المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌العلم السادس: القصص - شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الشرح

- ‌سبب تأليفه للكتاب ومقاصده

- ‌الباب الأولنزول القرآن الكريم

- ‌جمع المصحف وكتابته

- ‌ترتيب السور

- ‌نقط المصحف

- ‌أسماء القرآن

- ‌الباب الثانيالسور المكية والمدنية

- ‌الباب الثالثفي المعاني والعلوم التي تضمَّنها القرآن

- ‌الباب الرابعفنون العلم التي تتعلق بالقرآن

- ‌العلم الأول من علوم القرآن: التفسير

- ‌الإجماع والاختلاف في التفسير

- ‌الفرق بين التفسير والتأويل

- ‌العلم الثاني من علوم القرآن: القراءات

- ‌العلم الثالث: أحكام القرآن

- ‌العلم الرابع: النسخ

- ‌العلم الخامس: الحديث

- ‌العلم السادس: القصص

- ‌العلم السابع: التصوف

- ‌العلم الثامن: أصول الدين

- ‌العلم التاسع: أصول الفقه

- ‌العلم العاشر: اللغة

- ‌العلم الحادي عشر: النحو

- ‌العلم الثاني عشر: علم البيان

- ‌الباب الخامسأسباب الخلاف بين المفسرين ووجوه الترجيح

- ‌وجوه الترجيح

- ‌الباب السادسطبقات المفسرين

- ‌الباب السابعفي الناسخ والمنسوخ

- ‌الباب الثامنالقراءات

- ‌الباب التاسعالوقف

- ‌الباب العاشرالفصاحة والبلاغة وأدوات البيان

- ‌الباب الحادي عشرإعجاز القرآن

- ‌الباب الثاني عشرفي فضائل القرآن

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌العلم السادس: القصص

‌العلم السادس: القصص

قال رحمه الله: وأما القصص فهي من جملة العلوم التي تضمنها القرآن، فلا بد من تفسيره إلا أن الضروري منه ما يتوقف التفسير عليه، وما سوى ذلك زيادة مستغنًى عنها، وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح حتى إنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصير بمنصب الأنبياء عليهم السلام، أو حكاية ما يجب تنزيههم عنه، وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القصص ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه بالحديث الصحيح (1).

الشرح

قوله: (وأما القصص فهو من جملة العلوم التي تضمنها القرآن) لا شكَّ أن القصص من العلوم التي تضمنها القرآن، وهي من موضوعاته، وبعضها مما لا يشاركه فيها غيره من المصادر، وبعضها قد يكون مذكوراً في مصادر سابقة، لكن القرآن يتميز عليها بكونه صدق وحقٌّ، لم يدخله تحريف ولا تبديل.

ثم قال: (إلا أن الضروري منه ما يتوقف التفسير عليه، وما سوى ذلك زيادة مستغنى عنها) فالضروري من القصص ما يتوقف التفسير عليه وما عداه فهو زائد في الغالب، وهو ما يؤخذ من غير المصادر الإسلامية خصوصاً إذا كان من مرويات بني إسرائيل، لكن ليس كل ما هو زائد

(1) التسهيل 1/ 66.

ص: 117

على القصص القرآني يكون مستغنى عنه؛ لأن هناك قصصٌ نبوية شارحة لبعض القصص القرآني وفيها فوائد لم تذكر في القرآن، مثل قصة موسى مع الخضر، فالله سبحانه وتعالى قصَّ القصة في سورة الكهف، والرسول صلى الله عليه وسلم لما قصها أضاف إضافات ليست موجودة في الآيات، فلا يقال: إنه مما يستغنى عنه ما دام فيه فائدة.

ثم عاب المؤلف على بعض المفسرين حكاية القصص غير الصحيح فقال: (وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح، حتى إنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصير بمنصب الأنبياء عليهم السلام، أو حكاية ما يجب تنزيههم عنه).

في هذا الموضوع أمور تحتاج إلى تجلية، فأقول:

إن نقل أصحاب كتب التفسير لهذه المرويات لا يخرج عن حالتين:

الأولى: أن يكون هؤلاء المفسِّرون قد نقلوا مباشرة من أهل الكتاب، وهذا نادر جدّاً.

الثانية: أن يكون أمثال الطبري (ت310هـ) والثعلبي (ت427هـ) نقلة للتفسير، ويكون من جملة ما نقلوه ما رووه عن السلف من هذه الأخبار.

