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: عَلَى الْخَبَرِ، بِأَنَّ الْكُفَّارَ مَوْعِدُهُمُ النَّارُ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فِي مِرْيَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهِيَ لُغَةُ الْحِجَازِ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ السُّدُوسِيُّ، وَالْحَسَنُ: بِضَمِّهَا وَهِيَ لُغَةُ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ وَالنَّاسُ أَهْلُ مَكَّةَ قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ جَمِيعُ الْكُفَّارِ مِنْ شَاكٍّ وَجَاهِلٍ وَمُعَانِدٍ قاله: صاحب العتيان.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ. أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ. لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ: لَمَّا سَبَقَ قَوْلُهُمْ: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَهُمُ الْمُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ الْوَلَدَ، وَاتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وَحَرَّمُوا وَحَلَّلُوا مِنْ غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وَعَرْضُهُمْ عَلَى اللَّهِ بِمَعْنَى التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ وَالْإِشَارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وَإِلَّا فَالطَّائِعُ وَالْعَاصِي يُعْرَضُونَ عَلَى اللَّهِ عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا

«1» وَالْأَشْهَادُ: جَمْعُ شَاهِدٍ، كَصَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ، أَوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ، وَالْأَشْهَادُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا، أَوِ الْأَنْبِيَاءُ، أَوْ هما والمؤمنون، أَوْ مَا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْضَائِهِمْ أَقْوَالٌ. وَفِي قَوْلِهِ: هَؤُلَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْقِيرِهِمْ وَإِصْغَارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وَفِي قَوْلِهِ: عَلَى رَبِّهِمْ أَيْ: عَلَى مَنْ يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيَمْلِكُ نَوَاصِيَهُمْ، وَكَانُوا جَدِيرِينَ أَنْ لَا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ إِذَا رَأَيْتَ مُجْرِمًا: هَذَا الَّذِي فَعَلَ كَذَا وَكَذَا. وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْجُمْلَةِ بَعْدَ هَذَا.

وَهُمْ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وَهُمْ، وَقَوْلُهُ: مُعْجِزِينَ، أَيْ كَانُوا لَا يُعْجِزُونَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُعَاقِبَهُمْ لَوْ أَرَادَ عِقَابَهُمْ، وَمَا كَانَ لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ وَيَمْنَعُهُمْ مِنَ الْعِقَابِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ إِنْظَارَهُمْ وَتَأْخِيرَ عِقَابِهِمْ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهُوَ كَلَامُ الْأَشْهَادِ يَعْنِي: أَنَّ كَلَامَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ هَؤُلَاءِ إِلَى آخِرِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ وما كان لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ. وَقَدْ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ، وَيَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ «2» الْآيَةَ فَكَمَا أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنَا يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ يُشَدَّدُ وَيَكْثُرُ، وَهَذَا اسْتِئْنَافُ

(1) سورة الكهف: 18/ 48.

(2)

سورة الأعراف: 7/ 44.

ص: 136

إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا إِلَى الْكُفْرِ بِالْبَعْثِ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَصَدَّ عِبَادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَبَغْيَ الْعِوَجِ لَهَا، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ. مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، وَلِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم.

وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ أَيْ: يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. أَلَا تَرَى إِلَى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الْكُرْسُفِ، وَإِبَايَةِ قُرَيْشٍ أَنْ يَسْمَعُوا مَا نُقِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ كَلَامِ الرَّسُولِ حَتَّى تَرُدَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهُمْ؟ أَوْ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ إِذَا ضُعِّفَ لَهُمُ الْعَذَابُ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَمَاعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلَا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وَقِيلَ: الضَّمِيرَ فِي كَانُوا عَائِدٌ عَلَى أَوْلِيَاؤُهُمْ آلِهَتُهُمْ أَيْ: فَمَا كَانَ لَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ. وَيَعْنِي أَنَّهُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْمَعَ وَلَا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلَايَةِ؟ وَيَكُونُ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ اعْتِرَاضًا، وَمَا عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ نَفْيٌ. وَقِيلَ: مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مُدَّةَ اسْتِطَاعَتِهِمُ السَّمْعَ وَإِبْصَارِهِمْ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعَذَابَ وَتَضْعِيفَهُ دَائِمٌ لَهُمْ مُتَمَادٍ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةً، وَحُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ مِنْهَا كَمَا يُحْذَفُ مَعَ أَنْ وَإِنْ أُخْتَيْهَا، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ فِي اللَّفْظِ وَفِي الْمَعْنَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَرَادَ أَنَّهُمْ لِفَرْطِ تَصَامِّهِمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَكَرَاهَتِهِمْ لَهُ كَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، وَلَعَلَّ بَعْضَ الْمُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إِذَا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النَّاسَ يَقُولُونَ فِي كُلِّ لِسَانٍ هَذَا الْكَلَامُ لَا أَسْتَطِيعُ أَسْمَعُهُ، وَهَذَا مِمَّا يَمُجُّهُ سَمْعِي انْتَهَى. يَعْنِي: أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا قُدْرَةَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَفَى عَنْهُ اسْتِطَاعَةَ السَّمْعِ، وَإِذَا انْتَفَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مِنْهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي السَّفَهِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَخُسْرَانِهِمْ أنفسهم، كونهم اشْتَرَوْا عِبَادَةَ الْآلِهَةِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَخَسِرُوا فِي تِجَارَتِهِمْ خُسْرَانًا لَا خُسْرَانَ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: رَاحَةُ أَوْ سَعَادَةُ أَنْفُسِهِمْ، وَإِلَّا فَأَنْفُسُهُمْ بَاقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ.

وَبَطَلَ عَنْهُمْ مَا افْتَرَوْهُ مِنْ عِبَادَةِ الْآلِهَةِ، وَكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفَاعَتَهَا إِذَا رَأَوْا أَنَّهَا لَا تَشْفَعُ وَلَا تَنْفَعُ. لَا جَرَمَ مَذْهَبُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ أَنَّهُمَا رُكِّبَا مِنْ لَا وَجَرَمَ، وَبُنِيَا، وَالْمَعْنَى: حَقَّ، وَمَا بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنْفِيٌّ بِلَا بِمَعْنَى حَقَّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ مَعَ لَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى خَبَرِ جَرَمَ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لَا عَلَى الْفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لَا رَجُلَ، وَمَعْنَاهَا لَا بُدَّ وَلَا مَحَالَةَ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهَا لَا ضِدَّ وَلَا مَنْعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لَا وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ كَالْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَكُونُ جَرَمَ هُنَا مِنْ مَعْنَى الْقَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أَيْ قَطَعْتُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَا تَرْكِيبَ بَيْنَهُمَا وَلَا رَدَّ عَلَيْهِمْ. وَلِمَا

ص: 137

تَقَدَّمَ مِنْ كُلِّ مَا قَبْلَهَا مِمَّا قَالُوا: إِنَّ الْأَصْنَامَ تَنْفَعُهُمْ. وَجَرَمَ فِعْلٌ مَاضٍ مَعْنَاهُ كَسَبَ، وَالْفَاعِلُ مضمر أي كسب هُوَ، أَيْ: فِعْلُهُمْ، وَأَنَّ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَجَرَمَ الْقَوْمَ كَاسَبَهُمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

نَصَبْنَا رَأَسَهُ فِي جِذْعِ نَخْلٍ

بِمَا جَرَمَتْ يَدَاهُ وَمَا اعْتَدَيْنَا

وَقَالَ آخَرُ:

جَرِيمَةَ نَاهِضٍ فِي رَأْسِ نِيقٍ

تَرَى لِعِظَامِ مَا جَمَعَتْ صَلِيبَا

وَيُقَالُ: لَا جِرَمَ بِالْكَسْرِ، وَلَا جَرَ بِحَذْفِ الْمِيمِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَزَعَمَ الْكِسَائِيُّ أَنَّ فِيهَا أَرْبَعَ لُغَاتٍ: لَا جرم، ولا عن ذا جَرَمٍ، وَلَا أَنْ ذَا جَرَمٍ، قَالَ: وَنَاسٌ مِنْ فَزَارَةَ يَقُولُونَ:

لَا جَرَمَ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قَالَ: بَنُو عَامِرٍ يَقُولُونَ: لَا ذَا جَرَمٍ، وَنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُونَ: لَا جُرَمَ بِضَمِّ الْجِيمِ. وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ فِي نَوَادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزَارَةَ لَا جَرَ وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَاكَ، قَالَ: وَيُقَالُ لَا ذَا جَرَمٍ، وَلَا ذُو جرم، ولا عن ذا جَرَمٍ، وَلَا أَنْ ذَا جَرَمٍ، وَلَا أَنْ جَرَمَ، وَلَا عَنْ جَرَمٍ، وَلَا ذَا جَرَ، وَاللَّهِ بِغَيْرِ مِيمٍ لَا أَفْعَلُ ذَاكَ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ لَا جَرَمَ:

أَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ ذَاكَ، وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو: لَأَجْرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ على وزن لا كرم، وَلَا جَرَ حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا قَالُوا: سَوْ تَرَى يُرِيدُونَ سَوْفَ تَرَى. وَلَمَّا كَانَ خُسْرَانُ النَّفْسِ أَعْظَمَ الْخُسْرَانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ هُمُ الزَّائِدُونَ فِي الْخُسْرَانِ عَلَى كُلِّ خَاسِرٍ مِنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْعُصَاةِ مَآلُهُ إِلَى الرَّاحَةِ، وَإِلَى انْقِطَاعِ خُسْرَانِهِ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ خُسْرَانَهُمْ لَا انْقِطَاعَ لَهُ.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ: لَمَّا ذَكَرَ ما يؤول إِلَيْهِ الْكُفَّارُ مِنَ النَّارِ، ذكر ما يؤول إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْفَرِيقَانِ هُنَا الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ. وَلَمَّا كَانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْكُفَّارِ وَأُعْقِبَ بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ، جَاءَ التَّمْثِيلُ هُنَا مُبْتَدَأً بِالْكَافِرِ فَقَالَ: كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الْأَعْمَى بِالْبَصِيرِ وَهُوَ طِبَاقٌ، وَقُوبِلَ الْأَصَمُّ بِالسَّمِيعِ وَهُوَ طِبَاقٌ أَيْضًا، وَالْعَمَى وَالصَّمَمُ آفَتَانِ تَمْنَعَانِ مِنَ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ، وَلَيْسَتَا بِضِدَّيْنِ، لِأَنَّهُ لَا تَعَاقُبَ بَيْنَهُمَا. ويحتمل أن يكون من تَشْبِيهٍ وَاحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِوَاحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الصِّفَاتِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

ص: 138

إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْنِ وَابْنِ الْهُمَامِ

وَلَيْثِ الْكَرِيهَةِ فِي المزدحم

ولم يجيء التَّرْكِيبُ كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ وَالْأَصَمِّ وَالسَّمِيعِ فَيَكُونُ مُقَابَلَةً فِي لَفْظِ الْأَعْمَى وَضِدِّهِ، وَفِي لَفْظَةِ الْأَصَمِّ وَضِدِّهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ انْسِدَادَ الْعَيْنِ أَتْبَعَهُ بِانْسِدَادِ السَّمْعِ، وَلَمَّا ذَكَرَ انْفِتَاحَ الْبَصَرِ أَتْبَعَهُ بِانْفِتَاحِ السَّمْعِ، وَذَلِكَ هُوَ الْأُسْلُوبُ فِي الْمُقَابَلَةِ، وَالْأَتَمُّ فِي الْإِعْجَازِ. وَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى نَظِيرُ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ فِي قَوْلِهِ فِي طَهَ: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى «1» وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ نَفْسُهَا هِيَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهَا مَعْنَى الْمَثَلِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الْأَعْمَى. وَاحْتُمِلَ أَنْ يُرَادَ بِالْمَثَلِ الصِّفَةُ، وَبِالْكَافِ مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: كَمَثَلِ الْأَعْمَى، وَهَذَا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأَعْمَى الْبَصِيرَةِ أَصَمُّهَا، شُبِّهَ بِأَعْمَى الْبَصَرِ أَصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ فِي ظُلُمَاتِ الضَّلَالَاتِ مُتَرَدِّدٌ تَائِهٌ، وَهَذَا فِي الطُّرُقَاتِ مُحَيَّرٌ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا. وَجَاءَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ زَوَالُ هَذَا الْعَمَى وَهَذَا الصَّمَمُ الْمَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَسْعَى فِي هِدَايَةِ نَفْسِهِ. وَانْتَصَبَ مَثَلًا عَلَى التَّمْيِيزِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا انْتَهَى. وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالظَّاهِرُ التَّمْيِيزُ وَأَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلَاهُمَا.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ. فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ:

هَذِهِ السُّورَةُ فِي قَصَصِهَا شَبِيهَةٌ بسورة الأعراف بدىء فيها بنوح، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصَالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثم بشعيب، ثم بموسى وَهَارُونَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وَفَوَائِدَ لِتَكْرَارِ هَذِهِ الْقَصَصِ فِي الْقُرْآنِ.

وَقَرَأَ النَّحْوِيَّانِ وَابْنُ كَثِيرٍ: أَنِّي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: بأبي، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِهَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي قِرَاءَةِ الْفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُخَاطَبَةِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَإِنَّمَا هِيَ حِكَايَةُ مُخَاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَةَ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْبَةٍ إِلَى مُخَاطَبَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ إِنْ أَنْذِرْهُمْ أَوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذلك انتهى. وأن لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَنْ بَدَلٌ مِنْ أي

(1) سورة طه: 20/ 118- 119.

ص: 139

لَكُمْ فِي قِرَاءَةِ مَنْ فَتَحَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَنِ الْمُفَسِّرَةَ. وَأَمَّا فِي قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُفَسِّرَةَ، وَالْمُرَاعَى قَبْلَهَا: إِمَّا أَرْسَلْنَا وَإِمَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأَرْسَلْنَا أَيْ: بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَإِسْنَادُ الْأَلَمِ إِلَى الْيَوْمِ مَجَازٌ لِوُقُوعِ الْأَلَمِ فينه لَا بِهِ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : فَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْعَذَابُ؟ (قُلْتُ) : مَجَازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأَنَّ الْأَلِيمَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُعَذِّبُ، وَنَظِيرُهُمَا قَوْلُكُ: نَهَارُهُ صَائِمٌ انْتَهَى. وَهَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَلِيمٍ صِفَةَ مُبَالَغَةٍ مِنْ أَلِمَ، وَهُوَ مَنْ كَثُرَ أَلَمُهُ. فَإِنْ كَانَ أَلِيمٍ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجَازٌ، وَلِلْعَذَابِ حَقِيقَةٌ. لَمَّا أَنْذَرَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَمَرَهُمْ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أَنَّهُ مُمَاثِلُهُمْ فِي الْبَشَرِيَّةِ، وَاسْتَبْعَدُوا أَنْ يبعث الله رسولا من الْبَشَرِ، وَكَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى مَذْهَبِ الْبَرَاهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الْبَشَرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إِلَّا الْأَرَاذِلُ أَيْ: فَنَحْنُ لَا نُسَاوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ. أَيْ: أَنْتَ مُسَاوِينَا فِي الْبَشَرِيَّةِ وَلَا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنَا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ وَفِي قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا، مُبَالَغَةٌ فِي الْإِخْبَارِ، وَكَأَنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الْأَرَاذِلُ لَمْ يَشْرَكْهُمْ شَرِيفٌ فِي ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّهُمْ كَانُوا حَاكَةً وَحَجَّامِينَ» وَقَالَ النَّحَّاسُ: هُمُ الْفُقَرَاءُ وَالَّذِينَ لَا حَسَبَ لهم، والخسيسو الصِّنَاعَاتِ. وَفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ:«أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقَالَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَقَالَ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ قَبْلُ» وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلَاءِ الرِّئَاسَةِ عَلَى الْأَشْرَافِ وَصُعُوبَةِ الِانْفِكَاكِ عَنْهَا، وَالْأَنَفَةِ مِنَ الِانْقِيَادِ لِغَيْرِهِمْ، وَالْفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ الْمَوَانِعِ فَهُوَ سَرِيعٌ إِلَى الْإِجَابَةِ وَالِانْقِيَادِ. وَنَرَاكَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وَأَنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قَالُوا: وَأَرَاذِلُ جَمْعُ الْجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أَرْذُلٍ كَكَلْبٍ وَأَكْلُبٍ وَأَكَالِبٍ. وَقِيلَ: جَمْعُ أَرْذَالٍ، وَقِيَاسُهُ أَرَاذِيلُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمْعُ أَرْذَلَ الَّتِي هِيَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ وَجَاءَ جَمْعًا، كَمَا جَاءَ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا وَأَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا، تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ أَحَقُّ مِنْهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ لَجَعَلَهَا فِيهِمْ، فَقَالُوا: هَبْ أَنَّكَ وَاحِدٌ مِنَ الْمَلَأِ وَمُوَازِيهِمْ فِي الْمَنْزِلَةِ، فَمَا جَعَلَكَ أَحَقَّ مِنْهُمْ؟ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ، أَوْ أَرَادُوا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَلَكًا لَا بَشَرًا، وَلَا يَظْهَرُ مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الْآيَةِ.

وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَعِيسَى الثقفي: بادىء الرَّأْيِ مِنْ بَدَأَ يَبْدَأُ وَمَعْنَاهُ: أَوَّلُ الرَّأْيِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ: بَادِي بِالْيَاءِ مِنْ بَدَا يَبْدُو، وَمَعْنَاهُ ظَاهِرُ الرَّأْيِ. وَقِيلَ: بَادِي بالياء معناه بادىء بِالْهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الْهَمْزَةُ بِإِبْدَالِهَا يَاءً لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ،

ص: 140

وَالْعَامِلُ فِيهِ نَرَاكَ أَوِ اتَّبَعَكَ أَوْ أَرَاذِلُنَا أَيْ: وَمَا نَرَاكَ فِيمَا يَظْهَرُ لَنَا مِنَ الرَّأْيِ، أَوْ فِي أَوَّلِ رَأْيِنَا، أَوْ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ أَوَّلَ رَأْيِهِمْ، أَوْ ظَاهِرُ رَأْيِهِمْ. وَاحْتَمَلَ هَذَا الْوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ اتَّبَعَكَ فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِمْ، وَعَسَى أَنْ تَكُونَ بَوَاطِنُهُمْ لَيْسَتْ مَعَكَ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ اتَّبَعُوكَ بِأَوَّلِ نَظَرٍ وَبِالرَّأْيِ الْبَادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، وَلَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ الْمَرْوِيِّ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أَوَّلَ الرَّأْيِ، أَوْ ظَاهِرَ الرَّأْيِ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الظَّرْفِ أَصْلُهُ وَقْتَ حُدُوثِ أَوَّلِ أَمْرِهِمْ، أَوْ وَقْتَ حُدُوثِ ظَاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، أَرَادُوا أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ لَكَ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ عَنَّ لَهُمْ بَدِيهَةً مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَنَظَرٍ انْتَهَى. وَكَوْنُهُ مَنْصُوبًا عَلَى الظَّرْفِ هُوَ قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ فِي الْحُجَّةِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى الظَّرْفِ وَلَيْسَ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ، لِأَنَّ فِي مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أَيْ: فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، أَوْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ. وَعَلَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ نَرَاكَ، أَوِ اتَّبَعَكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ إِلَّا لَا يَكُونُ مَعْمُولًا لِمَا قَبْلَهَا إِلَّا إِنْ كَانَ مُسْتَثْنًى مِنْهُ نَحْوَ: قَامَ إِلَّا زَيْدًا الْقَوْمُ، أَوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا، أَوْ تَابِعًا لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ نَحْوَ: مَا جَاءَنِي أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ أَخْبَرَنِي عمرو، وبادىء الرَّأْيِ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ظَرْفٌ، أَوْ كَالظَّرْفِ مِثْلَ جُهْدَ رَأْيٍ إِنَّكَ ذَاهِبٌ، أَيْ إِنَّكَ ذَاهِبٌ فِي جُهْدِ رَأْيٍ، وَالظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيهَا.

وَإِذَا كَانَ الْعَامِلُ أَرَاذِلُنَا فَمَعْنَاهُ الَّذِينَ هُمْ أراذلنا بأدل نَظَرٍ فِيهِمْ، وَبِبَادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: بَادِيَ الرَّأْيِ نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: بَشَرًا. وَقِيلَ: انْتَصَبَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ نُوحٍ فِي اتَّبَعَكَ، أَيْ: وَأَنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لَا حَصَافَةَ لَكَ. وَقِيلَ: انْتَصَبَ عَلَى النِّدَاءِ لنوح أَيْ:

يَا بَادِيَ الرَّأْيِ، أَيْ مَا فِي نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظَاهِرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، قَالُوا: ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وَقِيلَ:

انْتَصَبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَجَاءَ الظَّرْفُ وَالْمَصْدَرُ عَلَى فَاعِلٍ، وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ. فَالرَّأْيُ هُنَا إِمَّا مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، وَإِمَّا مِنَ الْفِكْرِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِنَّمَا اسْتَرْذَلُوا الْمُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وَتَأَخُّرِهِمْ فِي الْأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُهَّالًا مَا كَانُوا يَعْلَمُونَ إِلَّا ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَكَانَ الْأَشْرَفُ عِنْدَهُمْ مَنْ لَهُ جَاهٌ وَمَالٌ انْتَهَى. وَظَاهِرُ الْخِطَابِ في لكم شامل لنوح وَمَنِ اتَّبَعَهُ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا زِيَادَةٌ فِي مال، ولا نسب، وَلَا دِينٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، وَقِيلَ: بِكَثْرَةِ الْمُلْكِ وَالْمِلْكِ، وَقِيلَ: بِمُتَابَعَتِكُمْ نُوحًا وَمُخَالَفَتِكُمْ لَنَا، وَقِيلَ: مِنْ شَرَفٍ يُؤَهِّلُكُمْ لِلنُّبُوَّةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَظُنُّكُمْ نَتَيَقَّنُكُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَحْسَبُكُمْ أَيْ فِي دَعْوَى نُوحٍ وَتَصْدِيقِكُمْ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعِتِيَّانِ: بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ تَوَسُّلًا إِلَى الرِّئَاسَةِ وَالشُّهْرَةِ.

قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ

ص: 141

أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ: لَمَّا حَكَى شُبَهَهُمْ فِي إِنْكَارِ نُبُوَّةِ نُوحٍ عليه السلام وَهِيَ قَوْلُهُمْ: مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا «1» ذَكَرَ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْبَشَرِيَّةِ لَا تَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمُفَارَقَةِ فِي صِفَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الدَّالَّ عَلَى إِمْكَانِهِ عَلَى جِهَةِ التَّعْلِيقِ وَالْإِمْكَانِ، وَهُوَ مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يَمْتَنِعُ، وَلَكِنَّهُ أَبْرَزَهُ عَلَى سَبِيلِ الْعَرْضِ لَهُمْ وَالِاسْتِدْرَاجِ لِلْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ، وَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنِّي عَلَى حَقٍّ مِنْ رَبِّي لَقَالُوا لَهُ كَذَبْتَ، كَقَوْلِهِ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ «2» الْآيَةَ فَقَالَ فِيهَا: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ. وَالْبَيِّنَةُ الْبُرْهَانُ، وَالشَّاهِدُ بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ الرَّحْمَةُ وَالنُّبُوَّةُ مُقَاتِلٌ الْهِدَايَةُ غَيْرُهُمَا التَّوْفِيقُ وَالنُّبُوَّةُ وَالْحِكْمَةُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ غَيْرُ الرَّحْمَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْبَيِّنَةِ الْمُعْجِزَةُ، وَبِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ هِيَ الرَّحْمَةُ، وَمِنْ عِنْدِهِ تَأْكِيدٌ وَفَائِدَتُهُ رَفْعُ الِاشْتِرَاكِ وَلَوْ بِالِاسْتِعَارَةِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ. الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْبَيِّنَةِ، وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الذَّمُّ لَهُمْ مِنْ أَنَّهُ أَتَى بِالْمُعْجِزَةِ الْجَلِيَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَأَنَّهَا عَلَى وُضُوحِهَا وَاسْتِنَارَتِهَا خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ تَعَالَى سَلَبَهُمْ عِلْمَهَا وَمَنْعَهُمْ مَعْرِفَتَهَا. فَإِنْ كَانَتِ الرَّحْمَةُ هِيَ الْبَيِّنَةُ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ مُفْرَدًا ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا كَمَا اخْتَرْنَاهُ. فَقَوْلُهُ: وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ، اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ: فَعُمِّيَتَا. (قُلْتُ) : الْوَجْهُ أَنْ يُقَدَّرَ فَعُمِّيَتْ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ، وَأَنْ يَكُونَ حَذْفُهُ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إِمَّا عَلَى الْبَيِّنَةِ، وَإِمَّا عَلَى الرَّحْمَةِ، وَإِمَّا عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ. وَيَقُولُ لِلسَّحَابِ الْعَمَاءُ لِأَنَّهُ يُخْفِي مَا فِيهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ الْغَمَامُ لِأَنَّهُ يَغُمُّهُ.

