المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌وجوه الترجيح سمَّى المؤلف هذا النوع من العلم بـ «وجوه الترجيح» - شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الشرح

- ‌سبب تأليفه للكتاب ومقاصده

- ‌الباب الأولنزول القرآن الكريم

- ‌جمع المصحف وكتابته

- ‌ترتيب السور

- ‌نقط المصحف

- ‌أسماء القرآن

- ‌الباب الثانيالسور المكية والمدنية

- ‌الباب الثالثفي المعاني والعلوم التي تضمَّنها القرآن

- ‌الباب الرابعفنون العلم التي تتعلق بالقرآن

- ‌العلم الأول من علوم القرآن: التفسير

- ‌الإجماع والاختلاف في التفسير

- ‌الفرق بين التفسير والتأويل

- ‌العلم الثاني من علوم القرآن: القراءات

- ‌العلم الثالث: أحكام القرآن

- ‌العلم الرابع: النسخ

- ‌العلم الخامس: الحديث

- ‌العلم السادس: القصص

- ‌العلم السابع: التصوف

- ‌العلم الثامن: أصول الدين

- ‌العلم التاسع: أصول الفقه

- ‌العلم العاشر: اللغة

- ‌العلم الحادي عشر: النحو

- ‌العلم الثاني عشر: علم البيان

- ‌الباب الخامسأسباب الخلاف بين المفسرين ووجوه الترجيح

- ‌وجوه الترجيح

- ‌الباب السادسطبقات المفسرين

- ‌الباب السابعفي الناسخ والمنسوخ

- ‌الباب الثامنالقراءات

- ‌الباب التاسعالوقف

- ‌الباب العاشرالفصاحة والبلاغة وأدوات البيان

- ‌الباب الحادي عشرإعجاز القرآن

- ‌الباب الثاني عشرفي فضائل القرآن

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌ ‌وجوه الترجيح سمَّى المؤلف هذا النوع من العلم بـ «وجوه الترجيح»

‌وجوه الترجيح

سمَّى المؤلف هذا النوع من العلم بـ «وجوه الترجيح» (1)، وسبق أن أشار إلى تسميات أخرى، وهي «القواعد العلمية» ، وسمَّاها أيضاً «موجبات الترجيح» ، حيث قال في أول هذه المقدمة:(وهذا الذي «ارتكبت» من الترجيح والتصحيح مبني على القواعد العلمية، أو ما تقتضي اللغة العربية، وسنذكر بعد هذا باباً في موجبات الترجيح بين الأقوال).

ويمكن أن نضيف لها مصطلحاً رابعاً، وهو «قرائن الترجيح» .

ولا شك أن أقوى هذه المصطلحات في التعبير هو «قواعد الترجيح» ، وهذه القواعد مصدرها الاستقراء، بحيث يستقرئ الباحث مجموع الأمثلة، ثم يستنبط منها قاعدة، واستنباط هذه القواعد عقليٌّ.

ومن ثَمَّ، فإنه قد يقع في القواعد تنازع في الأمثلة فيكون المثال صالحاً لإعمال أكثر من قاعدة، ومثاله عندنا قاعدة «عود الضمير إلى أقرب مذكور» ، وقاعدة «ترتيب الضمائر أولى من تفكيكها» ، أي: إن عود الضمائر إلى مذكور واحد أولى من تفكيكها، ومثال ذلك:

في قوله سبحانه وتعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 9] اتفق المفسرون على أن الضمير في

(1) يمكن الاستفادة في وجوه الترجيح من كتاب الدكتور حسين الحربي: «قواعد الترجيح عند المفسرين» ، وكتاب الدكتور خالد السبت «قواعد التفسير» ، وهذه الكتب مفيدة للغاية في هذه الموضوعات التي هي من أهمِّ أصول التفسير.

ص: 170

{وَتُسَبِّحُوهُ} يعود إلى الله سبحانه وتعالى، واختلفوا في الضمير في {وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} هل يعود إلى لفظ الجلالة أو يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؟ على قولين:

1 -

إن أعملت قاعدة «عود الضمير إلى أقرب مذكور» فإنه يكون عائداً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعزِّروا رسوله، وتوقروا رسوله، وتسبِّحوا الله.

فإذا أعملتَ هذه القاعدة صار في الجملة تفكيك للضمائر.

2 -

وإن أعملت قاعدة «ترتيب الضمائر أولى من تفكيكها» ، فإن معنى الجملة سيكون: لتؤمنوا بالله وتؤمنوا برسوله، وتعزروا الله وتوقروا الله وتسبحوا الله، وعلى هذا تكون الضمائر كلها تعود إلى مذكور واحد.

