الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثانى إلزام القرآن للماديين والمليّين
1 - معنى المادة والماديين
كثر إطلاق المادة على مجموع الأجرام التى يتألف منها العالم المشاهد، وعلى ذلك فالماديون هم الذاهبون إلى نفى كل موجود سوى المادة المذكورة، وأن وصف الوجود مختص بما يدرك بالحواس الخمس، لا يتناول شيئا وراءه، ويقال لهم: الطبيعيون، وذلك أنهم سئلوا عن منشأ الاختلاف فى صور المواد وعوارضها، والتنوع الواقع فى آثارها، فنسبوه إلى طبيعة هذه الأشياء، ومن زعمهم أن المادة وجدت بنفسها، ويستحيل أن تكون من العدم، قالوا: لأن العقل لا يمكن أن يتصور مادة تتلاشى إلى درجة العدم، فكيف يحكم بوجودها فى زمن من الأزمان فى حالة لا يمكن أن تصير إليها، وزعموا أن العالم لم يزل ولا يزال لا يتغير ولا يضمحل، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التى فيه، إلى آخر مفترياتهم وادعاءاتهم الفارغة.
وقد بطل قولهم: أن العقل لا يمكن أن يتصور مادة تتلاشى إلى درجة العدم، بما ثبت فى هذه الأيام عن طريق الحس والتجربة من تحول المادة وتلاشيها إلى قوة صرفة، ومعنى محض.
وبما أنهم قالوا بأزلية المادة، فقد أنكروا الخالق، وبما أنهم قالوا بعدم زوال هذا العالم، وأنه لا يضمحل أبدا، فقد أنكروا البعث، وبضرورة الحال ينكرون رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم.
هذا وقد أبطل العلماء قدم المادة، حيث قالوا (1): ومما أحال قدم المادة، أن القديم لا بدّ من كونه كاملا، موجودا بذاته، لا يقبل تغيرا، هذه أخص أوصافه، وذلك لأنه لو كان غير كامل، للزم أن يتكامل بغيره متصاعدا، حتى يصل إلى كائن كامل فى ذاته، لا يفتقر إلى غيره، ولو كان غير موجود بذاته، للزم أن يكون له علة قد أوجدته، فلا يكون أزليا، ولو كان يقبل التغير، لتواردت عليه البدايات والنهايات، فكان غير قديم.
(1) من كتاب دلائل التوحيد، للعلامة القاسمى، بتصرف.
وأوصاف القديم هذه لا تنطبق على المادة بوجه؛ لأن المادة ناقصة تتكامل دائما وأبدا، متعددة، ليس لها وجود من ذاتها، تتغير وضعا، وفعلا، واتصافا، إذ يتعلق الواحد فيها بالآخر، مما يجره إليها كل من التدافع والتجاذب، وحينئذ فلا تكون المادة قديمة، ومعنى ذلك أن المادة حدثت من العدم.
فإن قال قائل: كيف تحدث المادة من العدم؟ قلنا: قال بعض المحققين: دعوى أن الحدوث من العدم محال، يقال عنها: إنها محال بنفسها، لا بفعل قادر أزلى، وعدم إدراكنا لذلك وكونه مما يفوق طور العقل لا ينفيه، إذا لا يلزم من جهل الأمر نفيه، وقد اعترف الماديون بتعذر معرفة أصل المادة، وكم من أشياء مشهورة يعسر على الإنسان إدراك حقيقتها، وكما أنه لا يحق لمن لا يبصر أمرا أن ينكر وجوده، فهكذا ليس لمن لم يفهم حقيقة الخلق أن ينكر وجوده، لا سيما وهى من غيب الغيوب، وأبطن البطون. وقال آخر: لا يخفى أن الاعتراض يرجع إلى هذا، وهو لا شىء يصير من لا شىء.
فنقول: إن أريد به أنه لا موجود بدون موجد، فهو صحيح إجماعا، وأما إذا كان المراد به لا شىء، يمكن أن يصدر من لا مادة، ففيه تفصيل، فبالنظر إلى الأسباب المتناهية القوى التى تشاهد فى عالم الحس، لا خلاف فيه؛ لأن الخليفة أيا كانت لا تقدر أن تصنع من لا شىء شيئا.
وأما بالنظر إلى الخالق جل وعلا، فباطل، إذ من شأن القوة غير المتناهية إلا تتقيد بشيء خارج عنها، فيمكنها أن توجد الشيء من العدم البحت، أى لا من مادة كيفما شاءت، ومتى شاءت، وإلا كانت متناهية محدودة، وذلك محال عليها، ولا يلزم من قدمه تعالى قدم المخلوقات، إذ هو تعالى فاعل مطلق، لا يضطره شىء، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82]. أ. هـ.
