المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌نقط المصحف قال رحمه الله: وأما نقط القرآن وشكله فأول من - شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الشرح

- ‌سبب تأليفه للكتاب ومقاصده

- ‌الباب الأولنزول القرآن الكريم

- ‌جمع المصحف وكتابته

- ‌ترتيب السور

- ‌نقط المصحف

- ‌أسماء القرآن

- ‌الباب الثانيالسور المكية والمدنية

- ‌الباب الثالثفي المعاني والعلوم التي تضمَّنها القرآن

- ‌الباب الرابعفنون العلم التي تتعلق بالقرآن

- ‌العلم الأول من علوم القرآن: التفسير

- ‌الإجماع والاختلاف في التفسير

- ‌الفرق بين التفسير والتأويل

- ‌العلم الثاني من علوم القرآن: القراءات

- ‌العلم الثالث: أحكام القرآن

- ‌العلم الرابع: النسخ

- ‌العلم الخامس: الحديث

- ‌العلم السادس: القصص

- ‌العلم السابع: التصوف

- ‌العلم الثامن: أصول الدين

- ‌العلم التاسع: أصول الفقه

- ‌العلم العاشر: اللغة

- ‌العلم الحادي عشر: النحو

- ‌العلم الثاني عشر: علم البيان

- ‌الباب الخامسأسباب الخلاف بين المفسرين ووجوه الترجيح

- ‌وجوه الترجيح

- ‌الباب السادسطبقات المفسرين

- ‌الباب السابعفي الناسخ والمنسوخ

- ‌الباب الثامنالقراءات

- ‌الباب التاسعالوقف

- ‌الباب العاشرالفصاحة والبلاغة وأدوات البيان

- ‌الباب الحادي عشرإعجاز القرآن

- ‌الباب الثاني عشرفي فضائل القرآن

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌ ‌نقط المصحف قال رحمه الله: وأما نقط القرآن وشكله فأول من

‌نقط المصحف

قال رحمه الله: وأما نقط القرآن وشكله فأول من فعل ذلك الحجاج بن يوسف بأمر عبد الملك بن مروان وزاد الحجاج تحزيبه، وقيل: أول من نقطه يحيى بن يعمر، وقيل: أبو الأسود الدؤلي. وأما وضع الأعشار فيه، فقيل إن الحجاج فعل ذلك، وقيل: بل أمر به المأمون العباسي (1).

هذا يتعلق بما يسمى بضبط المصحف أو علم الضبط، والحَجَّاجُ (ت:95) مع ما يعرف عنه من شر إلا أن له عنايةً بالمصحف اشتُهر بها، فبعد كتابة المصحف العثماني أضيف على الرسم إضافات وهو ما يسمى بمراحل النقط:

أولاً: إضافة أبي الأسود الدؤلي (ت69هـ)، وهو من كبار التابعين، ومن تلاميذ علي (ت40هـ) رضي الله عنه، وهو أول من أدخل النقط في المصاحف، حيث أحضر كاتباً وقال له:«خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتيَّ فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنَّةً فانقط نقطتين ـ يقصد التنوين ـ» (2)،

(1) التسهيل 1/ 54.

(2)

نزهة الألباء، لابن الأنباري، ص18.

ص: 55

ولم يذكر السكون، وهذه العلامات توضع على أواخر الكلمات؛ لضبط الإعراب، وهي بدايات علم النحو ـ أيضاً ـ وليس على كل من الكلمة، ولون المداد الذي وضعه هو الأحمر، والرسم مداده أسود، لذا يتميز عمل أبي الأسود عن عمل الصحابة.

فإذا جاء عند قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1] فـ {وَيْلٌ} : يوضع أمام اللام من قِبَلِ وسطها دائرتان باللون الأحمر {وَيْلٌ} .

و {لِكُلِّ} يضع النقطة الحمراء تحت اللام (لكل.).

و {هُمَزَةٍ} يضع تحت التاء المربوطة نقطتان {هُمَزَةٍ} ، وهكذا، واستمر هذا النقط حتى مع وجود النقط الذي جاء بعده، فأبو عمرو الداني (ت:444) يقول: «وترك استعمال شكل الشعر، وهو الشكل الذي في الكتب الذي اخترعه الخليل في المصاحف الجامعة الأمهات وغيرها، أولى وأحقُّ؛ اقتداءً بمن ابتدأ النقط من التابعين، واتباعاً للأئمة السابقين» (1).

