المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 89] - البحر المحيط في التفسير - ط الفكر - جـ ٦

[أبو حيان الأندلسي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة يونس

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 23]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 24 الى 25]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 26 الى 61]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 62 الى 70]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 87]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 88 الى 109]

- ‌سورة هود

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 40]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 41 الى 60]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 61 الى 83]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 84 الى 108]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 109 الى 116]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 117 الى 123]

- ‌سورة يوسف

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 29]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 30 الى 44]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 45 الى 64]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 65 الى 68]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 69 الى 87]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 101]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 102 الى 111]

- ‌سورة الرعد

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 19 الى 43]

- ‌سورة ابراهيم

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 10]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 11 الى 17]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 18 الى 34]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 52]

- ‌سورة الحجر

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 1 الى 25]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 26 الى 44]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 45 الى 99]

- ‌سورة النّحل

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 1 الى 29]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 30 الى 50]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 51 الى 74]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 89]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 90 الى 128]

الفصل: ‌[سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 89]

وَيَعْبُدُونَ، وَهُمُ الْكُفَّارُ أَيْ: وَلَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ مُتَصَرِّفُونَ أُولُو أَلْبَابٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَكَيْفَ بِالْجَمَادِ الَّذِي لَا حِسَّ بِهِ؟ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ بِبُرْهَانٍ يُظْهِرُونَهُ وَحُجَّةٍ يُثْبِتُونَهَا انْتَهَى.

وَنَهَى تَعَالَى عَنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ لِلَّهِ، وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ تَمْثِيلُهَا وَالْمَعْنَى هُنَا: تَمْثِيلٌ لِلْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ وَالتَّشْبِيهِ بِهِ، لِأَنَّ مَنْ يَضْرِبُ الْأَمْثَالَ مُشَبِّهٌ حَالًا بِحَالٍ. وَقِصَّةً بِقِصَّةٍ مِنْ قَوْلِهِمْ:

هَذَا ضَرْبٌ لِهَذَا أَيْ: مَثَلٌ، وَالضَّرْبُ النَّوْعُ. تَقُولُ: الْحَيَوَانُ عَلَى ضُرُوبٍ أَيْ أَنْوَاعٍ، وَهَذَا مِنْ ضَرْبٍ وَاحِدٍ أَيْ: مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ لَا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ انْتَهَى.

وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَثْبَتَ الْعِلْمَ لِنَفْسِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ وَالْإِشْرَاكِ بِهِ، وَعَبَّرَ عَنِ الْجَزَاءِ بِالْعِلْمِ: وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ كُنْهَ مَا أَقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ، وَلَا وَبَالَ عَاقِبَتِهِ، فَعَدَمُ عِلْمِكُمْ بِذَلِكَ جَرَّكُمْ وَجَرَّأَكُمْ وَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الْإِشْرَاكِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كَيْفَ نَضْرِبُ الْأَمْثَالَ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ انْتَهَى. وَقَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ قَالَ: يَعْلَمُ بِضَرْبِ الْمَثَلِ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: يَعْلَمُ خَطَأَ مَا تَضْرِبُونَ مِنَ الْأَمْثَالِ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ صَوَابَ ذلك من خطته.

[سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 89]

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَاّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (83) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84)

وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (86) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (89)

ص: 567

الْكَلُّ: الثَّقِيلُ، وَقَدْ يُسَمَّى الْيَتِيمُ كَلًّا لِثِقَلِهِ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

أَكُولٌ لِمَالِ الْكَلِّ قَبْلَ شَبَابِهِ

إِذَا كَانَ عَظْمُ الْكَلِّ غَيْرَ شَدِيدِ

وَالْكَلُّ أَيْضًا الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، وَالْكَلُّ الْعِيَالُ، وَالْجَمْعُ كُلُولٌ. اللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، لَمَحَهُ لَمْحًا وَلَمَحَانًا. الْجَوُّ: مَسَافَةُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقِيلَ: هُوَ مَا يَلِي الْأَرْضَ فِي سَمْتِ الْعُلُوِّ، وَاللَّوْحُ وَالسُّكَاكُ أَبْعَدُ مِنْهُ. الظَّعْنُ: سَيْرُ الْبَادِيَةِ فِي الِانْتِجَاعِ وَالتَّحَوُّلُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَالظَّعْنُ الْهَوْدَجُ أَيْضًا. الصُّوفُ لِلضَّأْنِ، وَالْوَبَرُ لِلْإِبِلِ، وَالشَّعْرُ لِلْمَعَزِ، قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ أَصْوَافِهَا الْآيَةَ. الْأَثَاثُ: قَالَ الْمُفَضَّلُ مَتَاعُ الْبَيْتِ كَالْفُرُشِ وَالْأَكْسِيَةِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لفظه، كَمَا أَنَّ الْمَتَاعَ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ

ص: 568

لَفْظِهِ، وَلَوْ جَمَعْتَ لَقُلْتَ: أَأْثِثَةٌ فِي الْقَلِيلِ، وَأُثُثٌ فِي الْكَثِيرِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَاحِدُهُ أُثَاثةٌ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَثَثَ النَّبَاتُ وَالشَّعْرُ، فَهُوَ أَثِيثٌ إِذَا كَثُرَ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

وَفَرْعٌ يُزَيِّنُ المتن أسود فاحم

أثيت كَقِنْوِ النَّخْلَةِ الْمُتَعَثْكِلِ

الْكِنُّ مَا حَفَظَ، وَمَنَعَ مِنَ الرِّيحِ وَالْمَطَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنَ الْجِبَالِ الْغَارُ. اسْتَعْتَبْتُ الرَّجُلَ بِمَعْنَى أَعْتَبْتُهُ أَيْ: أَزَلْتُ عَنْهُ مَا يُعْتَبُ عَلَيْهِ وَيُلَامُ، وَالِاسْمُ الْعُتْبَى، وَجَاءَتِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ نَحْوَ اسْتَدْيَنْتُهُ وَأَدْيَنْتُهُ.

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: مُنَاسَبَةُ ضَرْبِ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى ضَلَالَهُمْ فِي إِشْرَاكِهِمْ بِاللَّهِ غَيْرَهُ وَهُوَ لَا يَجْلِبُ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا لِنَفْسِهِ وَلَا لِعَابِدِهِ، ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا قِصَّةَ عَبْدٍ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، عَاجِزٍ عَنِ التَّصَرُّفِ، وَحُرٍّ غَنِيٍّ مُتَصَرِّفٍ فِيمَا آتَاهُ اللَّهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَانِ لَا يَسْتَوِيَانِ عِنْدَكُمْ مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَمُشْتَرِكَيْنِ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وَتُسَوُّونَ به من مَخْلُوقٌ لَهُ مَقْهُورٌ بِقُدْرَتِهِ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ، مَعَ تَبَايُنِ الْأَوْصَافِ. وَأَنَّ مُوجِدَ الْوُجُودِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يُمْكِنَ لِعَاقِلٍ أَنْ يُشَبِّهَ بِهِ غَيْرَهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا مَثَلٌ لِلَّهِ وَلِلْأَصْنَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَالْكَافِرُ الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ لَا يَنْتَفِعُ بِعِبَادَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ رَزَقْنَاهُ الْمُؤْمِنُ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَثَلٌ لِلْبَخِيلِ وَالسَّخِيِّ انْتَهَى.

وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ عَبْدٍ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحُرِّ، خُصِّصَ بِمَمْلُوكٍ. وَلَمَّا كَانَ الْمَمْلُوكُ قَدْ يَكُونُ لَهُ تَصَرُّفٌ وَقُدْرَةٌ كَالْمَأْذُونِ لَهُ وَالْمُكَاتَبِ، خُصِّصَ بِقَوْلِهِ: لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَالْمَعْنَى: عَلَى شَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ حَرَكَاتِهِ: كَالْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ، وَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالنَّوْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ كَوْنُ وَمَنْ مَوْصُولَةً أَيْ: وَالَّذِي رَزَقْنَاهُ، وَدَلَّتِ الصِّلَةُ وَمَا عُطِفَ عَلَى أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْحُرُّ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: مَوْصُوفَةٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ كَأَنَّهُ قَالَ: وَحُرًّا رَزَقْنَاهُ لِيُطَابِقَ عَبْدًا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ

ص: 569

مَوْصُولَةً. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَلَا يَقْتَضِي ضَرْبَ الْمَثَلِ لِشَخْصَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِأَوْصَافٍ مُتَبَايِنَةٍ تَعْيِينُهُمَا، بَلْ مَا رُوِيَ فِي تَعْيِينِهِمَا مِنْ أَنَّهُمَا: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه وَعَبْدٌ لَهُ أَوْ أَنَّهُمَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه وَأَبُو جَهْلٍ، لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ. وَجَمَعَ الضَّمِيرِ فِي يَسْتَوُونَ وَلَمْ يُثَنِّ لِسَبْقِ اثْنَيْنِ، لِأَنَّ مَنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْجَمْعُ فَيَصِيرُ إِذْ ذَاكَ جَمْعُ الضَّمِيرِ لِانْتِظَامِ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ وَالْأَغْنِيَاءِ فِي الْجَمْعِ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: عَبْدًا مَمْلُوكًا. وَالْمُلَّاكُ الْمُرْزُوقُونَ الْمُنْفِقُونَ. ويحتمل أن يراد بعبدا مَمْلُوكًا الْجِنْسُ، فَيَصْلُحُ عَوْدُ الضَّمِيرِ جَمْعًا عَلَيْهِ، وَعَلَى جِنْسِ الْأَغْنِيَاءِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْعَبِيدِ وَالْأَحْرَارِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لِلْجَمْعَيْنِ ذِكْرٌ، لِدَلَالَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ عَلَيْهِمَا.

قُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ، أَمَرَهُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى أَنْ مَيَّزَهُ بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ الضَّعِيفِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرٌ عَلَى بَيَانِ الْأَمْرِ بِهَذَا الْمَثَلِ، وَعَلَى إِذْعَانِ الْخَصْمِ لَهُ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ أَذْعَنَ لَكَ فِي حُجَّةٍ وَسَلَّمَ تَبْنِي أَنْتَ عَلَيْهِ، قَوْلَكَ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى هَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا قَالَ هُنَا: هَلْ يَسْتَوُونَ، فَكَأَنَّ الْخَصْمَ قَالَ لَهُ: لَا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ظَهَرَتِ الْحُجَّةُ انْتَهَى.

وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ: هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ دُونَ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ، إِذْ لَا نِعْمَةَ لِلْأَصْنَامِ عَلَيْهِمْ فَتُحْمَدُ عَلَيْهَا، إِنَّمَا الْحَمْدُ الْكَامِلُ لِلَّهِ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ الْخَالِقُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا فَعَلَ بِأَوْلِيَائِهِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ. وَالظَّاهِرُ نَفْيُ الْعِلْمِ عَنْ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ بَانَ لَهُ الْحَقُّ وَرَجَعَ إِلَيْهِ، أَوْ أَكْثَرُ الْخَلْقِ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ أَيْ: بَلْ هُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَمُتَعَلِّقُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ، إِمَّا لِأَنَّ الْمَعْنَى نَفْيُ الْعِلْمِ عَنِ الْأَكْثَرِ وَلَمْ يُلْحَظْ مُتَعَلِّقُهُ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ مَحْذُوفٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي سَبَبُهَا قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ.

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَيْ قِصَّةَ رَجُلَيْنِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذَا مَثَلٌ ثَانٍ ضَرَبَهُ لِنَفْسِهِ وَلِمَا يُفِيضُ عَلَى عِبَادِهِ وَيَشْمَلُهُمْ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ وَأَلْطَافِهِ وَنِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْأَصْنَامِ الَّتِي هِيَ أَمْوَاتٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ. وَالْأَبْكَمُ الَّذِي وُلِدَ أخرس لَا يُفْهَمُ وَلَا يَفْهَمُ.

وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْ: ثَقِيلٌ، وَعِيَالٌ عَلَى مَنْ يَلِي أَمْرَهُ وَيَعُولُهُ. أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ: حَيْثُمَا يُرْسِلْهُ وَيَصْرِفْهُ فِي مَطْلَبِ حَاجَةٍ أَوْ كِفَايَةٍ مُهِمٍّ لَمْ يَنْفَعْ وَلَمْ يَأْتِ بِنُجْحٍ. هَلْ يَسْتَوِي هُوَ، وَمَنْ هُوَ سَلِيمُ الْحَوَاسِّ نَفَّاعٌ ذُو كِفَايَاتٍ مَعَ رُشْدٍ وَدِيَانَةٍ، فَهُوَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلَى سِيرَةٍ صَالِحَةٍ، وَدِينٍ قَوِيمٍ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ مَثَلٌ

ص: 570

لِلْكَافِرِ، وَالَّذِي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ الْمُؤْمِنُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مثل لله تعالى، والأصنام فهي الأبكم الَّذِي لَا نُطْقَ لَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مَنْ وَالَاهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ، كَمَا الْأَصْنَامُ تَحْتَاجُ أَنْ تُنْقَلَ وَتُخْدَمَ وَيُتَعَذَّبَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَأْتِي مِنْ جِهَتِهَا خَيْرٌ أَلْبَتَّةَ. وَعَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا وَغَيْرِهِ: هَذَا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْوَثَنِ، فَالْأَبْكَمُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ هُوَ الْوَثَنُ، وَالَّذِي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: مَثَلًا رَجُلَيْنِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَدِيلَ الأبكم الموصوف بتلك الصفات، وَمُقَابِلُهُ رَجُلٌ مَوْصُوفٌ بِمَا يُقَابِلُ تِلْكَ الصِّفَاتِ مِنَ النُّطْقِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكِفَايَةِ، وَلَكِنَّهُ حَذَفَ الْمُقَابِلَ لِدَلَالَةِ مُقَابِلِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ: هَلْ يَسْتَوِي ذَلِكَ الْأَبْكَمُ الْمَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، وَهَذَا النَّاطِقُ: فَفِي ذِكْرِ اسْتِوَائِهِمَا أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى حَذْفِ الْمُقَابِلِ. وَلَمَّا كَانَ الْبُكْمُ هُوَ الْمُبْدَأُ بِهِ مِنَ الْأَوْصَافِ، وَعَنْهُ تَكُونُ الْأَوْصَافُ الَّتِي بَعْدَهُ قَابِلَةً فِي الِاسْتِوَاءِ بِالنُّطْقِ، وَثَمَرَتُهُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ غَيْرُهُ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ عَلَى طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، فَحَيْثُمَا تَوَجَّهَ صَدَرَ مِنْهُ الخبر وَنَفَعَ، وَلَيْسَ بِكَالٍّ عَلَى أَحَدٍ. وَقَدْ تَقَرَّرُ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ أَنَّ الْأَبْكَمَ الْعَاجِزَ لَا يَكُونُ مُسَاوِيًا فِي الْعَقْلِ وَالشَّرَفِ لِلنَّاطِقِ الْقَادِرِ الْكَامِلِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْبَشَرِيَّةِ، فَلِأَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّ الْجَمَادَ لَا يَكُونُ مُسَاوِيًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فِي العبودية أَحْرَى وَأَوْلَى. وَكَمَا قُلْنَا فِي الْمَثَلِ السَّابِقِ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ الْمَضْرُوبِ بِهِمَا الْمَثَلُ، فَكَذَلِكَ هُنَا، فَتَعْيِينُ الْأَبْكَمِ بِأَبِي جَهْلٍ، وَالْآمِرُ بِالْعَدْلِ: بِعَمَّارٍ، أَوْ بِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، أَوْ بِهَاشِمِ بن عمرو بن الحرث كَانَ يُعَادِي الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ.

وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَلْقَمَةُ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَلْحَةُ يُوَجِّهُ بِهَاءٍ وَاحِدَةٍ سَاكِنَةٍ مَبْنِيًّا، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ عَائِدًا عَلَى الْأَبْكَمِ، وَيَكُونُ الْفِعْلُ لَازِمًا وَجَّهَ بِمَعْنَى تَوَجَّهَ، كَانَ الْمَعْنَى: أَيْنَمَا يَتَوَجَّهْ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا: تُوَجِّهْهُ بِهَاءَيْنِ، بِتَاءِ الْخِطَابِ، وَالْجُمْهُورُ بِالْيَاءِ وَالْهَاءَيْنِ. وَعَنْ عَلْقَمَةَ وَابْنِ وَثَّابٍ، وَطَلْحَةَ، يوجه بهاء، واحدة ساكنة، وَالْفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وَعَنْ عَلْقَمَةَ، وَطَلْحَةَ: يُوَجِّهُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهَاءٍ وَاحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإِنَّ الْهَاءَ الَّتِي هِيَ لَامُ الْفِعْلِ مَحْذُوفَةٌ فِرَارًا مِنَ التَّضْعِيفِ، وَلِأَنَّ اللَّفْظَ بِهِ صَعْبٌ مَعَ التَّضْعِيفِ، أَوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّرْطُ، بَلْ أَمَرَ هُوَ بِتَقْدِيرِ أَيْنَمَا هُوَ يُوَجِّهُ، وَقَدْ حُذِفَ مِنْهُ ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ بِهِ، فَيَكُونُ حَذْفُ الْيَاءِ مِنْ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ عَلَى التَّخْفِيفِ نَحْوَ: يَوْمَ يَأْتِ. وإذا يَسْرِ انْتَهَى. وَلَا يَخْرُجُ أَيْنَ عَنِ الشَّرْطِ أَوْ الِاسْتِفْهَامِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ ضَعِيفَةٌ، لِأَنَّ الْجَزْمَ لَازِمٌ انْتَهَى. وَالَّذِي تُوَجَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ إِنْ صَحَّتْ أَنَّ أَيْنَمَا شَرْطٌ

ص: 571

حُمِلَتْ عَلَى إِذَا لِجَامِعٍ مَا اشْتَرَكَا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ لَا يَأْتِ تَخْفِيفًا، أَوْ جَزْمُهُ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّهُ نُطِقَ بِأَيْنَمَا الْمُهْمَلَةِ مُعْمِلَةً لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيَكُونُ مَعْنَى يُوَجَّهْ يَتَوَجَّهْ، فَهُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ لَا مُتَعَدٍّ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَهُ غيب السموات وَالْأَرْضِ، وَهُوَ مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ وَخَفِيَ فِيهِمَا عَنْهُمْ عِلْمُهُ. وَالظَّاهِرُ اتِّصَالُهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ «1» أَخْبَرَ باستئثاره بعلم غيب السموات وَالْأَرْضِ، بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالسَّاعَةِ الَّتِي تُنْكِرُونَهَا فِي لَمْحَةِ الْبَصَرِ أَوْ أَقْرَبَ، وَالْمَعْنَى بِهَذَا الْإِخْبَارِ: أَنَّ الْآلِهَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا مُنْتَفٍ عَنْهَا هَذَانِ الْوَصْفَانِ اللَّذَانِ لِلْإِلَهِ وَهُمَا: الْعِلْمُ الْمُحِيطُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَالْقُدْرَةُ الْبَالِغَةُ التَّامَّةُ. وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، ذَكَرَ ارْتِبَاطَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِمَا قَبْلَهَا بِأَنَّ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ هُوَ الْكَامِلُ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ. قِيلَ: وَالْغَيْبُ هُنَا مَا لَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ، وَلَا يُفْهَمُ بِالْعَقْلِ. وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: مَا غَابَ عَنِ الْخَلْقِ هُوَ فِي قَبْضَتِهِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ «2» وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أو أراد بغيب السموات وَالْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى أَنَّ عِلْمَهُ غَائِبٌ عَنْ أهل السموات وَالْأَرْضِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ. قِيلَ: لَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ آتِيَةً وَلَا بُدَّ، جُعِلَتْ مِنَ الْقُرْبِ كَلَمْحِ الْبَصَرِ. وَقَالَ الزَّجَّاجَ: لَمْ يُرِدْ أَنَّ السَّاعَةَ تَأْتِي فِي لَمْحِ الْبَصَرِ، وَإِنَّمَا وَصَفَ سُرْعَةَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا أَيْ: يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ. وَقِيلَ: هَذَا تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ كَمَا تَقُولُ: مَا السَّنَةُ إِلَّا لَحْظَةٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنْ تَرَاخَى، كَمَا يَقُولُونَ أَنْتُمْ في الشيء التي تَسْتَقْرِبُونَهُ: كَلَمْحِ الْبَصَرِ، أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِذَا بَالَغْتُمْ فِي اسْتِقْرَابِهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ:

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ «3» ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ «4» وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ «5» أَيْ هُوَ عِنْدَهُ دَانٍ، وَهُوَ عِنْدُكُمْ بَعِيدٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ إِقَامَةَ السَّاعَةِ وَإِمَاتَةَ الْأَحْيَاءِ، وَإِحْيَاءَ الْأَمْوَاتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، يَكُونُ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ أَوْحَاهُ. إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُقِيمَ السَّاعَةَ، وَيَبْعَثَ الْخَلْقَ، لِأَنَّهُ بَعْضُ الْمَقْدُورَاتِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْمَعْنَى عَلَى مَا قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، وَمَا تَكُونُ السَّاعَةُ وَإِقَامَتُهَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهَا: كُنْ فَلَوِ اتَّفَقَ أَنْ يَقِفَ عَلَى ذَلِكَ شَخْصٌ مِنَ الْبَشَرِ لَكَانَتْ مِنَ السرعة

(1) سورة البقرة: 2/ 216.

(2)

سورة لقمان: 31/ 34.

(3)

سورة الحج: 22/ 47.

(4)

سورة الحج: 22/ 47.

(5)

سورة الحج: 22/ 47.

ص: 572

بِحَيْثُ يَشُكُّ هَلْ هِيَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ؟ أَوْ هِيَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَأَوْ عَلَى هَذَا عَلَى بَابِهَا فِي الشَّكِّ. وَقِيلَ: هِيَ لِلتَّخْيِيرِ انْتَهَى. وَالشَّكُّ وَالتَّخْيِيرُ بَعِيدَانِ، لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عن أَمْرِ السَّاعَةِ، فَالشَّكُّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ التَّخْيِيرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَحْظُورَاتِ كَقَوْلِهِمْ:

خُذْ مِنْ مَالِي دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا، أَوْ فِي التَّكْلِيفَاتِ كَآيَةِ الْكَفَّارَاتِ: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ «1» وَأَوْ هُنَا لِلْإِبْهَامِ عَلَى الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِهِ: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ «2» وَقَوْلِهِ: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً «3» وَهُوَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ عَدَدَهُمْ، وَمَتَى يَأْتِيهَا أَمْرُهُ، كَمَا عَلِمَ أَمْرَ السَّاعَةِ، لَكِنَّهُ أُبْهِمَ عَلَى الْمُخَاطَبِ. وَكَوْنُ أَوْ هُنَا لِلْإِبْهَامِ ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ هُنَا. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ إِقَامَةَ السَّاعَةِ لَيْسَتْ حَالَ تَكْلِيفٍ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى يَأْتِي بِهَا فِي زَمَانٍ يَعْنِي الْقَاضِيَ فَيَكُونُ الإبهام على المخاطب في ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَلَيْسَ زَمَانَ تَكْلِيفٍ. وَالَّذِي نَقُولُهُ:

إِنَّ الْإِبْهَامَ وَقَعَ وَقْتَ الْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى أَمْرِ السَّاعَةِ، لَا وَقْتَ الْإِتْيَانِ بِهَا. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْإِبْهَامِ عَلَى الْمُخَاطَبِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ اتِّحَادُ زَمَانِ الْإِخْبَارِ وَزَمَانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، أَلَا تَرَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ «4» كيف تأمر زَمَانُ الْإِخْبَارِ عَنْ زَمَانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الْإِرْسَالِ، وَوُجُودِهِمْ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: لَمْحُ الْبَصَرِ انْتِقَالُ الْجِسْمِ بِالطَّرْفِ مِنْ أَعْلَى الْحَدَقَةِ، وَهِيَ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ أَجْزَاءٍ وَتِلْكَ الْأَجْزَاءُ كَثِيرَةٌ، وَالزَّمَانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ للمح مُرَكَّبٌ مِنْ آنَاءٍ مُتَعَاقِبَةٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِقَامَةِ الْقِيَامَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْآنَاءِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: أَوْ هُوَ أَقْرَبُ «5» وَلَمَّا كَانَ أَسْرَعُ الْأَحْوَالِ وَالْحَوَادِثِ فِي عُقُولِنَا هُوَ لَمْحُ الْبَصَرِ ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ هُوَ أَقْرَبُ تَنْبِيهًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ طَرِيقَةَ الشَّكِّ، وَالْمُرَادُ بَلْ هُوَ أَقْرَبُ انْتَهَى. وَفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ، هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْإِضْرَابَ عَلَى قِسْمَيْنِ كِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ هُنَا. أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَأَنْ يَكُونَ إِبْطَالًا لِلْإِسْنَادِ السَّابِقِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ هُنَا، لِأَنَّهُ يؤول إِلَى إِسْنَادٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ انْتِقَالًا مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ إِبْطَالٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ السَّابِقِ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ هُنَا لِلتَّنَافِي الَّذِي بَيْنَ الْإِخْبَارِ بِكَوْنِهِ مِثْلَ لَمْحِ الْبَصَرِ فِي السُّرْعَةِ، وَالْإِخْبَارِ بِالْأَقْرَبِيَّةِ، فَلَا يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا معا. وقال

(1) سورة المجادلة: 58/ 2.

(2)

سورة الصافات: 37/ 147.

(3)

سورة يونس: 10/ 24.

(4)

سورة الصافات: 37/ 147.

(5)

سورة النحل: 16/ 77.

ص: 573

صَاحِبُ الْغَنِيَّانِ: وَهَذَا وَإِنْ كان يعتبر إِدْرَاكُهُ حَقِيقَةً، إِلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمُبَالَغَةُ عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ وَأَرْبَابِ النَّظْمِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْأَبْلَهِ الشَّاعِرِ فِي الْمَعْنَى:

قَالَ لَهُ الْبَرْقُ وَقَالَتْ لَهُ الرِّيحُ

جَمِيعًا وَهُمَا مَا هُمَا

أَأَنْتَ تَجْرِي مَعَنَا قَالَ إِنْ

نَشِطْتُ أَضْحَكْتُكُمَا مِنْكُمَا

أَنَا ارْتِدَادُ الطَّرْفِ قَدْ فُتُّهُ

إِلَى الْمَدَى سَبْقًا فَمَنْ أَنْتُمَا

وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَمْرَ السَّاعَةِ وَأَنَّهَا كَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ. وَتَقَدَّمَ وَصْفُهُمْ بِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ، ذَكَرَ تَعَالَى النَّشْأَةَ الْأُولَى وَهِيَ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ غَيْرَ عَالِمِينَ شَيْئًا، تَنْبِيهًا عَلَى وُقُوعِ النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى امْتِنَانَهُ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِ الْحَوَاسِّ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِإِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ وَالْعِلْمِ، وَلَمَّا كَانَتِ النَّشْأَةُ الْأُولَى، وَجَعَلَ مَا يَعْلَمُونَ بِهِ لَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أُمَّهَاتِ فِي النِّسَاءِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَالْمِيمِ هُنَا وَفِي النُّورِ، وَالزُّمَرِ، وَالنَّجْمِ، وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِيهِنَّ، وَالْأَعْمَشُ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى بِحَذْفِهَا وَفَتْحِ الْمِيمِ.

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَذْفُ الْهَمْزَةِ رديء، وَلَكِنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ أُبَيٍّ أَصْوَبُ انْتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَتْ أَصْوَبَ لِأَنَّ كَسْرَ الْمِيمِ إِنَّمَا هُوَ لِإِتْبَاعِهَا حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ، فَإِذَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ مَحْذُوفَةً زَالَ الْإِتْبَاعُ، بِخِلَافِ قِرَاءَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّهُ أَقَرَّ الْمِيمَ عَلَى حركتها. ولا تَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ: غَيْرُ عَالِمِينَ. وَقَالُوا: لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمِيثَاقِ فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا قَضَى عَلَيْكُمْ مِنَ السَّعَادَةِ أَوِ الشَّقَاوَةِ، أَوْ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِكُمْ. وَالْأَوْلَى عُمُومُ لَفْظِ شَيْءٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ. وَقَالَ وَهْبٌ: يُولَدُ الْمَوْلُودُ حَذِرًا إِلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ لَا يُدْرِكُ رَاحَةً وَلَا أَلَمًا. وَيَحْتَمِلُ وَجَعَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى أَخْرَجَكُمْ، فَيَكُونُ وَاحِدًا فِي حَيِّزِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ إِخْبَارٍ مَعْطُوفًا عَلَى الْجُمْلَةِ الِابْتِدَائِيَّةِ كَاسْتِئْنَافِهَا.

وَالْمُرَادُ بِالسَّمْعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ إِحْسَاسُهَا وَإِدْرَاكُهَا، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْآيَةِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّمَا جَمَعَ الْفُؤَادَ جَمْعَ قِلَّةٍ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا خُلِقَ لِلْمَعَارِفِ الْحَقِيقِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ مَشْغُولُونَ بِالْأَفْعَالِ الْبَهِيمِيَّةِ، فَكَانَ فُؤَادُهُمْ لَيْسَ بِفُؤَادٍ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ فِي جَمْعِهِ جَمْعَ الْقِلَّةِ انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَهُوَ قَوْلٌ هَذَيَانِيٌّ، وَلَوْلَا جَلَالَةُ قَائِلِهِ وَتَسْطِيرُهُ فِي الْكُتُبِ مَا ذَكَرْتُهُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي هَذَا مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنَّهُ مِنْ جُمُوعِ الْقِلَّةِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرَى

ص: 574

جُمُوعِ الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ، إِذَا لَمْ يَرِدْ فِي السَّمَاعِ غَيْرُهَا كَمَا جَاءَ: شُسُوعٌ فِي جَمْعِ شِسْعٍ لَا غَيْرُ، فَجَرَى ذَلِكَ الْمَجْرَى انْتَهَى. إِلَّا أَنَّ دَعْوَى الزمخشري أنه لم يجىء فِي جَمْعِ شِسْعٍ إِلَّا شسع لَا غَيْرُ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ جَاءَ فِيهِ جَمْعُ الْقِلَّةِ قَالُوا: أَشْسَاعٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ: غُلِّبَ شُسُوعٌ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ، وَطَلْحَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ هُرْمُزَ: أَلَمْ تَرَوْا بِتَاءِ الْخِطَابِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالْيَاءِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَاخْتَلَفَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعِيسَى الثَّقَفِيِّ، وَعَاصِمٍ، وَأَبِي عَمْرٍو. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَدَارِكَ الْعِلْمِ الثَّلَاثَةَ: السَّمْعَ، وَالنَّظَرَ، وَالْعَقْلَ، وَالْأَوَّلَانِ مَدْرِكُ الْمَحْسُوسِ، وَالثَّالِثُ مَدْرِكُ الْمَعْقُولِ، اكْتَفَى مِنْ ذِكْرِ مُدْرِكِ الْمَحْسُوسِ بِذِكْرِ النَّظَرِ، فَإِنَّهُ أَغْرَبُ لِمَا يُشَاهَدُ بِهِ مِنْ عَظِيمِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بُعْدِهَا الْمُتَفَاوِتِ، كَمُشَاهَدَتِهِ النَّيِّرَاتِ الَّتِي فِي الْأَفْلَاكِ. وَجَعَلَ هُنَا مَوْضِعَ الِاعْتِبَارِ وَالتَّعَجُّبِ الْحَيَوَانَ الطَّائِرَ، فَإِنَّ طَيَرَانَهُ فِي الْهَوَاءِ مَعَ ثِقَلِ جِسْمِهِ مِمَّا يُعْجَبُ مِنْهُ وَيُعْتَبَرُ بِهِ. وَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ أَيْضًا ذِكْرَ مُدْرِكِ الْعَقْلِ فِي كَوْنِهِ لَا يَسْقُطُ، إِذْ لَيْسَ تَحْتَهُ مَا يُدَعِّمُهُ، وَلَا فَوْقَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَنَّهُ لَهُ مُمْسِكَ قَادِرٌ عَلَى إِمْسَاكِهِ وَهُوَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ «1» فَانْتَظَمَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ مُدْرِكِ الْحِسِّ وَمَدْرَكِ الْعَقْلِ. وَمَعْنَى مُسَخَّرَاتٍ: مُذَلَّلَاتٌ، وَبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ لَهُ مُسَخِّرًا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الطَّائِرَ خِلْقَةً مَعَهَا يُمْكِنُهُ الطَّيَرَانُ، أَعْطَاهُ جَنَاحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً، وَيُكِنُّهُ أُخْرَى مِثْلَ مَا يَعْمَلُ السَّابِحُ فِي الْمَاءِ، وَخَلَقَ الْجَوَّ خِلْقَةً مَعَهَا يُمْكِنُ الطَّيَرَانُ خَلَقَهُ خِلْقَةً لَطِيفَةً، يَسْهُلُ بِسَبَبِهَا خَرْقُهُ وَالنَّفَاذُ فِيهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ الطَّيَرَانُ مُمْكِنًا انْتَهَى. وَكَلَامُهُ مُنْتَزَعٌ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي قَالَ: إِنَّمَا أَضَافَ الْإِمْسَاكَ إِلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَعْطَى الْآلَاتِ لِأَجْلِهَا تَمَكَّنَ الطَّائِرُ مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ، فَلَمَّا كَانَ هُوَ الْمُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ صَحَّتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ انْتَهَى. وَالَّذِي نَقُولُهُ: إِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَطِيرَ وَلَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ جَنَاحٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ خَرْقُ الشَّيْءِ الْكَثِيفِ وَذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الْمُمْسِكَ لَهُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ، فَلَا نَقُولُ: إِنَّهُ لَوْلَا الْجَنَاحُ وَلُطْفُ الْجَوِّ مَا أَمْكَنَ الطَّيَرَانُ، وَلَا لَوْلَا الْآلَاتُ مَا أَمْكَنَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَا يُوَافِقُ كَلَامَهُمَا قَالَ: مُسَخَّرَاتٌ، مُذَلَّلَاتٌ لِلطَّيَرَانِ بِمَا خَلَقَ لَهَا مِنَ الْأَجْنِحَةِ، وَالْأَسْبَابِ الْمُوَاتِيَةِ لِذَلِكَ. ثُمَّ أَحْسَنَ أَخِيرًا فِي قَوْلِهِ: مَا يمسكهن في قبضهن

(1) سورة الملك: 67/ 19.

ص: 575

وَبَسْطِهِنَّ وَوُقُوفِهِنَّ إِلَّا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ انْتَهَى. لَآيَاتٍ: جَمَعَ وَلَمْ يُفْرِدْ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ خِفَّةُ الطَّائِرِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِيهِ لِأَنْ يَرْتَفِعَ بِهَا، وَثِقْلُهُ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ لِأَنْ يَنْزِلَ، وَالْفَضَاءُ الَّذِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْإِمْسَاكُ الَّذِي لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا وَقَالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالِاعْتِبَارِ، وَلِتَضَمُّنِ الْآيَةِ أَنَّ الْمُسَخِّرَ وَالْمُمْسِكَ لَهَا هُوَ اللَّهُ، فَهُوَ إِخْبَارٌ مِنْهُ تَعَالَى مَا يُصَدِّقُ بِهِ إِلَّا الْمُؤْمِنُ.

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ: لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ خَلْقِهِمْ، وَمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ، ذَكَرَ مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمَّا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِمْ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ عَنْ دَوَابِّهِمْ مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَهَا، مِنَ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَالْأَخْشَابِ وَغَيْرِهَا. وَالسَّكَنُ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَالْقَنْصِ، وَالنَّقْصِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

جَاءَ الشِّتَاءُ وَلَمَّا أَتَّخِذْ سَكَنًا

يَا وَيْحَ نَفْسِيَ مِنْ حَفْرِ الْقَرَامِيصِ

وَلَيْسَ السَّكَنُ بِمَصْدَرٍ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَكَأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَوَّلًا مَا غَالَبَ الْبُيُوتِ عَلَيْهِ مِنْ كونها لا تنقل، بَلْ يَنْتَقِلُ النَّاسُ إِلَيْهَا. ثُمَّ ذَكَرَ ثَانِيًا مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الْمُتَّخَذِ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ، وَهُوَ مَا يَنْتَقِلُ مِنَ الْقِبَابِ وَالْخِيَامِ وَالْفَسَاطِيطِ الَّتِي مِنَ الْأَدَمِ، أَوْ ذَكَرَ أَوَّلًا الْبُيُوتَ عَلَى طَرِيقِ الْعُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ بُيُوتَ الْجُلُودِ خُصُوصًا تَنْبِيهًا عَلَى حَالِ أَكْثَرِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ لِانْتِجَاعِهِمْ إِنَّمَا بُيُوتُهُمْ مِنَ الْجُلُودِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَنْدَرِجُ فِي الْبُيُوتِ الَّتِي مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتُ الشَّعَرِ، وَبُيُوتُ الصُّوفِ وَالْوَبَرِ. وَقَالَ ابْنُ سَلَامٍ: تَنْدَرِجُ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِيهَا، فَهِيَ مِنْهَا.

وَمَعْنَى تَسْتَخِفُّونَهَا: تَجِدُونَهَا خَفِيفَةَ الْمَحْمَلِ فِي الضَّرْبِ وَالنَّقْضِ وَالنَّقْلِ. يَوْمَ ظَعْنِكُمْ: يَوْمَ تَرْحَلُونَ خَفَّ عَلَيْكُمْ حَمْلُهَا وَنَقْلُهَا، وَيَوْمَ تَنْزِلُونَ وَتُقِيمُونَ فِي مَكَانٍ لَمْ يَثْقُلْ عَلَيْكُمْ ضَرْبُهَا.

وَقَدْ يُرَادُ بِالِاسْتِخْفَافِ فِي وَقْتَيِ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَيْ: مُدَّةَ النُّجْعَةِ وَالْإِقَامَةِ. وَقَرَأَ الْحَرَمِيَّانِ وَأَبُو عَمْرٍو: ظَعَنِكِمْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِسُكُونِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَلَيْسَ السُّكُونُ بِتَخْفِيفٍ كَمَا جَاءَ فِي نَحْوِ الشَّعَرُ وَالشَّعْرُ لِمَكَانِ حَرْفِ الْحَلْقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَثَاثًا مَفْعُولٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا. وَقِيلَ: أَثَاثًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ عَلَى