هذا موقف العقلاء من بيان فساد مذهب الماديين فى إنكارهم الخالق جل وعلا، والبعث، ونبوّة خاتم الأنبياء. أما موقف القرآن، فقد ألزم كل مكلف من إنس وجن، ذكر وأنثى، بهذه المطالب الثلاثة، وفى أوائل سورة البقرة بيان لها، ففي قوله سبحانه:
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]، إيمان بالخالق وتوحيده، وفى قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4]، إيمان بنبوّة محمد والأنبياء جميعا، عليهم الصلاة والسلام، وفى قوله جل شأنه: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4]، إيمان بالبعث والمعاد.
وقد خص هذا بالذكر بعد دخوله فى قوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]، لمزيد العناية به، ورفعة شأنه، وقد بينت الآية بعد ذلك فى قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 5]، أن هؤلاء المؤمنين بهذه المطالب الثلاثة، هم المتمكنون من الهدى الإلهى، وأنهم دون غيرهم المفلحون، الظافرون بكل محبوب، الناجون من كل مكروه. وقد سلك القرآن الكريم فى إثبات هذه المطالب عليهم، وإلزامهم بها، طريق النظر والفكر، فبه يتوصل إلى العلوم، ويهتدى إلى الحقيقة.
قال جمال الدين الخوارزمى فيما نقله عنه العلامة القاسمى: النظر هو قانون الاستدلال فى الأمور، وقاضى الصدق، وبرهان الشريعة، وترجمان الإيمان، وحجة الأنبياء، ومحجة الأولياء، والسيف القاطع على الأعداء، وهو رأس السعادة فى الدين، فأساس التدبير، وصحة الاعتقاد، وخلاصة التوحيد فى ناصية النظر، كما أن أساس الكفر والشرك فى جانب التقليد.
وما دام فى العالم حق وباطل، ولكل منهما مشايعون، فلا يتصور معرفة الحق من الباطل إلا بالنظر، والإنسان خلق كامل الرأى، عظيم الفكر، دراكا للمعانى، وأعطى الإدراك وهو العقل، فإذا استعمله على وجهه، وقع عنده العلم للمنظور فيه، كما يقع العلم بالمدركات عند الإدراك، فعند فتح الأجفان يبصر الأشياء، وعند الاستماع يسمع، وعند استعمال اللسان يتكلم، كذلك عند النظر يعلم.
فنحن معشر المسلمين نعرف الحق من الباطل بالنظر، ونعرف الكفر من الإيمان بالنظر، ونعرف الله ورسوله بالنظر، ونعرف أن التقليد بلا برهان باطل، ولا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل ذلك بالنظر، وبالجملة فالناس من عهد آدم، عليه السلام، إلى منقرض العالم، إذا نزلت بهم نازلة يرجعون إلى النظر والفكر، سواء كان فى أمر الدين أو الدنيا، ويقول بعضهم لبعض: انظروا وتفكروا، فلولا أنه طريق واضح، ومنهج لائح، لما فزعوا إليه. أ. هـ. بتصرف.
ونحن نسير مع القرآن الكريم فى إثبات وبيان هذه المطالب الإيمانية الثلاثة:
المطلب الأول: وجود الصانع وتوحيده:
الآيات فى هذا المطلب كثيرة جدا، فهى أكثر من أوراق الأشجار، كما أنها أجلى من ضياء النهار، وسوف نقتصر من هذه الكثرة على النذر اليسير؛ لاقتضاء المقام ذلك،
وسوف نجعلها تحت عناوين أربعة، وإن كان بعضها يتداخل فى البعض الآخر.
أولا: آيات فى خلق الإنسان ونشأته.
ثانيا: آيات فى إمداده بما يحتاج إليه من رزق وطعام.
ثالثا: آيات فى بعض مظاهر الكون.
رابعا: آيات فى مظاهر التدبير الإلهى فى أحوال الإنسان الخاصة.