ثانياً: نقط الإعجام على يد يحيى بن يعمر (ت129هـ)، وقيل: نصر بن عاصم (ت90هـ)، وهي النُّقَطُ التي توضع فوق الحرف أو تحته، فالباء نقطة واحدة تحت، والتاء مثناة فوق، والثاء مثلثة فوق، والجيم في الوسط إن كانت مفردة أو تحتها إن كانت موصولة، والخاء فوق، وهكذا.

ويظهر أن بداية النقط كانت متقدمة على هذا الزمن، لكنها استقرت على يد هذين العلَمَين، فقد ورد في نقش سدِّ الطايف إبان خلافة معاوية نقط الإعجام لبعض الحروف، مما يشير إلى أن النقط قد ابتدأ في ذلك العصر، ثم اكتمل في عصر نصر ويحيى.

(1) المحكم في نقط المصاحف (ص22).

ص: 56

ثالثاً: جاء بعدهما الخليل (ت175هـ) وأدخل الشكل الذي هو الآن الفتحة والضمة والكسرة وكان له فيها اصطلاح ثم عدِّل بعده بعض الشكل، فالكسرة كان يضع لها الياء الصغيرة المعقوفة الموجودة في المصحف في مثل الصلة الصغرى والكبرى (. . .)؛ كان يضعها تحت الحرف المكسور، ثم مع تقادم الزمان رأوا أن سنة الياء هذه لا يحتاج إليها، فحذفوها وصارت الكسرة ـ كما هي معروفة في الإملاء اليوم ـ ألفاً مبطوحةً تحت الحرف، لعدم اشتباهها بغيرها.

وكان نقْطُ يحيى ونَصْرٍ وشكْلُ الخليل بالمداد الأسود؛ لأنه لا يؤثر على بنية الرسم بخلاف عمل أبي الأسود؛ لأنه كان دائرة كبيرة فكان يضعها بالأحمر، واستمر عمل الخليل وعمل أبي الأسود في الكتب حتى عهد متأخر، ثم اعتُمد رسم الخليل وتنوسي عمل أبي الأسود الدؤلي، وهكذا بقي هذا العمل ثم أضيفت إضافات فيما بعد، مثلاً: الألف الصغيرة المسماة بالخنجرية التي هي إشارة إلى الألف المحذوفة (1)،

(1) المحكم في نقط المصاحف للداني، تحقيق د. عزة حسن (ص3 - 4).

ص: 57

والزيادات يضعون عليها دائرة صغيرة إشارة إلى هذا الحرف الزائد، وطريقة كتابة الشكل في المظهر والمُدغم والمُخفى والقلب وغيرها، وهذا من عمل علماء الضبط جيلاً بعد جيل، حتى استقرَّ على ما هو معروف في المصاحف اليوم، وكل هذا يدخل عندهم في مسمى «علم الضبط» .

وهذا تسلسل تاريخي يوضح ما قام به العلماء من الرسم والضبط: (1)

1 -

عام (24 - 25هـ) تمَّ رسم المصاحف العثمانية.

2 -

عام (58هـ) توفي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وكان قد بنى سدَّ الطائف، وكُتبت بعض أحرف النقش بضبط الإعجام في عصره.

3 -

في عام (53) توفي زياد بن أبيه، وقد قيل: إن أبا الأسود الدؤلي (ت:69) وضع نقط الإعراب في ولايته (2).

4 -

في عهد عبد الملك بن مروان (ت86هـ) أمر الحجاج (ت95هـ) نصر بن عاصم (ت90هـ) ويحيى بن يعمر (ت129هـ) بوضع نقط الإعجام، فأتموا الأحرف كلها.

5 -

اعترض على نقط أبي الأسود الدؤلي (ت:69)، وهو نقط الإعراب؟ الصحابي عبد الله بن عمر (ت73هـ).

6 -

وضع الخليل بن أحمد (ت170هـ تقريباً) الشكل.

