المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌جمع المصحف وكتابته - شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الشرح

- ‌سبب تأليفه للكتاب ومقاصده

- ‌الباب الأولنزول القرآن الكريم

- ‌جمع المصحف وكتابته

- ‌ترتيب السور

- ‌نقط المصحف

- ‌أسماء القرآن

- ‌الباب الثانيالسور المكية والمدنية

- ‌الباب الثالثفي المعاني والعلوم التي تضمَّنها القرآن

- ‌الباب الرابعفنون العلم التي تتعلق بالقرآن

- ‌العلم الأول من علوم القرآن: التفسير

- ‌الإجماع والاختلاف في التفسير

- ‌الفرق بين التفسير والتأويل

- ‌العلم الثاني من علوم القرآن: القراءات

- ‌العلم الثالث: أحكام القرآن

- ‌العلم الرابع: النسخ

- ‌العلم الخامس: الحديث

- ‌العلم السادس: القصص

- ‌العلم السابع: التصوف

- ‌العلم الثامن: أصول الدين

- ‌العلم التاسع: أصول الفقه

- ‌العلم العاشر: اللغة

- ‌العلم الحادي عشر: النحو

- ‌العلم الثاني عشر: علم البيان

- ‌الباب الخامسأسباب الخلاف بين المفسرين ووجوه الترجيح

- ‌وجوه الترجيح

- ‌الباب السادسطبقات المفسرين

- ‌الباب السابعفي الناسخ والمنسوخ

- ‌الباب الثامنالقراءات

- ‌الباب التاسعالوقف

- ‌الباب العاشرالفصاحة والبلاغة وأدوات البيان

- ‌الباب الحادي عشرإعجاز القرآن

- ‌الباب الثاني عشرفي فضائل القرآن

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌جمع المصحف وكتابته

‌جمع المصحف وكتابته

قال رحمه الله: وكان القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقاً في الصحف، وفي صدور الرجال، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قعد علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في بيته فجمعه على ترتيب نزوله، ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير ولكنه لم يوجد.

فلمَّا قتل جماعة من الصحابة يوم اليمامة في قتال مسيلِمة الكذاب أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن مخافة أن يذهب بموت القراء، فجمعه في صحف غيرَ مرتب السور، وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر بعده، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين.

وانتشرت في خلال ذلك صحف كتبت في الآفاق عن الصحابة، وكان بينها اختلاف، فأشار حذيفة بن اليمان على عثمان بن عفان رضي الله عنهما فجمع الناس على مصحف واحد خيفة من اختلافهم، فانتدب لذلك عثمان، وأمر زيد بن ثابت فجمعه وجعل معه ثلاثة من قريش: عبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسعيد بن العاص بن أمية، وقال لهم:«إذا اختلفتم في شيء فاجعلوه بلغة قريش» ، وجعلوا المصحف الذي كان عند حفصة إماماً في هذا الجمع الأخير، وكان عثمان رضي الله عنه يتعهدهم ويشاركهم في ذلك، فلمَّا كمل المصحف نسخ عثمان رضي الله عنه منه نسخاً، ووجَّهها إلى الأمصار، وأمر بما سواها أن تخرق أو تحرق، يروى بالحاء والخاء المنقوطة (1).

(1) التسهيل 1/ 52، 53.

ص: 33

تحدث المؤلف عمَّا اصطُلح عليه «جمع القرآن» ، وذكر حال القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(وكان القرآن على عهد رسول الله متفرقاً في الصحف وفي صدور الرجال).

وقوله: (في الصحف) فيه مشكلة؛ لأنه قد يُفهم منه أنه كان مجموعاً بأكمله في الصحف، والمعروف أنه لم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مجموعاً كاملاً في الصحف فقط، وإنما كان في عدة أدوات من أدوات الكتابة مثل كتف البعير واللخاف الذي هو رقائق الحجر، وغيرها من الأدوات المتعاهدة عندهم، فكانوا يكتبون بأي شيء يمكن أن يكتب فيه.

والقرآن كتب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تحت إشرافه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا حفظ في عهده مقروءاً ومكتوباً، وهذا ما أشار إليه المؤلف بقوله:(متفرقاً في الصحف وفي صدور الرجال).

ويعني بقوله: (وفي صدور الرجال): ما يقرؤونه من المحفوظ في صدورهم.

ومن المسائل المتعلقة بجمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:

أولاً: يلاحظ أن هناك آيات في القرآن نزلت وهي تشير إلى حفظ القرآن في السطور؛ بمعنى أن القرآن سيكون محفوظاً فيما بعد في الكتب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:{رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} [البينة: 2]، وكذلك قوله سبحانه:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، ولا يسمى الشيء كتاباً إلا إذا كان مكتوباً، وفي القرآن غيرها من الأدلة التي تنصُّ على أنه سيكون مكتوباً مدوَّناً.