ثم بعد ذلك نذكر ما سبق به العلامة ابن رشد من الكشف عن المنهج القرآنى الذى سلكناه واخترناه، وهاك التفصيل:
أولا: خلق الإنسان:
الإنسان آدم أبو البشر، أول موجود على ظهر البسيطة، وأول نبى نزل عليه الوحى، كان خلقه من تراب، ولا يغيب عن البال ما قدمناه من إبطال أزلية المادة، وأنها لم توجد بنفسها، بل أوجدها الفاعل المختار، وعلى ذلك فآدم من تراب، والتراب مخلوق من العدم، ثم تحول التراب بعد صب الماء عليه إلى طين، فصار هذا الطين حمأ مسنونا، طينا متغيرا، ثم جف هذا الحمأ المسنون فصار صلصالا كالفخار، ثم سوى الله جل جلاله صورة آدم، عليه السلام، من هذا الفخار، ثم نفخ فيه من روحه، فكان إنسانا أصلا لأبنائه الموجودين عموما إلى أن تنتهى الدنيا.
ولا نريد أن نذكر هذا للماديين، فهم لا يصدقونه؛ لأنه غيب، ولا يؤمن بالغيب إلا المؤمنون الصادقون، وإنما نريد أن نذكر لهم كيف كان خلق ذرية آدم من بعده، فذلك محسوس لهم ومشاهد، فتكون الدلالة فيه ألزم، والحجة فيه أقوى. وسوف لا نتعرض لتفسير الآيات المسوقة إلا بالقدر الذى يتضح به المراد، وتظهر عنده الحقيقة.
كيفية خلق الذرية: قال الله تعالى فى سورة المؤمنون: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: 12 - 14].
إن الماديين لا يستطيعون أن ينكروا هذه الأطوار فى خلق الذرية بحال من الأحوال، ولا يمكنهم أن يدفعوا منها شيئا، اللهم إلا إذا أمكن أن تنكر الشمس وهى طالعة، وينكر سواد الليل وبياض النهار.
قال المفسرون فى بيان مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله تعالى أمر بالعبادات فى أول السورة، حيث قال جل ذكره: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [المؤمنون: 1، 2]، إلى قوله تعالى: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ [المؤمنون: 11]، ولما كان الاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفته سبحانه، عقبها بذكر ما يدل على وجوده، واتصافه بعنوان الجلال والكمال، فذكر الاستدلال بتقلب الإنسان فى أدوار الخلقة، وأدوار الفطرة.
فقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ، أى آدم مِنْ سُلالَةٍ، أى خلاصة مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] (1) ثُمَّ جَعَلْناهُ، أى نسله، فحذف المضاف، نُطْفَةً، أى منيا من الصلب والترائب فِي قَرارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: 13]، وهو الرحم، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، أى صيرنا النطفة البيضاء علقة، أى قطعة دم حمراء، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، أى صيرنا قطعة الدم الحمراء قطعة لحم قدر ما يمضغ، لا شكل فيها ولا تخطيط، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، أى جعلناها عظاما من رأس ورجلين وما بينهما، يعنى أصبحت ذات شكل مخصوص، ووضع معين، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً، أى كسونا بما لنا من قوة الاختراع تلك العظام لحما بما ولدنا منها ترجيعا لحالها قبل كونها عظاما، وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: 14]، مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها، حيث جعله حيوانا وكان جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا وكان أصم، وبصيرا وكان أكمه، وأودع ظاهره وباطنه، بل كل عضو من أعضائه، وكل جزء من أجزائه، عجائب وغرائب لا تدرك بوصف الواصف، ولا تبلغ بشرح الشارح.
وإذا كان لنا أن نتكلم عن تفاوت العطف بالفاء وثم، فإنا نقول: إن المعطوف بكلمة «ثم» مستبعد حصوله مما قبله، وهو المعطوف عليه، فجعل هذا الاستبعاد عقلا أو رتبة بمنزلة التراخى والبعد الحسّى؛ لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب، وكذا جعل النطفة البيضاء دما أحمر، وهذا بخلاف جعل الدم لحما، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً [المؤمنون: 14]، وبخلاف تصليب المضغة وجعلها عظاما المنبئ عنه قوله تعالى:
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، وكذا مد اللحم على العظم ليستره، المصرح به فى قوله
(1) من العلماء من يرى أن المراد بالإنسان بنو آدم، وخلقهم من سلالة من طين، أى خلاصة من الأغذية التى مصدرها التربة.
سبحانه: فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [المؤمنون: 14].
فإن العطف فى هذه المواضع الثلاثة كان بالفاء؛ لأن المعطوف فيها ليس ببعيد ولا غريب عن المعطوف عليه، وحينئذ فلا يعترض بما قيل: إن مدة كل طور أربعون يوما، وذلك يقتضى عطف الجميع بكلمة «ثم» إن نظر لآخر المدة وأولها، أو يقتضى العطف بالفاء إن نظر لآخرها فقط.
