المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الوجه الثالث عشر - شفاء العليل في اختصار إبطال التحليل

[بدر الدين البعلي]

الفصل: ‌الوجه الثالث عشر

فإذا تأَملَ اللبيبُ هذه الأحاديث علمَ أن الاعتبار بحقيقة العقودِ ومقاصدها التي تؤول إليها والتي قُصِدت بها، وأن الاحتيال لا تُرْفع به هذه الحقيقة، وهذا بيِّن إن شاء الله تعالى.

‌الوجه الثالث عشر

(1)

: أن المقاصد والاعتقادات معتبرةٌ في التصرُّفات والعادات، كما هي معتبرة في العبادات والتقرُّبات، فتجعلُ الشيءَ حلالًا أو حرامًا، أو صحيحًا أو فاسدًا، أو صحيحًا من وجهٍ فاسدًا من وجه، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبَّة، أو محرمة أو صحيحة أو فاسدة.

ودلائل هذه القاعدة كثيرة:

منها قوله - سبحانه -: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، وقوله:{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231]، فإنه نصٌّ في أن الرَّجعة إنما تثبت لمن قَصَد الصلاح دون الضرار.

ومنها: قوله - تعالى -: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا

} إلى قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} إلى قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 229، 230]، فإنه دليل على أن الخُلْع المأذون فيه إذا خيف ألا يقيم الزوجان حدودَ الله. وأن النكاح الثاني إنما يُبَاح إن ظنَّا أن يُقيما حدود الله.

(1)

"الإبطال": (ص/ 85) وهو هناك الوجه الثاني عشر، وسبق التنبيه على سبب ذلك.

ص: 55

ومنها: قوله - سبحانه -: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12]، فقدَّم على الميراث وصيَّةَ من لم يُضارَّ الورثة

(1)

.

وقد لعن رسول الله عاصر الخَمْر

(2)

، ومعلومٌ أنه إنما يعصر عنبًا، ولعن بائعها، فتكون الأجرة على عصرها حرامًا، فتكون باطلة.

وفي معناه نَهْيه عن بيع السلاح في الفتنة

(3)

(153/ ب)، وكذا كل بيعٍ أو إجارةٍ أو هبةٍ أو إعارةٍ تُعينُ على معصية إذا ظهر القَصْد، وإن جاز أن يزول قصد المعصية، مثل بيع السلاح للكفار أو للبغاة، أو لقاطع الطريق، أو لأهل الفتنة. وبيع الرقيق لمن يعصي الله فيه، إلى غير ذلك.

فإن ذلك قياس بطريق الأولى على عاصر الخَمْر، ومعلوم أنه

(1)

تتمة الكلام: "فإذا وصى ضرارًا كان ذلك حرامًا، وكان للورثة إبطاله، وحَرُم على الموصَى له أخذه بدون رضاهم".

(2)

فيما أخرجه أحمد: (8/ 405 رقم 4787)، وأبو داود رقم (3674)، وابن ماجه رقم (3380) وغيرهم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

والحديث صححه ابن السكن، وشيخ الإسلام في الأصل.

(3)

أخرجه البيهقي في "الكبرى": (5/ 327)، والطبراني في "الكبير":(18/ رقم 286)، والعقيلي في "الضعفاء":(4/ 139)، وابن عدي في "الكامل":(2/ 51) من طريق بكر بن كنيز السقاء عن عبد الله اللقيطي عن أبي رجاء عن عمران بن حصين قال: فذكره، وفيه بحر السقاء، ضعَّفه غير واحد. وأُعلّ الحديث بالوقف. انظر:"نصب الراية": (3/ 391)، و"التلخيص":(3/ 20)، و"الإرواء":(5/ 135 - 136).