وإذا كان الأمر كذلك فلا تثريب عليهم في نقلهم، وإن كان سيلحق اللوم بأحد، فإنه سيلحق من نقلوا عنه من السلف، كعمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس.

ومستند هؤلاء الصحابة ومن جاء بعدهم في حكاية ما ورد عن بني إسرائيل من قصص هو الإباحة النبوية، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:«وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (1).

(1) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء من حديث عبد الله بن عمرو، ورقم الحديث (3462).

ص: 118

إن الذي رفع الحرج هو النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نَهَى فترةً عن التحديث عنهم ـ فلماذا يأتي بعض الباحثين اليوم بتضييق ما رُفع عنَّا فيه الحرج، فهل يريد أن يستدرك على هذا الحديث أم ماذا؟!

والمنهج الذي نتعامل به مع الإسرائيليات كما هو وارد في الأخبار ما يأتي:

1 -

جواز التحديث عنهم كما أجازه صلى الله عليه وسلم.

2 -

التحديث عنهم بدون تصديق ولا تكذيب كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» (1)، وهذا يعني أن الإسرائيليات مجرد أخبار لا تصدق ولا تكذب.

3 -

نضيف إلى هذا طريقة عمل السلف مع هذه المرويات، فهم لم يقبلوها مطلقاً ولم يردوها مطلقاً، وإنما كانوا إذا قبلوا شيئاً قبلوه بحجة، كما عند عليٍّ رضي الله عنه عندما جاءه يهودي فسأله علي: أين النار؟ قال: في البحر، قال علي: ما أُراه إلا صادقاً {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6]، {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] بالتخفيف (2).

إن عليّاً رضي الله عنه لما صدَّق خبر اليهودي لم يصدقه تصديقاً مطلقاً مجرداً، وإنما كان عنده حجة يرجع إليها.

ويبدو أن التشدد الواقع اليوم على مرويات بني إسرائيل لا يخلو من سببين:

الأول: ما تراه من افترائهم على أنبياء الله، وإلصاق التهم بهم.

الثاني: ما نراه من تسلط دولة يهود، وعيثها في الأرض فساداً، مما أحدث ردة فعل تجاه كل ما هو من بني إسرائيل.

(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير في باب {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} من حديث أبي هريرة، ورقم الحديث (4485).

(2)

تفسير الطبري، سورة التكوير، 24/ 138.

ص: 119

وهذا له وجه، لكن الله أمرنا بالعدل، فقال: {

وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152]، وليس من العدل أن نقول: إن كل ما عندهم هو خطأ، وأنه لا تجوز روايته، بل عندهم خطأ كثير، وعندهم صواب، ولا ندع صوابهم لأجل كثرة خطئهم.

وهذا المنهج المتشدد في كثير من الدراسات المعاصرة ليس هو المنهج الصحيح؛ لأن الأصل عندنا أن نأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي أباح لنا، وهو الذي أرشدنا إلى عدم التصديق وعدم التكذيب، ولا نصدق ولا نكذب إلا بالبرهان مثلما فعل السلف، فمعاوية رضي الله عنه (ت60هـ) يقول عن كعب الأحبار:«وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب» (1)، وليس يقصد أنه يكذب، وإنما يقصد أن نبلوا ما في أخبارهم من كذب فنميز ما فيها.

والسلف لم يكن عندهم قصور في تصور هذه المسألة، وأنهم كانوا يُدخلون ما هبَّ ودبَّ من دون تعقُّل، هذا ليس بصحيح إطلاقاً. كما أننا لن نكون ـ وهذا مما يلزم أن يعلمه طلاب العلم ـ أحسن حالاً في العلم من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولن نكون أحسن حالاً منهم في تفسير القرآن وتنزيه الأنبياء أبداً، فهم الأعلم والأسلم والأحكم والأفهم في هذه الأمور، فإذا تقرر هذا حسُن بنا أن نرجع إلى علمهم وأن نعرف كيف علموه وكيف تعلموه وكيف تعاملوا معه.

أما أن نقعِّد قواعد ثم نحكِّم أقوال السلف بها فلا؛ فقواعدنا يقع فيها الخلل من جهة كونها لا تستوعب مصطلح السلف بحذافيره، لذا سيؤدي تحكيمها على أقوال السلف إلى الاعتراض عليهم أو ردِّ أقوالهم كما في قضية الناسخ والمنسوخ التي سبق التفصيل فيها.

(1) صحيح البخاري في كتاب الاعتصام، ورقم الحديث (7361).