وَقِيلَ: هَذَا مِنَ الْمَقْلُوبِ، فَعَمِيتُمْ أَنْتُمْ عَنْهَا كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَدْخَلْتُ الْقَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

تَرَى الثَّوْرَ فِيهَا مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَهَذَا مما يقلب، إذ لَيْسَ فِيهِ إِشْكَالٌ، وَفِي الْقُرْآنِ: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ «3» انْتَهَى. وَالْقَلْبُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ: فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ بَلْ مِنْ بَابِ الِاتِّسَاعِ فِي الظَّرْفِ. وَأَمَّا الْآيَةُ فَأَخْلَفَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَلَكَانَ يُضِيفُ إِلَى أَيِّهِمَا شِئْتَ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ، وَلَوْ كَانَ فَعُمِّيَتْ

(1) سورة هود: 11/ 27.

(2)

سورة غافر: 40/ 28.

(3)

سورة ابراهيم: 14/ 47. [.....]

ص: 142

عَلَيْكُمْ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ لَكَانَ التَّعَدِّي بِعْنَ دُونَ عَلَى. أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: عَمِيتُ عَنْ كَذَا، وَلَا تَقُولُ عَمِيتُ عَلَى كَذَا؟ وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَحَفْصٌ: فَعُمِّيَتْ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أَيْ أُبْهِمَتْ عَلَيْكُمْ وَأُخْفِيَتَ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ فَعَمِيَتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ.

وَقَرَأَ أُبَيٌّ، وَعَلِيٌّ، وَالسُّلَمِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَالْأَعْمَشُ: فَعَمَّاهَا عَلَيْكُمْ.

وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَثَّابٍ: وَعَمِيَتْ بِالْوَاوِ خَفِيفَةً. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : فما حقيقته؟

(قلت) : حفيقته أَنَّ الْحُجَّةَ كَمَا جُعِلَتْ بَصِيرَةً وَمُبْصِرَةً جُعِلَتْ عَمْيَاءَ، لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَهْتَدِي، وَلَا يَهْدِي غَيْرَهُ، فَمَعْنَى فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ الْبَيِّنَةُ فَلَمْ تَهْدِكُمْ، كَمَا لَوْ عَمِيَ عَلَى الْقَوْمِ دَلِيلُهُمْ فِي الْمَفَازَةِ بَقَوْا بِغَيْرٍ هَادٍ. (فَإِنْ قُلْتَ) : فَمَا مَعْنَى قِرَاءَةِ أُبَيٍّ؟ (قُلْتُ) : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ صَمَّمُوا عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهَا فَخَلَّاهُمُ اللَّهُ وَتَصْمِيمَهُمْ، فَجُعِلَتْ تِلْكَ التَّخْلِيَةُ تَعْمِيَةً مِنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ؟ يَعْنِي: أَنُكْرِهُكُمْ عَلَى قَبُولِهَا وَنَقْسِرُكُمْ عَلَى الِاهْتِدَاءِ بِهَا وَأَنْتُمْ تَكْرَهُونَهَا وَلَا تَخْتَارُونَهَا، وَلَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ انْتَهَى. وَتَوْجِيهُهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ هُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ الْكَلَامُ عَلَى أَرَأَيْتُمْ «1» مُشْبَعًا، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْعَرَبَ تُعَدِيهَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَنْصُوبٌ، وَالثَّانِي أَغْلَبُ مَا يَكُونُ جُمْلَةً اسْتِفْهَامِيَّةً. تَقُولُ: أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا مَا صَنَعَ، وَلَيْسَ اسْتِفْهَامًا حَقِيقِيًّا عَنِ الْجُمْلَةِ. وَإِنَّ الْعَرَبَ ضَمَّنَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مَعْنَى أَخْبِرْنِي، وَقَرَّرَنَا هُنَاكَ أَنَّ قَوْلَهُ: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ «2» أَنَّهُ من باب الإعمال تنازع عَلَى عَذَابِ اللَّهِ. أَرَأَيْتَكُمْ يَطْلُبُهُ مَنْصُوبًا، وَفِعْلُ الشَّرْطِ يَطْلُبُهُ مَرْفُوعًا، فَأُعْمِلَ الثَّانِي. وَهَذَا الْبَحْثُ يَتَقَرَّرُ هُنَا أَيْضًا، فَمَفْعُولُ أَرَأَيْتَكُمْ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: أَرَأَيْتَكُمُ الْبَيِّنَةَ مِنْ رَبِّي إِنْ كُنْتُ عَلَيْهَا أَنُلْزِمُكُمُوهَا؟ فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِقَوْلِهِ: أَرَأَيْتُمْ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَرَأَيْتُمْ، وَجِيءَ بِالضَّمِيرَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ فِي أَنُلْزِمُكُمُوهَا، لِتَقَدُّمِ ضَمِيرِ الْخِطَابِ عَلَى ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ، وَلَوِ انْعَكَسَ لَانْفَصَلَ ضَمِيرُ الْخِطَابِ خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ الِاتِّصَالَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مُنْفَصِلًا كَقَوْلِكَ: أَنُلْزِمُكُمْ إِيَّاهَا وَنَحْوَهُ. فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، وَيَجُوزُ فَسَيَكْفِيكَ إِيَّاهُمْ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ جَوَازِ انْفِصَالِ الضَّمِيرِ فِي نَحْوِ أَنُلْزِمُكُمُوهَا، هُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنُ مَالِكٍ فِي التَّسْهِيلِ. قَالَ: وَتَخْتَارُ اتصال نحوهاء أَعْطَيْتُكَهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ: إِذَا قَدَّمْتَ مَا لَهُ الرُّتْبَةُ اتَّصَلَ لَا غَيْرَ، تَقُولُ: أَعْطَيْتُكَهُ. قَالَ تَعَالَى: أَنُلْزِمُكُمُوهَا؟ وَفِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ مَا يَشْهَدُ لَهُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: فَإِذَا كَانَ الْمَفْعُولَانِ اللَّذَانِ تَعَدَّى إِلَيْهِمَا فِعْلُ الْفَاعِلِ مُخَاطَبًا وَغَائِبًا،

(1) سورة الأنعام: 6/ 46.

(2)

سورة الأنعام: 6/ 40.

ص: 143

فَبَدَأَتْ بِالْمُخَاطَبِ قَبْلَ الْغَائِبِ، فَإِنَّ عَلَامَةَ الْغَائِبِ الْعَلَامَةُ الَّتِي لَا يَقَعُ مَوْقِعَهَا إِيَّاهُ وَذَلِكَ قَوْلُكَ: أَعْطَيْتُكَهُ وَقَدْ أَعْطَاكَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ، فَهَذَا كَهَذَا، إِذَا بَدَأْتَ بِالْمُخَاطَبِ قَبْلَ الْغَائِبِ انْتَهَى. فَهَذَا نَصٌّ مِنْ سِيبَوَيْهِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ خِلَافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ وَابْنِ مَالِكٍ وَمَنْ سَبَقَهُمَا إِلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَحَكَى عَنْ أَبِي عَمْرٍو إِسْكَانَ الْمِيمِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَرَكَةَ لَمْ تَكُنْ إِلَّا خِلْسَةً خَفِيفَةً، فَظَنَّهَا الرَّاوِي سُكُونًا. وَالْإِسْكَانُ الصَّرِيحُ لَحْنٌ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَحُذَّاقِ الْبَصْرِيِّينَ، لِأَنَّ الْحَرَكَةَ الْإِعْرَابِيَّةَ لَا يَسُوغُ طَرْحُهَا إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ انْتَهَى. وَأَخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الزَّجَّاجِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: أَجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِسْكَانُ حَرَكَةِ الْإِعْرَابِ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عمرو فَلَمْ يَضْبُطْهُ عَنْهُ الْقُرَّاءُ، وَرَوَى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَخِفُّ الْحَرَكَةَ وَيَخْتَلِسُهَا، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْإِسْكَانُ فِي الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

فَالْيَوْمَ أَشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَجْهِيلِ الْقُرَّاءِ وَهُمْ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمْ الِاخْتِلَاسُ بِالسُّكُونِ، وَقَدْ حَكَى الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ أَنُلْزِمُكُمُوهَا بِإِسْكَانِ الْمِيمِ الْأُولَى تَخْفِيفًا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ يُونُسَ أَنُلْزِمْكُمُهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنُلْزِمُكُمْ ذَلِكَ وَيُرِيدُ إِلْزَامَ جَبْرٍ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا إِلْزَامُ الْإِيجَابِ فَهُوَ حَاصِلٌ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: أَنُوحِيهَا عَلَيْكُمْ، وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ خَطَأٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي قراءة أبي بن كعب أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنَا، وَمَعْنَاهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ مِنْ شَطْرِ قُلُوبِنَا انْتَهَى. وَمَعْنَى شَطْرِ نَحْوُ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لَا عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخَالَفَتِهِ سَوَادَ الْمُصْحَفِ.

يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ. وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

. تَلَطَّفَ نُوحٌ عليه السلام بِنِدَائِهِ بِقَوْلِهِ: وَيَا قَوْمِ،

ص: 144

وَيَا قَوْمِ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ فِي قَبُولِ كَلَامِهِ، كَمَا تَلَطَّفَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام بِقَوْلِهِ:«يَا أَبَتِ يَا أَبَتِ» «1» وَكَمَا تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: «يا قوم يَا قَوْمِ» وَالضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ عَائِدٌ إِلَى الْإِنْذَارِ. وَإِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ لَهُمْ: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ «2» ، وَقِيلَ: عَلَى الدِّينِ، وَقِيلَ: عَلَى الدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَقِيلَ: عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. وَكُلُّهَا أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَالْمَعْنَى: إِنَّكُمْ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونَا سَوَاءٌ فِي أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَى اللَّهِ، وَإِنِّي لَا أَبْتَغِي عَمَّا أُلْقِيهِ إِلَيْكُمْ مِنْ شَرَائِعِ اللَّهِ مَالًا، فَلَا يَتَفَاوَتُ حَالُكُمْ وَحَالُهُمْ. وَأَيْضًا فَلَعَلَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِرْفَادَ مِنْهُمْ، فَنَفَاهُ بِقَوْلِهِ: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، فَلَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمُ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فَاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَامَ بِهَؤُلَاءِ وَصْفٌ يَجِبُ الْعُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ وَالِانْضِوَاءُ مَعَهُمْ، وَهُوَ الْإِيمَانُ فَلَا يُمْكِنُ طَرْدُهُمْ، وَكَانُوا سَأَلُوا مِنْهُ طَرْدَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ رَفْعًا لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ مُسَاوَاةِ أُولَئِكَ الْفُقَرَاءِ. وَنَظِيرَ هَذَا مَا اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرْدِ أَتْبَاعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِنْ قريش.

وقرىء: بِطَارِدٍ بِالتَّنْوِينِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلَى الْأَصْلِ يَعْنِي: أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْحَالِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ أَصْلُهُ أَنْ يَعْمَلَ وَلَا يُضَافَ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَصْلَ الْإِضَافَةُ لَا الْعَمَلُ، لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهَانِ: أَحَدُهُمَا: شِبْهٌ بِالْمُضَارِعِ وَهُوَ شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. وَالْآخَرُ: شِبْهٌ بِالْأَسْمَاءِ إِذَا كَانَتْ فِيهَا الْإِضَافَةُ، فَكَانَ إِلْحَاقُهُ بِجِنْسِهِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. أَنَّهُمْ ملاقوا رَبِّهِمْ: ظَاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفَاءِ طَرْدِهِمْ، أَيْ: إِنَّهُمْ يُلَاقُونَ اللَّهَ، أَيْ: جَزَاءَهُ، فَيُوصِلُهُمْ إِلَى حَقِّهِمْ عِنْدِي إِنْ ظَلَمْتُهُمْ بِالطَّرْدِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُلَاقُونَ اللَّهَ فَيُعَاقِبُ مَنْ طَرَدَهُمْ، أَوْ يُلَاقُونَهُ فَيُجَازِيهِمْ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ إِيمَانٍ صَحِيحٍ ثَابِتٍ كَمَا ظَهَرَ لِي مِنْهُمْ، وَمَا أَعْرِفُ غَيْرَهُ مِنْهُمْ، أَوْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا تَعْرِفُونَهُمْ بِهِ مِنْ بِنَاءِ إِيمَانِهِمْ على بادي الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَفَكُّرٍ، وَمَا عَلَيَّ أَنْ أَشُقَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ حَتَّى أَطْرُدَهُمْ وَنَحْوُهُ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ «3» الْآيَةَ أَوْ هُمْ مُصَدِّقُونَ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ عَالِمُونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوهُ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى. وَوَصْفُهُمْ بِالْجَهْلِ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا أَمْرَهُمْ عَلَى الْجَهْلِ بِالْعَوَاقِبِ، وَالِاغْتِرَارِ بِالظَّوَاهِرِ. أَوْ لِأَنَّهُمْ يَتَسَافَلُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَيَدْعُونَهُمْ أَرَاذِلَ مِنْ قَوْلِهِ: أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ علينا. أَوْ تَجْهَلُونَ لِقَاءَ رَبِّكُمْ، أَوْ تَجْهَلُونَ أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنْكُمْ، أَوْ وَصْفُهُمْ بِالْجَهْلِ فِي هَذَا الِاقْتِرَاحِ، وَهُوَ طَرْدُ الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوِهِ. مَنْ

(1) سورة مريم: 19/ 42، 43، 44، 45.

(2)

سورة هود: 11/ 2، 26.

(3)

سورة الأنعام: 6/ 52.

ص: 145

يَنْصُرُنِي، اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ لَا نَاصِرَ لِي مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أَوْ لِأَجْلِ إِيمَانِهِمْ قَالَهُ: الْفَرَّاءُ، وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَطْرُدَهُمْ لِيُؤْمِنُوا بِهِ أَنَفَةً مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، ثُمَّ وَقَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، عَلَى النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى صِحَّةِ هَذَا الِاحْتِجَاجِ.

وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْجُمَلِ الثَّلَاثِ فِي الْأَنْعَامِ. وَتَزْدَرِي تَفْتَعِلُ، وَالدَّالُ بَدَلٌ مِنَ التَّاءِ قَالَ:

تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ

وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ هَصُورُ

وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

يُبَاعِدُهُ الصَّدِيقُ وَتَزْدَرِيهِ

حَلِيلَتُهُ وَيَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ

وَالْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أَيْ: تَزْدَرُونَهُمْ، أَيْ: تَسْتَحْقِرُهُمْ أَعْيُنُكُمْ. وَلَنْ يُؤْتِيَهُمْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: ولا أقول، وللذين مَعْنَاهُ لِأَجْلِ الَّذِينَ. وَلَوْ كَانَتِ اللَّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكَانَ الْقِيَاسُ لَنْ يُؤْتِيَكُمْ بِكَافِ الْخِطَابِ، أَيْ: لَيْسَ احْتِقَارُكُمْ إِيَّاهُمْ يُنْقِصُ ثَوَابَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا يُبْطِلُ أُجُورَهُمْ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ، تَسْلِيمٌ لِلَّهِ أَيْ: لَسْتُ أَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى الَّذِي يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: هُوَ رَدٌّ عَلَى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أَرَاذِلُنَا، أَيْ لَسْتُ أَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ خَيْرٌ لِظَنِّكُمْ بِهِمْ، إِنَّ بَوَاطِنَهُمْ لَيْسَتْ كَظَوَاهِرِهِمُ، اللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ، إِنِّي لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِ، قَدْ جَادَلْتَنَا الظَّاهِرُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْخُصُومَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: دَعَوْتَنَا، وَقِيلَ: وَعَظْتَنَا، وَقِيلَ: أَتَيْتَ بِأَنْوَاعِ الْجِدَالِ وَفُنُونِهِ فَمَا صَحَّ دَعْوَاكَ.

وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَكْثَرْتَ جَدَلَنَا كَقَوْلِهِ: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا «1» فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ الْعَذَابِ الْمُعَجَّلِ وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ بِمَا تَعِدْنَاهُ، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ.

وَإِنَّمَا كَثُرَتْ مُجَادَلَتُهُ لَهُمْ لِأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمْ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وَهُوَ كُلُّ وَقْتٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَهُمْ يُجِيبُونَهُ بِعِبَادَتِهِمْ أَصْنَامَهُمْ. قَالَ: إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ، أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ إِنَّمَا هُوَ لِلْإِلَهِ الَّذِي يُعَاقِبُكُمْ عَلَى عِصْيَانِكُمْ إِنْ شَاءَ أَيْ: إِنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ يُعَجِّلَ عَذَابَكُمْ وَأَنْتُمْ فِي قَبْضَتِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُفْلِتُوا مِنْهُ، وَلَا أَنْ تَمْتَنِعُوا. وَلَمَّا قَالُوا: قَدْ جَادَلْتَنَا، وَطَلَبُوا تَعْجِيلَ الْعَذَابِ، وَكَانَ مُجَادَلَتُهُ لَهُمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ النُّصْحِ وَالْإِنْقَاذِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي.

