الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومعلوم أنَّ الرجل لو تزوَّج المرأةَ ليُقيم عندها ليلةً أو ليلتين ثم يفارقها بوليٍّ وشهود وغير ذلك؛ كان سفاحًا، وهو المتعة، فإذا لم يكن له غرض معها، ألَم يكن أولى باسم السِّفاح؟!.
وكذلك إنما أوجبَ الشُّفْعةَ للشريك لما فيه من الضرر بالشركة على الشريك فأثبت له الأخذ؛ ليزول ضرره، فإذا سوغ الاحتيال على إسقاطها، أَلَم يكن فيه بقاء فساد الشركة والقِسْمة وعدم صلاح الشفعة؟!.
وكل موضع ظهرت حكمته أو غابت، فلا يشك مُسْتبصر أن الاحتيال يبطل تلك الحكمة التي قصدها الشارع، فيكون ذلك مناقضًا للشارع ومحادة له.
واعتبر ذلك بسياسة الملوك، بل بسياسة الرجل في بيته، فإنه لو عارضَه بعضُ الأذكياء المحتالين في أوامره ونواهيه، بإقامة صورها دون حقائقها، لعلم أنه ساعٍ في فساد أوامره.
وأظن أن كثيرًا من الحِيَل إنما استحلَّها من لم يفقه حكمة الشارع، ولو هُدِيَ (166/ أ) رشدَه لسلَّم لله ورسوله، وأطاع الله ظاهرًا وباطنًا في كل أمره، وعلم أن الشرائع تحتها حِكَم لم يهتد هو لها، فما كان يفعل شيئًا يعلم أنه مزيل لحكمة الشارع.
الوجه الخامس والعشرون:
أن الله - سبحانه - سدَّ الذرائع المفضية إلى المحارِم، بأن حرَّمها ونهى عنها، والذريعةُ ما كان وسيلةً وطريقًا إلى الشيء، لكن صارت في عُرف الفقهاء عبارة عما
أفْضَت إلى فعلِ محرَّمٍ، ولو تجرَّد عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعةَ الفعل الذي ظاهره الإباحة وهو وسيلة إلى فِعل المحرَّم.
ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرَّم غالبًا، فإنه يحرَّمها مطلقًا، وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تُفْضي، لكن الطبعُ متقاضٍ لإفضائها.
وأما إن كانت إنما تُفضي أحيانًا، فإن لم يكن فيها مصلحة راجحة على هذا الإفضاء القليل وإلا حرَّمها - أيضًا - فقد حرَّم الشارعُ الذرائعَ وإن لم يُقْصَد بها المحرم، خشيةَ إفضائها إلى المحرَّم، فإذا قُصِد بالشيء نفس المحرَّم كان أولى بالتحريم من الذرائع، وبهذا تظهرُ علةُ التحريم في مسائل العِينة وأمثالها، وإن لم يقصد البائع الرِّبا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قَصْد الربا، فيصير ذريعة، فيسد هذا الباب.
وللشريعة أسرار في سدِّ الفساد وحَسْم مادة الشر؛ لِعِلْم الشارع بما خَفِيَ على النفوس من خَفِيِّ هواها الذي لا يزال يسري فيها حتى يقودها إلى الهَلَكة، فمن تَحَذْلَق على الشارع وقال في بعض المحرمات: إنما حرَّمها لعِلَّةِ كذا، وهي مفقودة هنا، فاستباح ذلك بهذا التأويل؛ فهو ظلوم لنفسه جهول بأمر ربِّه.
وهذا إن نجى من الكفر لم ينج غالبًا من بدعة أو فسق، أو قِلَّة فقه في الدين وعدم بصيرة، وشواهد هذه القاعدة أكثر من أن تُحْصَر، فنذكُر بعض ما يَحْضر:
فالأول: قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، فحرَّم سبَّ الآلهة مع أنه عبادة؛ لكونه ذريعة إلى سبِّهم لله سبحانه وتعالى؛ لأن مصلحة تركهم سبَّ الله - سبحانه - راجحة على مصلحة سبِّنا لآلهتهم.