وهاهنا تأتي المنازعة العقلية أيهما يقدم ترتيب الضمائر وعودها إلى مذكور واحد، أو تفكيك الضمائر؟ ولا شك أن الترتيب مقدم على التفكيك، لكن لو ذهب أحد إلى المذهب الآخر فله وجه.

ومن الأمثلة على تنازع الضمير بين هاتين القاعدتين قوله: {إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} [العاديات: 6، 7]{وَإِنَّهُ} إذا أعدناه لأقرب مذكور؛ فإنه يعود للرب، فهو شهيد على العبد، ولو أعملنا قاعدة ترتيب الضمائر في عودها على أول مذكور؛ فإنها تكون للعبد، أي: وإن الإنسان على ذلك لشهيد؛ يشهد على نفسه بكنوده.

وقد تأتي أكثر من قاعدة مرجحة للمعنى، كأن تكون قاعدة السياق وقول الجمهور؛ لأن قول الجمهور يعتبر قرينة، فإذا أعملنا قاعدة السياق ووافقت قول الجمهور فإن هذا القول يتأكد رجحانه.

وقد يكون التنازع قوياً حين تتنازع قاعدتان، فيختلف الوجه التفسيري بناء على اختلافهما، كتنازع قاعدة تقديم القول الموافق للسياق مع قاعدة تقديم قول الجمهور.

ص: 171

من أمثلة ذلك: قوله سبحانه وتعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} [الأحقاف: 10] اختلف في الشاهد هل هو موسى عليه السلام أو عبد الله بن سلام رضي الله عنه (ت43هـ)، فذهب مسروق (ت63هـ) وتبعه الشعبي (ت103هـ) إلى أن الشاهد موسى عليه السلام، وذهب سعد بن أبي وقاص (ت54هـ)، وعبد الله بن سلام نفسه وابنه يوسف وابن عباس (ت68هـ)، وبعض تلاميذ ابن عباس؛ ذهبوا إلى أن الشاهد هو عبد الله بن سلام.

فلو أعملت قاعدة تقديم قول الجمهور، فإنك ستقول: الشاهد هو عبد الله بن سلام.

ولو أعملت قاعدة القول الموافق للسياق، فإنك ستقول: الشاهد موسى، ويؤيده أن الآية في سورة الأحقاف المكية، وسياق الآيات مخاصمة ومحاجة مع كفار مكة، وإيمان عبد الله بن سلام لم يكن عند نزول الآية.

فهذا تنازع قوي بين القواعد، ولهذا تأرجح الطبري رحمه الله تعالى في ترجيحه، وأشار إلى القاعدتين معاً، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10] في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش، واحتجاجاً عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدّم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك عنى به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به.

فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو

ص: 172

الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمداً مكتوب في التوراة أنه نبيّ تجده اليهود مكتوباً عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبيّ» (1).

تفصيل وجوه الترجيح عند المؤلف:

القاعدة الأولى: تفسير بعض القرآن ببعض، فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال.

هذه القاعدة أو الوجه من وجوه الترجيح ليس وجهاً مطلقاً؛ لأن العمدة في الترجيح بالقرآن الاجتهاد من المفسر، أما ما يخرج عن هذا مما لا يمكن أن يقع فيه خلاف في أنه من باب تفسير القرآن بالقرآن فمثل تفسير الطارق بأنه النجم الثاقب في قوله سبحانه وتعالى:{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 1 - 3].

ومثله قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ *ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ *يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 17 - 19]

ثم إن المفسر لما اجتهد وربط الآية بالآية اعتمد مصدراً معيناً، إما أنه اعتمد على مشابهة لفظية، وإما أنه اعتمد على معنى لغوي، وإما أنه اعتمد على فهم المعنى العام.

ومثال هذا ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] لو رجعنا إلى أقوال المفسرين فإننا سنجد قولين:

القول الأول: قُرنت الأصناف بالأصناف، الكفار مع الكفار، والمنافقون مع المنافقين، والمؤمنون مع المؤمنين، ويصنَّف أيضاً الكفار فعبدة النجوم مع بعض، وهكذا.

(1) تفسير الطبري (21/ 131 - 132).

ص: 173

وممن فسرها بهذا عمر بن خطاب رضي الله عنه، ونظَّرها بقوله تعالى:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً *فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ *وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ *وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 7 - 10]، وكذلك بقوله:{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22]؛ أي: أصنافهم، وليس المراد زوجاتهم؛ لأنه قد تكون زوجة الكافر مؤمنة، وقد تكون زوجة المؤمن كافرة.

والمقصود من هذا أن عمر رضي الله عنه لما فسَّر هذه الآية بهذا المعنى اعتمد على اللغة؛ لأنه فسر التزويج بمعنى القَرْن، أي: قَرْن الأصناف، فـ «زوجت» بمعنى قُرِنَت الأصنافُ بالأصنافِ.