ص: 576

أَنَّ الْمَعْنَى: جَعَلَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا بُيُوتًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ، كَمَا تَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ مِنَ الْمَاءِ شَرَابًا وَمِنَ اللَّبَنِ، وَفِي التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ قَدْ عَطَفَ مَجْرُورًا عَلَى مَجْرُورٍ، وَمَنْصُوبًا عَلَى مَنْصُوبٍ كَمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ فِي الدَّارِ زَيْدًا وَفِي الْقَصْرِ عَمْرًا، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ بِلَادُهُمْ بِلَادَ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَحَرِيرٍ اقْتُصِرَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ هُنَا، وَانْدَرَجَتْ فِي قَوْلِهِ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ. وَالْمَتَاعُ: مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ أَيْ: يُنْتَفَعُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزِّينَةُ. وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: الْمَتْجَرُ وَالْمَعَاشُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْأَثَاثُ وَالْمَتَاعُ وَاحِدٌ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ كَقَوْلِهِ: وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا. وَغَيَّا تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِلَى حِينٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَى الْمَوْتِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَى بِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ. وَقِيلَ: إِلَى انْقِضَاءِ حَاجَتِكُمْ مِنْهُ. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَكَانَتْ بِلَادُهُمْ غَالِبًا عَلَيْهَا الْحَرُّ، ذَكَرَ امْتِنَانَهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَقِيهِمُ الْحَرَّ مِنْ خَلْقِ الْأَجْرَامِ الَّتِي لَهَا ظِلٌّ كَالشَّجَرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ أَذَى الشَّمْسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: ظِلَالُ الْغَمَامِ. وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ:

ظِلَالُ الْبُيُوتِ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالزَّجَّاجُ: ظِلَالُ الشَّجَرِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ظِلَالُ الشَّجَرِ وَالْجِبَالِ وَالْأَكْنَانُ مِنَ الْجِبَالِ هِيَ الْغِيرَانُ، وَالْكُهُوفُ، وَالْبُيُوتُ الْمَنْحُوتَةُ مِنْهَا. وَالسِّرْبَالُ مَا لُبِسَ عَلَى الْبَدَنِ مِنْ: قَمِيصٍ، وَقَرْقَلٍ، وَمِجْوَلٍ، وَدِرْعٍ، وَجَوْشَنٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صُوفٍ وَكَتَّانٍ وَقُطْنِ وَغَيْرِهَا. وَاقْتُصِرَ عَلَى ذِكْرِ الْحَرِّ إِمَّا لِأَنَّ مَا يَقِي الْحَرَّ يَقِي الْبَرْدَ قَالَهُ الزَّجَّاجُ، أَوْ حَذَفَ الْبَرْدَ لِدَلَالَةِ ضِدِّهِ عَلَيْهِ قَالَهُ الْمُبَرِّدُ، أَوْ لِأَنَّهُ أَمَسُّ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ وَالْبَرَدُ فِيهَا مَعْدُومٌ فِي الْأَكْثَرِ.

وَإِذَا جَاءَ تَوَقَّى بِالْأَثَاثِ فَيَخْلُصُ السِّرْبَالُ لِتَوَقِّي الْحَرِّ فَقَطْ، قَالَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ. وَهَذَا فِي بِلَادِ الْحِجَازِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ فَيُوجَدُ فِيهَا الْبَرْدُ الشَّدِيدُ كَمَا قَالَ مُتَمِّمٌ:

إِذَا الْقَشْعُ مِنْ بَرْدِ الشِّتَاءِ تَقَعْقَعَا وَقَالَ آخَرُ:

فِي ليلةٍ من جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةِ وَالسَّرَابِيلُ الَّتِي تَقِي النَّاسَ هِيَ الدُّرُوعُ. قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

شُمُّ الْعِرَانَيْنِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمْ

مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ

وَالسِّرْبَالُ عَامٌّ، يَقَعُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَدِيدٍ وَغَيْرِهِ. وَالْبَأْسُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ الشِّدَّةُ، وَهُنَا الْحَرْبُ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «كُنَّا إِذَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم»

وَالْمَعْنَى: تَقِيكُمْ أَذَى

ص: 577

الْحَرْبِ وَهُوَ مَا يَعْرِضُ فِيهَا مِنَ الْجِرَاحِ النَّاشِئَةِ مِنْ ضَرْبِ السَّيْفِ، وَالدَّبُّوسِ، وَالرُّمْحِ، وَالسَّهْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ لِلْحَدِيثِ. كَذَلِكَ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الْإِتْمَامِ لِلنِّعْمَةِ فِيمَا سَبَقَ، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَتِمُّ بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ نِعْمَتُهُ بِالرَّفْعِ، أَسْنَدَ التَّمَامَ إِلَيْهَا اتِّسَاعًا، وَعَنْهُ نِعَمُهُ جَمْعًا. وَقَرَأَ: لَعَلَّكُمْ تَسْلَمُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ، وَاللَّامِ مِنَ السَّلَامَةِ وَالْخَلَاصِ، فَكَأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِوِقَايَةِ السَّرَابِيلِ مِنْ أَذَى الْحَرْبِ، أَوْ تُسْلِمُونَ مِنَ الشِّرْكِ. وَأَمَّا تُسْلِمُونَ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ فَالْمَعْنَى: تُؤْمِنُونَ، أَوْ تَنْقَادُونَ إِلَى النَّظَرِ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى مُفْضٍ إِلَى الْإِيمَانِ وَالِانْقِيَادِ. رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ فَقَالَ: عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَلَمَّا سَمِعَ: لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ، قَالَ:

اللَّهُمَّ هَذَا فَلَا، فَنَزَلَتْ.

فَإِنْ تَوَلَّوْا، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا أَيْ: فَإِنْ أَعْرَضُوا عَنِ الْإِسْلَامِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَارِعًا أَيْ: فَإِنْ تَتَوَلَّوْا، وَحُذِفَتِ التَّاءُ، وَيَكُونُ جَارِيًا عَلَى الْخِطَابِ السَّابِقِ وَالْمَاضِي عَلَى الِالْتِفَاتِ، وَالْفَاءُ وَمَا بَعْدَهَا جَوَابُ الشَّرْطِ صُورَةً، وَالْجَوَابُ حَقِيقَةً مَحْذُوفٌ أَيْ: فَأَنْتَ مَعْذُورٌ إِذْ أَدَّيْتَ مَا وَجَبَ عَلَيْكَ، فَأُقِيمَ سَبَبُ الْعُذْرِ وَهُوَ الْبَلَاغُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى إِنْ أَعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقَادِرٍ عَلَى حَقِّ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُبَيِّنَ وَتُبَلِّغَ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ انْتَهَى. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا، وَعِرْفَانُهُمْ لِلنِّعَمِ الَّتِي عُدَّتْ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يَعْتَرِفُونَ بِهَا، وَأَنَّهَا مِنْهُ تَعَالَى، وَإِنْكَارُهُمْ لَهَا حَيْثُ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ إِنْكَارًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، إِذْ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلَى مَعْرِفَةِ نِعَمِهِ تَعَالَى مُقْتَضَاهَا مِنْ عِبَادَتِهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ دُونَ مَا نَسَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الشُّرَكَاءِ، قَالَ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مُجَاهِدٌ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: النِّعْمَةُ هَنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم،

وَالْمَعْنَى: يَعْرِفُونَ بِمُعْجِزَاتِهِ وَآيَاتِ نُبُوَّتِهِ، وَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَّكْذِيبِ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: إِنْكَارُهُمْ قَوْلَهُمْ وَرِثْنَاهَا مِنْ آبَائِنَا. وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ: إِضَافَتُهَا إِلَى الْأَسْبَابِ لَا إِلَى مُسَبِّبِهَا، وَحَكَى صَاحِبُ الْغَنِيَّان: يَعْرِفُونَهَا فِي الشِّدَّةِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا فِي الرَّخَاءِ. وَقِيلَ:

إِنْكَارُهُمْ هِيَ بِشَفَاعَةِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ. وَقِيلَ: يَعْرِفُونَهَا بِقُلُوبِهِمْ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ وَأَكْثَرُهُمْ مَوْضُوعُهُ الْأَصْلِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَكُلُّهُمْ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَقُومُ بِوَاجِبِ حَقِّ الشُّكْرِ، فَجَعَلَهُ من كفران النعمة. وظاهر أَنَّ الْكُفْرَ هُنَا هُوَ مُقَابِلُ الْإِيمَانِ.