ص: 120

ومما يصلح ذكره هنا ما يتعلق بمنصب النبوة وما الذي يجوز على الأنبياء؟

فأقول: الشرع هو الذي يحدد ما يجوز وما لا يجوز، والعقل تبع للشرع في هذا، بمعنى ألا يعترض على ما يثبت بالشرع في حق الأنبياء، لكن هذا الموضوع دخله التحكم العقلي، وصارت تُردُّ ظواهر بعض النصوص بدعوى مخالفتها للعصمة (أي: العصمة التي يفترضها المفسِّر، وليست العصمة التي هي بمقتضى الشرع)، كما وقع من أقوال مخالفة لظاهر قوله تعالى:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيناً *لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 1، 2].

كما صارت تُردُّ بعض ما يصح وقوعه من القصص الواردة في حقِّ بعض الأنبياء بدعوى مخالفتها للعصمة، دون النظر فيما قد يصحُّ من القصة من جهة الاحتمال، لا من جهة ثبوت الحادثة، كما ورد في قصة سليمان عليه السلام في قوله:{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 34]، فالجسد ـ كما ورد عن مفسري السلف ـ هو الشيطان الذي تسلط على ملك سليمان عليه السلام، وهذا القدر من القصة له ما يشهد له من جهة وقوعه كوناً، فأيوب عليه السلام يقول:{أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] فقد مسَّه الشيطان وتسلط عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم سُحر، والسِّحرُ من الشيطان، وهذا فيه تسلط، لكنه تسلطٌ في أمور مادية دنيوية، وليس تسليطاً على الجانب النبوي.

وبهذا فإن مبدأ تسلُّط الشيطان على الأنبياء واقع وموجود، ويجوز أن نذكر هذا القدر من هذه الرواية من باب الاحتمال، وليس من باب الثبوت، ولا يخالف هذا عصمة سليمان عليه السلام، وما عدا ذلك مما في القصة من التفاصيل فإنه لا يمكن إثباتها إلا بحجة من الشارع، وبهذا نفرق بين إثبات أصل القصة وإثبات تفاصيلها؛ كمُدَّةِ هذا التسلُّط

ص: 121

ومقداره، فهذا لا يمكن أن يُثبت من الرواية الإسرائيلية الموجودة إطلاقاً، لذا يدخل فيما لا يصدق ولا يكذب.

أما إذا كان مما يُتفَق عليه أنه يخالف ما عُرف من حال الأنبياء كما يذكر في الرواية هذه أن الشيطان تسلَّط على نساء سليمان بنكاحهنَّ فهذا مما يُعلم بطلانه؛ لمخالفته لحال الأنبياء، وهذا مما وقع الإجماع على إنكاره.

ونحن نحتاج إلى التعامل مع القصص بطريقة علمية لا عاطفية، على حدِّ قوله تعالى: {

وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152].

وبعض الإسرائيليات ورد عن جماعة من الصحابة؛ كعمر (ت23هـ)، وابن مسعود (ت32هـ)، وابن عباس (ت68هـ)، وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم.

ومما ورد عن عمر ذكره لقوة موسى عليه السلام في قوله تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، قال ابن كثير:«قال الله تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا} [القصص: 24] قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن ميمون الأوْدي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن موسى عليه السلام، لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوباً واحداً حتى رويت الغنم. إسناد صحيح» (1).

(1) تفسير ابن كثير 6/ 2652، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الفضائل، ورقم الحديث (32503).

ص: 122

وهذا الوارد عن عمر لا ننكره؛ لأن فيه غرابة ولا نستبعد أنه كان فيه قوة عشرة رجال.

والمقصود أن ننتبه إلى أن ضابط العصمة والكلام الذي ذكره المؤلف يحتاج إلى ضبط؛ ولتعلم أنَّ الأصل في معرفة ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز فيما يتعلق بالأنبياء إنما يؤخذ من الشرع.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى منهجه في نقل الإسرائيليات، فقال:(وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القصص ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه بالحديث الصحيح).

وقوله: (ما يتوقف التفسير عليه) يفيد في تحديد ماهية التفسير، وأن بعض المعلومات التي تُذكر في كتب التفسير ليس لها أثر في التفسير، وهذه المعلومات إما أن تكون فضلة، وإما أن تكون من علوم القرآن.

وأما اقتصاره على ما ورد من الحديث الصحيح، فهو منهج حسن، لكن ليس بملزم لغيره ممن أخذ بالتصريح النبوي في تجويزه الرواية عن بني إسرائيل في قوله صلى الله عليه وسلم:«وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» رواه البخاري.

ص: 123