ووجه دفع الاعتراض ظاهر مما قدمنا، وهو أن المتعاطفات بكلمة «ثم» بينها غاية البعد العقلى، فنزل منزلة البعد الحسى الزمنى، وكان العطف ب «ثم» بخلاف المتعاطفات بالفاء، فلم يكن بينها هذا البعد العقلى، وإن كان بينها مطلق بعد، فجاءت الفاء على أصلها ووضعها للترتيب والتعقيب.
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: 14]، أى تنزه عن كل شائبة ونقص، وحاز جميع صفات الكمال، والمراد بالخالقين المقدرين، أى الصانعين، يقال لمن صنع شيئا: خلقه، إذا الخلق معناه إيجاد الشيء بتقدير معين ووضع مخصوص، فيقال لصانع الباب أو الكرسى مثلا: إنه خلقه، أى أوجده على شكل مخصوص وهندسة معينة، فكلمة الخلق لا تنفى عن البشر بمعنى الصنع، وإنما هى منفية عنهم بمعنى الاختراع، والإيجاد من العدم، فليس ذلك إلا لله الواحد القهار.
روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، فلما بلغ قوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: 14]، قال عمر، رضى الله عنه: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: 14].
وروى أن عبد الله بن سعد بن أبى السرح كان يكتب لرسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، فنطق بذلك قبل إملائه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:«اكتب، هكذا نزلت» ، فقال عبد الله: إن كان محمد نبيا يوحى إليه، فأنا نبى يوحى إلىّ، فلحق بمكة كافرا، ثم أسلم يوم الفتح (1).
نظائر لهذه الآية: لهذه الآية فى إيرادها المعنى السابق أشباه ونظائر من آى القرآن الكريم، جاءت بهذا المعنى بأساليب مختلفة، وجميع هذه الأساليب فى أعلى درجات الإعجاز، وتلك خصيصة القرآن، يأتى بالمعنى الواحد فى عدة مواضع بأساليب مختلفة،
(1) هذه الرواية ضعيفة؛ لأن السورة مكية.
والكل فى أعلى درجات البلاغة والإعجاز، وهذا ما تنقطع دونه الأعناق، من هذه الآية:
1 -
قوله تعالى فى سورة النحل: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل: 4]، تذكر هذه الآية مبدأ التطور فى خلق الإنسان، ثم نهايته، مع الإعراض عن المراحل والتطورات التى بينهما، والحكمة فى ذلك أن هذه السورة جاءت لتعديد نعم الله تعالى على خلقه، حتى سماها بعض المفسرين سورة النعم.
من أجل ذلك ذكرت الآية المبدأ الأول لتصوير الإنسان وتخليقه، ثم طوت المراحل المترتبة على هذا المبدأ، وأتت بالنتيجة والغاية، وهو أنه خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل: 4]، إذ أن ذلك فى باب تعداد النعم ظاهر، واضح، ومشاهد محسوس، ومما يدل على أن هناك وسائط وأطوارا فى الآية الكريمة، وجود فاء التعقيب، وإذا التى للمفاجأة، فإن كونه خصيما لا يعقب ولا يفاجئ كونه نطفة، والمعنى أنه قوى واشتد بتنقله فى هذه الأطوار، حتى أعقب ذلك وفاجأه أنه خصيم مبين، ومعنى أنه خصيم مبين، أى شديد الخصومة بينها يفصح عما فى نفسه بالنطق والبيان.
2 -
قوله تعالى فى سورة الزمر: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: 6]، تتصل هذه الجملة الكريمة بأول الآية قبلها: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [الزمر: 6]، فهى بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسى، إظهارا لما فيها من عجائب القدرة.
ومعنى قوله تعالى: خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [الزمر: 6]، أى حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عادية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف.
وأما قوله سبحانه: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: 6]، فقد قال أئمة التفسير إنها ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة التى هى غلاف الولد، وظلمة البطن.
أما أهل التشريح، فقد قالوا ما قرب من هذا، فقد جاء فى مجلة لواء الإسلام، العدد الثانى، شوال سنة (1387 هـ)(15) فبراير سنة (1964 م)، للأستاذ صلاح أبو إسماعيل، ما نصه: ثم نرهف السمع إلى علم الأجنة لنسمعه يقرر أن الجنين فى بطن أمه يكون محاطا بثلاثة أغشية صماء، لا ينفذ منها الماء، ولا الضوء، ولا الحرارة، ونرى هذا يلقى ضوءا على قوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: 6]. أ. هـ.