القول الثاني: أن الأرواح ردت إلى الأجساد {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أي: قرنت الأرواح بالأجساد، ثم يبعث الإنسان كما هو معلوم في كيفية البعث التي أخبر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها، فالقول الثاني لم يعتمد على آية، ومع ذلك نقول: كلا القولين صحيح، فالآية تحتمل هذا وتحتمل هذا، لكن عند الترجيح نرجِّح القول الأول؛ لأمور:

1 -

أن القرآن دلَّ على هذا المعنى الأول.

2 -

أنه قول الجمهور.

3 -

من قرائن الترجيح أنه فَهْمُ عمر بن الخطاب الذي أشار إليه المؤلف (إذا كان قول من يؤتم به أو يقتدى به فإنه يكون قولاً معتبراً).

مثال آخر: في قوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: 20]

السبيل: قيل: طريق خروجه من بطن أمه، وهذا قول الجمهور.

والقول الآخر: أن المراد بالسبيل طريق الخير والشر، واستدل صاحب هذا القول بقوله:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].

وإذا أعملت قاعدة تفسير القرآن بالقرآن يعدُّ قرينة، فإنا نرجح القول

ص: 174

الثاني؛ لأن المراد هديناه سبيل الخير والشر، لكن المرجَّح والمقدَّم هنا هو القول الأول؛ لأنه قول الجمهور، ولأن السياق يدل عليه، فالله سبحانه وتعالى يتكلم عن تكوين الإنسان وأطوار خلقه فقال:{مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ *ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ *ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 19 - 21] وليس الكلام عما يتعلق بقضية الخير والشر.

المقصود من هذا: أن القول بأن القول الذي يشهد له قرآن يُقدَّم على غيره ليس لازماً أو على إطلاقه، بل يُعدُّ قرينة في الترجيح حينما يفسِّرُ مفسرٌ آيةً بآية، لكن القول الثاني هو الأقوى والأصوب لموافقته للسياق، ولكونه قول الجمهور، ولو كان حمل الآية على الآية ملزماً، فماذا نعمل حينما نجد بعض المبتدعة يفسرون آية بآية؟ هل نقبل تفسيرهم؟!

لا شكَّ أننا لا نقبله، ولو كان من قبيل تفسير القرآن بالقرآن؛ لأنهم لم يحملوا آية على آية إلا على قواعدهم البدعية، ولو لم تكن هذه القواعد البدعية لما حملوا آية على آية، ومثال ذلك:

يفسِّر بعض المعتزلة قوله تعالى: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] بأنها تنتظر ثواب ربها، وينفون رؤية الباري، ويستشهدون لذلك بقوله تعالى:{لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، ولولا قولهم بعدم رؤية الباري لما حملوا هذه الآية على تلك.

القاعدة الثانية: إذا كان المفسر اعتمد على كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

مثال ذلك: قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 34] بعض المفسرين المتأخرين حملوا هذه الآية على حديث سليمان أنه قال: «والله لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأةٍ، تلد كل امرأةٍ منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله

ص: 175

فنسي فطاف بهن، فلم تأت امرأة منهن بولد إلا واحدة بشق غلام» (1)، فقالوا: إن هذا هو الجسد الذي أخبر الله سبحانه وتعالى عنه، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يربط هذا الحديث بالآية، وإنما أخبر بخبرٍ عن سليمان عليه السلام، فحَمْلُ الحديثِ على الآية ليس من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما من عمل المجتهد.

ومفسرون آخرون حملوا الآية على ما ورد في بعض الإسرائيليات أنه وقع تسلُّط من الشيطان على سليمان عليه السلام.

الأصل ألا نوجب تفسير الآية بالحديث إلا إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن هذا المعنى مفسر لهذه الآية، وهذا النوع نطلق عليه «التفسير النبوي المباشر» ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على الآية، وأراد تفسيرها.

أما إذا ورد الحديث مطلقاً من غير آية، فإن الاطمئنان إلى حمل الآية على الحديث أحرى، لكنه ليس ملزماً، فليس كل استفادةٍ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الآيات يلزم أن يكون صحيحاً، وإذا كان حمل المعنى على الآية صحيحاً فإنه لا يلزم أن يكون حجة؛ لأنه من عمل المجتهد، ونحن نقبله لأمور أخرى منها: أن يكون وارداً عن بعض من يُقتدَى به؛ كتفسير ابن عباس لـ {اللَّمَمَ} في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَاّ اللَّمَمَ} [النجم: 32]، قال: «ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق

» (2)، فجعل هذا الحديث مفسراً لـ {اللَّمَمَ} أي: الصغائر التي تكفرها الصلوات.