ثانياً: أن الحفاظ كانوا أكثر من الكتاب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فالاعتماد على الحفظ كان أكثر من الكتابة، وهذه قضية مهمة؛ لأن

ص: 34

المؤلف سيشير إلى شيء من ذلك فيما بعد، وأريد أن أُبرز هذا الجانب؛ لأنه مهم، فأقول:

الأصل في القرآن القراءة المحفوظة في الصدور، وليست الكتابة، فنحن عندما نتعلم القرآن ننطلق من المقروء، كما كان الأمر عند الصحابة الذين تلقوا القرآن مشافهة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأخذوه من كتاب، لذا نقول: هم ينطلقون مما يسمعونه من الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يكتبه بعضهم.

ولم يُعهد عنهم أنهم اعتمدوا المكتوب دون المحفوظ في الصدور، وهذه قاعدة مهمة يجب أن نتنبه لها، فنعلم أن أي خطأ ينسبُهُ الملاحدة والمستشرقون إلى كتابة المصحف، أو الزعم بأن الرسم يحتمل قراءات متعددة، وكان ذلك هو السبب في تعدد القراءات؛ نعلم أنه يدل على خطأ مَنْ نسبَ الخطأَ إليها؛ لأن المكتوب لا يؤثر على المحفوظ في الصدور المتلقَّى مشافهة من النبي صلى الله عليه وسلم.

والذي أريد تقريره أن الأصل في القرآن عندنا أننا ننطلق من المحفوظ المقروء وليس من المكتوب، ويدل على ذلك أمور:

1 -

أن القرآن لم يجمع في مصحف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما جمع متفرقاً، وكذلك كان مبثوثاً في صدور حفظة القرآن.

2 -

أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتفاوتون في حفظه، فمنهم من كان يحفظه كاملاً مثل زيد بن ثابت رضي الله عنه (ت:45هـ)، ومنهم من كان يحفظ بعضه، ومن ثمَّ فإن جمهور الصحابة لا يخفى عليهم القرآن، وإن كان قد يخفى بعضُه على بعضِهم.

3 -

أن التلقي بالمشافهة كانت هي الأصل الذي انتقل به القرآن جيلاً بعد جيل، وهناك آثار تدل على حرص الصحابة على تلقي القرآن مشافهة من النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرف على كتابة القرآن، إن لم يكن

ص: 35

قارئاً، فقد كُتِب بين يديه، وكان يراجعه على جبريل يعارضه؛ لذا فإن الأصل ألا يتعدى الصحابة ما تعلموه من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي وكِلت إليه مهمة بيان القرآن وتعليمه للناس، وهذه قاعدة كلية يجب استصحابها في كل ما يتعلق بالقرآن، مثل ما يتعلق بترتيب آياته وسوره، وما يقال بعد ذلك يكون خلاف الأصل.

ومن أدلة ذلك:

ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن الزبير:«قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 234] قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا؟! قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لَا أُغَيِّرُ شَيْئاً مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ» .

قوله: (فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قعد علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في بيته فجمعه على ترتيب نزوله).

هذا الأثر الوارد عن علي رضي الله عنه أنه جلس في بيته وجمع القرآن وكتب مصحفه على ترتيب النزول ليس بصحيح، وقد ضعفه ابن حجر (ت:852هـ) لانقطاعه، ثم قال:(وعلى تقدير أَن يكون محفوظاً فمراده بجمعه: حفظه في صدره)، ثم قال:(وما تقدم من رواية عبد خير عن علي أصح، فهو المعتمد)(1)، ويقصد برواية عبدِ خيرٍ: ما رواه ابن أبي داود (ت:316هـ) في المصاحف بسند حسن عن عبد خير قال: سمعت عليّاً يقول: «أعظم النَّاس فِي المصاحف أجراً أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله» (2).

(1) فتح الباري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، ورقم الحديث (4986) 8/ 629.

(2)

المصاحف لابن أبي داود، 1/ 154.

ص: 36

والمقصود من هذا: أن هذا الأثر لا يصح، وليس فيه حجة أو عمدة لمن يحتج بأن علياً رضي الله عنه كان له مصحف كاملٌ.

أما قول المؤلف: (ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير ولكنه لم يوجد) فهذا غريب، فأي علم سيوجد في مصحف علي رضي الله عنه؟ فإن قصارى الأمر أنه سيكون فيه رأي عليٍّ رضي الله عنه في ترتيب نزول القرآن، والاختلاف في ترتيب النزول أمر مشهور ومعروف.

