المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة هود (11) : الآيات 41 الى 60] - البحر المحيط في التفسير - ط الفكر - جـ ٦

[أبو حيان الأندلسي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة يونس

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 23]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 24 الى 25]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 26 الى 61]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 62 الى 70]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 87]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 88 الى 109]

- ‌سورة هود

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 40]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 41 الى 60]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 61 الى 83]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 84 الى 108]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 109 الى 116]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 117 الى 123]

- ‌سورة يوسف

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 29]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 30 الى 44]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 45 الى 64]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 65 الى 68]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 69 الى 87]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 101]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 102 الى 111]

- ‌سورة الرعد

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 19 الى 43]

- ‌سورة ابراهيم

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 10]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 11 الى 17]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 18 الى 34]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 52]

- ‌سورة الحجر

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 1 الى 25]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 26 الى 44]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 45 الى 99]

- ‌سورة النّحل

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 1 الى 29]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 30 الى 50]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 51 الى 74]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 89]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 90 الى 128]

الفصل: ‌[سورة هود (11) : الآيات 41 الى 60]

الثَّمَانِينَ بِنَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ. وَقِيلَ: كَانُوا ثَمَانِيَةً وَسَبْعِينَ، نِصْفُهُمْ رِجَالٌ، وَنِصْفُهُمْ نِسَاءٌ. وَقَالَ ابن إسحاق: كانوا عشرة سِوَى نِسَائِهِمْ: نُوحٌ، وَبَنُوهُ سَامُ وَحَامُ وَيَافِثُ، وَسِتَّةُ ناس من كَانَ آمَنَ بِهِ وَأَزْوَاجُهُمْ جَمِيعًا. وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: كَانُوا عَشَرَةً: خَمْسَةُ رِجَالٍ، وَخَمْسُ نِسْوَةٍ.

وَقِيلَ: كَانُوا تسعة ونوح، وَثَمَانِيَةُ أَبْنَاءٍ لَهُ وَزَوْجَتُهُ. وقيل: كانوا ثمانية ونوح وَزَوْجَتُهُ غَيْرُ الَّتِي عُوقِبَتْ، وَبَنُوهُ الثَّلَاثَةُ وَزَوْجَاتُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ: قَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ، وَثَلَاثُ كَنَائِنَ، وَثَلَاثُ بَنِينَ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُتَعَارِضَةٌ، وَالَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَنَّهُ مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، وَلَا يُمْكِنُ التَّنْصِيصُ عَلَى عَدَدِ هَذَا النَّفَرِ الْقَلِيلِ الَّذِي أَبْهَمَ اللَّهُ عَدَدَهُمْ إِلَّا بِنَصٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

[سورة هود (11) : الآيات 41 الى 60]

وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (42) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45)

قالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَاّ مُفْتَرُونَ (50)

يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَاّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55)

إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

ص: 153

رَسَا الشَّيْءُ يَرْسُو، ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ. قَالَ:

فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً

تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ

الْبَلْعُ: مَعْرُوفٌ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ بَلَعَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَبِفَتْحِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ، يَبْلَعُ بَلْعًا، وَالْبَالُوعَةُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَشْرَبُ الْمَاءَ. الْإِقْلَاعُ: الْإِمْسَاكُ، يُقَالُ: أَقْلَعَ الْمَطَرُ، وَأَقْلَعَتِ الْحُمَّى، أَيْ أَمْسَكَتْ عَنِ الْمَحْمُومِ. وَقِيلَ: أَقْلَعَ عَنِ الشَّيْءِ تَرَكَهُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْإِمْسَاكِ. غَاضَ الْمَاءُ نَقَصَ فِي نَفْسِهِ، وَغِضْتُهُ نَقَصْتُهُ، جَاءَ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا.

الْجُودِيُّ: عَلَمٌ لِجَبَلٍ بِالْمَوْصِلِ، وَمَنْ قَالَ بِالْجَزِيرَةِ أَوْ بِآمِدَ، فَلِأَنَّهُمَا قَرِيبَانِ مِنَ الْمَوْصِلِ.

وَقِيلَ الْجُودِيُّ: اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

سُبْحَانَهُ ثُمَّ سَبْحَانًا نَعُوذُ لَهُ

وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجَمَدُ

ص: 154

اعْتَرَاهُ بِكَذَا: أَصَابَهُ بِهِ، وَقِيلَ افْتَعَلَ مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ. النَّاصِيَةُ: مَنْبَتُ الشَّعْرِ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَيُسَمَّى الشَّعْرُ النَّابِتُ هُنَاكَ نَاصِيَةً بَاسِمِ مَنْبَتِهِ. وَنَصَوْتُ الرَّجُلَ انْصُوهُ نَصْوًا، مَدَدْتُ نَاصِيَتَهُ. الْجَبَّارُ: الْمُتَكَبِّرُ. الْعَنِيدُ: الطَّاغِي الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ وَلَا يُصْغِي إِلَيْهِ، مِنْ عَنَدَ يَعْنُدُ حَادَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى جَانِبٍ، قِيلَ: وَمِنْهُ عِنْدِي كَذَا أَيْ: فِي جَانِبِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَنِيدُ وَالْعَنُودُ وَالْمُعَانِدُ وَالْعَانِدُ الْمَعَارِضُ بِالْخِلَافِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَنْفَجِرُ بِالدَّمِ: عَانِدٌ.

وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ: الضَّمِيرُ فِي: وَقَالَ، عَائِدٌ عَلَى نُوحٍ أَيْ: وَقَالَ نُوحٌ حِينَ أُمِرَ بِالْحَمْلِ فِي السَّفِينَةِ لِمَنْ آمَنَ مَعَهُ وَمَنْ أُمِرَ بِحَمْلِهِ: ارْكَبُوا فِيهَا. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وقال الله لنوح وَمَنْ مَعَهُ، وَيُبْعِدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.

قِيلَ: وَغَلَبَ مَنْ يَعْقِلُ فِي قَوْلِهِ: ارْكَبُوا، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا لَا يَعْقِلُ مِمَّنْ حُمِلَ فِيهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِمَنْ يَعْقِلُ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِمَا لَا يَعْقِلُ. وَعُدِّيَ ارْكَبُوا بِفِي لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى صَيِّرُوا فِيهَا، أَوْ مَعْنَى ادْخُلُوا فِيهَا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ ارْكَبُوا الْمَاءَ فِيهَا. وَقِيلَ:

فِي زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أَيِ: ارْكَبُوهَا. والباء في بسم اللَّهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَوْ متبركين بسم الله.

ومجراها وَمُرْسَاهَا مَنْصُوبَانِ إِمَّا عَلَى أَنَّهُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، لِأَنَّهُمَا يَجِيئَانِ لِذَلِكَ. أَوْ ظَرْفَا زَمَانٍ عَلَى جِهَةِ الْحَذْفِ، كَمَا حُذِفَ مِنْ جِئْتُكَ مَقْدَمَ الْحَاجِّ، أَيْ: وَقْتَ قُدُومِ الْحَاجِّ، فَيَكُونُ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا مَصْدَرَانِ فِي الْأَصْلِ حُذِفَ مِنْهُمَا الْمُضَافُ، وَانْتَصَبَا بِمَا فِي بسم اللَّهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاسْمِ اللَّهِ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ فيها، ومجراها وَمُرْسَاهَا مَصْدَرَانِ مَرْفُوعَانِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، أَيِ: ارْكَبُوا فِيهَا مُلْتَبِسًا بَاسِمِ اللَّهِ إِجْرَاؤُهَا وَإِرْسَاؤُهَا أَيْ:

بِبَرَكَةِ اسْمِ اللَّهِ. أَوْ يَكُونُ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا مَرْفُوعَيْنِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَبِاسْمِ اللَّهِ الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي فِيهَا. وَعَلَى هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ الثَّلَاثَةِ فَالْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْحَالُ مُقَدَّرَةٌ. وَلَا يَجُوزُ مَعَ رَفْعِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ أَوْ الِابْتِدَاءِ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ ضَمِيرِ ارْكَبُوا، لِأَنَّهُ لَا عَائِدَ عَلَيْهِ فِيمَا وَقَعَ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا جُمْلَةً ثَانِيَةً مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ، لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْجُمْلَةِ الْأَوْلَى مِنْ حَيْثُ الْإِعْرَابِ أَمَرَهُمْ أَوَّلًا بِالرُّكُوبِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْ بِأَمْرِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَالْجُمْلَتَانِ كَلَامَانِ

ص: 155

مَحْكِيَّانِ يُقَالُ، كَمَا أَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مَحْكِيَّةٌ أَيْضًا يقال. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِذَا أَرَادَ جري السَّفِينَةِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا فَتَجْرِي، وَإِذَا أراد وقوفها قال بسم اللَّهِ مُرْسَاهَا فَتَقِفُ.

وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَشَيْبَةُ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ الْحَرَمِيَّانِ، وَالْعَرَبِيَّانِ، وَأَبُو بَكْرٍ: مَجْرَاهَا بِضَمِّ الْمِيمِ. وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ، وَحَفْصٌ: بِفَتْحِهَا، وَكُلُّهُمْ ضَمَّ مِيمَ مُرْسَاهَا. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعِيسَى الثَّقَفِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْأَعْمَشُ، مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا بِفَتْحِ الْمِيمَيْنِ، ظَرْفَيْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، أَوْ مَصْدَرَيْنِ عَلَى التَّقَارِيرِ السَّابِقَةِ.

وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ جُنْدَبٍ، وَالْكَلْبِيُّ، وَالْجَحْدَرِيُّ، مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا اسْمَيْ فَاعِلٍ مِنْ أَجْرَى وَأَرْسَى عَلَى الْبَدَلِ مِنَ اسْمِ اللَّهِ، فَهُمَا فِي مَوْضِعِ خَبَرٍ، وَلَا يَكُونَانِ صِفَتَيْنِ لِكَوْنِهِمَا نَكِرَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُمَا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ صِفَتَانِ عَائِدَتَانِ عَلَى ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِمْ بسم اللَّهِ انْتَهَى. وَلَا يَكُونَانِ صِفَتَيْنِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَا مَعْرِفَتَيْنِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْخَلِيلُ إِلَى أَنَّ مَا كَانَتْ إِضَافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ قَدْ يَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً، فَتُعَرَّفَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ فَلَا تَتَمَحَّضُ إِضَافَتُهَا فَلَا تُعَرَّفُ. إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ سَتُورٌ عَلَيْكُمْ ذُنُوبَكُمْ بِتَوْبَتِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ، رَحِيمٌ لَكُمْ إِذَا نَجَّاكُمْ مِنَ الْغَرَقِ.

وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ نُوحًا رَكِبَ فِي السَّفِينَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وَصَامَ الشَّهْرَ أَجْمَعَ»

وَعَنْ عِكْرِمَةَ: لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ. وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا جَرَى لِلسَّفِينَةِ، وَبِهِمْ حَالٌ أَيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ، وَالْمَعْنَى: تَجْرِي وَهُمْ فِيهَا فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ، أَيْ فِي مَوْجِ الطُّوفَانِ شَبَّهَ كُلَّ مَوْجَةٍ مِنْهُ بِجَبَلٍ فِي تَرَاكُمِهَا وَارْتِفَاعِهَا.

رُوِيَ أَنَّ السَّمَاءَ أَمْطَرَتْ جَمِيعَهَا حَتَّى لَمْ يَكُنْ فِي الْهَوَاءِ جَانِبٌ إِلَّا أَمْطَرَ، وَتَفَجَّرَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا بِالنَّبْعِ

، وَهَذَا مَعْنَى الْتِقَاءِ الْمَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ الْمَاءَ عَلَا عَلَى الْجِبَالِ وَأَعَالِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ.

وَكَوْنُ السَّفِينَةِ تَجْرِي فِي مَوْجٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَاءِ مَوْجٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يُطْبِقِ الْمَاءُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ تَجْرِي فِي جَوْفِ الْمَاءِ وَالْمَاءُ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، فَكَانَتْ تَسْبَحُ فِي الْمَاءِ كَمَا تَسْبَحُ السَّمَكَةُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّجَّاجُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَدِ اسْتَبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا قَالَ: وَأَيْنَ كَانَ الْمَوْجُ كَالْجِبَالِ عَلَى هَذَا؟ ثُمَّ كَيْفَ اسْتَقَامَتْ حَيَاةُ مَنْ فِي السَّفِينَةِ؟ وَأَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأَنَّ الْجَرَيَانَ فِي الْمَوْجِ كَانَ قَبْلَ التَّطْبِيقِ، وَقَبْلَ أَنْ يَعُمَّ الْمَاءُ الْجِبَالَ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِهِ: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ. وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ، الْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ. وَهَذَا النِّدَاءُ كَانَ قَبْلَ جَرْيِ السَّفِينَةِ فِي قَوْلِهِ: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ، وَفِي إِضَافَتِهِ إِلَيْهِ هُنَا وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وَنِدَائِهِ دَلِيلٌ عَلَى

ص: 156

أَنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابن عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَالْجُمْهُورِ، وَاسْمُهُ كَنْعَانُ. وَقِيلَ: يَامُ، وَقِيلَ: كَانَ ابْنَ قريب له ودعاه بالنبوّة حَنَانًا مِنْهُ وَتَلَطُّفًا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِكَسْرِ تَنْوِينِ نُوحٍ، وَقَرَأَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ: بِضَمِّهِ، أَتْبَعَ حَرَكَتَهُ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ فِي الْحَاءِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هِيَ لُغَةُ سُوءٍ لَا تُعْرَفُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِوَصْلِ هَاءِ الْكِنَايَةِ بِوَاوٍ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ بِسُكُونِ الْهَاءِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَأَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: وَهَذَا عَلَى لُغَةِ الْأَزْدِ الشُّرَاةِ، يُسَكِّنُونَ هَاءَ الْكِنَايَةِ مِنَ الْمُذَكَّرِ، وَمِنْهُ قول الشاعر:

ونضواي مُشْتَاقَانِ لَهُ أَرِقَانِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهَا لُغَةٌ لِبَنِي كِلَابٍ وَعَقِيلٍ، وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَخُصُّ هَذَا السُّكُونَ بِالضَّرُورَةِ وَيُنْشِدُونَ:

وَأَشْرَبِ الْمَاءَ مَا بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ

إِلَّا لِأَنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وَادِيهَا

وَقَرَأَ السُّدِّيُّ ابْنَاهُ بِأَلِفٍ وَهَاءِ السَّكْتِ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: ذَلِكَ عَلَى النِّدَاءِ. وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إِلَى أَنَّهُ عَلَى النُّدْبَةِ وَالرِّثَاءِ.

وَقَرَأَ عَلِيٌّ، وَعُرْوَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَابْنُهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُهُ جَعْفَرٌ: ابْنَهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ أَيِ: ابْنَهَا مُضَافًا لِضَمِيرِ امْرَأَتِهِ

، فَاكْتَفَى بِالْفَتْحَةِ عَنِ الْأَلِفِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهِيَ لُغَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

إِمَّا تَقُودُ بِهَا شَاةً فَتَأْكُلُهَا

أَوْ أَنْ تَبِيعَهُ فِي بَعْضِ الْأَرَاكِيبِ

وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى هَذَا:

فَلَسْتَ بِمُدْرِكٍ مَا فَاتَ مِنِّي

بِلَهْفَ وَلَا بِلَيْتَ وَلَا لَوَانِّي

انتهى. يريد تبيعها وتلهفا، وَخَطَّأَ النَّحَّاسُ أَبَا حَاتِمٍ فِي حَذْفِ هَذِهِ الْأَلِفِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

وَلَيْسَ كَمَا قَالَ انْتَهَى. وَهَذَا أَعْنِي مِثْلَ تَلَهَّفَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ضَرُورَةً، وَلِذَلِكَ لَا يُجِيزُونَ يَا غُلَامُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَالِاجْتِزَاءَ بِالْفَتْحَةِ عَنْهَا كَمَا اجْتَزَءُوا بِالْكَسْرَةِ فِي يَا غُلَامِ عَنِ الْيَاءِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الْأَخْفَشُ.

وَقَرَأَ أَيْضًا عَلِيٌّ وَعُرْوَةُ ابْنَهَا بِفَتْحِ الْهَاءِ وَأَلِفٍ

أَيِ: ابْنَ امْرَأَتِهِ.

وَكَوْنُهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ ابْنَ امْرَأَتِهِ قَوْلَ: عَلِيٍّ

، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَكَانَ الْحَسَنُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْهُ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وَأَنْتَ تَقُولُ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ

ص: 157

كَانَ ابْنَهُ فَقَالَ: وَمَنْ يَأْخُذُ دِينِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِي وَلَمْ يَقُلْ مِنِّي، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ رَبِيبًا. وَكَانَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، يَحْلِفَانِ عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُ، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَضَاضَةٌ عُصِمَتْ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ جُرَيْجٍ، ولعله لا يصح عَنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ابْنَهُ أَوِ ابْنَهَا فَشَاذَّةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ نُسِبَ إِلَى أُمِّهِ وَأُضِيفَ إِلَيْهَا، وَلَمْ يُضَفْ إِلَى أَبِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا مِثْلَهَا، يُلْحَظُ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى وَلَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ اسْتِبْعَادًا لَهُ، وَرَعْيًا أَنْ لَا يُضَافَ إِلَيْهِ كَافِرٌ، وَإِنَّمَا نَادَاهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَحَبَّ نَجَاتَهُ. أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ إِنْ كَانَ كَافِرًا لِمَا شَاهَدَ مِنَ الْأَهْوَالِ الْعَظِيمَةِ، وَأَنَّهُ يَقْبَلُ الْإِيمَانَ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ: ارْكَبْ مَعَنَا كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الْإِيمَانَ، وَتَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، أَيِ ارْكَبْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ لَا يَرْكَبُ مَعَهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ لِقَوْلِهِ: ومن آمن.