ولا نرى تفاوتا كبيرا بين الرأيين، فقد تكون المشيمة التى قال بها أئمة التفسير إحدى هذه الأغشية، ويعلوها الغشاءان الآخران.
3 -
قوله جل شأنه فى سورة عبس: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ [عبس: 17 - 23].
قال البيضاوى عند هذه الآية: دعاء عليه بأشنع الدعوات، وتعجب من إفراطه فى الكفران، وهو مع قصره يدل على سخط عظيم، وذم بليغ.
فإن قيل: الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز، فكيف يليق ذلك بالقادر سبحانه؟
والتعجب أيضا إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء، فكيف يليق ذلك بالعالم جل شأنه؟
فالجواب أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب؛ لبيان استحقاقه لأعظم العقاب، حيث أتى بأعظم القبائح، كقولهم إذا تعجبوا من شىء: قاتله الله ما أخبثه، وأخزاه الله ما أظلمه، وقيل: ما أكفره بالله ونعمه، مع معرفته بكثرة إحسانه إليه، وأيا ما كان فهو ذم وتقبيح للإنسان حيث أعرض عن النظر والتفكير.
قوله سبحانه: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [عبس: 18]، شروع فى بيان ما أنعم به عليه بعد المبالغة فى وصفه بكفران نعم خالقه، والاستفهام فيه للتقرير، أى إيقاف الإنسان الكافر على حال شأنه وتعريفه بها، وهى حال حقيرة لا تستدعى أن يكون كافرا متكبرا.
وذكر الجواب فى قوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ [عبس: 19]، لا يقتضى أن الاستفهام حقيقى؛ لأن المراد بهذا الجواب ما هو على صورته؛ لأنه بدل من قوله:
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [عبس: 18]، فكأنه قيل بادئ ذى بدء: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ [عبس: 19].
وقوله جل شأنه: فَقَدَّرَهُ [عبس: 19]، أى علقة، ثم مضغة، إلى آخر خلقه، وقيل سواه، كقوله: ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [الكهف: 37]، أى قدر كل عضو فى الكيفية والكمية، بالقدر اللائق لمصلحته، كقوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان: 2]، والفاء على هذه الأقوال للترتيب فى الذكر، لا فى الوجود الزمنى، إذ المعنى أنه خلقه مصاحبا للتقدير، وقوله سبحانه: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس: 20]،
يصح أن يكون المراد بالسبيل طريق خروجه من بطن أمه، فتكون «أل» عوضا عن الضمير، والمعنى: ثم سبيله، أى طريق خروج الإنسان من بطن أمه، يسره الله له، وسهل عليه خروجه، ويصح أن يكون المراد به أيضا السبيل العام، أى طريق الخير والشر، ويكون منصوبا على الاشتغال بفعل مقدر تقديره: ثم يسر السبيل يسره، فالضمير فى يسره للسبيل، أى سهل السبيل للإنسان، كقوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: 50].
وقوله جل وعلا: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس: 21] عد الإماتة من النعم؛ لأنها وصلته فى الجملة إلى الحياة الأبدية، والنعم المقيم، فَأَقْبَرَهُ أى جعله فى قبر يستره، وإنما لم يقل: فقبره؛ لأن القابر هو الدافن بيده، والمقبر هو الله تعالى، يقال: قبر الميت، إذا دفنه، وأقبره، إذا أمر غيره أن يجعله فى قبر، وكان القبر إكراما للإنسان، حيث لم يكن كغيره من بقية الحيوانات يلقى على الأرض عند موته تأكله الطير، والهوام، وتنهشه السباع.
وقد أشارت الآية إلى إيجاب المبادرة بتجهيز الميت من غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، بالفاء التى تفيد التعقيب من غير مهلة فى قوله: فَأَقْبَرَهُ.
وقوله تعالى: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [عبس: 22]، أى أحياه بعد موته للبعث، ومفعول شاء محذوف، أى شاء إنشاره، وأنشره جواب إِذا، وعبر بكلمة إِذا؛ لأن وقت المشيئة غير معلوم، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل، فتعلم أوقاتها من بعض الوجوه، ثم تفوض إلى المشيئة.