ص: 56

إنما استحقّ اللعنة وصارت إجارته وبيعه باطلًا إذا ظهر له أن المشتري والمستأجر يريد التوسُّل بماله ونفعه إلى الحرام، فيدخل في قوله:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

ومن لم يُراعي المقاصد في العقود، يلزمه ألا يلعن عاصر الخَمْر، وأن يجوز له أن يعصر العنب لكلِّ أحدٍ، وإن ظهر له أنه يتخذه خَمْرًا، لجواز تبدُّل الاسم، ولعدم تأثير القَصْد عنده في العقود، وقد صرَّحوا بذلك، وهذا مخالفةٌ بيِّنة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يؤيِّد ذلك: ما روى ابنُ بطة بإسناده عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حَبَس العنبَ أيَّامَ القِطافِ حتَّى يبيعَه من يهوديٍّ أو نصراني، أو من يتخذه خمرًا فقد تقَحَّم النارَ على بصيرة"

(1)

.

ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "صَيْدُ البرِّ لكم حلالٌ وأنتم حُرُم ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم" رواه الخمسة إلا ابن ماجه

(2)

.

(1)

أخرجه الطبراني في "الأوسط": (5/ 294)، وابن حبان في "المجروحين":(1/ 236).

قال أبو حاتم في "العلل": (1/ 389): "هذا حديث كذب باطل".

(2)

أخرجه أحمد: (23/ 171 رقم 14894)، وأبو داود رقم (1851)، والنسائي:(5/ 187)، والترمذي رقم (846) وغيرهم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

وفي سماع المطلب بن عبد الله راوي الحديث عن جابر كلام، قال الترمذي: لا نعرف له سماعًا عن جابر، وقال الشافعي: هذا أحسن حديث في هذا الباب وأقْيَس، وصححه ابن خزيمة رقم (2641).

ص: 57

وكذلك حديث الصعب بن جثَّامة

(1)

. فلما حرَّم الصيدَ عند قصده المُحْرِم وأباحَه عند عدم قَصْدِه المُحْرِم؛ عُلِم أن النيةَ حرَّمَتْ وأثَّرت فيه بالتحليل أو التحريم، فيعلم بذلك أن القصدَ مؤثِّر في تحريم العين التي تُباح بدون القصد، وإذا كان هذا في الأفعال الحِسِّيَّة؛ ففي الأقوال والعقود أولى.

فعُلِمَ أن من حرَّم اللهُ عليه امرأتَه بعد الطلاق، وأباحها له إذا تزوَّجت بغيره، فهو بمنزلة من حرَّمَ اللهُ عليه الصيد، وأحلَّه له إذا ذَبَحه غيره، فإذا كان ذلك الغير إنما قصد بالنكاح أن تعود إلى الأوَّل؛ فهو كما إذا قصد ذلك الغير بالذبح أن يَحِلَّ للمُحْرِم، فإنَّ المناكح والذبائح من بابٍ واحد.

ويؤيّد ذلك - أيضًا -: ما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تزوَّج امرأةً بصَدَاق ينوي أَنْ لا يؤدِّيَه إليها، فهو زانٍ. ومن ادَّان دينًا ينوي أن لا يَقْضِيَه، فهو سارقٌ"

(2)

. فجعله زانيًا وسارقًا إذا قَصَد أن لا يؤدِّي العِوَض. رواه أبو حفص العكبري.

يؤيده: ما روى البخاري

(3)

: "من أَخَذَ أموالَ (154/ أ) الناسِ يريدُ أداءَها أدَّاها اللهُ عنه، ومن أخذها يريدُ إتلافَها أَتْلَفَه الله".

(1)

أخرجه البخاري رقم (1825)، ومسلم رقم (1193).

(2)

أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير": (1/ 258)، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" رقم (272).

وهو حديث ضعيف، انظر "العلل المتناهية":(2/ 623 - 624).

(3)

رقم (2387).

ص: 58

فهذه النصوص كلُّها تدلُّ على [أنَّ] المقاصد تُغيِّر أحكام التصرُّفات من العقود وغيرها.