وفي مَعْزِلٍ أَيْ: فِي مَكَانٍ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ مَرْكَبِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: فِي مَعْزِلٍ عَنْ دِينِ أَبِيهِ، وَنِدَاؤُهُ بِالتَّصْغِيرِ خِطَابُ تَحَنُّنٍ وَرَأْفَةٍ، وَالْمَعْنَى: ارْكَبْ مَعَنَا فِي السَّفِينَةِ فَتَنْجُوَ وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ فَتَهْلَكَ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ يَا بُنَيَّ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَوُجِّهَ عَلَى أَنَّهُ اجْتَزَأَ بِالْفَتْحَةِ عَنِ الْأَلْفِ، وَأَصْلُهُ يَا بُنَيًّا كَقَوْلِكَ: يَا غُلَامًا، كَمَا اجْتَزَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِالْكَسْرَةِ عَنِ الْيَاءِ فِي قِرَاءَتِهِمْ يَا بَنِي بِكَسْرِ الْيَاءِ، أَوْ أَنَّ الْأَلِفَ انْحَذَفَتْ لِالْتِقَائِهَا مَعَ رَاءِ ارْكَبْ. وَظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطَرَ وَالتَّفْجِيرَ عَلَى الْعَادَةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ أَيْ: مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى فَلَا أَغْرَقُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْكُفْرِ، وَعَدَمِ وُثُوقِهِ بِأَبِيهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ.

قِيلَ: وَالْجَبَلُ الَّذِي عَنَاهُ طُورُ زَيْتَا فَلَمْ يَمْنَعْهُ، وَالظَّاهِرُ إِبْقَاءُ عَاصِمَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّهُ نَفَى كُلَّ عَاصِمٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَنَّ مَنْ رَحِمَ يَقَعُ فِيهِ مَنْ عَلَى الْمَعْصُومِ.

وَالضَّمِيرُ الْفَاعِلُ يَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَضَمِيرُ الْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا أَيْ: لَكِنْ مَنْ رحمه الله مَعْصُومٌ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ لَا عَاصِمَ إِلَّا الرَّاحِمُ، وَأَنْ يَكُونَ عَاصِمَ بِمَعْنَى ذِي عِصْمَةٍ، كَمَا قَالُوا لَابِنٌ أَيْ: ذُو لَبَنٍ، وَذُو عِصْمَةٍ، مُطْلَقٌ عَلَى عَاصِمٍ وَعَلَى مَعْصُومٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَعْصُومُ. أَوْ فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَيَكُونُ عَاصِمٌ بِمَعْنَى مَعْصُومٍ، كَمَاءٍ دَافِقٍ بِمَعْنَى مَدْفُوقٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

بَطِيءُ القيام رخيم الكلام

أمي فُؤَادِي بِهِ فَاتِنًا

ص: 158

أي مفتونا. ومن لِلْمَعْصُومِ أَيْ: لَا ذَا عِصْمَةٍ، أَوْ لَا مَعْصُومَ إِلَّا الْمَرْحُومُ. وَعَلَى هَذَيْنِ التَّجْوِيزَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا، وَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُتَّصِلًا بِطَرِيقٍ أُخْرَى: وَهُوَ حَذْفُ مُضَافٍ وَقَدَّرَهُ: لَا يَعْصِمُكَ الْيَوْمَ مُعْتَصَمٌ قَطُّ مِنْ جَبَلٍ وَنَحْوِهِ سِوَى مُعْتَصَمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَكَانُ مَنْ رحمهم الله وَنَجَّاهُمْ، يَعْنِي فِي السَّفِينَةِ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ خَبَرَ لَا عَاصِمَ مَحْذُوفٌ، لِأَنَّهُ إِذَا عُلِمَ كَهَذَا الْمَوْضِعِ الْتَزَمَ حَذْفَهُ بَنُو تَمِيمٍ، وَكَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَهُ نُوحٌ: لَا عَاصِمَ، أَيْ لَا عَاصِمَ مَوْجُودٌ. وَيَكُونُ الْيَوْمَ مَنْصُوبًا عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ عَاصِمَ، أَيْ: لَا عَاصِمَ يَعْصِمُ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَمِنْ أَمْرِ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ مَنْصُوبًا بِقَوْلِهِ: لَا عَاصِمَ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مَنْ أَمَرَ اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، لِأَنَّ اسْمَ لَا إِذْ ذَاكَ كَانَ يَكُونُ مُطَوَّلًا، وَإِذَا كَانَ مُطَوَّلًا لَزِمَ تَنْوِينُهُ وَإِعْرَابُهُ، وَلَا يُبْنَى وَهُوَ مَبْنِيٌّ، فَبَطَلَ ذَلِكَ. وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: لَا عَاصِمَ. قَالَ الْحَوْفِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ خَبَرًا وَيَتَعَلَّقَ بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَتَكُونَ مِنْ مُتَعَلِّقَةً بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْيَوْمَ. وقال ابن عطية: واليوم ظَرْفٌ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، أَوْ بِالْخَبَرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كَائِنٌ الْيَوْمَ انْتَهَى. وَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو الْبَقَاءِ فَقَالَ: فَأَمَّا خَبَرُ لَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ، لِأَنَّ ظَرْفَ الزَّمَانِ لَا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الْجُثَّةِ، بَلِ الْخَبَرُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَالْيَوْمُ مَعْمُولٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ نَعْتًا لِعَاصِمَ وَمِنْ الْخَبَرَ انْتَهَى. وَيُرَدُّ بِمَا رَدَّ بِهِ أَبُو الْبَقَاءِ مِنْ أَنَّ ظَرْفَ الزَّمَانِ لَا يَكُونُ نَعْتًا لِلْجُثَثِ، كَمَا لا يكون خبرا. وقرىء إِلَّا مَنْ رُحِمَ بِضَمِّ الرَّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ فَتَحُوا الرَّاءَ هُوَ الْمَرْحُومُ لَا الرَّاحِمُ، وَحَالَ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ. قِيلَ: كَانَا يَتَرَاجَعَانِ الْكَلَامَ، فَمَا اسْتَتَمَّتِ الْمُرَاجَعَةُ حَتَّى جَاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ رَاكِبًا عَلَى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فَالْتَقَمَتْهُ وَفَرَسَهُ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ فَغَرِقَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ ابْنِ نُوحٍ وَالْجَبَلِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ يَعْصِمُهُ.

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ. قالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَادَى الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ بِمَا يُنَادَى بِهِ الْإِنْسَانُ الْمُمَيِّزُ عَلَى لَفْظِ التَّخْصِيصِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا

ص: 159

بِالْخِطَابِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ المخلوقات وهو قوله: يا أرض ويا سَمَاءُ، ثُمَّ أَمَرَهُمَا بِمَا يُؤْمَرُ بِهِ أَهْلُ التَّمْيِيزِ وَالْعَقْلِ مِنْ قَوْلِهِ: ابْلَعِي ماءك وأقلعي، مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الِاقْتِدَارِ العظيم، وأنّ السموات وَالْأَرْضَ وَهَذِهِ الْأَجْرَامَ الْعِظَامَ مُنْقَادَةٌ لِتَكْوِينِهِ فِيهَا مَا يَشَاءُ، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ كأنها عُقَلَاءُ مُمَيِّزُونَ، قَدْ عَرَفُوا عَظَمَتَهُ وَجَلَالَهُ وَثَوَابَهُ وَعِقَابَهُ، وَقُدْرَتَهُ عَلَى كُلِّ مَقْدُورٍ، وَتَبَيَّنُوا تَحَتُّمَ طَاعَتِهِ عَلَيْهِمْ وَانْقِيَادِهِمْ لَهُ، وَهُمْ يَهَابُونَهُ وَيَفْزَعُونَ مِنَ التَّوَقُّفِ دُونَ الِامْتِثَالِ لَهُ وَالنُّزُولِ عَنْ مَشِيئَتِهِ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ غَيْرِ رَيْبٍ. فَكَمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَفْعُولًا لَا حَبْسَ وَلَا بُطْءَ. وَبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَذَيَّلَ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْحَسَنِ، قَالَ الْحَسَنُ: يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ، وَالْحَقُّ تَعَالَى مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا مُتَصَرِّفٌ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَأَرَادَ فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى كَمَالِ جَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعُلُوِّ قُدْرَتِهِ وَهَيْبَتِهِ انْتَهَى. وَبِنَاءُ الْفِعْلِ فِي وَقِيلَ وَمَا بَعْدَهَا لِلْمَفْعُولِ أَبْلَغُ فِي التَّعْظِيمِ وَالْجَبَرُوتِ وَأَخْصَرُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَجِيءُ إِخْبَارِهِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْجَلَالِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْأُمُورَ الْعِظَامَ لا يكون إِلَّا بِفِعْلِ فَاعِلٍ قَادِرٍ، وَتَكْوِينِ مُكَوِّنٍ قَاهِرٍ، وَأَنَّ فَاعِلَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فَاعِلٌ وَاحِدٌ لَا يُشَارَكُ فِي أَفْعَالِهِ، فَلَا يَذْهَبِ الْوَهْمُ إِلَى أَنْ يَقُولَ غَيْرُهُ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي، وَلَا أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْهَائِلَ غَيْرُهُ، وَلَا أَنْ تَسْتَوِيَ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ وَتَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ إِلَّا بِتَسْوِيَتِهِ وإقراره. ولما ذكرنا مِنَ الْمَعَانِي وَالنُّكَتِ وَاسْتَفْصَحَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ هَذِهِ الْآيَةَ ورقصوا لها رؤوسهم، لَا لِتَجَانُسِ الْكَلِمَتَيْنِ وَهُمَا قوله: ابلعي واقلعي، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ لَا يَخْلُو مِنْ حُسْنٍ، فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُلْتَفَتِ إِلَيْهِ بِإِزَاءِ تِلْكَ الْمَحَاسِنِ الَّتِي هِيَ اللُّبُّ، وَمَا عَدَاهَا قُشُورٌ انْتَهَى. وَأَكْثَرُهُ خَطَابَةً، وَهَذَا النِّدَاءُ وَالْخِطَابُ بِالْأَمْرِ هُوَ اسْتِعَارَةٌ مَجَازِيَّةٌ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْحُذَّاقِ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْدَثَ فِيهِمَا إِدْرَاكًا وَفَهْمًا لِمَعَانِي الْخِطَابِ. وَرُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: هَذَا كَلَامُ الْقَادِرِينَ، وَعَارَضَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ الْقُرْآنَ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ أَمْسَكَ عَنِ الْمُعَارَضَةِ وَقَالَ: هَذَا كَلَامٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَقُضِيَ الْأَمْرُ، غَرِقَ مَنْ غَرِقَ، وَنَجَا مَنْ نَجَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قُضِيَ الْأَمْرُ بِهَلَاكِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُضِيَ الْأَمْرُ فُرِغَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أُحْكِمَتْ هَلَكَةُ قَوْمِ نُوحٍ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنْجَزَ مَا وَعَدَ اللَّهُ نُوحًا مِنْ هَلَاكِ قَوْمِهِ. وَاسْتَوَتْ أَيِ اسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، وَاسْتِقْرَارُهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ. وقيل: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَأَقَامَتْ عَلَى الْجُودِيِّ شَهْرًا، وَهَبَطَ بِهِمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. وَذَكَرُوا أَنَّ الْجِبَالَ تَطَاوَلَتْ وَتَخَاشَعَ الْجُودِيُّ.

ص: 160

وَحَدِيثُ بَعْثِ نُوحٍ عليه السلام الْغُرَابَ وَالْحَمَامَةَ لِيَأْتِيَاهُ بِخَبَرِ كَمَالِ الْغَرَقِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ عَلَى الْجُودِيِّ بِسُكُونِ الْيَاءِ مُخَفَّفَةً. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُمَا لُغَتَانِ، وَقَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: هُوَ تخفيف ياءي النَّسَبِ، وَهَذَا التَّخْفِيفُ بَابُهُ الشِّعْرُ لِشُذُوذِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَقِيلَ بُعْدًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْأَفْعَالِ السَّابِقَةِ، وَبُنِيَ الْجَمِيعُ لِلْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ، وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِ نُوحٍ وَالْمُؤْمِنِينَ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ من قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ بُلُوغِ الْأَمْرِ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، ثَمَّ قَوْلٌ مَحْسُوسٌ. وَمَعْنَى بُعْدًا هَلَاكًا يُقَالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وَبَعَدًا إِذَا هَلَكَ، وَاللَّامُ فِي لِلْقَوْمِ مِنْ صِلَةِ الْمَصْدَرِ. وَقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ، وَالتَّقْدِيرُ وَقِيلَ لِأَجْلِ الظَّالِمِينَ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَاطَبَ الْهَالِكُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَمَعْنَى وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ أَيْ: أَرَادَ أَنْ يُنَادِيَهُ، وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ الْفَاءَ، إِذْ لَوْ كَانَ أَرَادَ حَقِيقَةَ النِّدَاءِ وَالْإِخْبَارَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنْهُ لَمْ تَدْخُلِ الْفَاءُ فِي فَقَالَ، وَلَسَقَطَتْ كَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ «1» وَالْوَاوُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ لَا تُرَتِّبُ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ أَوَّلَ مَا رَكِبَ نُوحٌ السَّفِينَةَ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الطَّبَرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِ غَرَقِ الِابْنِ. وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، ظُهُورُ أَنَّهُ وَلَدُهُ لِصُلْبِهِ. وَمَعْنَى مِنْ أَهْلِي أَيِ: الَّذِي أُمِرْتُ أَنْ أَحْمِلَهُمْ فِي السَّفِينَةِ لِقَوْلِهِ: احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ «2» وَلَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَنِ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ لِظَنِّهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَعُمُومُ قَوْلِهِ: وَمَنْ آمَنَ يَشْمَلُ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَحَسُنَ الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، أَيِ الْوَعْدُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا شَكَّ فِي إِنْجَازِهِ وَالْوَفَاءِ بِهِ، وَقَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ تُنَجِّيَ أَهْلِي، وَأَنْتَ أَعْلَمُ الْحُكَّامِ وَأَعْدَلُهُمْ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْحِكْمَةِ حَاكِمٌ بِمَعْنَى النِّسْبَةِ، كَمَا يُقَالُ: دَارِعٌ مِنَ الدِّرْعِ، وَحَائِضٌ وَطَالِقٌ عَلَى مَذْهَبِ الْخَلِيلِ انْتَهَى. وَمَعْنَى لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ أَيِ النَّاجِينَ، أَوِ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الْوَعْدُ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَبِيبُهُ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ حَقِيقَةً، إِذْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِوِلَادَةٍ، فَعَلَى هَذَا نَفَى مَا قُدِّرَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ:

وَأَهْلَكَ، ثُمَّ عَلَّلَ انْتِفَاءَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ بِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أنه عَائِدٌ عَلَى ابْنِ نُوحٍ لَا عَلَى النِّدَاءِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: وَنَادَى الْمُتَضَمِّنِ سؤال ربه، وجعله

(1) سورة مريم: 19/ 3.

(2)

سورة هود: 11/ 40.

ص: 161

نَفْسَ الْعَمَلِ مُبَالَغَةً فِي ذَمِّهِ كَمَا قَالَ: فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ، هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ جُمْهُورِ السَّبْعَةِ.

وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ: عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ جَعَلَهُ فِعْلًا نَاصِبًا غَيْرَ صَالِحٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ: عَلِيٍّ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَرَوَتْهَا عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

، وَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى ابْنِ نُوحٍ. قِيلَ: وَيُرَجِّحُ كَوْنَ الضَّمِيرِ فِي أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى نِدَاءِ نُوحٍ الْمُتَضَمِّنِ السُّؤَالَ أَنَّ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ أَنْ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم. وقيل: يعود على الضَّمِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى رُكُوبِ وَلَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ سُؤَالُ نُوحٍ الْمَعْنَى: أَنَّ كَوْنَهُ مَعَ الْكَافِرِينَ وَتَرْكَهُ الرُّكُوبَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ، وَكَوْنُ الضَّمِيرِ فِي إِنَّهُ عَائِدًا عَلَى غَيْرِ ابْنِ نُوحٍ عليه السلام تَكَلُّفٌ وَتَعَسُّفٌ لَا يَلِيقُ بِالْقُرْآنِ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : فَهَلَّا قِيلَ إِنَّهُ عَمَلٌ فَاسِدٌ؟ (قُلْتُ) : لَمَّا نَفَاهُ مِنْ أَهْلِهِ نَفَى عَنْهُ صِفَتَهُمْ بِكَلِمَةِ النَّفْيِ الَّتِي يُسْتَنْفَى مَعَهَا لَفْظُ الْمَنْفِيِّ وَأَذِنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْجَى مَنْ أَنْجَى مِنْ أَهْلِهِ بِصَلَاحِهِمْ، لَا لِأَنَّهُمْ أَهْلُكَ وَأَقَارِبُكَ، وَإِنَّ هَذَا لَمَّا انْتَفَى عَنْهُ الصَّلَاحُ لَمْ تَنْفَعْهُ أُبُوَّتُكَ.