فإن قيل: لعل فيه تعليقات وتفسيرات من عليٍّ رضي الله عنه.

الجواب: إن الأصل أن الصحابة لم يكونوا يكتبون مع القرآن غيره، وإنما جاءت هذه الشبهة في أن الصحابة كانوا يكتبون بعض تفسيراتهم، وهو ما اصطُلح عليه باسم «القراءات التفسيرية» ، لِمَا وُجِد من بعض القراءات الشاذة مثل:«فصيام ثلاثة أيام متتابعات» فكلمة «متتابعات» قراءة شاذة، وليست تفسيراً؛ لأن من رواها نصَّ على أنها قراءة، وليست من قبيل التفسير، ومن الآثار في ذلك: في «مصنف ابن أبي شيبة» : «ابن علية عن ابن عون قال: سألت إبراهيم عن صيام الثلاثة أيام في كفارة اليمين، قال: في قراءتنا «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» ».

وفيه: «وكيع عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: كان أبي يقرؤها: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» » (1).

وفي رواية يحيى الليثي لموطأ مالك، قال:«وحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُجَاهِدٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ فَسَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ الْكَفَّارَةِ أَمُتَتَابِعَاتٍ أَمْ يَقْطَعُهَا؟ قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ يَقْطَعُهَا إِنْ شَاءَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: لا يَقْطَعُهَا، فَإِنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ» » (2).

(1) المصنف، كتاب الأيمان والنذور، ورقم الحديثين (12501، 12503).

(2)

الموطأ، 155.

ص: 37

وبعض العلماء خرّج هذا تخريجاً عقلياً فقال: إن هذه القراءة قراءةٌ تفسيرية، لكن لا يوجد في الآثار إشارة إلى أن أحداً من الصحابة كتب في مصحفه غير القرآن.

المقصد أن علياً رضي الله عنه لو كتب مصحفه على ترتيب النزول فإنه لا يوجد شيء من العلم الذي ذكره ابن جزي إلا معرفة ترتيب النزول فقط على رأي علي بن أبي طالب رضي الله عنه (ت40هـ)، ومعلوم أن ترتيب النزول فيه خلاف بين الصحابة، وعليٌّ رضي الله عنه (ت40هـ) من أعلم الصحابة بالقرآن والنزول، كما ذكر ذلك عن نفسه، وكذلك ابن مسعود رضي الله عنه (ت32هـ) من أعلم الصحابة بالقرآن وفيمن نزل القرآن، لكن عندما يتعارض قول صحابي مع آخر فإنه لا يمكن اعتماد قول أحدهما إلا بحجة.

قوله: (فلما قتل جماعة من الصحابة يوم اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن مخافة أن يذهب بموت القراء فجمعه في صحف غير مرتب السور).

قوله: (فجمعه في صحف غير مرتب السور) هذا قول بعض أهل العلم، لكن فيه نظر، إذ لا يوجد دليل صريح عن أحد من الصحابة أن مصحف أبي بكر رضي الله عنه (ت13هـ) غير مرتب السور، وإن كان الأثر الذي رواه الإمام أحمد وغيره، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:«قُلْتُ: لِعُثْمَانَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ، وَهِيَ مِنَ «الْمَثَانِي» (1)،

(1) ورد في هذا الأثر ذكر أقسام لسور القرآن، وقد وردت قسمة رباعية في الأحاديث، وعليها عمل الصحابة، وهي: السبع الطوال، فالمئين، فالمثاني، فالمفصل. وقد ذُكر في هذا الأثر ثلاثة منها.

ومما يلاحظ أن مصطلح المثاني يُطلق ثلاثة إطلاقات، ولكل إطلاق اعتبار خاص؛ لذا لا يوجد بينها تناقض:

الأول: أن المثاني سورة الفاتحة؛ لأنها تثنى في كل ركعة، وقد صح الخبر في ذلك الإطلاق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هِيَ =

ص: 38

وَإِلَى بَرَاءَةٌ، وَهِيَ مِنَ «الْمِئِينَ» ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَوَضَعْتُمُوهَا فِي «السَّبْعِ الطِّوَالِ» ، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟

قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَاتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ، فَيَقُولُ:«ضَعُوا هَذِهِ فِى السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» . وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ قَالَ: «ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» . وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَالَ: «ضَعُوا هَذِه الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» (1).

وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَوَاخِرِ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ. قَالَ: فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهاً بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ»، قد يعتمد عليه من يرى أن ترتيب السور بالاجتهاد، إلا أن هذا الأثر يمكن النظر فيه من خلال النقاط الآتية:

= السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» رواه البخاري وغيره.