(1) سورة الكهف: 18/ 54.

ص: 146

وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ: نَصْحِي بِفَتْحِ النُّونِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ بِضَمِّهَا، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَالشُّكْرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اسْمًا. وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ اعْتَقَبَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا قَوْلَهُ: وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي، وَالشَّرْطُ الثَّانِي: اعْتَقَبَ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ وَجَوَابُهُ أَيْضًا مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي، تَقْدِيرُهُ: إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي. وَصَارَ الشَّرْطُ الثَّانِي شَرْطًا فِي الْأَوَّلِ، وَصَارَ الْمُتَقَدِّمُ مُتَأَخِّرًا، وَالْمُتَأَخِّرُ مُتَقَدِّمًا، وَكَأَنَّ التَّرْكِيبَ إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ، فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَالشَّرْطِ إِذَا كَانَ بِالْفَاءِ نَحْوَ: إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ.

فَإِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي. وَنَظِيرُهُ: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها «1» وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ جَزَاؤُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي، وَهَذَا الدَّلِيلُ فِي حُكْمِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، فَوُصِلَ بِشَرْطٍ كَمَا وُصِلَ الْجَزَاءُ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: إِنْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ إِنْ أَمْكَنَنِي. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

وَلَيْسَ نُصْحِي لَكُمْ بِنَافِعٍ، وَلَا إِرَادَتِي الْخَيْرَ لَكُمْ مُغْنِيَةً إِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَرَادَ بِكُمُ الْإِغْوَاءَ وَالْإِضْلَالَ وَالْإِهْلَاكَ. وَالشَّرْطُ الثَّانِي اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْكَلَامِ، وَفِيهِ بَلَاغَةٌ مِنَ اقْتِرَانِ الْإِرَادَتَيْنِ، وَأَنَّ إِرَادَةَ الْبَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وَتَعَلُّقُ هَذَا الشَّرْطِ هُوَ بِنُصْحِي، وَتَعَلُّقُ الْآخَرِ هُوَ بِلَا يَنْفَعُ انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَ: جَوَابُ الْأَوَّلِ النُّصْحُ، وَجَوَابُ الثَّانِي النَّفْعُ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى يُغْوِيَكُمْ يُضِلَّكُمْ مِنْ قَوْلِهِ: غَوَى الرَّجُلُ يَغْوِي وَهُوَ الضَّلَالُ. وَفِيهِ إِسْنَادُ الْإِغْوَاءِ إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ إِذْ يَقُولُونَ: إِنَّ الضَّلَالَ هُوَ مِنَ الْعَبْدِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِذَا عَرَفَ اللَّهُ مِنَ الْكَافِرِ الْإِصْرَارَ فَخَلَّاهُ وَشَأْنَهُ وَلَمْ يُلْجِئْهُ سُمِّيَ ذَلِكَ إِغْوَاءً وَإِمْلَاءً، كَمَا إِنَّهُ إِذَا عَرَفَ مِنْهُ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْعَوِي فَلَطَفَ بِهِ سُمِّيَ إِرْشَادًا وَهِدَايَةً انْتَهَى. وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِزَالِ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُوصَفُ اللَّهُ بِأَنَّهُ عَارِفٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِذَا عَرَفَ اللَّهُ كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَلِلْمُعْتَزِلِيِّ أَنْ يَقُولَ: لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ إِنْ شَرْطِيَّةً، بَلْ هِيَ نَافِيَةٌ وَالْمَعْنَى: مَا كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الْإِضْلَالَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ، إخبار مِنْهُ لَهُمْ وَتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ

(1) سورة الأحزاب: 33/ 50.

ص: 147

عَنْهُمْ، لِمَا رَأَى مِنْ إِصْرَارِهِمْ وَتَمَادِيهِمْ عَلَى الْكُفْرِ. وَقِيلَ: مَعْنَى يُغْوِيَكُمْ يُهْلِكَكُمْ، وَالْغَوَى الْمَرَضُ وَالْهَلَاكُ. وَفِي لُغَةِ طَيِّءٍ: أَصْبَحَ فُلَانٌ غَاوِيًا أَيْ مَرِيضًا، وَالْغَوَى بضم الْفَصِيلِ وَقَالَهُ: يَعْقُوبُ فِي الْإِصْلَاحِ. وَقِيلَ: فَقْدُهُ اللَّبَنَ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا قَالَهُ: الْفَرَّاءُ، وَحَكَاهُ الطَّبَرِيُّ يُقَالُ مِنْهُ: غَوَى يَغْوِي. وَحَكَى الزَّهْرَاوِيُّ أَنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عَنْهُ اللَّبَنُ حَتَّى كَادَ يَهْلِكُ، أَوْ لَمَّا يَهْلِكُ بَعْدُ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَكَوْنُ مَعْنَى يُغْوِيَكُمْ يُهْلِكَكُمْ قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وَأَنْكَرَ مَكِّيٌّ أَنْ يَكُونَ الْغَوَى بِمَعْنَى الْهَلَاكِ مَوْجُودًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَهُوَ مججوج بِنَقْلِ الْفَرَّاءِ وَغَيْرِهِ. وَإِذَا كَانَ مَعْنَى يُغْوِيَكُمْ يُهْلِكَكُمْ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لَا لِمُعْتَزِلِيٍّ وَلَا لِسُنِّيٍّ، بَلِ الْحُجَّةُ مِنْ غَيْرِ هَذَا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّكُمْ إِذَا كُنْتُمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلَى الْكُفْرِ فَالْمَنْزِلَةُ الَّتِي لَا تَنْفَعُكُمْ نَصَائِحُ اللَّهِ وَمَوَاعِظُهُ وَسَائِرُ أَلْطَافِهِ، كَيْفَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي؟ وَفِي قَوْلِهِ: هُوَ رَبُّكُمْ، تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِالْخَالِقِ، وَأَنَّهُ النَّاظِرُ فِي مَصَالِحِكُمْ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُغْوِيَكُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَهْدِيَكُمْ. وَفِي قَوْلِهِ: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَعِيدٌ وَتَخْوِيفٌ.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ: قِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ اعْتُرِضَتْ فِي قِصَّةِ نُوحٍ، وَالْأَخْبَارُ فِيهَا عَنْ قُرَيْشٍ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيْ:

افْتَرَى الْقُرْآنَ، وَافْتَرَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نُوحٍ وَقَوْمِهِ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَوُقِفَ عِنْدَهُ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يَقُولُونَ عَائِدٌ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ، أَيْ: بَلْ أَيَقُولُونَ افْتَرَى مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَعِقَابِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ عليه السلام قُلْ: إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِثْمُ إِجْرَامِي، وَالْإِجْرَامُ مَصْدَرُ أجرم، ويقال: أجر وَهُوَ الْكَثِيرُ، وَجَرَمَ بِمَعْنًى. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

طَرِيدُ عَشِيرَةٍ وَرَهِينُ ذَنْبٍ

بِمَا جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِسَانِي

وقرىء أَجْرَامِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ جُرْمٍ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ، وَفُسِّرَ بِآثَامِي. وَمَعْنَى مِمَّا تُجْرِمُونَ مِنْ إِجْرَامِكُمْ فِي إِسْنَادِ الِافْتِرَاءِ إِلَيَّ، وَقِيلَ: مِمَّا تُجْرِمُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ.

وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَأُوحِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ أَبُو الْبَرَهْسَمِ: وَأَوْحَى مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، إِنَّهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ، وَعَلَى إِجْرَاءِ أَوْحَى مَجْرَى قَالَ:

عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، أَيْأَسَهُ اللَّهُ مِنْ إِيمَانِهِمْ، وَأَنَّهُ صَارَ كَالْمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإِخْبَارِهِ تَعَالَى

ص: 148

عَنْهُمْ. وَمَعْنَى إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ أَيْ: مَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَا كَانَ يَتَوَقَّعُ مِنْ إِيمَانِهِ، وَنَهَاهُ تَعَالَى عَنِ ابْتِآسِهِ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَهُوَ حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ فِي اسْتِكَانَةٍ. وَابْتَأَسَ افْتَعَلَ مِنَ الْبُؤْسِ، وَيُقَالُ:

ابْتَأَسَ الرَّجُلُ إِذَا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَكَمْ مِنْ خَلِيلٍ أَوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ

فَلَمْ نَبْتَئِسْ وَالرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ

وَقَالَ آخَرُ:

مَا يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ

مِنْهُ وَأَقْعُدْ كَرِيمًا نَاعِمَ الْبَالِ

وَقَالَ آخَرُ:

فَارِسُ الْخَيْلِ إِذَا مَا وَلْوَلَتْ

رَبَّةُ الْخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ

وَقَالَ آخَرُ:

فِي مَأْتَمٍ كَنِعَاجِ صَا

رَةَ يَبْتَئِسْنَ بِمَا لَقِينَا

صَارَةُ مَوْضِعٌ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ تَكْذِيبِكَ وَإِيذَائِكَ وَمُعَادَاتِكَ، فَقَدْ حَانَ وَقْتُ الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ. وَاصْنَعِ عَطْفٌ عَلَى فَلَا تَبْتَئِسْ، بِأَعْيُنِنَا بِمَرْأًى مِنَّا، وَكِلَاءَةٍ وَحِفْظٍ فَلَا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوَابِ فِيهَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَ الْعَمَلِ وَبَيْنَهُ أَحَدٌ. وَالْجَمْعُ هُنَا كَالْمُفْرَدِ في قوله:

وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي، وَجُمِعَتْ هُنَا لِتَكْثِيرِ الْكِلَاءَةِ وَالْحِفْظِ وَدَيْمُومَتِهَا. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأَعْيُنَّا مُدْغَمَةً. وَوَحْيِنَا نُوحِي إِلَيْكَ وَنُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الْفُلْكِ، فَأَوْحَى اللَّهُ أَنْ يَصْنَعَهَا مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطَّائِرِ. قِيلَ: وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ بِأَعْيُنِنَا أَيْ بِمَلَائِكَتِنَا الَّذِينَ جَعَلْنَاهُمْ عُيُونًا عَلَى مَوَاضِعِ حِفْظِكَ وَمَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنَا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى وَوَحْيِنَا بِأَمْرِنَا لَكَ أَوْ بِعِلْمِنَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ زَانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»

وَالزَّانُ الْقَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ. وَالَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إِلَى نُوحٍ أَنْ لَا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إِمْهَالَهُمْ، وَعَلَّلَ مَنْعَ مُخَاطَبَتِهِ بِأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْغَرَقِ، وَنَهَاهُ عَنْ سُؤَالِ الْإِيجَابِ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ: يَا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ «1» وَقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَاعِلَةُ زَوْجَتُهُ وَكَنْعَانُ ابْنُهُ.

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا

(1) سورة هود: 11/ 76.

ص: 149

نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ. حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ، وَالْفُلْكُ السَّفِينَةُ.

وَلَمَّا أَمَرَهُ تَعَالَى بِأَنْ يَصْنَعَ الْفُلْكَ قَالَ: يَا رَبِّ مَا أَنَا بِنَجَّارٍ، قَالَ: بَلَى، ذَلِكَ بِعَيْنِي. فَأَخَذَ الْقَدُومَ، وَجَعَلَتْ يَدُهُ لَا تخطىء، فَكَانُوا يَمُرُّونَ بِهِ وَيَقُولُونَ: هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ صَارَ نَجَّارًا؟ وَقِيلَ: كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُعَلِّمُهُ، وَاسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ كَانُوا يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ عَجِّلْ عَمَلَ السَّفِينَةِ فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَى مَنْ عَصَانِي، وَكَانَ سَامُ وَحَامُ وَيَافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ

، وَالْخَشَبُ مِنَ السَّاجِ قَالَهُ: قَتَادَةُ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْكَلْبِيُّ. قِيلَ: وَغَرَسَهُ عِشْرِينَ سَنَةً.

وَقِيلَ: ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ يَغْرِسُ وَيَقْطَعُ وَيَيْبِسُ. وقال عمرو بن الحرث: لَمْ يَغْرِسْهَا بَلْ قَطَعَهَا مِنْ جَبَلِ لُبْنَانَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ خَشَبِ الشِّمْشَارِ، وَهُوَ الْبَقْصُ قِطْعَةٌ مِنْ جَبَلِ لُبْنَانَ.

وَاخْتَلَفُوا فِي هَيْئَتِهَا مِنَ التَّرْبِيعِ وَالطُّولِ، وَفِي مِقْدَارِ مُدَّةِ عَمَلِهَا، وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي عَمِلَتْ فِيهِ، وَمِقْدَارِ طُولِهَا وَعَرْضِهَا، عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَارِضَةٍ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ.

وَسُخْرِيَتُهُمْ مِنْهُ لِكَوْنِهِمْ رَأَوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ وَلَمْ يُشَاهِدُوا قَبْلَهَا سَفِينَةً بُنِيَتْ، قَالُوا: يَا نُوحُ مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ:

ابْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، فَعَجِبُوا مِنْ قَوْلِهِ وَسَخِرُوا مِنْهُ قَالَهُ: مُقَاتِلٌ.

وَقِيلَ: لِكَوْنِهِ يَبْنِي فِي قَرْيَةٍ لَا قُرْبَ لَهَا مِنَ الْبَحْرِ، فَكَانُوا يَتَضَاحَكُونَ وَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ صرت نجارا بعد ما كُنْتَ نَبِيًّا. وَكُلَّمَا ظَرْفٌ الْعَامِلُ فِيهِ سَخِرُوا مِنْهُ، وَقَالَ: مُسْتَأْنَفٌ عَلَى تَقْدِيرِ سُؤَالِ سَائِلٍ.

وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ قَالَ: وَسَخِرُوا صِفَةٌ لِمَلَأٍ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ مَرَّ، وَيَبْعُدُ الْبَدَلُ لِأَنَّ سَخِرَ لَيْسَ فِي مَعْنَى مَرَّ لَا يُرَادُ ذَا وَلَا نَوْعًا مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَسَخِرُوا مِنْهُ اسْتَجْهَلُوهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا رَأَوْا سَفِينَةً قَطُّ، وَلَا كَانَتْ، فَوَجْهُ الِاسْتِجْهَالِ وَاضِحٌ، وَبِذَلِكَ تَظَاهَرَتِ التَّفَاسِيرُ، وَإِنْ كَانَتِ السَّفَائِنُ جينئذ مَعْرُوفَةً فَاسْتَجْهَلُوهُ فِي أَنَّ صُنْعَهَا فِي قَرْيَةٍ لَا قُرْبَ لَهَا مِنَ الْبَحْرِ انْتَهَى. فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا تَسْخَرُونَ مِنَّا الْآنَ أَيْ: مِثْلَ سُخْرِيَتِكُمْ إِذَا أُغْرِقْتُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأُحْرِقْتُمْ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ إِنْ تَسْتَجْهِلُونَا فِيمَا نَصْنَعُ فَإِنَّا نَسْتَجْهِلُكُمْ فِيمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ والتعريض لِسَخَطِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ، فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالِاسْتِجْهَالِ مِنَّا قَالَ: قَرِيبًا مِنْ مَعْنَاهُ الزَّجَّاجُ. أَوْ إِنْ تَسْتَجْهِلُونَا فَإِنَّا نَسْتَجْهِلُكُمْ فِي اسْتِجْهَالِكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَا تَسْتَجْهِلُونَ إِلَّا عَنْ جَهْلٍ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَبِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ الْجَهَلَةِ فِي الْبُعْدِ عَنِ الْحَقَائِقِ. وَقَالَ ابن جريج: إن يسخروا مِنَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ فِي الْآخِرَةِ.