7 -

بعد الخليل (ت170هـ) قام علماء الضبط على مرِّ العصور بتجويد الضبط حتى وصل إلى ما نعرفه اليوم في ضبط المصاحف.

(1) ملاحظة: سيكون التأريخ بوفاة العلم، مع ملاحظة أن العمل سيكون قبل وفاته قطعاً.

(2)

المحكم في نقط المصاحف للداني، تحقيق د. عزة حسن (ص3 - 4).

ص: 58

قوله: (وأما وضع الأعشار فيه، فقيل: إن الحجاج فعل ذلك).

الأعشار: وضع علامة على الآية رقم (10) ومضاعفاتها.

والأخماس: وضع علامة على الآية رقم (5) ومضاعفاتها.

كانت الأعشار والأخماس في عهد التابعين، وقد واجهت اعتراض بعض العلماء في جعل الأخماس والأعشار في المصحف اقتداء بفعل الصحابة، ويظهر من خلال الآثار أن التعشير ظهر في عهد مبكر، فقد روى الداني بسنده عن مسروق عن عبد الله بن مسعود (ت35هـ):«أنه كره التعشير في المصحف» (1). وقد ذكر آثاراً أخرى عن السلف من التابعين وأتباعهم في كراهية التعشير.

ولما كان عمل أبي الأسود ـ وهو من كبار التابعين ـ حادثاً، أنكر ذلك بعض علماء التابعين، بل أنكره بعض من عاصر هذا من الصحابة وهو عبد الله بن عمر (ت73هـ) رضي الله عنه، وإنكار ابن عمر رضي الله عنه له لا يعني أن الصحابة أنكروا أن يُدخل في رسم عثمان ما ليس منه.

فإن قال قائل: ماذا عن قول ابن مسعود رضي الله عنه: «جرِّدوا القرآن» ، وقول عمر رضي الله عنه:«جرِّدوا القرآن» ؟

أقول: إن هذا الأثر عن عمر (ت23هـ) وابن مسعود (ت32هـ) لم يجئ في مساق المصحف، إنما جاء في مساق تعليم الناس قراءة القرآن، فعمر رضي الله عنه أراد: إذا أردتم أن تعلموا الناس فعلموهم القرآن ولا تدخلوا معه غيره في تعليمهم، وكما هو معلوم من منهج عمر أنه كان ينهى عن التحديث عن رسول صلى الله عليه وسلم، عن قرظة بن كعب، قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صرار فتوضأ ثم قال: «أتدرون لم مشيت معكم؟» ، قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا،

(1) نقط المصاحف، للداني، تحقيق عزة حسن، ص14.

ص: 59

قال: «إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جرَّدوا القرآن، وأقلُّوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامضوا وأنا شريككم» (1).

وكذلك قول ابن مسعود هذا؛ ليس مراده جرَّدوا المصحف بل جرَّدوا القرآن مما يزاد فيه، فقد جاء عنده رجل وقرأ باستعاذة طويلة فقال:«جردوا القرآن» ، أي: لا تضيفوا إلى القرآن ما ليس منه، ومن ذلك ما رواه النسائي بسنده عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: «جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت يسمع تقرأ فيه سورة البقرة» (2).

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي المغيرة قال: قرأ رجل عند ابن مسعود فقال: استعذ بالله العليم من الشيطان الرجيم، فقال: عبد الله: «جردوا القرآن» (3).

وهذان الأثران عنه يدلان على أن مراده تجريد القرآن حال القراءة، وليس تجريد المصحف، لكن من جاء بعدهم من التابعين وغيرهم خرَّج على قولهم، فكل من استدل بقول عمر أو ابن مسعود نقول له: هذا تخريج على قولهم وليس هو مراد قولهم، ففي عهد عمر (ت23هـ) وابن مسعود (ت32هـ) لم يكن هناك نقط ولا شكل ولا غيره مما يدل على أنهم لم يريدوا ما استدل به بعض المتأخرين على كلامهم.

(1) أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب العلم، برقم (353).

(2)

أخرجه النسائي، كتاب عمل اليوم والليلة؛ برقم (10734).

(3)

المصنف، كتاب فضائل القرآن (30884).

ص: 60