وَقَرَأَ الصَّاحِبَانِ: تَسْأَلَنِّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُمْ أثبتوا الياء بَعْدَ النُّونِ، وَابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِهَا مَفْتُوحَةً وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: تَسَالْنِي مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، مِنْ سَالَ يَسَالُ، وَهُمَا يَتَسَاوَلَانِ، وَهِيَ لُغَةٌ سَائِرَةٌ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِالْهَمْزِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِهَا، وَأَثْبَتَ الْيَاءَ فِي الْوَصْلِ وَرْشٌ وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَذَفَهَا الْبَاقُونَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَا تَلْتَمِسْ مُلْتَمَسًا، أَوِ الْتِمَاسًا لَا تَعْلَمُ أَصَوَابٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ صَوَابٍ حَتَّى تَقِفَ عَلَى كُنْهِهِ، وَذِكْرُ الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّدَاءَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَغْرَقَ حِينَ خَافَ عَلَيْهِ. (فَإِنْ قُلْتَ) : لِمَ سَمَّى نِدَاءَهُ سُؤَالًا وَلَا سُؤَالَ فِيهِ؟

(قُلْتُ) : قَدْ تَضَمَّنَ دُعَاؤُهُ مَعْنَى السُّؤَالِ وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ الْمَوْعِدَ بِنَجَاةِ أَهْلِهِ فِي وَقْتِ مُشَارَفَةِ الْغَرَقِ فَقَدِ اسْتَنْجَزَ، وَجَعَلَ سُؤَالَ مَا لَا يُعْرَفُ كُنْهُهُ جَهْلًا وَغَبَاوَةً وَوَعْظَهُ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَمْثَالِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِينَ. (فَإِنْ قُلْتَ) : قَدْ وَعَدَ اللَّهُ أَنْ يُنْجِيَ أَهْلَهُ، وَمَا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ ابْنَهُ لَيْسَ مِنْهُمْ دِينًا، فَلَمَّا أَشْفَى عَلَى الْغَرَقِ تَشَابَهَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، لِأَنَّ الْعِدَةَ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ، وَقَدْ عَرَفَ اللَّهَ حَكِيمًا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْقَبِيحِ وَخَلْفُ الْمِيعَادِ، فَطَلَبَ إِمَاطَةَ الشُّبْهَةِ وَطَلَبُ إِمَاطَةِ الشُّبْهَةِ وَاجِبٌ، فَلِمَ زُجِرَ وَجُعِلَ سُؤَالُهُ جَهْلًا؟ (قُلْتُ) : أَنَّ اللَّهَ عز وجل قَدَّمَ لَهُ الْوَعْدَ بِإِنْجَاءِ أَهْلِهِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ فِي جُمْلَةِ أَهْلِهِ مَنْ هُوَ مُسْتَوْجِبُ الْعَذَابِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صَالِحٍ، وَأَنَّ كُلَّهُمْ لَيْسُوا بِنَاجِينَ، وَأَنْ لَا تُخَالِجَهُ شُبْهَةٌ حين شارف ولده الْغَرَقِ فِي أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَثْنِينَ لَا مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُمْ، فَعُوتِبَ

ص: 162

عَلَى أَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ بِمَا يَجِبُ أَنْ لَا يَشْتِبَهَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فلا تسألن مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، أَيْ إِذْ وَعَدْتُكَ فَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّهُ لَا خُلْفَ فِي الْوَعْدِ، فَإِذَا رَأَيْتَ وَلَدَكَ لَمْ يُحْمَلْ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَقِفَ وَتَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِحَقٍّ وَاجِبٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَكِنَّ نُوحًا عليه السلام حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ الْبُنُوَّةِ وَسَجِيَّةُ الْبَشَرِ عَلَى التَّعَرُّضِ لِنَفَحَاتِ الرَّحْمَةِ وَالتَّذْكِيرِ، وَعَلَى هَذَا الْقَدْرِ وَقَعَ عِقَابُهُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ بِتَلَطُّفٍ وَتَرَجٍّ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. وَيَحْتَمِلُ قوله:

فلا تسألن مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، أَيْ: لَا تَطْلُبْ مِنِّي أَمْرًا لَا تَعْلَمُ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ عِلْمَ يَقِينٍ، وَنَحَا إِلَى هَذَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ وَقَالَ: إِنَّ بِهِ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظٍ عَامٍّ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

كَأَنَّ جَزَائِي بِالْعَصَا أَنْ أُجْلَدَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِهِ بِمَنْزِلَةِ فِيهِ، فَتَتَعَلَّقُ الْبَاءُ بِالْمُسْتَقَرِّ. وَاخْتِلَافُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لَفْظِيٌّ، وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ واحد. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَأْوِيلًا فِي قَوْلِهِ: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ لَا يُنَاسِبُ النُّبُوَّةَ تَرْكَنَاهُ، وَيُوقَفُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وَقِيلَ:

سَأَلَ نُوحٌ رَبَّهُ حِينَ صَارَ عَنْهُ ابْنُهُ بِمَعْزِلٍ، وَقِيلَ: قَبْلَ أَنْ عَرَفَ هَلَاكَهُ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ عَرَفَ هَلَاكَهُ سَأَلَ اللَّهَ لَهُ الْمَغْفِرَةَ. أَنْ أَسْأَلَكَ مِنْ أَنْ أَطْلُبَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا لَا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ تَأْدِيبًا بِأَدَبِكَ، وَاتِّعَاظًا بِمَوْعِظَتِكَ، وَهَذِهِ إِنَابَةٌ مِنْ نُوحٍ عليه السلام وَتَسْلِيمٌ لِأَمْرِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالسُّؤَالُ الَّذِي وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ وَالِاسْتِعَاذَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْهُ هُوَ سُؤَالُ الْعَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحَاجَّةٌ، وَطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فِيمَا قَدْ حُجِبَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيهِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ فِي الْأُمُورِ عَلَى جِهَةِ التَّعَلُّمِ وَالِاسْتِرْشَادِ فَغَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، يَعُمُّ النَّحْوَيْنِ مِنَ السُّؤَالِ، وَلِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآخر، والخاسرون هُمُ الْمَغْبُونُونَ حُظُوظَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ انْتَهَى. وَنَسَبَ نُوحٌ النَّقْصَ وَالذَّنْبَ إِلَى نَفْسِهِ تَأَدُّبًا مَعَ رَبِّهِ فَقَالَ: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي، أَيْ مَا فَرَطَ مِنْ سُؤَالِي وَتَرْحَمْنِي بِفَضْلِكَ، وَهَذَا كَمَا قَالَ آدَمُ عليه السلام.

قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ. تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: بُنِيَ الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: الْقَائِلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ: مِنَّا، وسنمتعهم. أُمِرَ عِنْدَ نُزُولِهِ بِالْهُبُوطِ مِنَ السَّفِينَةِ وَمِنَ الْجَبَلِ مَعَ أَصْحَابِهِ لِلِانْتِشَارِ فِي الْأَرْضِ، وَالْبَاءُ لِلْحَالِ أَيْ:

ص: 163

مَصْحُوبًا بِسَلَامَةٍ وَأَمْنٍ وَبَرَكَاتٍ، وَهِيَ الْخَيْرَاتُ النَّامِيَةُ فِي كُلِّ الْجِهَاتِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ أَيِ: اهْبِطْ مُسَلَّمًا عَلَيْكَ مكرما. وقرىء اهْبِطْ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَحَكَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى وَبَرَكَةٍ عَلَى التَّوْحِيدِ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَبُشِّرَ بِالسَّلَامَةِ إِيذَانًا لَهُ بِمَغْفِرَةِ رَبِّهِ لَهُ وَرَحْمَتِهِ إِيَّاهُ، وَبِإِقَامَتِهِ فِي الْأَرْضِ آمِنًا مِنَ الْآفَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إِذْ كَانَتِ الْأَرْضُ قَدْ خَلَتْ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ بِعَوْدِ الْأَرْضِ إِلَى أَحْسَنِ حَالِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ أَيْ دَائِمَةٍ بَاقِيَةٍ عَلَيْكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَيْ: نَاشِئَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ، وَهُمُ الْأُمَمُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لِلْبَيَانِ فَتُرَادُ الْأُمَمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جَمَاعَاتٍ. وَقِيلَ لَهُمْ: أُمَمٌ، لِأَنَّ الْأُمَمَ تَشَعَّبَتْ مِنْهُمُ انْتَهَى. وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ تكلف، إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وَعَلَى أُمَمٍ هُمْ مَنْ مَعَكَ، وَلَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَا غِنَى عَنْهُ، وَعَلَى أُمَمٍ مَعَكَ أَوْ عَلَى مَنْ مَعَكَ، فَكَانَ يَكُونُ أخضر وَأَقْرَبَ إِلَى الْفَهْمِ، وَأَبْعَدَ عَنِ اللَّبْسِ. وَارْتَفَعَ أُمَمٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:

وسنمتعهم صِفَةً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ وَمِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ، وَإِنَّمَا حُذِفَ لِأَنَّ قَوْلَهُ:

ممن معك، يدل عليه، وَالْمَعْنَى: أَنَّ السَّلَامَ مِنَّا وَالْبَرَكَاتِ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمِ مُؤْمِنِينَ يَنْشَئُونَ مِمَّنْ مَعَكَ، وَأُمَمٌ مُمَتَّعُونَ بِالدُّنْيَا مُنْقَلِبُونَ إِلَى النَّارِ انْتَهَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُمَمٌ مُبْتَدَأً، وَمَحْذُوفُ الصِّفَةِ وَهِيَ الْمُسَوِّغَةُ لِجَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأُمَمٌ مِنْهُمْ أَيْ مِمَّنْ مَعَكَ، أَيْ نَاشِئَةٌ مِمَّنْ معك، وسنمتعهم هُوَ الْخَبَرُ كَمَا قَالُوا: السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ، أَيْ مَنَوَانِ مِنْهُ، فَحُذِفُ مِنْهُ وَهُوَ صِفَةٌ لَمَنَوَانِ، وَلِذَلِكَ جَازَ الِابْتِدَاءُ بِمَنَوَانِ وَهُوَ نَكِرَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأٌ وَلَا يُقَدَّرَ صِفَةُ الْخَبَرِ سَنُمَتِّعُهُمْ، وَمُسَوِّغُ الِابْتِدَاءِ كَوْنُ الْمَكَانِ مَكَانَ تَفْصِيلٍ، فَكَانَ مِثْلَ قَوْلِ الشَّاعِرُ:

إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْحَرَفَتْ لَهُ

بِشِقٍّ وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَوَّلِ

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ارْتَفَعَتْ وَأُمَمٌ عَلَى مَعْنَى: وَيَكُونُ أُمَمٌ انْتَهَى. فَإِنْ كَانَ أَرَادَ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَحَسَنٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِعْرَابَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَوَاضِعِ إِضْمَارِ يَكُونُ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هَذَا كَمَا تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا وَعَمْرٌو جَالِسٌ انتهى. فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُمَلِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَتَكُونُ حَالًا مُقَدَّرَةً لِأَنَّهُ وَقْتَ الْأَمْرِ بِالْهُبُوطِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْأُمَمُ مَوْجُودَةً. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَأُمَمٌ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي اهْبِطْ تَقْدِيرُهُ:

اهْبِطْ أَنْتَ وَأُمَمٌ، وَكَانَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا مُغْنِيًا عَنِ التَّأْكِيدِ، وسنمتعهم نعت لأمم انْتَهَى. وَهَذَا التَّقْدِيرُ وَالْمَعْنَى لَا يَصْلُحَانِ، لِأَنَّ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ إِنَّمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ:

وَمَنْ آمَنَ، وَلَمْ يَكُونُوا قِسْمَيْنِ كُفَّارًا وَمُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ الْكُفَّارُ مَأْمُورِينَ بِالْهُبُوطِ مَعَ نُوحٍ، إِلَّا

ص: 164

إِنْ قَدَّرَ أَنَّ مِنْ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَكْفُرُ بَعْدَ الْهُبُوطِ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ بالحالة التي يؤولون إِلَيْهَا فَيُمْكِنُ عَلَى بُعْدٍ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ مَعَهُ يَنْشَأُ مِنْهُمْ مُؤْمِنُونَ وَكَافِرُونَ، وَنَبَّهَ عَلَى الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْمُتَّصِفِينَ بِهِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ سَلَامٌ وَبَرَكَةٌ، وَعَلَى الْكُفْرِ بِأَنَّ الْمُتَّصِفِينَ بِهِ يُمَتَّعُونَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ طَوِيلُ النَّجَادِ كَثِيرُ الرَّمَادِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: مِمَّنْ مَعَكَ يَدُلُّ عَلَى أنّ المؤمنين والكافرين نشأوا مِمَّنْ مَعَهُ، وَالَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ إِنْ كَانُوا أَوْلَادَهُ الثَّلَاثَةَ فَقَطْ، أَوْ مَعَهُمْ نِسَاؤُهُمُ، انْتَظَمَ قَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ نُوحًا عليه السلام هُوَ أَبُو الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، وَسُمِّيَ آدَمَ الْأَصْغَرَ لِذَلِكَ. وَإِنْ كَانُوا أَوْلَادَهُ وَغَيْرَهُمْ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْعَدَدِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُ أَوْلَادِهِ مَاتَ وَلَمْ يَنْسُلْ صَحَّ أَنَّهُ أَبُو الْبَشَرِ بَعْدَ آدَمَ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ نَشَأَ مِمَّنْ مَعَهُ مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالَّذِينَ مَعَهُ أَوْلَادُهُ، فَيَكُونُ مِنْ إِطْلَاقِ الْعَامُّ وَيُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ. وَإِنْ كَانُوا نَسَلُوا كَمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فَلَا يَنْتَظِمُ أَنَّهُ أَبُو الْبَشَرِ بَعْدَ آدَمَ بَلِ الْخَلْقُ بَعْدَ الطُّوفَانِ مِنْهُ، وَمِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ وَالْأُمَمُ الْمُمَتَّعَةُ لَيْسُوا مُعَيَّنِينَ، بَلْ هُمْ عِبَارَةٌ عَنِ الْكُفَّارِ. وَقِيلَ: هُمْ قَوْمُ هُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

تِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى قِصَّةِ نُوحٍ، وَتَقَدَّمَتْ أَعَارِيبُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ «1» فِي آلِ عِمْرَانَ، وَتِلْكَ إِشَارَةٌ لِلْبَعِيدِ، لِأَنَّ بَيْنَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَالرَّسُولِ مُدَدًا لَا تُحْصَى. وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ بِتِلْكَ إِلَى آيات القرآن، ومن أَنْبَاءِ الْغَيْبِ وَهُوَ الَّذِي تَقَادَمَ عَهْدُهُ وَلَمْ يَبْقَ عِلْمُهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ، ونوحيها إِلَيْكَ لِيَكُونَ لَكَ هِدَايَةً وَأُسْوَةً فِيمَا لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ عِلْمُهَا عِنْدَكَ وَلَا عِنْدَ قَوْمِكَ، وَأَعْلَمْنَاهُمْ بِهَا لِيَكُونَ مِثَالًا لَهُمْ وَتَحْذِيرًا أَنْ يُصِيبَهُمْ إِذَا كَذَّبُوكَ مَا أَصَابَ أُولَئِكَ، وَلِلَحْظِ هَذَا الْمَعْنَى ظَهَرَتْ فَصَاحَةُ قَوْلِهِ:

فَاصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ مُجْتَهِدًا فِي التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ، فَالْعَاقِبَةُ لَكَ كَمَا كَانَتْ لنوح فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ.

وَمَعْنَى مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا: أَيْ مُفَصَّلَةً كَمَا سَرَدْنَاهَا عَلَيْكَ، وَعِلْمُ الطُّوفَانِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْعَالَمِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَالْمَجُوسُ الْآنَ يُنْكِرُونَهُ. وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا كُنْتَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ مَفْعُولِ نُوحِيهَا، أَوْ مِنْ مَجْرُورِ إِلَيْكَ، وَقَدَّرَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ تَقْدِيرَ مَعْنًى فَقَالَ: أَيْ مَجْهُولَةً عِنْدَكَ وَعِنْدَ قَوْمِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ هَذَا إِلَى الْوَقْتِ أَوْ إِلَى الْإِيحَاءِ أَوْ إِلَى الْعِلْمِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ بِالْوَحْيِ احْتِمَالَاتٌ، وفي مصحف ابن

(1) سورة آل عمران: 3/ 44.

ص: 165

مَسْعُودٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَا قَوْمُكَ مَعْنَاهُ: أَنَّ قَوْمَكَ الَّذِينَ أَنْتَ مِنْهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَوُفُورِ عَدَدِهِمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَهُمْ، وَلَا سَمِعُوهُ وَلَا عَرَفُوهُ، فَكَيْفَ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ كَمَا تَقُولُ: لَمْ يَعْرِفُ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ وَلَا أَهْلُ بَلَدِهِ؟.

وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، عطف الْوَاوُ الْمَجْرُورَ عَلَى الْمَجْرُورِ، وَالْمَنْصُوبَ عَلَى الْمَنْصُوبِ، كَمَا يُعْطَفُ الْمَرْفُوعُ وَالْمَنْصُوبُ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَنْصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وَبَكْرٌ خَالِدًا، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْفَصْلِ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، وَفِي الْبَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنْهُ الْخِلَافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ، أَوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ؟ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ فِي هُودٍ وَعَادٍ وَإِخْوَتِهِ مِنْهُمْ فِي الْأَعْرَافِ، وَقِرَاءَةُ الْكِسَائِيِّ غَيْرِهِ بِالْخَفْضِ، وَقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أَيْ:

وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ، وَهَذَا أَقْرَبُ لِطُولِ الْفَصْلِ بِالْجُمَلِ الْكَثِيرَةِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ. وَهُودًا بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ. وَقَرَأَ مُحَيْصِنٍ: يَا قَوْمُ بِضَمِّ الْمِيمِ كقراءة حفص: قُلْ رَبُّ احْكُمْ بِالْحَقِّ بِالضَّمِّ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي الْمُنَادَى الْمُضَافِ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ، وَافْتِرَاؤُهُمْ قَالَ الْحَسَنُ: فِي جَعْلِهِمُ الْأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخَاذِكُمُ الْأَوْثَانَ لَهُ شُرَكَاءَ. وَالضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ عَائِدٌ عَلَى الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: الَّذِي فَطَرَنِي، عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا تَفْعَلُ، وَكَوْنِهِ تَعَالَى هُوَ الْفَاطِرُ لِلْمَوْجُودَاتِ يَسْتَحِقُّ إِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ. وأفلا تَعْقِلُونَ تَوْقِيفٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ الْأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الْفَاطِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ رَاجِعًا إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ أَطْلُبْ عَرَضًا مِنْكُمْ، وَإِنَّمَا أُرِيدُ نَفْعَكُمْ فَيَجِبُ انْقِيَادُكُمْ لِمَا فِيهِ نَجَاتُكُمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَفَلَا تَعْقِلُونَ نَصِيحَةَ مَنْ لَا يَطْلُبُ عَلَيْهَا أَجْرًا إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ ثَوَابُ الْآخِرَةِ، وَلَا شَيْءَ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ مِنْ ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ «1» أَوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ قَصَدَ هُودٌ اسْتِمَالَتَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ وَتَرْغِيبَهُمْ فِيهِ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ وَزِيَادَةِ الْقُوَّةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ زُورِعٍ وَبَسَاتِينَ وَعِمَارَاتٍ حِرَاصًا عَلَيْهَا أَشَدَّ الْحِرْصِ، فَكَانُوا أَحْوَجَ شَيْءٍ إِلَى الْمَاءِ، وَكَانُوا مُدْلِينَ بِمَا أُوتُوا مِنْ هَذِهِ الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ وَالْبَأْسِ مُهَيَّئِينَ فِي كُلِّ ناحية.

(1) سورة هود: 11/ 3، 52.

ص: 166

وَقِيلَ: أَرَادَ الْقُوَّةَ فِي الْمَالِ، وَقِيلَ: فِي النِّكَاحِ. قِيلَ: وَحُبِسَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَعَقِمَتْ أَرْحَامُ نِسَائِهِمْ.

وَقَدِ انْتَزَعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنه مِنْ هَذَا وَمِنْ قَوْلِهِ:

وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ، أَنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفَارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الْوَلَدِ.

وَأَجَابَ مَنْ سَأَلَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ ذُو مَالٍ وَلَا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ، أَنَّهُ الْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: فِي الْجِسْمِ وَالْبَأْسِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: خَصْبًا إِلَى خَصْبِكُمْ، وَقِيلَ: نِعْمَةً إِلَى نِعْمَتِهِ الْأُولَى عَلَيْكُمْ، وَقِيلَ: قُوَّةً فِي إِيمَانِكُمْ إِلَى قُوَّةٍ فِي أَبْدَانِكُمْ.

قالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ: بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِكَ، وَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ وَبَهَتُوهُ كَمَا كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ فِي قَوْلِهِمْ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ «1» وَقَدْ جَاءَهُمْ بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ، أَوْ لِعَمَائِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَعَدَمِ نَظَرِهِمْ فِي الْآيَاتِ اعْتَقَدُوا مَا هُوَ آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقَالُوا: مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنَا إِلَى الْإِيمَانِ، وَإِلَّا فَهُودٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَهُمْ مُعْجِزَاتٌ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنَا بَعْضَهَا. أَلَا تَرَى إِلَى

قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عليه البشر»

وعن فِي عَنْ قَوْلِكَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي تاركي آلِهَتِنَا، كَأَنَّهُ قِيلَ: صَادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ «2» فَتَتَعَلَّقُ بِتَارِكِي، كَأَنَّهُ قِيلَ لِقَوْلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى التَّعْلِيلِ وَالسَّبَبِ فِيهَا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقَالَ: أَيْ لَا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنَا، إِذْ هُوَ مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا تَأْكِيدٌ وَتَقْنِيطٌ لَهُ مِنْ دُخُولِهِمْ فِي دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ دُعَائِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَإِفْرَادِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ إِلَى الْخَبَلِ وَالْجُنُونِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اعْتَرَاهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّهَا وَحَرَّضَ عَلَى تَرْكِهَا وَدَعَا إِلَى تَرْكِ عِبَادَتِهَا، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكَافَأَةً بِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْمَجَانِينُ، كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ «3» واعتراك جملة محكية

(1) سورة يونس: 10/ 20.

(2)

سورة التوبة: 9/ 114.

(3)

سورة المؤمنون: 23/ 70.

ص: 167

بنقول، فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ، وَدَلَّتْ عَلَى بَلَهٍ شَدِيدٍ وَجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِي حِجَارَةٍ أَنَّهَا تَنْتَصِرُ وَتَنْتَقِمُ. وَقَوْلُ هُودٍ لَهُمْ فِي جَوَابِ ذَلِكَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ إِلَى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأَ مِنْ آلِهَتِهِمْ، وَحَرَّضَهُمْ كُلَّهُمْ مَعَ انْفِرَادِهِ وَحْدَهُ عَلَى كَيْدِهِ بِمَا يشاؤون، وَعَدَمُ تَأَخُّرِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، وَالتَّأْيِيدِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ أَنْ يَنَالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذَا وَهْمُ حَرِيصُونَ عَلَى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ «1» وَأَكَّدَ بَرَاءَتَهُ مِنْ آلهتهم وشركهم، ووقفها بِمَا جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنْ تَوْثِيقِهِمُ الْأَمْرَ بِشَهَادَةِ اللَّهِ وَشَهَادَةِ الْعِبَادِ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : هَلَّا قِيلَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَأُشْهِدُكُمْ (قُلْتُ) : لِأَنَّ إِشْهَادَ اللَّهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إِشْهَادٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي مَعْنَى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وَأَمَّا إِشْهَادُهُمْ فَمَا هُوَ إِلَّا تَهَاوُنٌ بِدِينِهِمْ وَدِلَالَةٌ عَلَى قِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ عَنْ لَفْظِ الْأَوَّلِ لِاخْتِلَافِ مَا بَيْنَهُمَا، وَجِيءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ بِالشَّهَادَةِ انتهى. وإني بَرِيءٌ تَنَازَعَ فِيهِ أُشْهِدُ واشهدوا، وَقَدْ يَتَنَازَعُ الْمُخْتَلِفَانِ فِي التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صَالِحًا لِأَنْ يَعْمَلَا فِيهِ تَقُولُ: أَعْطَيْتُ زَيْدًا وَوَهَبْتُ لعمر ودينارا، كَمَا يَتَنَازَعُ اللَّازِمُ وَالْمُتَعَدِّي نَحْوَ: قَامَ وَضَرَبْتُ زَيْدًا. وما فِي مَّا تُشْرِكُونَ مَوْصُولَةٌ، إِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ: بَرِيءٌ مِنْ إِشْرَاكِكُمْ آلِهَةً مِنْ دُونِهِ، أَوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، وجميعا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ كِيدُونِي الْفَاعِلِ، وَالْخِطَابُ إِنَّمَا هُوَ لِقَوْمِهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنْتُمْ وَآلِهَتُكُمْ انْتَهَى. قِيلَ: وَمُجَاهَرَةُ هُودٍ عليه السلام لَهُمْ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَدْيَانِهِمْ، وَحَضُّهُ إِيَّاهُمْ عَلَى كَيْدِهِ هُمْ وَأَصْنَامُهُمْ مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أَوْ حَرَّضَ جَمَاعَتَهُمْ عَلَيْهِ مَعَ انْفِرَادِهِ وَقُوَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلَى اللَّهِ مُعْلِمًا أَنَّهُ رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ، وَمُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَبُّكُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَمُفَوِّضًا أَمْرَهُ إِلَيْهِ تَعَالَى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وَانِجَازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وَصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظِيمَ مُلْكِهِ مِنْ كَوْنِ كُلِّ دَابَّةٍ فِي قَبْضَتِهِ وَمِلْكِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، فَأَنْتُمْ مِنْ جُمْلَةِ أُولَئِكَ الْمَقْهُورِينَ. وَقَوْلُهُ: آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا تَمْثِيلٌ، إِذْ كَانَ الْقَادِرُ الْمَالِكُ يَقُودُ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ بِنَاصِيَتِهِ، كَمَا يُقَادُ الْأَسِيرُ وَالْفَرَسُ بِنَاصِيَتِهِ، حَتَّى صَارَ الْأَخْذُ بِالنَّاصِيَةِ عُرْفًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَجُزُّ نَاصِيَةَ الْأَسِيرِ الْمَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلَامَةَ أَنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وَقُبِضَ عَلَى نَاصِيَتِهِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:

وَخَصَّ النَّاصِيَةَ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا وَصَفَتْ إِنْسَانًا بِالذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ قَالَتْ: مَا نَاصِيَةُ فُلَانٍ إِلَّا بِيَدِ

(1) سورة يونس: 10/ 71.

ص: 168

فُلَانٍ، أَيْ أَنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ، وَعَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي مُلْكِهِ، لَا يَفُوتُهُ ظَالِمٌ وَلَا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ، وَوَعْدُهُ الْحَقُّ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَإِنْ تَوَلَّوْا أَيْ تَتَوَلَّوْا مُضَارِعُ تَوَلَّى. وَقَرَأَ الأعرج وعيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ مُضَارِعُ وَلَّى، وَقِيلَ: تَوَلَّوْا مَاضٍ وَيَحْتَاجُ فِي الْجَوَابِ إِلَى إِضْمَارِ قَوْلٍ، أي: فَقُلْ لَهُمْ قَدْ أَبْلَغْتُكُمْ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إِلَى جَعْلِهِ مَاضِيًا وَإِضْمَارِ الْقَوْلِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَوَلَّوْا فِعْلًا مَاضِيًا، وَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ رُجُوعٌ مِنْ غَيْبَةٍ إِلَى خِطَابٍ أَيْ: فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ انْتَهَى. فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي تَوَلَّوْا عَائِدٌ عَلَى قَوْمِ هُودٍ، وَخِطَابٌ لَهُمْ مِنْ تَمَامِ الْجَمَلِ الْمَقُولَةِ قَبْلُ. وَقَالَ التَّبْرِيزِيُّ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ، انْتَقَلَ مِنْ خِطَابِ قَوْمِ هُودٍ إِلَى الْإِخْبَارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَخْبِرْهُمْ عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وَادْعُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ لِئَلَّا يُصِيبَهُمْ كَمَا أَصَابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهُمْ: قَدْ أَبْلَغْتُكُمْ. وَجَوَابُ الشَّرْطِ هُوَ قَوْلُهُ: فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ، وَصَحَّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا، لِأَنَّ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَيْهِمْ رِسَالَتَهُ تَضَمُّنُ مَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الْمُسْتَأْصِلِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَإِنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالْعَذَابِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْجُمْلَةُ الْخَبَرِيَّةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : الْإِبْلَاغُ كَانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وَقَعَ جَزَاءً لِلشَّرْطِ؟

(قُلْتُ) : مَعْنَاهُ فَإِنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعَاقِبْ عَلَى تَفْرِيطٍ فِي الْإِبْلَاغِ، فَإِنَّ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ قَدْ بَلَغَكُمْ فَأَبَيْتُمْ إِلَّا تَكْذِيبَ الرِّسَالَةِ وَعَدَاوَةَ الرَّسُولِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ ما عليّ كبيرهم مِنْكُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ سَاحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وَأَنْتُمْ أَصْحَابُ الذَّنْبِ فِي الْإِعْرَاضِ عَنِ الْإِيمَانِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَيَسْتَخْلِفُ بِضَمِّ الْفَاءِ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ الْمُسْتَأْنَفِ أَيْ: يُهْلِكُكُمْ وَيَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكُمْ فِي دِيَارِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ. وَقَرَأَ حَفْصٌ فِي رِوَايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِهَا عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ الْجَزَاءِ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَبِجَزْمِ وَلَا تَضُرُّوهُ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَلَا تَضُرُّونَهُ أَيْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكُمْ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا تَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَضَارُّ وَالْمَنَافِعُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ الْمَعْنَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَلَا تَضُرُّونَهُ بِذَهَابِكُمْ وَهَلَاكِكُمْ شَيْئًا أَيْ:

لَا يَنْقُصْ مُلْكُهُ، وَلَا يَخْتَلُّ أَمْرُهُ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَلَا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. وَالْمَعْنَى الْآخَرُ: وَلَا تَضُرُّونَهُ أَيْ: وَلَا تَقْدِرُونَ إِذَا أَهْلَكَكُمْ عَلَى إِضْرَارِهِ بِشَيْءٍ، وَلَا

ص: 169

عَلَى انْتِصَارٍ مِنْهُ، وَلَا تُقَابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ انْتَهَى. وَهَذَا فِعْلٌ مَنْفِيٌّ وَمَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهَا. وَمَعْنَى حَفِيظٌ رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ عِلْمًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ، وَلَا يَغْفُلُ عَنْ مُؤَاخَذَتِكُمْ، وَهُوَ يَحْفَظُنِي مِمَّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.

وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ. وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ: الْأَمْرُ وَاحِدُ الْأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنِ الْعَذَابِ، أَوْ عَنِ الْقَضَاءِ بِهَلَاكِهِمْ. أَوْ مَصْدَرُ أَمَرَ أَيْ أَمْرُنَا لِلرِّيحِ أَوْ لِخَزَنَتِهَا. وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قِيلَ: كَانُوا أربعة آلاف، وقيل: ثَلَاثَةُ آلَافٍ. وَالظَّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنَّا بِقَوْلِهِ: نَجَّيْنَا أَيْ، نَجَّيْنَاهُمْ بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهُمْ، لَا بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ.

أَوْ كَنَّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، إِذْ تَوْفِيقُهُمْ لَهَا إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا أَيْ: إِنَّ إِيمَانَهُمْ بِاللَّهِ وَبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إِنَّمَا هُوَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ، إِذْ وَفَّقَهُمْ لِذَلِكَ. وَتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وَلِقَلَقِ مَنْ لولا صقت مِنَّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وَهِيَ الْأُولَى، أَوْ تَكُونُ هَذِهِ التنجية هِيَ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَلَا عَذَابَ أَغْلَظُ مِنْهُ، فَأُعِيدَتْ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ مُتَعَلِّقَيْهَا.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : فَمَا مَعْنَى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ؟ (قُلْتُ) : ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّهُ حِينَ أَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ نَجَّاهُمْ ثُمَّ قَالَ: وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ عَلَى مَعْنَى، وَكَانَتِ التَّنْجِيَةُ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَعَلَا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكَانَتْ تَدْخُلُ فِي أُنُوفِهِمْ وَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ وَتُقَطِّعُهُمْ عُضْوًا عُضْوًا انْتَهَى، وَهَذَا قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ، وَكَانَتِ النَّجَاةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ الرِّيحَ، فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ عَلَى هَذَا تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، وَالْمَشْهُورُ فِي عَذَابِهِمْ بِالرِّيحِ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُهُمْ وَتَهْدِمُ مَسَاكِنَهُمْ وَتَنْسِفُهَا، وَتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ «1» كَمَا هِيَ، وَنَحْوَ هَذَا. وتلك عَادٌ إِشَارَةٌ إِلَى قُبُورِهِمْ وَآثَارِهِمْ كَأَنَّهُ قَالَ: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا إِلَيْهَا وَاعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْأَخْبَارَ عَنْهُمْ فَقَالَ: جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ أَيْ: أَنْكَرُوهَا. وَأَضَافَ الْآيَاتِ إِلَى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ مَالِكُهُمْ وَمُرَبِّيهِمْ، فَأَنْكَرُوا آيَاتِهِ، وَالْوَاجِبُ إِقْرَارُهُمْ بِهَا. وَأَصْلُ جَحَدَ أَنْ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرَى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالْبَاءِ، كَمَا عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ، إِجْرَاءً له مجرى

(1) سورة التوبة: 9/ 2.

ص: 170