وَالسُّخْرِيَةُ اسْتِجْهَالٌ مَعَ اسْتِهْزَاءٍ. وَفِي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، تَهْدِيدٌ بَالِغٌ، وَالْعَذَابُ

ص: 150

الْمُخْزِي الْغَرَقُ، وَالْعَذَابُ الْمُقِيمُ عَذَابُ الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ دَائِمٌ عَلَيْهِمْ سَرْمَدٌ. وَمَنْ يَأْتِيهِ مَفْعُولٌ بِتَعْلَمُونَ، وَمَا مَوْصُولَةٌ، وَتَعَدِّي تَعْلَمُونَ إِلَى وَاحِدٍ اسْتِعْمَالًا لَهَا اسْتِعْمَالَ عُرْفٍ فِي التَّعْدِيَةِ إِلَى وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ التَّعْدِيَةُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَاقْتُصِرَ عَلَى الْوَاحِدِ انْتَهَى. وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الثَّانِي اقْتِصَارًا، لِأَنَّ أَصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، وَلَا اخْتِصَارًا هُنَا، لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى حَذْفِهِ وَتَعَنُّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: من يأتيه. وقيل: من اسْتِفْهَامٍ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيَأْتِيهِ الْخَبَرِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَتَعْلَمُونَ مُعَلَّقٌ سَدَّتِ الْجُمْلَةُ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ. وَحَكَى الزَّهْرَاوِيُّ أَنَّهُ يَقْرَأُ وَيَحُلُّ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَيَحِلُّ بِكَسْرِهَا بِمَعْنَى وَيَجِبُ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُلُولُ الدِّينِ وَالْحَقِّ اللَّازِمِ الَّذِي لَا انْفِكَاكَ لَهُ عَنْهُ، وَمَعْنَى يُخْزِيهِ:

يَفْضَحُهُ، أَوْ يُهْلِكُهُ، أَوْ يُذِلُّهُ، وَهُوَ الْغَرَقُ. أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى دُخُولِ حَتَّى عَلَى إِذَا فِي أَوَائِلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ هُنَا غَايَةٌ لِقَوْلِهِ: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ.

وَيَصْنَعُ كَمَا قُلْنَا حِكَايَةُ حَالٍ أَيْ: وَكَانَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ إِلَى أَنْ جَاءَ وَقْتُ الْوَعْدِ الْمَوْعُودِ.

والجملة من قوله: وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ حَالٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَيَصْنَعُهَا، وَالْحَالُ أَنَّهُ كُلَّمَا مَرَّ، وَأَمْرُنَا وَاحِدُ الْأُمُورِ، أَوْ مَصْدَرٌ أَيْ: أَمْرُنَا بِالْفَوَرَانِ أَوْ لِلسَّحَابِ بِالْإِرْسَالِ، وَلِلْمَلَائِكَةِ بِالتَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا يُقَدَّرُ فِي النَّازِلَةِ. وَفَارَ: مَعْنَاهُ انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ، وَالتَّنُّورُ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ تَنُّورًا قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، أَوِ التَّنُّورُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وَكَانَ مِنْ حِجَارَةٍ، وَكَانَ لِحَوَّاءَ حَتَّى صار لنوح قَالَهُ: الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: كَانَ لِآدَمَ، وَقِيلَ: كَانَ تَنُّورَ نُوحٍ، أَوْ أَعْلَى الْأَرْضِ وَالْمَوَاضِعُ الْمُرْتَفِعَةِ قَالَهُ: قَتَادَةُ، أَوِ الْعَيْنُ الَّتِي بِالْجَزِيرَةِ عَيْنُ الْوَرْدَةِ رَوَاهُ عِكْرِمَةُ، أَوْ مِنْ أَقْصَى دَارِ نُوحٍ قَالَهُ: مُقَاتِلٌ، أَوْ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِ الْمَاءِ فِي السَّفِينَةِ، رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، أَوْ طُلُوعُ الشَّمْسِ

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أَوْ نُورُ الصُّبْحِ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَوَّرَ الْفَجْرُ تَنْوِيرًا قَالَهُ: عَلِيٌّ وَمُجَاهِدٌ

، أَوْ هُوَ مَجَازٌ وَالْمُرَادُ غَلَبَةُ الْمَاءِ وَظُهُورُ الْعَذَابِ كَمَا

قَالَ صلى الله عليه وسلم لِشِدَّةِ الْحَرْبِ: «حَمِيَ الْوَطِيسُ»

وَالْوَطِيسُ أَيْضًا مُسْتَوْقَدُ النَّارِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَمِيَ وَفَارَ، إِذْ يُسْتَعْمَلَانِ فِي النَّارِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ «1» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَطِيسِ وَالتَّنُّورِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ حَمْلُهُ عَلَى التَّنُّورِ الَّذِي هُوَ مُسْتَوْقَدُ النَّارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ لِتَنُّورٍ مَخْصُوصٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ. فَفَارَ النَّارُ مِنَ التَّنَانِيرِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يَفُورَ الْمَاءُ مِنْ مُسْتَوْقَدِ النِّيرَانِ. وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ

(1) سورة الملك: 67/ 7.

ص: 151

عُيُوناً «1» إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَرْضِ أَمَاكِنُ التَّنَانِيرِ، وَالتَّفْجِيرُ غَيْرُ الْفَوَرَانِ، فَحَصَلَ الْفَوَرَانُ لِلتَّنُّورِ، وَالتَّفْجِيرُ لِلْأَرْضِ. وَالضَّمِيرُ فِي فِيهَا عَائِدٌ عَلَى الْفُلْكِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ أُنِّثَ عَلَى مَعْنَى السَّفِينَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا.

وَقَرَأَ حَفْصٌ: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ بِتَنْوِينِ، كُلٍّ أَيْ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ وَزَوْجَيْنِ مَفْعُولٌ، وَاثْنَيْنِ نَعْتُ تَوْكِيدٍ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالْإِضَافَةِ، وَاثْنَيْنِ مَفْعُولُ احْمِلْ، وَزَوْجَيْنِ بِمَعْنَى الْعُمُومِ أَيْ:

مِنْ كُلِّ مَا لَهُ ازْدِوَاجٌ، هَذَا مَعْنَى مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ حاصلين اثْنَيْنِ، لَوَجَبَ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ كُلِّ نَوْعِ أَرْبَعَةً، وَالزَّوْجُ فِي مَشْهُورِ كَلَامِ الْعَرَبِ لِلْوَاحِدِ مِمَّا لَهُ ازْدِوَاجٌ، فَيُقَالُ: هَذَا زَوْجُ، هَذَا وَهُمَا زَوْجَانِ، وَهَذَا هُوَ الْمَهْيَعُ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ «2» ثُمَّ فَسَّرَهَا وَفِي قَوْلِهِ:

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى «3» وَقَالَ الْأَخْفَشُ: وَقَدْ يُقَالُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ، هَكَذَا تَأْخُذُهُ الْعَدَدِيُّونَ. وَالزَّوْجُ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ النَّوْعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ «4» وَقَالَ تَعَالَى: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها «5» انْتَهَى.

وَلَمَّا جَعَلَ الْمَطَرُ يَنْزِلُ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ جَعَلَتِ الْوُحُوشُ تَطْلُبُ وَسَطَ الْأَرْضِ هَرَبًا مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى اجْتَمَعْنَ عِنْدَ السَّفِينَةِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْمِلَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يَعْنِي: ذَكَرًا وَأُنْثَى لَيَبْقَى أَصْلُ النَّسْلِ بَعْدَ الطُّوفَانِ.

فَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ أَنْوَاعُ الْحَيَوَانِ فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى الذَّكَرِ وَيَسَارَهُ عَلَى الْأُنْثَى، وَكَانَتِ السَّفِينَةُ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ: السُّفْلَى لِلْوُحُوشِ، وَالْوُسْطَى لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْعُلْيَا لَهُ وَلِمَنْ آمَنَ.

وَأَهْلَكَ مَعْطُوفٌ عَلَى زَوْجَيْنِ إِنْ نُوِّنَ كُلٍّ، وَعَلَى اثْنَيْنِ إِنْ أُضِيفَ، وَاسْتَثْنَى مِنْ أَهْلِهِ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِالْهَلَاكِ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أَنَّهُ يَخْتَارُ الْكُفْرَ لَا لِتَقْدِيرِهِ عَلَيْهِ وَإِرَادَتِهِ تَعَالَى غَيْرَ ذَلِكَ انْتَهَى.

وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِزَالِ، وَالَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ امْرَأَتُهُ وَاعِلَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَابْنُهُ كَنْعَانُ. وَمَنْ آمَنَ عَطْفٌ عَلَى وَأَهْلَكَ، قِيلَ: كَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا وَثَمَانِينَ امْرَأَةً، وَقِيلَ: كَانُوا ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آمَنَ مَعَهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا، وَعَنْهُ ثَمَانُونَ إِنْسَانًا، ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِيهِ سَامَ وَحَامَ وَيَافِثَ، وَثَلَاثُ كَنَائِنَ لَهُ، وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْا قَرْيَةً تدعى اليوم قرية

(1) سورة القمر: 54/ 12.

(2)

سورة الأنعام: 6/ 143.

(3)

سورة النجم: 53/ 45.

(4)

سورة الحج: 22/ 5.

(5)

سورة يس: 36/ 36. [.....]

ص: 152