الثاني: أنها السبع الطوال، وقد ورد هذا عن جمع من الصحابة كابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وغيرهم من السلف، وقد ورد هذا في تفسيرهم لقوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] من سورة الحجر، وسُميت مثاني؛ لأنها تثنَّى فيها المواعظ والقصص والأحكام، كما ذكر الطبري في توجيه هذا القول عند تفسير آية الحجر.

الثالث: القرآن كله، ومعنى كونه مثاني؛ أي: يشبه بعضه بعضاً، وهو قوله تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23]، وسمي القرآن كله مثاني؛ لأنه تُثنى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحجج، كما وجَّه ذلك الإمام الطبري في تفسير آية الزمر.

(1)

المسند برقم (399) 1/ 460.

ص: 39

أولاً: أن سبب سؤال ابن عباس رضي الله عنه هو ترك سطر البسملة بين السورتين.

ثانياً: أن ابن عباس رضي الله عنه ينسب هذا العمل إلى عثمان رضي الله عنه بقوله: «لم عمدتم» ، ويحتمل أن يريد به عثمان رضي الله عنه واللجنة التي كلفها أيضاً.

ثالثاً: أن قصارى الأمر أن الذي لم يبلغهم ترتيبه هو سورة الأنفال وبراءة، فاجتهد عثمان رضي الله عنه في وضعهما في السبع الطوال، وحذف سطر البسملة لاحتمال كونهما سورة واحدة.

ويحسن هنا أن نستحضر تفسير بعض السلف لقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87] أنها السبع الطوال، وهذا يعني أن من مصطلحاتهم في أسماء السبع الطوال أنها السبع المثاني؛ لأنها تثنَّى فيها المواعظ والعبر والقصص، قال الطبري: «وقائلو هذه المقالة مختلفون في المثاني، فكان بعضهم يقول: المثاني هذه السبع، وإنما سُمِّين بذلك لأنهنَّ ثُنِّي فيهنّ الأمثالُ والخبرُ والعِبَر.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود في قوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} قال: السبع الطُّوَل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن سعيد الجريريّ، عن رجل، عن ابن عمر قال: السبع الطُّوَل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يَمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} قال: السبع الطُّوَل» (1).

وها أنت ترى ثلاثة من الصحابة قد أطلقوا على «السبع الطوال»

(1) تفسير الطبري (تحقيق التركي) 14/ 107، 108.

ص: 40

مصطلح «المثاني» ، وإذا صحَّ ذلك، فلا مانع من أن ابن عباس أراد بالمثاني في هذا الأثر السبع الطوال، خصوصاً أنه قد ورد التفسير عنه بذلك في تفسير آية الحجر.

وإذا كان ذلك كذلك، فإن ابن عباس لا يخالف في كون الأنفال من السبع الطوال التي سماها السبع المثاني، وإنما يسأل عن عدم جعل البسملة بين سورة من الطوال، وسورة من المئين، وهي التوبة.

وكأن عثمان يقول: إني نزعت سطر البسملة بينهما، وظننت أنهما سورة واحدة مكملة للسبع الطوال، والله أعلم.

وبعد، فإن الأظهر أن يكون مصحف عثمان منتسخاً من مصحف أبي بكر على ما هو معروف الآن من ترتيب، والأصل أن ترتيب كل ما يتعلق بالقرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا مصحف أبي بكر، ومن ثَمَّ فإنه يكون على ما كان عليه القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولا يعكِّر على هذا إلا هذا الأثر الذي يشير إلى عدم معرفة ترتيب سورتي الأنفال والتوبة.

ولقد كان الكاتب زيد بن ثابت رضي الله عنه (ت45هـ) الذي ذُكِر أنه حضر العرضة الأخيرة، من أعلم الصحابة بالقراءة وبالمنزَّل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي كتبه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر بمعونة عمر رضي الله عنه (ت23هـ)، ثم كتبه في عهد عثمان رضي الله عنه (ت35هـ)، ولم يرد عن واحد منهم أن ما فعله عثمان يخالف ما فعله أبو بكر؛ لأن عمل عثمان هو النسخ فقط كما يدل عليه أثر حذيفة في جمع الناس على مصحف (1)، ولم يرد أن ما فعله أبو بكر يخالف ما كان على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يرد هذا، فالأصل البقاء على الأصل، والأصل أن يكون المصحف في عهد

(1) وردت مادة نسخ متعددة بتصريفاتها في أثر حذيفة: «ننسخها، فنسخوها، نسخوا» مما يدل على أن عمل لجنة عثمان رضي الله عنهم إنما كان النسخ من مصحف أبي بكر رضي الله عنه.