تنبيه:

هناك مجالان لا يمكن الزيادة فيهما على ما ورد من التفسير النبوي

(1) أخرجه البخاري في كتاب كفارات الأيمان من حديث أبي هريرة، رقم الحديث (6720).

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، ورقم الحديث (6243).

ص: 176

«بيان أحكام القرآن أو مغيباته» ، فهذان لا يمكن لأحد ألبتة أن يزيد عليهما؛ لأن الزيادة في مثل هذا تعتبر تنقيصاً في حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم. وادِّعاءُ أن بيانه صلى الله عليه وسلم كان ناقصاً مستحيلٌ؛ لأنه أوتي جوامع الكلم، وكان بيانه في غاية التمام والوضوح.

مثال: تفسيره لحكم من أحكام القرآن، وما ورد في تفسيره لاعتزال النساء في المحيض، لما سأله الصحابة عن ذلك؛ لأن اليهود كانوا أهل كتاب، وكانوا يفعلون ذلك فيعتزلونهن في المحيض، ولا يؤاكلوهن ولا يشاربوهنَّ، ولا ينامون معهن.

فالصحابة رضي الله عنهم خصوصاً الأنصار ـ كانوا يقتدون ببعض أفعال اليهود، فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا هل هو من دين الله؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، وهذا فيه عموم، ولو بقِيَ النصُّ على عمومه لفُهِمَ أن النساء تُعتَزَل في المحيض اعتزالاً تاماً: عن الأكل والشرب والنوم وغيره، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال في تفسير الاعتزال:«اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (1)، فدل على أن العموم الوارد في هذه الآية ليس مراداً منه جميع الاعتزال، وإنما المراد الاعتزال في النكاح فقط، وهذا فيه مخالفة لليهود.

ولا يجوز لأحد أن يأتي بقول يخالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم ويزيد عليه بدعوى احتمال معنى الاعتزال لأنواع أخرى غير النكاح، فالرسول صلى الله عليه وسلم خصَّ هذا العموم بالنكاح فقط، ولا يحتمل ـ بعد بيانه ـ دخول أي نوع من الاعتزال غير ما ذكر.

ومثال القضايا الغيبية التي لا يمكن إدراكها إلا بخبر المعصوم، وما لم يدرك من خبره صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقال به، ما وقع من سؤال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن حياة الشهداء لما نزلت الآية في ذلك، وهي

(1) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، ورقم الحديث (302).

ص: 177

قوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] أخبر «بأن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت» (1)، فإخباره صلى الله عليه وسلم عن حياة الشهداء لا يمكن أن يدرك بالعقل إطلاقاً، لذا لا يمكن الزيادة على هذا البيان النبوي.

ويبقى المشكل في الأمر فيما لو فسر صلى الله عليه وسلم بعض الآيات، وهي تحتمل أكثر من المعنى الذي ذكره، فهل يجوز الزيادة على تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كانت الآية تحتمله، مثال ذلك ما ورد من التفسير النبوي لقوله تعالى:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} قال: «هم اليهود» {وَلَا الضَّالِّينَ} قال: «هم النصارى» (2)، فقد وردت تعبيرات من العلماء مخالفة لعبارة النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما يقول: المغضوب عليهم: من ضلَّ في العلم، والضالين: من ضلَّ في العمل، كما قال بعضهم:«من ضل من علمائنا فهو من المغضوب عليهم، ومن ضل من عبادنا فهو من الضالين» ، وهذه العبارات كلها في النهاية لا تخرج عن أن تكون أمثلة للمغضوب عليهم والضالين، لكن المقصودين بالآية أولاً هم اليهود والنصارى، فإذا جاء مفسر وقال: ليس المراد اليهود والنصارى نقول: أخطأت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الآية بذلك، لكن إذا قال:{الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} اليهود ويدخل معهم كل ما شابههم في هذا العمل نقول: نعم؛ لأنه داخل في باب القياس.

مثال آخر: تفسيره صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، قال:«ألا إن القوة الرمي» (3)، ولا يصح أن يقال: إن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم هنا تخصيص ولا يجوز أن نُعِدَّ إلا الرمي، بل كأنه أراد التنبيه على أقوى القوة وأعلى القوة وهي الرمي، لكن لا يعني ذلك أن

(1) أخرجه مسلم في باب أن أرواح الشهداء في الجنة، ورقم الحديث (1887).

(2)

سبق تخريجه ص112.

(3)

سبق تخريجه ص112.

ص: 178

غيره من أنواع القوة غير مراد، لذا فإن ما ورد عن بعض السلف من تفسيرات أخرى كقول بعضهم: القوة: ذكور الخيل؛ لأنها هي التي كانت يقاتل بها، فإن هذا يدخل في معنى الآية؛ لأنه من القوة، وهو لا يناقض قول النبي صلى الله عليه وسلم.