الثاني: ما روى حميد بن عبد الرحمن
(1)
عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من الكبائر شَتْم الرجلِ والديه"، قالوا: يا رسول الله وهل يسب الرجل والديه؟ قال: "نعم يَسُبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه ويسبُّ أُمَّه فيسبُّ أُمَّه" متفق عليه
(2)
.
الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم كان يكُفُّ عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة؛ لئلا يكون (166/ ب) ذريعةً إلى قول الناس: إن محمدًا يقتلُ أصحابَه؛ لأنه يوجب النفورَ عن الإسلام.
الرابع: أنَّ الله حرَّم قليلَ الخمر، وحرَّم اقتناءها للتخليل؛ لئلا تُفْضي إباحة مقاربتها إلى شربها، ثم إنه نهى عن الخليطَيْن، وعن شرب العصير بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي لا يعلم بتخمير النبيذ فيها؛ حَسْمًا لمادة ذلك، وإن كان في بعض ذلك خلاف، وقال:"لو رخَّصْتُ لكم في هذه لأَوْشَكَ أن تَجْعَلُوها مثلَ هذه"
(3)
.
(1)
وقع في "الأصل" و (م): "حميد بن عبد العزيز"، وهو خطأ، صوابه ما أثبت من "الإبطال" و"الصحيحين".
(2)
أخرجه البخاري رقم (5973)، ومسلم رقم (90).
(3)
قطعة من حديث وفد عبد القيس، أخرجه أحمد:(24/ 327 - 330 رقم 15559)، والبخاري في "الأدب المفرد":(ص/ 349) بنحوه.
الخامس: أنه حرَّم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسَّفَر بها ولو في مصلحة دينية؛ حَسْمًا لمادة ما يحاذر من تغير الطِّباع وتشبه الغير
(1)
.
السادس: أنه نهى عن بناء المساجد على القبور، ولَعَنَ من فَعَلَ ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى اتخاذها أوثانًا
وحرَّم ذلك على من قَصَد هذا ومن لم يَقْصِدْه بل قَصَد خلافَه؛ سدًّا للذريعة.
السابع: أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها؛ لما فيه من التشبُّه بالكفار. والتشبُّهُ بالشيءِ ذريعة إلى أن يُعْطَى بعض أحكامه، فقد يُفضي ذلك إلى السجود للشمس.
الثامن: أنَّه نهى عن التشبُّه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة مشهورة
(2)
؛ وذلك لأن المشابهة في بعض الهَدْي الظاهر توجب المقاربة ونوعًا من المناسبة، تُفضي إلى المشاركة في خصائصهم التي انفردوا بها عن المسلمين، وذلك يجرُّ إلى فسادٍ عظيم.
(1)
كذا في "الأصل"، و (م):"وغلبة الفتنة"، و"الإبطال":"وشبه الغير".
(2)
ذكر شيخ الإسلام في "الإبطال" عددًا منها، وأفرد لمسألة التشبه كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم"، وقد اختصره المؤلف وسمَّاه:"المنهج القويم"، وطبع ضمن هذه السلسلة "آثار شيخ الإسلام
…
".
التاسع
(1)
: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذى أرسل معه بهَدْيه إذا عطب شيءٌ منه دون المحلّ أن ينحره ويصبغ نعلَه بدمه، ويخلَّي بينَه وبين المساكين، ولا يأكل هو منه ولا أحد من أهل رفقته
(2)
؛ لئلا يُفضي ذلك إلى أن يقصِّر في عَلْفها وحِفْظها.
العاشر: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين أختها، وقال:"إنَّكم إذا فَعَلْتُم ذلك قَطَعْتُم أَرْحامكم"
(3)
، ولو رَضِيَتا لما جاز؛ لأن الطباع تتغيَّر، فيكون ذلك ذريعة إلى فِعْل القطيعة المحرَّمة.