ص: 41

الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو في عهد عثمان رضي الله عنه، وأي خلاف يورد في هذا يحتاج إلى دليل صريح، لذا فإن القول بأن القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معروف الترتيب، أو أن المصحف في عهد أبي بكر رضي الله عنه غير مرتب السور، قولٌ فيه نظر.

قوله: (وانتشرت في خلال ذلك صحف كتبت في الآفاق عن الصحابة، وكان بينها اختلاف، فأشار حذيفة بن اليمان على عثمان بن عفان رضي الله عنهما فجمع الناس على مصحف واحد خيفة من اختلافهم).

ذكر المؤلف رحمه الله انتشار الصحف في عهد عثمان، ولكن لا يعني هذا تكاثر المصاحف كما نشاهده اليوم في مساجد المسلمين، بل هو انتشار نسبي؛ أي: أنها بالنسبة إلى ما قبلها من عام (25هـ) أكثر، وإلا فإن القراءة من خلال الحفظ في عهد عثمان أكثر رضي الله عنه من القراءة من خلال الصحف.

ومع أن الكتابة صار لها انتشار إلا أنها لم تصل إلى أن تكون الصحف أصولاً يُرجع إليها ـ كما هو الحال اليوم ـ فما زال المقروء من الصدور سائداً في العالم الإسلامي، والقرآن يتلقى من خلال أفواه القراء.

ولما لاحظ حذيفةُ بن اليمان رضي الله عنه (ت36هـ) في فتح أرمينية القَرَأةَ يختلفون، كما ورد في الأثر عنه: «

وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ» (1)، ولم يكن لهم أصل يرجعون إليه لمعرفة الصحيح من غيره، كما كان الحال لما وقع ـ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه (ت23هـ) وأبي بن كعب رضي الله عنه (ت30هـ) ـ الاختلاف في القراءة؛ رجعا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فبيَّن لهما صحَّة قراءتهما مع اختلافها، فإذا كان قد وقع ذلك ممن حضر التنزيل

(1) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، ورقم الحديث (4987).

ص: 42

وشاهده، فما بالك بمن جاء بعدهما، وليس هو بإيمان عمرَ رضي الله عنه ولا بإيمان أبيِّ بن كعب رضي الله عنه (ت21هـ)، لذا فإن وقوع التلاحي في قراءة القرآن في عهد قريب من عهد النبوة أمر غير مستغرب، خصوصاً إذا علمنا أن الذي وقع بينهم هم أناس من التابعين، وقد يكون بعضهم ليس من أهل العلم إنما سمع وأخذ عن بعض الصحابة، ثم انتقل يغازي، وليس عنده من العلم الشيء الكبير، فإذا قرأ هو بقراءة، وقرأ الآخر بقراءة تخالفه، واعترض هذا على ذاك، وذاك على هذا، فعندئذ يبدأ التنازع، وتظهر المشكلة.

لما أشار حذيفة (ت36هـ) على عثمان (ت35هـ) أن يجمع الناس على مصحف واحد انتدب لهذا أربعة وهم:

1 -

زيد بن ثابت رضي الله عنه (ت45هـ) الذي كتب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الكاتب الخاص للوحي، وهو الذي كتبه في عهد أبي بكر وكتبه في عهد عثمان.

2 -

عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ (ت73هـ).

3 -

سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ (ت59هـ).

4 -

عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام.

وهؤلاء الثلاثة من قريش كانوا يُملون عليه ويراجعون معه، وقال لهم:«إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم» (1)، فأعطاهم عثمان منهجاً عاماً في الكتابة.

ثم قال المؤلف بعدها: (وجعلوا المصحف الذي كان عند حفصة إماماً في هذا الجمع الأخير).

(1) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، ورقم الحديث (3506).

ص: 43

كان عمل هؤلاء الصحابة هو النسخ كما قال زيد بن ثابت رضي الله عنه (ت45هـ): «فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف

حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان المصحف إلى حفصة» (1)، فلم يضيفوا شيئاً جديداً، ثم بعد اكتمال النسخ أرسلوا نسخاً إلى الأمصار، وحرَّق ما سواها، فجمع ما عند الصحابة من نسخ وأحرقها إلا ابن مسعود رضي الله عنه الذي انفرد بالاعتراض ـ فكان موقفه فرديّاً، فاحتفظ بمصحفه واستشهد بقوله:{وَمَنْ يَغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161] وتبنى هذا الموقف ومات عليه؛ ولذا بقيت كثير من القراءات التي تنسب إلى ابن مسعود (ت32هـ) تخالف مصحف عثمان وإن كان يوجد قراءات غيرها تخالف مصحف عثمان كقراءة أُبَيّ (ت21هـ) أو أبي الدرداء (ت32هـ) لكن أكثر الموجود مما يخالف مصحف عثمان هو مما روي عن ابن مسعود.