مثال آخر: لما فسر صلى الله عليه وسلم «الغاسق» بالقمر قال لعائشة رضي الله عنها: «استعيذي من شرِّ هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» (1)، والمراد به القمر إذا دخل في الليل، وبعض المفسرين قال: الغاسق: الليل إذا دخل؛ لأن الليل والقمر بينهما تلازم، فالقمر لا يخرج إلا بالليل، وإذا جاء الليل خرج القمر، فالتعبير بالليل لا يخالف التعبير بالقمر لكن عبارة النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنها أولى.

القاعدة الثالثة: أن يكون القول قول الجمهور وأكثر المفسرين.

لا شك أن كونه قول الجمهور فإن النفس إليه أسكن واتِّباعُه أولى، وقد سبق ذكر أمثلة لذلك.

القاعدة الرابعة: أن يكون قول من يُقتدى بهم من الصحابة كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن عباس لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل» (2).

هذا الحديث جعل بعض العلماء يعتمد قول ابن عباس إذا كان في الآية خلافٌ كالواحدي (ت468هـ) في (الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)، قال: «وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا؛ تعجيلاً لمنفعتهم، وتحصيلاً للمثوبة في إفادتهم ما تمنوه طويلاً، فلم يغن عنهم أحد فتيلاً، وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عباس رحمه الله، أو من هو في

(1) أخرجه الترمذي وصححه في كتاب تفسير القرآن، ورقم الحديث (3366)، وأخرجه أحمد برقم (25802) 43/ 8.

(2)

سبق تخريجه ص144.

ص: 179

درجته

» (1).

وكذلك ابن الوزير (ت840هـ)(2) في كتابه «إيثار الحق على الخلق» في فصل عقده بعنوان: «فصل في الارشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير» ، قال: «وأكثرهم تفسيراً حبرُ الأمة وبحرُها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد جُمِع عنه تفسير كاملٌ، ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في مثل ذلك المعول.

ومتى صحَّ الإسناد إليه كان تفسيره من أصحِّ التفاسير مقدماً على كثير من الأئمة الجماهير، وذلك لوجوه:

أولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له بالفقه في الدين وتعليم التأويل؛ أي: التفسير؛ كما تقدم تقريره في الكلام على المتشابه. وصح ذلك واشتهر عن رسول الله، وله طرق في مجمع الزوائد.

وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه أنه مما أخرجه البخاري ومسلم بكماله، وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة:«اللهم علمه الكتاب والحكمة» ، وفي رواية:«اللهم فقهه في الدين» ، وفي رواية الترمذي: أنه رأى جبريل عليه السلام مرتين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين، وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في مواضعها، ولولا خوف الإطالة لذكرتها.

وثانيها: أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموماً، وفي التفسير خصوصاً، وسمَّوه البحر والحبر، وشاع ذلك فيهم من غير نكير، وظهرت إجابة الدعوة النبوية فيه، وقصة عمر معه رضي الله عنهم مشهورة في سبب تقديمه وتفضيله على من هو أكبر منه من الصحابة وامتحانه في ذلك.

وثالثها: كونه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، وستأتي الإشارة

(1) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للواحدي، تحقيق صفوان داوودي 1/ 87.

(2)

محمد بن إبراهيم، المعروف بابن الوزير، مؤلف كتاب العواصم والقواصم، توفي سنة (840هـ).

ص: 180

إلى مناقبهم الغزيرة في آخر المختصر، فيكون المعظِّم له، والموفي له حقه في ذلك قد قام بحق الثقلين وعمل بالوصية النبوية فيهما.

ورابعها: أنه ثبت عنه إنه كان لا يستحلُّ التأويل بالرأي، روي عنه أنه قال:«من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» ، وفي رواية:«بغير علم» رواه أبو داود في العلم، والنسائي في «فضائل القرآن» والترمذي في «التفسير» ، وقال: حديث حسن وشرطه فيما قال فيه: حديث حسن أن يأتي من غير طريق.

وخامسها: أن الطرق إليه محفوظة متصلة غير منقطعة، فصح منها تفسير نافع ممتع، ولذلك خصصته بالذكر، وإن كان غيره أكبر منه وأقدم وأعلم وأفضل؛ مثل: علي بن أبي طالب عليه السلام من جنسه وأهله وغيره من أكابر الصحابة رضي الله عنهم، لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر اليه رضي الله عنهم أجمعين» (1).

