الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَانَ الْمُعْتَزُّ هُوَ وَلِيَّ الْعَهْدِ قَبْلَهُ وَلَكِنَّهُ أَكْرَهَهُ فَسَلَّمَ وَبَايَعَ. فَلَمَّا أُخِذَتِ الْبَيْعَةُ لَهُ كَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنَّهُ اتَّهَمَ الْفَتْحَ بْنَ خَاقَانَ عَلَى قَتْلِ أَبِيهِ، وَقُتِلَ الْفَتْحُ أَيْضًا ثُمَّ بَعَثَ الْبَيْعَةَ لَهُ إِلَى الْآفَاقِ.
وَفِي ثَانِي يَوْمٍ مِنْ خِلَافَتِهِ وَلَّى الْمَظَالِمَ لِأَبِي عَمْرَةَ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، فَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَا ضَيْعَةَ الْإِسْلَامِ لَمَّا وَلِيَ
…
مَظَالِمَ النَّاسِ أَبُو عَمْرَهْ
صُيِّرَ مَأْمُونًا عَلَى أُمَّةٍ
…
وَلَيْسَ مَأْمُونًا عَلَى بَعْرَهْ
وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ لَهُ بِالْمُتَوَكِّلِيَّةِ وَهِيَ الْمَاحُوزَةُ، فَأَقَامَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَحَوَّلَ هُوَ وَجَمِيعُ قُوَّادِهِ وَحَشَمِهِ مِنْهَا إِلَى سَامَرَّاءَ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَخْرَجَ الْمُنْتَصِرُ عَمَّهُ عَلِيَّ ابْنَ الْمُعْتَصِمِ مِنْ سَامَرَّاءَ إِلَى بَغْدَادَ وَوَكَّلَ بِهِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّيْنَبِيُّ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ.
وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ.
وَسَلَمَةُ بْنُ
شَبِيبٍ.
وَأَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ النَّحْوِيُّ.
وَاسْمُهُ: بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ، شَيْخُ النُّحَاةِ فِي زَمَانِهِ. أَخَذَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ عَنْهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ وَأَكْثَرَ عَنْهُ، وَلِلْمَازِنِيِّ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَكَانَ شَبِيهًا بِالْفُقَهَاءِ، وَرِعًا زَاهِدًا ثِقَةً مَأْمُونًا.
رَوَى عَنْهُ الْمُبَرِّدُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ وَيُعْطِيَهُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَامَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا تَرَكْتُ هَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. فَاتَّفَقَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ جَارِيَةً غَنَّتْ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ:
أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجْلًا
…
رَدَّ السَّلَامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ
فَاخْتَلَفَ مَنْ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ فِي إِعْرَابِ هَذَا الْبَيْتِ، وَهَلْ يَكُونُ " رَجُلًا " مَرْفُوعًا أَوْ مَنْصُوبًا، وَبِمَ نُصِبَ؟ أَهْوَ اسْمٌ أَوْ مَاذَا؟ وَأَصَرَّتِ الْجَارِيَةُ عَلَى أَنَّ الْمَازِنِيَّ حَفَّظَهَا هَذَا هَكَذَا. قَالَ: فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ
لَهُ: أَنْتَ الْمَازِنِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ مَازِنِ تَمِيمٍ، أَمْ مِنْ مَازِنِ رَبِيعَةَ، أَمْ مِنْ مَازِنِ قَيْسٍ؟ فَقُلْتُ: مِنْ مَازِنِ رَبِيعَةَ. فَأَخَذَ يُكَلِّمُنِي بِلُغَتِي، فَقَالَ: بَاسْمُكَ؟ وَهُمْ يَقْلِبُونَ الْبَاءَ مِيمًا وَالْمِيمَ بَاءً، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقُولَ: مَكْرٌ. فَقُلْتُ: بَكْرٌ. فَأَعْجَبَهُ إِعْرَاضِي عَنِ الْمَكْرِ إِلَى الْبِكْرِ، وَعَرَفَ مَا أَرَدْتُ. فَقَالَ: عَلَامَ تَنْصِبُ رَجُلًا؟ فَقُلْتُ: لِأَنَّهُ مَعْمُولُ الْمَصْدَرِ ; " مُصَابَكُمْ ". فَأَخَذَ الْيَزِيدِيُّ يُعَارِضُهُ فَعَلَاهُ الْمَازِنِيُّ بِالْحُجَّةِ، فَأَطْلَقَ لَهُ الْخَلِيفَةُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَرَدَّهُ إِلَى أَهْلِهِ مُكَرَّمًا. فَعَوَّضَهُ اللَّهُ عَنِ الْمِائَةِ دِينَارٍ لَمَّا تَرَكَهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَمْ يُمَكِّنِ الذِّمِّيَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ; لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَلْفَ دِينَارٍ ; عَشْرَةَ أَمْثَالِهَا.
وَرَوَى الْمُبَرِّدُ عَنْهُ قَالَ: أَقَرَأْتُ رَجُلًا كِتَابَ سِيبَوَيْهِ إِلَى آخِرِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى قَالَ لِي: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَأَمَّا أَنَا، فَوَاللَّهِ مَا فَهِمْتُ مِنْهُ حَرْفًا.
تُوُفِّيَ الْمَازِنِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.