والحكمة التي أرادها عثمان من حرق المصاحف ألا يبقى شيء يخالف المصحف الذي أجمع عليه الصحابة وكتبوه في هذه المصاحف.

وكان عدد النسخ التي كتبت ـ على الصحيح ـ ستة:

1 -

نسخة اختص بها عثمان، وهي التي قُتل، وهي بين يديه يقرأ منها.

2 -

نسخة جعلها بين يدي زيد يقرئ بها أهل المدينة.

3 -

نسخة لأهل الكوفة.

4 -

نسخة لأهل مكة.

5 -

نسخة لأهل البصرة.

6 -

نسخة لأهل الشام

ومما يلحظ أن هذه الأمصار التي ذهبت إليها النُّسَخ هي التي خرج منها القراء، وهي التي اعتُمد عليها في عدِّ الآي.

(1) هذا القول جزء من الحديث السابق، صحيح البخاري، رقم الحديث (4987).

ص: 44

ويُذكر نسخة لأهل البحرين، ونسخة لأهل اليمن، لكن لا يوجد أي ذِكْرٍ لما في هذه النسخ من رسم في الكتب، والخبر بها منقطع، ولعله ليس بصحيح.

الفروق في مصاحف عثمان الستة:

أما الفروق التي نجدها في المصاحف من جهة الرسم فمتعددة، ومنها ما لا علاقة له بالرسم مباشرة؛ لاتفاقه في الرسم واختلافه في النطق، ومن ذلك أن قريشاً لا تهمز، وغيرها يهمز؛ ولذا جاءت قراءة المكي ابن كثير (ت120هـ) بغير الهمز، فكلمة (يومنون) تكتب هكذا بغير همز؛ لأن الهمز من علم الضبط الذي حدث بعد الصحابة رضي الله عنهم (1)، وهي تحتمل قراءة من يهمز ومن لا يهمز.

ومن الفروق ما وقع من خلاف في باب المقطوع والموصول، مثلاً (إنما) هل تكتب متصلة أم منفصلة؟

وكذلك «ألَاّ» كتبت في مواطن متصلة وفي مواطن أُخَرَ كتبت منفصلة «أن لا» ، وكذا تاء التأنيث بالتاء المفتوحة أو المربوطة وقع فيها خلاف، وغيرها مما يدخل في باب الموصول والمفصول.

ومن الفروق ـ كذلك ـ زيادة الكلمة أو نقصانها مثل: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} جاءت في مصحفٍ كذا، وفي مصحف آخر {تَجْرِي تَحْتَهَا} .

(1) مما يؤسف عليه أن كثيراً من المعتنين بحفظ القرآن لا يعرفون مثل هذه الأمور، ولا يدرون ما الذي كان من عمل الصحابة رضي الله عنهم، وما الذي حدث بعدهم، فالهمز ـ مثلاً ـ هو من فعل علماء الضبط، وكانوا يضعونه بلون مغاير للسواد تمييزاً له عما هو من عمل الصحابة، وكذا غيره مما يدخل في علم الضبط، فإنه كان يُعمل بلون مغاير للسواد ليتميز ما كان من عمل الصحابة مما كان من عمل غيرهم، وقد أبدع الدكتور أحمد شرشال في إخراجه لكتاب أبي داود سليمان بن نجاح «مختصر هجاء التنزيل» حيث أخرجه على هذه الشاكلة، وهو من مطبوعات مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

ص: 45

ولا يخالف هذا ما تقرَّر من أن الأصل اتباع المحفوظ وتقديمه على المرسوم؛ لأن المرسوم في هذه القضايا المعينة صار أصلاً يُعتمد عليه في القراءة، فيتبع كل قوم ما وقع من الرسم عندهم، ولا تعارض بين ذلك، فمن كان في مصحفه «وأوصى» فإنه يقرأ كذلك، ومن كان في مصحفه {وَوَصَّى} فإنه يقرأ كذلك، وهذا مما يقع فيه اتِّباع الرسم اتباعاً تامّاً.

وأما ما عدا ذلك فإنه يعود إلى المحفوظ، خصوصاً أن هناك قضايا صوتية كثيرة لا يمكن رسمها، وإنما حدث ضبطها ـ بعد جيل الصحابة ـ بعلم الضبط، ومثال ذلك أن القارئ بالإمالة أو الفتح في قوله تعالى:{وَالضُّحَى} لا يختلف الرسم بينهما ألبتة.