وما ذكره من تقديم ابن عباس، فإنه صحيح بالجملة، ووجود ابن عباس في قول من أقوال التفسير، مع استشعار الدعاء النبوي له، يورث قرينة الصحة، لكنها ليست مطلقة، بل إن هذا يوجد في القول الذي يذهب إليه الأربعة: أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي، فوجودهم في قول يُعَدُّ قرينة، وليس أصلاً وقاعدة وحجة مطلقة.

ولا يكاد يوجد قول قال به أحد هؤلاء الأربعة خاصة، ويكون مخالفاً لمعنى الآية، أو يكون فيه ضعف شديد بحيث لا يقبل إطلاقاً، لكن قد يكون غيره أرجح منه، ويكون قول أحدهم محتملاً،، ومن تبع قولهم المحتمل على أنه قول من يقتدى به، فَفِعْلُه صحيح ومعتبر.

وأرى أن من الضروري التنبيه على كيفية التعامل مع كلام السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأقول: عندنا قاعدة كلية وهي أن قول السلف معتبر، وأنه لا يجوز خلافه.

(1) إيثار الحق على الخلق (ص146، 147).

ص: 181

فإن قال قائل: كيف تقبل قول السلف وأنت ترى فيه اختلافاً أو أقوالاً ضعيفة؟

فالجواب: إن تقعيد هذه القاعدة لا يعني قبول كل ما جاء عن السلف على إطلاقه، والأمر فيه تفصيل:

الأول: إذا كان في تفسير الآية إجماع، فهذا حجة بلا ريب.

الثاني: إذا وقع اتفاق السلف على قول، ووقع خلاف بعضهم، فيكون قول الجمهور «الاتفاقُ» (1) هو المقدَّم على قول غيرهم.

الثالث: إذا وقع الخلاف بينهم، فإن ما وقع من اختلافهم عليه، فهو إجماع من هذه الجهة، أي: إنه إجماع منهم على هذه الأقوال، وأن الآية لا يخرج معناها عندهم عمَّا قالوه.

وهذا النظر دقيق، قد يغيب عمَّن لم يتأمله، وفي هذه الحال لا يجوز إحداث قول يبطل أقوالهم جميعها، وبهذا يظهر مقام القاعدة الأصولية التي ذكرها الأصوليون في أنه لا يجوز إحداث قول ثالث فيما إذا اختلفوا على قولين (2).

(1) يستخدم بعض العلماء مصطلح الاتفاق للتعبير عن رأي الجمهور، وليس المراد به الإجماع، وبهذا عبَّرت هنا، فالقول المتفق عليه أي الذي اتفق عليه الجمهور.

ولا يخفاك أن حكاية الاتفاق تحتاج إلى استقراء، كما لا يخفاك أن تتابع العلماء على نقل قول من الأقوال دون نكير يُشعر بقبول هذا القول، وهذا من الأمور المهمة التي يجب أن يتنبه لها طالب العلم، ولا يردُّ القول إلا إذا ظهر الخطأ فيه، وأبان المخطِّئُ بالتدليل أو التعليل موقع ذلك الخطأ.

(2)

جاء في المسودة ص329: «مسألة: إذا تأول أهل الإجماع الآية بتأويل ونصوا على فساد ما عداه لم يجز إحداث تأويل سواه.

وإن لم ينصوا على ذلك، فقال بعضهم: يجوز إحداث تأويل ثان إذا لم يكن فيه إبطال الأول، وقال بعضهم: لا يجوز ذلك، كما لا يجوز إحداث مذهب ثالث، وهذا هو الذي عليه الجمهور، ولا يحتمل مذهبنا غيره». المسودة لابن تيمية، طبعة المدني.

ص: 182

ويكون التعامل مع هذا الاختلاف بأن يُعمل بالمرجحات، فيرجِّح المفسر المتأخر أحد الأقوال بناءً على القواعد العلمية المعتبرة عند أهل العلم.

وبهذا التفصيل يُعرف الفرق بين التنظير العام، وهو القول بأن تفسير السلف حجة، والتفصيل في المسألة على هذا النحو، فهناك فرق بين تقعيد القاعدة الكلية وبين التطبيقات.

ومما يُبنى على هذه القاعدة أن ما قالوه في معاني الآية ـ ولو اختلفوا ـ لا يمكن أن يخرج عنه التفسير الصحيح من وجه من الوجوه؛ أي: أن الصواب من معنى الآية فيما قالوه، ولا يمكن أن يكون هناك آية قد جهلوا ـ كلهم ـ معناها، أو فهموا ـ كلهم ـ معناها على وجه الخطأ، ثم تبين لمن بعدهم وجه الصواب فيها.

ومن تدبَّر هذا المعنى عرف سبب القول بهذه القاعدة: «تفسير السلف حجة» .