من ذلك: أنه لو قضى عن غيره دَيْنًا أو أنفق عليه نفقةً واجبةً، ونحو ذلك، ينوي التبرُّعَ = لم يملك الرجوعَ، وإن لم يَنْو فله الرجوع إن علم إذنه وفاقًا، وبغير إذنه على خلاف فيه.

ومن ذلك: أن الله حرَّم أن يدفع الرجلُ إلى غيره مالًا ربويًّا بمثله على وجه البيع إلا أن يتقابضا، وجوَّزه على وجه القرض.

وكذا لو باعه درهمًا بدرهمين كان ربًا محرَّمًا، ولو باعه درهمًا بدرهم، ووهبه درهمًا هبةً مطلقة لا تعلُّق لها بالبيع ظاهرًا ولا باطنًا كان ذلك جائزًا. فلولا اعتبار المقاصد لأمْكن كلُّ مُرْبٍ إذا أرادَ بيعَ ألفٍ بألفٍ وخمسِ مئة أن يقول: بعتُكَ ألفًا بألف ووهبتك خمس مئة، ولم يبقَ لتحريم الربا فائدة.

ولا يجوز أن يظن أن الأحكام إنما اختلفت لاختلاف اللفظ، بل لما اختلفت المقاصد اختلفت الأسماءُ والأحكام، وإنما المقاصد حقائق الأفعال وقوامها، و"إنما الأعمال بالنيات".

ويدلُّ على ذلك عقودُ المكره وأقواله، مثل: بيعِه وقرضِه ورهنه، ونكاحه وطلاقه ورجعته، ويمينه ونذره، وشهادته وحكمه وإقراره ورِدَّتِه، وغير ذلك من أقواله، فإن هذه كلها مُلْغاة منه، وأكثرها مُجمع عليها، وقد دلَّ على بعضها القرآنُ، مثل قوله - تعالى -:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] ،

ص: 59

وقوله: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28].

والحديث: "عُفِيَ لأُمتي عن الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه"

(1)

، وقوله:"لا طلاق ولا عِتاق في إغلاق"

(2)

أي: إكراه.

فالمكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولم يثبت الحكم في حقه؛ لعدم قصده وإرادته بذلك [اللفظ]، فعُلِمَ أن نفس اللفظ ليس مقتضيًا للحكم اقتضاء الفعل أثره، فإنه لو قَتَل أو غَصَب أو أَتْلف أو بَخَس [البائع]

(3)

مكرهًا، لم نَقُل: إن ذلك فاسد، بخلاف ما لو عَقَد.

فكذلك المحتال لم يقصد الحكمَ [المقصود] بذلك اللفظ الذي احتال به، وإنما قَصَد معنًى آخر؛ من التوسُّلِ إلى الربا أو

(1)

هذا الحديث جاء معناه عن عددٍ من الصحابة؛ ابن عباس، وابن عمر، وعقبة بن عامر، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وثوبان، وأبي بكرة. بألفاظٍ مختلفة، أقربها إلى لفظ المصنِّف: ما أخرجه ابن الجوزي في "التحقيق": (2/ 293)، من طريق سعيد بن منصور ثنا خالد بن عبد الله عن هشام عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل عفا لكم عن ثلاث

فذكره.

وأقوى هذه الأحاديث حديث ابن عباس بلفظ: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ

" أخرجه ابن حبان "الإحسان": (16/ 202)، والدارقطني:(4/ 170)، والبيهقي:(7/ 356) وغيرهم.

وانظر في الكلام على الحديث: "نصب الراية": (2/ 64)، و"المعتبر" رقم (113)، و"موافقة الخُبر الخَبر":(1/ 510).

(2)

أخرجه أحمد: (6/ 276)، وأبو داود رقم (2193)، وابن ماجه رقم (2046)، والحاكم:(2/ 198)، والبيهقي:(7/ 357) وغيرهم، وصححه الحاكم.

(3)

في الأصل و (م): "الما"! والمثبت من "الإبطال".

ص: 60