والمقصود أن هذه الأمور إنما تؤخذ عن مشافهة القارئ، فالقراءة ما زالت هي الأصل، والمرسوم رتبة ثانية.

ومما يحسن بالباحث أن يستوعب قضايا الرسم التي في مصاحف عثمان، ويعرف ما كان من رسم الصحابة مما جاء بعدهم من باب الضبط؛ لكي لا يقع في بعض الأخطاء الطريفة؛ كمن يقول: وكتبوا في مصحف {فَتَبَيَّنُوا} وفي مصحف «فتثبّتوا» ، فإن هذا غلط؛ لأن النقط ليس من عمل الصحابة رضي الله عنهم، ولا هو مما يتعلق بالرسم.

هل ألزم عثمان رضي الله عنه الناس بحرف واحد؟

لما نسخ عثمان رضي الله عنه هذه المصاحف لم يلزم الناس بحرف واحد مما نزل، ومن قال بذلك اعتمد على قوله:«فاكتبوه بلسان قريش» ، ولكن الصحيح أنه أراد بذلك أن يكون الرسم موافقاً للقراءة الأُولى التي نزل بها القرآن، وهي قراءة قريش، ثم إنه إذا كتب بعد ذلك برسم فإن ذلك لا يمنع أن يقرأ بما يخالف الرسم ولو احتمالاً، بدليل أنهم ينصُّون في كتب الرسم على أن بعض الألفاظ كتبت بوجه واحد في جميع

ص: 46

المصاحف، ووقع خلاف بين القراء في القراءة، فقرئت بأكثر من وجه؛ مثل:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، فقوله:{الصِّرَاطِ} كتبت في جميع المصاحف بالصاد لكن القراءة فيها ثلاثة أوجه: الصاد، والسين، وإشمام الصاد زاياً.

والسين يمكن أن تكتب، لكنهم لم يكتبوها في مصحف كما هو الحال في بعض ما تعددت قراءته، وقد وقع الاتفاق على أن قراءة السين ثابتة، ويُقرأ بها ولو لم تكن مكتوبة.

أما إشمام الصاد زاياً، فهي تكتب بالصاد، والإشمام مسألة صوتية لا يمكن رسمها، لكن يقع ضبطها في علم الضبط بعد ذلك.

ومما كُتب في جميع المصاحف بوجه واحد وقرئت بأكثر من وجه كلمة «ضنين» في قوله: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24] كتبت في جميع المصاحف بالضاد، وقرئت بقراءتين بالظاء والضاد، فلا يقال: من قرأ بالظاء فقد خالف رسم المصحف؛ لأن الأصل في مثل هذا ما ثبتت قراءته، وإن لم يوافق الرسم موافقةً تامة، لذا نقول: إن ما هو مسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وثابتٌ عند القراء ومشتهر بينهم ومُتَلقًّى بالقَبول، فإنه هو الصحيح المعتمد، والرسم إنما هو ضابط للمقروء، أما لو صح السند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يُتلق بالقبول، فإنه يردُّ، ويُعتدُّ برده بالرسم إن كان مخالفاً؛ كالقراءة التي ذكرها أبو الدرداء فيما رواه البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ:«والذكر والأنثى» (1) في قوله: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} [الليل: 3] فلا يمكن أن نقرأ بـ «والذكر والأنثى» مع أنها ثابتة في الصحيح؛ لأننا لا نجد في مصحف من المصاحف أنها كُتِبت «والذكر والأنثى» ، أما قوله:{تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ} [التوبة: 100] أو (مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ)[التوبة: 100] فقد أجزناها

(1) أخرجه البخاري، في كتاب التفسير، ورقم الحديث (4944).

ص: 47

بالحذف؛ لأنها في أحد المصاحف العثمانية هكذا، وأجزناها بإثبات «مِن» ؛ لأنها في بقية المصاحف العثمانية هكذا، لكن «والذكر والأنثى» لا توجد في أي مصحف من المصاحف التي أرسلها عثمان، ولهذا لا يقرأ بها لأنها لم تشتهر في الرواية، ولمخالفتها للمرسوم، وإذا كانت مخالفة للمرسوم فستكون مخالفة للمقروء المشهور.

وهذه القراءة «والذكر والأنثى» نثبت أنها قراءة قرأ بها الرسول صلى الله عليه وسلم لكنها نسخت، فأي قراءة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقرأ بها القراء بالطرق المشتهرة المقبولة عندهم، فإن ذلك يدل على أنها مما نسخ، وطريقة معرفة نسخها أنها لا توجد في مصحف عثمان، والأصل في القرآن تلقيه من النبي صلى الله عليه وسلم قراءة أو نسخاً أو ترتيباً، ولا يمكن لأحد أن ينسخ منه شيئاً أو يزيل منه حرفاً واحداً؛ لأن هذه مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين.