وَقِيلَ: أَكْثَرُ أَهْلِ مَكَّةَ، لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَبَى. وَقِيلَ: مَعْنَى الْكَافِرُونَ الْجَاحِدُونَ الْمُعَانِدُونَ، لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يَعْرِفْ فَيُعَانِدُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:(فَإِنْ قُلْتَ) : مَا مَعْنَى ثُمَّ؟

ص: 578

(قُلْتُ) : الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ إِنْكَارَهُمْ مُسْتَبْعَدٌ بَعْدَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ، لِأَنَّ حَقَّ مَنْ عَرَفَ النِّعْمَةَ أَنْ يَعْتَرِفَ لَا أَنْ يُنْكِرَ.

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ: لَمَّا ذَكَرَ إِنْكَارَهُمْ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، ذَكَرَ حَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ فِيهِ الْإِنْكَارُ عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ لَهُمْ بِذَلِكَ الْيَوْمِ. وَانْتَصَبَ يَوْمَ بِإِضْمَارِ اذْكُرْ قَالَهُ:

الْحَوْفِيُّ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَأَبُو الْبَقَاءِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ يَوْمَ نَبْعَثُ وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ الْعَامِلُ فِيهِ: ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا، أَيْ يُنْكِرُونَهَا الْيَوْمَ. وَيَوْمَ نَبْعَثُ أَيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهُمْ، فَيُكَذِّبُهُمُ الشَّهِيدُ، وَالشَّهِيدُ نَبِيُّ تِلْكَ الْأُمَّةِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِإِيمَانِهِمْ وَبِكُفْرِهِمْ، وَمُتَعَلِّقُ الْإِذْنِ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: فِي الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ وَالِاعْتِذَارِ كَمَا قَالَ: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ «1» فَيَعْتَذِرُونَ أَيْ بَعْدَ شَهَادَةِ أَنْبِيَائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَقَبْلَ ذَلِكَ تُجَادِلُ كُلُّ أُمَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ. وَجَاءَ كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا مَوَاطِنُ يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِهَا وَلَا يَنْطِقُونَ فِي بَعْضِهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أَيْ: مُزَالٌ عَنْهُمُ الْعَتَبُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُ لَا يَسْأَلُونَ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا اسْتِعْتَابٌ مَعْنَاهُ طَلَبُ عُتْبَاهُمْ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: وَلَا هُمْ يُسْتَرْضَوْنَ أَيْ:

لَا يُقَالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكُمْ، لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ عَمَلٍ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ:

مَعْنَاهُ يُعْطَوْنَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيَقَعُ مِنْهُمْ تَوْبَةٌ وَعَمَلٌ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : فَمَا مَعْنَى ثُمَّ هَذِهِ؟ (قُلْتُ) : مَعْنَاهَا أَنَّهُمْ يُمْنَوْنَ بَعْدَ شَهَادَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا هُوَ أَطَمُّ مِنْهُ، وَأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ الْكَلَامَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي إِلْقَاءِ مَعْذِرَةٍ، وَلَا إِدْلَاءٍ بِحُجَّةٍ انْتَهَى. وَلَمَّا كَانَتْ حَالَةُ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا مُخَالِفَةً لِحَالِ الْآخِرَةِ إِذْ مَنْ رَأَى الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا رَجَا أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ، وَإِنْ وَقْعَ فِيهِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ، أَخْبَرَ تَعَالَى أن عذاب

(1) سورة المرسلات: 77/ 35- 36.

ص: 579

الْآخِرَةِ لَا يَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ وَلَا نَظِرَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَوَابَ إِذَا قَوْلُهُ فَلَا يُخَفَّفُ، وَهُوَ عَلَى إِضْمَارِ هُوَ أَيْ: فَهُوَ لَا يُخَفَّفُ، لِأَنَّهُ لَوْلَا تَقْدِيرُ الْإِضْمَارِ لَمْ تَدْخُلِ الْفَاءُ، لِأَنَّ جَوَابَ إِذَا إِذَا كَانَ مُضَارِعًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى دُخُولِ الْفَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ مُوجَبًا أَمْ مَنْفِيًّا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ «1» وَتَقُولُ: إِذَا جَاءَ زَيْدٌ لَا يَجِيءُ عَمْرٌو. قَالَ الْحَوْفِيُّ: فَلَا يُخَفَّفُ جَوَابُ إِذَا، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي إِذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فَاءَ الْجَوَابِ فِي غَيْرِ أَمَّا لَا تَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَبَيَّنَا أَنَّ الْعَامِلَ فِي إِذَا الْفِعْلُ الَّذِي يَلِيهَا كَسَائِرِ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ قَوْلَ الْجُمْهُورِ. وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوَابَ إِذَا مَحْذُوفًا فَقَالَ: وَقَدْ قُدِّرَ الْعَامِلُ فِي يَوْمَ نَبْعَثُ مَجْزُومًا قَالَ: وَيَوْمَ نَبْعَثُ وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ، وَكَذَلِكَ وَإِذَا رَأَوُا الْعَذَابَ بَغَتَهُمْ وَثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلَا يُخَفَّفُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً «2» فَتَبْهَتُهُمْ الْآيَةَ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: شُرَكَاءَهُمْ، عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ مِنْ صَنَمٍ وَوَثَنٍ وَآدَمِيٍّ وَشَيْطَانٍ وَمَلَكٍ، فَيُكَذِّبُهُمْ مَنْ لَهُ مِنْهُمْ عَقْلٌ، فَيَكُونُ: فَأَلْقَوْا عَائِدًا عَلَى مَنْ لَهُ الْكَلَامُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا يُنْطِقُ اللَّهُ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ. وَإِضَافَةُ الشُّرَكَاءِ إِلَيْهِمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهُمْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ:

شُرَكَاؤُهُمْ الشَّيَاطِينُ، شَرَكُوهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ «3» ، وَقِيلَ: شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْكُفْرِ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ شُرَكَاؤُهُمْ فِي أَنِ اتَّخَذُوهُمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وَعَبَدُوهُمْ، أَوْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي أَنْ جَعَلُوا لَهُمْ نَصِيبًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِمْ حَقِيقَةً. وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى جَوَارِحِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا الْإِشْرَاكَ بِقَوْلِهِمْ: إِلَّا أَنْ قالُوا: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ «4» أَصْمَتَ اللَّهُ أَلْسِنَتَهُمْ وَأَنْطَقَ جَوَارِحَهُمْ. ومعنى: تدعو، ونعبد قَالُوا ذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يُشْرَكُوا مَعَهُمْ فِي الْعَذَابِ، إِذْ يَحْصُلُ التَّأَسِّي، أَوِ اعْتِذَارًا عَنْ كُفْرِهِمْ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ وَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ الشُّرَكَاءُ هُمُ الشَّيَاطِينَ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ. قَالُوا: ذَلِكَ إِحَالَةُ هَذَا الذَّنْبِ عَلَى تِلْكَ الْأَصْنَامِ، وَظَنًّا أَنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ عذابهم، فعند ذلك تكذيبهم تِلْكَ الْأَصْنَامَ. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا بَعِيدٌ، لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا فِي الْآخِرَةِ أَنَّ الْعَذَابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، وَلَا نُصْرَةَ، وَلَا فِدْيَةَ، وَلَا شَفَاعَةَ. وَتَقَدَّمُ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ، وَالْإِخْبَارُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَهُمْ: أَيْ يَعْبُدُونَهُمْ، فَاحْتَمَلَ التَّكْذِيبُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا

لِلْإِخْبَارِ الْأَوَّلِ أي: لسنا شركاء

(1) سورة الحج: 22/ 72.

(2)

سورة الأنبياء: 21/ 40. [.....]

(3)

سورة الإسراء: 17/ 64.

(4)

سورة الأنعام: 6/ 23.

ص: 580

لِلَّهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَلَا آلِهَةً نَزَّهُوا اللَّهَ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ لَهُ.

وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى الْإِخْبَارِ الثَّانِي وَهُوَ الْعِبَادَةُ، لَمَّا لَمْ يَكُونُوا رَاضِينَ بِالْعِبَادَةِ جَعَلُوا عِبَادَتَهُمْ كَلَا عِبَادَةٍ، أَوْ لَمَّا لَمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْعِبَادَةُ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَصْنَامَ وَالْأَوْثَانَ لَا شُعُورَ لَهَا بِالْعِبَادَةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَدْعُوَ وَإِنَّ مَنْ عُبِدَ مِنْ صَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةِ، لَمْ يَدْعُ إِلَى عِبَادَتِهِ. وَإِنْ كَانَ الشُّرَكَاءُ الشَّيَاطِينَ جَازَ أَنْ يَكُونُوا كَاذِبِينَ فِي إِخْبَارِهِمْ بِكَذِبِ مَنْ عَبَدَهُمْ، كَمَا كَذَبَ إِبْلِيسُ فِي قَوْلِهِ:

إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ «1» وَالضَّمِيرُ فِي فَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ عَائِدٌ عَلَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ. وَالسَّلَمُ: الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ لِحُكْمِ اللَّهِ بَعْدَ الْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ فِي الدُّنْيَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِذْ ذَاكَ حِيلَةٌ وَلَا دَفْعٌ. وَرَوَى يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: السَّلْمَ بِإِسْكَانِ اللَّامِ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ: بِضَمِّ السِّينِ وَاللَّامِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الذين أَشْرَكُوا، وَشُرَكَائِهِمْ كُلِّهِمْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمُوا مُنْقَادِينَ لِحُكْمِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي وَضَلُّوا عَائِدٌ عَلَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا خَاصَّةً أَيْ: وَبَطَلَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ مِنْ أَنَّ لِلَّهِ شُرَكَاءَ وَأَنَّهُمْ يَنْصُرُونَهُمْ وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ حِينَ كَذَّبُوهُمْ وَتَبَرَّأُوا مِنْهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الذين مبتدأ وزدناهم الْخَبَرُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ، بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يفترون. وزدناهم فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إِخْبَارُهُ. وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ: غَيْرَهُمْ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا بِسَبَبِ الصَّدِّ فَوْقَ الْعَذَابِ، أَيِ:

الَّذِي تَرَتَّبَ لَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ ضَاعَفُوا كُفْرَهُمْ، فَضَاعَفَ اللَّهُ عِقَابَهُمْ. وَهَذَا الْمَزِيدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَقَارِبُ كَأَمْثَالِ النَّخْلِ الطِّوَالِ، وَعَنْهُ: حَيَّاتٌ كَأَمْثَالِ الْفِيَلَةِ، وَعَقَارِبُ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا مِنْ صُفْرٍ مُذَابٍ تَسِيلُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِهَا، وَعَنِ الزَّجَّاجِ:

يَخْرُجُونَ مِنْ حَرِّ النَّارِ إِلَى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبَادِرُونَ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ إِلَى النَّارِ، وَعَلَّلَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ غَيْرَهُمْ، وَحَامِلِينَ عَلَى الْكُفْرِ. وَفِي كُلِّ أُمَّةٍ فِيهَا مِنْهَا حَذْفٌ فِي السَّابِقِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَثْبَتَهُ هُنَا وَحَذَفَ هُنَاكَ فِي وَأَثْبَتَهُ هُنَا، وَالْمَعْنَى فِي كِلَيْهِمَا: أَنَّهُ يَبْعَثُ اللَّهُ أَنْبِيَاءَ الْأُمَمِ فِيهِمْ مِنْهُمْ، وَالْخِطَابُ فِي ذَلِكَ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَالْإِشَارَةُ بِهَؤُلَاءِ إِلَى أُمَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ شُهَدَاءَ مِنَ الصَّالِحِينَ مَعَ الرُّسُلِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: إِذَا رَأَيْتَ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ فَانْهَهُ، فَإِنْ أَطَاعَكَ وَإِلَّا كُنْتَ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ انْتَهَى. وَكَانَ الشَّهِيدُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ حِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ الْأَصَمُّ أَبُو بَكْرٍ الْمُرَادُ الشَّهِيدُ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى يُنْطِقُ عَشَرَةً مِنْ أَجْزَاءِ الْإِنْسَانِ حَتَّى تَشْهَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قال

(1) سورة ابراهيم: 14/ 22.

ص: 581

فِي صِفَةِ الشَّهِيدِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا بَعِيدٌ لِمُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ، فَيَقْتَضِي الْمُقَابَلَةَ أَنَّ الشُّهَدَاءَ عَلَى الْأُمَمِ أَنْبِيَاؤُهُمْ كَرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَنَزَّلَنَا اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ، وَلَيْسَ دَاخِلًا مَعَ مَا قَبْلَهُ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانَيْنِ. لَمَّا ذَكَرَ مَا شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى أُمَّتِهِ، ذَكَرَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِمَّا فِيهِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، لِيُزِيحَ بِذَلِكَ عِلَّتَهُمْ فِيمَا كُلِّفُوا، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ وَلَا مَعْذِرَةَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ تِبْيَانًا مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى تِفْعَالٍ، وَإِنْ كَانَ بَابُ الْمَصَادِرِ أَنْ يَجِيءَ عَلَى تَفْعَالٍ بِالْفَتْحِ كَالتَّرْدَادِ وَالتَّطْوَافِ، وَنَظِيرُ تِبْيَانٍ فِي كَسْرِ تَائِهِ تِلْقَاءَ. وَقَدْ جَوَّزَ الزَّجَّاجُ فَتْحَهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تِبْيَانًا اسْمٌ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ النُّحَاةِ. وَرَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَالْمُبَرِّدُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّهُ مَصْدَرٌ ولم يجىء عَلَى تِفْعَالٍ مِنَ الْمَصَادِرِ إِلَّا ضَرْبَانِ: تِبْيَانٌ وَتِلْقَاءٌ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : كَيْفَ كَانَ الْقُرْآنُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ؟ (قُلْتُ) : الْمَعْنَى أَنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ حَيْثُ كَانَ نَصًّا عَلَى بَعْضِهَا وَإِحَالَةً عَلَى السُّنَّةِ، حَيْثُ أُمِرَ فِيهِ بِاتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَطَاعَتِهِ. وَقِيلَ: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «1» وَحَثًّا عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي قَوْلُهُ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأُمَّتِهِ اتِّبَاعَ أَصْحَابِهِ، وَالِاقْتِدَاءَ بِآثَارِهِمْ

فِي قَوْلِهِ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»

وَقَدِ اجْتَهَدُوا، وَقَاسَوْا، وَوَطَّئُوا طُرُقَ الْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ، فَكَانَتِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَالِاجْتِهَادُ مُسْتَنِدَةً إِلَى تَبْيِينِ الْكِتَابِ، فَمِنْ ثَمَّ كَانَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ: وَقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى قَوْلِهِ:

اهْتَدَيْتُمْ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ فِي رِسَالَتِهِ فِي إِبْطَالِ الرَّأْيِ، وَالْقِيَاسِ، وَالِاسْتِحْسَانِ، وَالتَّعْلِيلِ، وَالتَّقْلِيدِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا خَبَرٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ باطل لم يصح قَطُّ،

وَذَكَرَ إِسْنَادَهُ إِلَى البزار صَاحِبِ الْمُسْنَدِ قَالَ: سَأَلْتُمْ عَمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا فِي أَيْدِي الْعَامَّةِ تَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ أَصْحَابِي كَمَثَلِ النُّجُومِ أَوْ كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهَا اقْتَدَوُا اهْتَدَوْا.

وَهَذَا كَلَامٌ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَإِنَّمَا أَتَى ضَعْفُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ سَكَتُوا عَنِ الرِّوَايَةِ لِحَدِيثِهِ. وَالْكَلَامُ أَيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يُثْبِتْ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يُبِيحُ الِاخْتِلَافَ بَعْدَهُ مِنْ أصحابه، هذا نص

(1) سورة النجم: 53/ 3.

ص: 582