ولهذا أقول: يجب أن نربي أنفسنا على احترام قول العلماء، وبخاصة سلف الأمة من أصحاب القرون المفضلة «الصحابة والتابعون وأتباعهم» ، فهذا هو الأصل في العلم (1)، لكن لا يعني ذلك أن نجعل لها قدسية وأنها معصومة من الخطأ، فحين يتبين لك خطأ محض واضح بلا ريب في قول واحد منهم، فبينه بالأسلوب العلمي المؤدب الذي فيه

(1) من العجيب أن ترى الواحد منا يدافع عن قول شيخه الذي تلقى عليه العلم، أو يمجد قول عالم متأخر قد يكون عليه أخطاء وملحوظات، ولا تراه يلقي بالاً لقول هؤلاء الكرام من سلف الأمة، ويبدو أن سبب ذلك عائد إلى التربية العلمية التي يتلقاها طالب العلم في بداية طلبه، وكلما كان تلقيه على من يرى قول السلف ويعتبره، كان أكثر احتراماً لقولهم واعتباراً به ممن تلقى العلم على من لم يعتبرهم، وحاله أن يقول: هم رجال ونحن رجال.

ص: 183

احترام للسابقين، وليس بأسلوب التهكم كما يفعله بعضهم، أو بإقصاء أقوالهم وعدم ذكرها إذا لم يكن يفهم مقصود هذه الأقوال، فأقوال السلف من حيث الجملة حجة معتبرة، ولا يجوز مناقضتها ولا إبطالها، وحينما نأتي إلى التفصيلات سنجد أن عندهم أقوالاً ضعيفة فهذه تردُّ بالأدلة العلمية، وإن وجدنا عندهم اختلافاً؛ فإذا لم يمكن القول بها جميعاً على سبيل اختلاف التنوع، فإنه يمكن أن نرجح بين أقوالهم بالقواعد العلمية المعتبرة.

ومعرفة هذا الأسلوب من التعامل مع أقوال السلف مهم لطالب العلم الذي يريد أن يدرس التفسير؛ لأنه سيواجه أقوالاً قد يضعِّفها، لكن تضعيفه لها بسبب نقص في العلم عنده، وليس لأن القول في ذاته ضعيف، بل لأنه لم يفهم مراده فخطَّأه، وقد يفهم مراده على غير ما أراده فيخطِّئ ما فهمه هو ظنّاً منه أن هذا هو معنى القول، والواقع أن الخطأ في فهمه، وليس في القول الذي قال به واحد من علماء السلف.

ومن الأمثلة التطبيقية على التعامل مع قول السلف:

ورد عن قتادة (ت117هـ) أنه قال: «إن الله خلق النجوم لثلاثة فوائد: الأولى: نجوم، والثانية: زينة، والثالثة: علامات {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] يعني: علامات للاهتداء، قال: فمن زعم غير ذلك فقد كفر» (1).

عند مناقشة هذا القول يجب أن ننتبه لسببِهِ وموجبهِ، فبعض الأقوال يتبين لنا من خلال النظر في السياق أو المعرفة التاريخية التي تحتفُّ بالقول: أن لهذا القول سبباً جعل هذا المفسر يذكره، فَحَصْرُ قتادة (ت117هـ) فائدةَ خَلْقِ النجوم في هذه الحِكَمِ الثلاث فيه ردٌّ على من يزعم

(1) تفسير الطبري 14/ 193.

ص: 184

أن للنجوم تأثيراً ذاتياً، وهم عَبَدَةُ النجوم، وهذا ظاهر من عبارته.

فإن قال قائل: هل يلزم من ذكر الله في كتابه هذه الفوائد الثلاث ألا يكون لها فوائد غيرها؟

الجواب: لا يلزم، وأما نَفْيُ قتادة (ت117هـ) لغير هذه الحِكم الثلاث فهذا غير صحيح؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم ينف غيرها من الحكم إنما ذكر هذه الحكم الثلاث، فقول قتادة (ت117هـ) مقبول، لكن تقييده هذا ليس بصحيح، ونحن حين نخطئ هذه الجزئية عنده نعترف له بأنه ذو منزلة في العلم، وأنه كما قيل: لم يمر على الأمة أحفظَ من قتادة.

والاستدراك على قتادة لا يعني تضعيفه بذاته، وعدم اعتبار أقواله، بل الأمر متعلق بالنقاش العلمي في هذا الموضع فقط.