فإن قال قائل: إن عثمان رضي الله عنه عمل هذا العمل كله لأجل اتقاء الاختلاف في القراءة، ولكن القراءة لم تتحد بعده، فما زالت مختلفة فما الفائدة من عمل عثمان رضي الله عنه؟

نقول: يجب أن ننتبه لملحوظة مهمة وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي والقراءات الثابتة لا يعلمها إلا بعض الصحابة، ثم كُتب المصحف في عهد أبي بكر ـ ولم يكتب إلا ما ثبتت قرآنيته ـ ولم يُلزم الناس به؛ لأن عمل أبي بكر إنما كان لحفظ المقروء في السطور، ثم جاء عهد عمر رضي الله عنه ولم يقع إلزام منه بما في مصحف أبي بكر، وإن كان قد وقع منه نهيٌ لبعض الصحابة أن يقرؤوا ببعض الأحرف، وكذلك في أول عهد عثمان رضي الله عنه لم يكن منه إلزام للأمة بشيء من هذه الأحرف، فكل واحد من الصحابة يقرأ بما سمعه وثبت عنده عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فابن مسعود رضي الله عنه يقول: «والله لقد أخذت من فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وسبعين

ص: 48

سورة» (1)، فهو يقرئ بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتنازل عن قراءةِ وإقراء ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، فابن مسعود وغيره من الصحابة كانوا يُقرئون بما سمعوا، ولذا انتشر المنسوخ بسبب عدم وجود المرجعية لما هو ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة، ولما تفاقم الأمر جمع عثمان رضي الله عنه الناس على الثابت من هذه الأحرف عن النبي صلى الله عليه وسلم، فثبَّت لنا عثمان رضي الله عنه مصدراً ومرجعية في معرفة القرآن الذي ثبت والقرآن الذي نُسخ، ولم يعتمد في ذلك على اجتهاده، بل اعتمد على مصحف أبي بكر، وأبو بكر اعتمد على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ به ومات وهو من القرآن، وما عدا ذلك مما لم يجمعه الصحابة ويتفقوا عليه فإنه يدخل في باب المنسوخ.

وبفعل عثمان من تثبيت الصحيح الباقي من المقروء دون المنسوخ، توقفت القراءات الصحيحة المنسوخة التي قرأ بها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقرأ بها الصحابة بعد فعل عثمان رضي الله عنه، وتوقَّف الإقراء بها، فلا يوجد أحد يقرأ بتلك القراءات مثل (والذكر والأنثى) وغيرها.

ثم بعد ذلك العملِ الذي قام به عثمان والصحابة رضي الله عنهم فإنه إذا خرج مجاهد في سبيل الله من الكوفة، وآخر من الشام، وقرأ الكوفي بقراءة تخالف قراءة الشامي فإنهم كلهم ينسبون القراءة إلى مرجع معتبر عندهم، وهو المرجع الذي اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم، وهذا الاتفاق في المرجعية لم يكن موجوداً قبل نسخ المصاحف.

هل بقي شيء من مصاحف عثمان الستة؟

لا يصح وجود شيء من هذه المصاحف الستة التي أمر عثمان رضي الله عنه بكتابتها، مثل مصحف طشقند الذي ينسب إلى عثمان ليس بصحيح، لكنه كتب على نسق المصاحف العثمانية.

(1) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، ورقم الحديث (5000).

ص: 49

تنبيه:

إن الأصل في علم الرسم هو استقراء المصاحف العثمانية، فهي المصدر الوحيد لمعرفة علم الرسم، لكنها غير موجودة الآن، فصار عندنا مصدر النقل عن بعضها، وهو ما قام به مثل أبي عبيد (ت224هـ) وغيره ممن اطلع على مصحف من هذه المصاحف، فحكوا ما في هذه المصاحف من الرسوم، فصارت حكايتهم مصدراً من مصادر علم الرسم، ثم تتابع العلماء يكتبون على حسب ما حكي في كتب الرسم.

فائدة:

هناك من علماء الخط مثل ابن البواب (ت423هـ) وغيره ممن كتب المصاحف لم يلتزموا فيها بالرسم العثماني، بل كتبوها بالإملاء المتعارف عندهم، وأهل المغرب كانوا يعتنون بالرسم أكثر من أهل المشرق.

ومن أنفس الكتب في الرسم ما طبع في مجمع الملك فهد رحمه الله الذي هو كتاب «الطراز شرح ضبط الخراز» ، وهو أصل من الأصول التي اعتمد عليها في المصاحف المطبوعة في عصرنا.

ص: 50