ولذلك حرَّم الزيادة على أربع؛ لما فيه من الذريعة إلى الجَوْر بينهنَّ في القَسْم؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)} [النساء: 3]، وهذا نصٌّ في اعتبار الذريعة.
11 -
وكذلك حَرَّم خطبة المعتدَّة.
(1)
هو في "الإبطال": (ص/ 266 - 267) الوجه الثلاثون، وما بعده هو التاسع في "الإبطال":(ص/ 260).
(2)
أخرجه مسلم رقم (1325) من حديث أبن عباسٍ رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه البخاري رقم (5109)، ومسلم رقم (1408) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ورواه الطبراني في "الكبير": (11/ رقم 11931)، وابن حبان "الإحسان":(9/ 426) من حديث ابن عباس وزاد فيه: "إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم".
تنبيه: رواية ابن حبان بلفظ الخطاب للنساء "إنكن إذا فعلتن
…
"، ورواية الطبراني بالميم كما تقدم.
12 -
وعَقْد النكاح حال العِدَّة والإحرام.
13 -
واشترط للنكاح شروطًا زائدة على حقيقة العقد.
14 -
ونهى أن يجمع الرجل بين سلفٍ وبيع.
15 -
ونهيه عن العِيْنة.
16 -
ومَنَع المُقْرِض من قبول الهدية.
17 -
وَمَنْع القاتل الميراث.
18 -
وتوريث المطلقة في مرض الموت حيث يُتَّهم
(1)
.
19 -
وقَتْل الجماعة بالواحد.
20 -
ونَهْيه عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين، وعن صوم يوم العيد، وعن صوم يوم الشكِّ؛ لئلا يُلحَق بالفرض ما ليس منه.
21 -
وكراهة الصلاة إلى ما عُبِد من دون الله.
22 -
ومَنَع المسلمين أن يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم: راعِنا.
23 -
وأَوْجَب (167/ أ) الشُّفْعة؛ سدًّا لمفسدة ما يحصل بسبب الشركة من المعاصي.
24 -
وأَمَر نَبيَّه أن يحكم بالظاهر، مع إمكان الوحي إليه باطنًا.
25 -
ومَنَعه لما كان بمكة من الجهر بالقرآن.
(1)
بقصد حرمانها من الميراث.
26 -
وأَوْجَب إقامة الحدود؛ سدًّا للتذَرُّع إلى المعاصي.
27 -
وأمر
(1)
بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف؛ خوفًا من تفريق القلوب.
28 -
وكراهة إفراد رجب ويوم الجمعة وأيام أعياد الكفار [بالصوم]
(2)
.
29 -
وشَرَط على أهل الذمة شروطًا يخالفون المسلمين في زيِّهم، في اللبالس والشعر وغيره، لئلا يُعامَلُوا معاملةَ المسلم
(3)
.
وهذا بابٌ واسع لا يكاد ينضبط، وإنما ذكرنا ما هو متفق عليه، أو منصوص عليه، أو مأثور عن الصدر الأول.
وفي بعض هذه الأحكام حِكَم أخرى غير الذرائع، وإنما المقصود أن الذرائع مما اعتبره الشارع، وهذا بيِّن لمن تأمَّله، والله الهادي إلى سواء الصراط.
ولا شكَّ أن تجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع يسدُّ الطريق إلى المحرَّم بكل حالٍ، والمحتال يريد أن يتوسّل إلى ذلك.
(1)
في "الإبطال": "سن الاجتماع".
(2)
سقطت من الأصل، والإكمال من (م) و"الإبطال".
(3)
وبقي من شواهد هذه القاعدة الوجه التاسع عشر (في الإبطال: 263) وبه يكمل ثلاثون وجهًا، وهو: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحدود بدار الحرب، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اللحاق بالكفار.