ومما يلحظ في تعامل بعض المعاصرين مع أقوال السلف هو إقصاء بعض أقوالهم وعدم ذكرها، ومن ذلك قوله:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير: 15، 16] الخنس: إما أن تكون الكواكب والنجوم، وهو قول ابن عباس (ت68هـ)، وإما أن تكون بقر الوحش والظِّبا (جمع ظبية)، وهو قول ابن مسعود (ت32هـ)، وإذا نظرنا إلى سياق الآية وجدناه يحتمل هذا ويحتمل هذا، كما قال سفيان بن عيينة:«ليس في تفسير القرآن اختلاف إذا صح القول في ذلك، وقال: أيكون شيء أظهر خلافاً في الظاهر من الخنس. قال ابن مسعود: هي بقر الوحش وقال علي: هي النجوم. قال سفيان: وكلاهما واحد؛ لأن النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل، والوحشية إذا رأت إنسياً خنست في الغيضان وغيرها، وإذا لم تر إنسياً ظهرت. وقال سفيان: فكلٌّ خنس» (1) يعني: النجوم والكواكب وبقر الوحش والظبا، فليس هناك مانع أن

(1) السنة للمروزي ص3.

ص: 185

نقول: إن المقسم به هذا وهذا معاً؛ لأن الوصف يحتملهما، ولو قدَّمت القول بالكواكب والنجوم لأجل أن السياق في آيات كونية:{وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 18]، فتتناسب مع هذا القول، فإنه ترجيح له وجهه، لكن لا يعني أن القول الآخر باطل.

ورأيت بعض المعاصرين يقتصر على قول من قال: هي النجوم، وبعضهم يفسر الآية ولا يذكر أقوال السلف ألبتة، وكأنه لا قول لهم في الآية، وبعضهم يُبطِل أن يراد بالآية بقر الوحش والظبا.

والأسلوب الصحيح أن تذكر أقوالهم، فإن احتملتها الآية قيل بها جميعاً، وإن ترجَّح عندك أحدها ذكرته، ثم ذكرت موجب الترجيح، مع ملاحظة أن تقديمَ القول لا يَلزمُ منه إبطال القول الآخر ما دام من قبيل اختلاف التنوع، بل هو من قبيل تقديم القول الأَولى عندك.

القاعدة الخامسة: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب أو التصريف أو الاشتقاق.

يلاحظ أن هذه الجهة العربية قد تدل على صحة القول من جهة حمل القرآن على المعنى العربي، لكن لا يلزم أن تدل على ترجيحه، فالقُرْءُ ـ مثلاً ـ يطلق في كلام العرب على الحيض والطهر، فدل كلام العرب على صحة القول من هذه الجهة، لكننا نحتاج إلى مرجِّح آخر لنعرف المراد منه في الآية.

فدلالة كلام العرب على صحة القول لا تكفي إلا أن يكون هناك قول صحيح وقول باطل من جهة اللغة، كما قيل في لفظ الاستواء بأنه بمعنى الاستيلاء، وبه فُسِّر استواء الرحمن في مثل قوله تعالى:{الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وهذا المعنى لم يثبت في اللغة.

ومثل هذا القول الباطل يصحُّ القول بأنه لا يدل عليه كلام العرب.

ومن حيث العموم فإنه لا بد من معرفة كلام العرب والنظر في

ص: 186

لغتهم لمعرفة المشهور من المعاني والشاذ منها أو القليل؛ لأن حمل كلام الله على المشهور أولى من حمله على الشاذِّ أو القليل.

ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا} [النبأ: 24] قيل البرد: هو النوم، وقيل البرد: الهواء البارد، والأشهر في إطلاق اللفظ عند العرب هو الهواء البارد، وإطلاقه على النوم قليل، ولما تعارض المعنى الأشهر والأقل فإننا نقدم الأشهر، من باب تقديم الأولى، وإن كان المعنى الثاني له وجهٌ صحيح والآية تحتمله.

القاعدة السابعة: أن يكون ذلك المعنى المتبادر إلى الذهن، فإن ذلك دليلٌ على ظهوره ورجحانه.

المتبادر إلى الذهن قضية نسبية، يصعب الحكم بها؛ لأن ما يتبادر إلى ذهني قد لا يكون متبادراً إلى ذهنك، لكن لو وقع الاتفاق على المتبادر للذهن، أو قال به الجمهور قبلناه.

مثال على الاختلاف في المتبادر للذهن قوله: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46]، فالمراد بالرجم قيل: السب، وقيل: الرجم بالحجارة، والمتبادر للذهن ـ بسبب كثرة الاستعمال ـ الرمي بالحجارة.

هذه القواعد التي تحتاج إلى بيان، أما بقية القواعد كتقديم الحقيقة على المجاز، والإطلاق على التقييد، والاستقلال على الإضمار، والعموم على الخصوص، وحمل الكلام على ترتيبه فقد سبق الحديث عنها بالأمثلة عند ذكر أسباب اختلاف المفسرين، وهناك أسباب وقواعد كثيرة غير هذه يمكن أن تؤخذ من مظانها التي ذكرتها.

ص: 187