وقوله: كَلَّا [عبس: 23]، ردع للإنسان عما هو عليه من الكبر، والترفع، والإصرار على إنكار التوحيد والبعث، وعلى هذا تكون متعلقة بما قبلها، والوقف عليها حسن،
ويكون قوله سبحانه: لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ [عبس: 23]، سببا لهذا الردع، وهذا ما قاله الزمخشرى، وتبعه البيضاوى، وقيل: معناها حقا، وبه قال الجلال المحلى، وأبو السعود، وعليه تكون متعلقة بما بعدها، أعنى قوله: لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ [عبس: 23]، والوقف حينئذ قبيح.
وقوله تعالى: لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ [عبس: 23]، أى لم يفعل الإنسان من أول مدة تكليفه إلى حين إقباره ما أمره الله به مما افترضه عليه، فالضمير فى يَقْضِ للإنسان
بمعنى العموم، ويصح أن يكون راجعا إلى الإنسان الكافر فى قوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ [عبس: 17]، والمعنى عليه أن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمره به ربه من التأمل فى دلائل عجائب خلق الله تعالى (1).
ثانيا: آيات فى إمداد الإنسان بما يحتاج إليه من رزق وطعام:
قدمنا دلائل القرآن على الماديين فى إثبات وجود البارى بذكر خلق الإنسان، وتطوراته، وبيان نشأته، وهى وقائع محسوسة، وآيات ملموسة لا يتأتى لعاقل إنكارها، ولا يستطيع ذو فطرة سليمة أن يجحدها، اللهم إلا عند من خسر نفسه، وكفر بالضروريات والمشاهدات، وصدق الله إذ يقول: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان: 32].
ثم إن الله تعالى أمد الإنسان بإمدادات هى قوام حياته، وأصل غذائه ومعاشه، وأساس منافعه وحاجاته، هى أيضا براهين ودلائل على وجود الخالق سبحانه، منعما عظيما، وبرا رحيما، ومتفضلا دائم الفضل، عميم الكرم. ونسوق فيما يأتى بعض هذه الإمدادات، وتلك النعم، بيانا للضالين، وعظة وعبرة للمتقين.
(1) قبل أن ندع الحديث عن خلق الإنسان، أحب أن أشير إلى رأى علمى ساقه الدكتور جمال الدين حسين مهران، بكلية الصيدلة، جامعة القاهرة، ونشر فى جريدة الأهرام (28/ 8/ 1981) بيانا للآية الكريمة: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ:
يأمرنا الله أن ينظر الإنسان فى نشأته كى يحس بدلائل قدرة خالقه؛ ليستدل بذلك أن الذى أنشأه قادر على إعادة خلقه بعد موته. وقد خلق الإنسان من ماء متدفق يندفع من بين الصلب، وهو منطقة العمود الفقرى، والترائب وهى عظام الصدر.
وقد أبانت دراسات علم الأجنة الحديثة أن نواة الجهاز التناسلى والجهاز البولى فى الجنين تظهر بين خلايا الطبقة الجرثومية الوسطى الموجودة بين المنطقة الصدرية والمنطقة القطنية أو البطنية للعمود الفقرى، وتبقى الكلى فى مكانها، وتنزل الخصية إلى مكانها المعروف فى الصفن عند الولادة، وعلى الرغم من انحدار الخصية إلى أسفل، فإن الشريان الذى يغذيها بالدم طيلة حياتها يتفرع من الأورطية بحذاء الشريان الكلوى.
كما أن العصب الذى ينقل الإحساس إليها، ويساعدها على إنتاج الحيوانات المنوية، وما يصاحب ذلك من سوائل، متفرع من العصب الصدرى العاشر الذى يغادر النخاع الشوكى بين الضلعين العاشر والحادى عشر، مما يظهر أن الأعضاء التناسلية وما يغذيها من أعصاب وأوعية دموية تنشأ من موضع فى الجسم بين الصلب والترائب، أى بين المنطقة القطنية والمنطقة الصدرية للعمود الفقرى.
1 -
قال الله تعالى فى سورة عبس: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [عبس: 24 - 32].
تفسير إجمالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ، أى يوقع النظر التام بكل شىء يقدر عليه من بصر وبصيرة، إِلى طَعامِهِ [عبس: 24] الذى هو قوام حياته، كيف هيأ له أسباب المعاش ليستعد بها إلى المعاد.
وقوله تعالى: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا [عبس: 25]، بفتح الهمزة على البدل من طَعامِهِ بدل اشتمال، بمعنى أن صب الماء سبب فى إخراج الطعام، فهو أى إخراج الطعام، مشتمل عليه، أو بمعنى أن هذه الأشياء، أعنى صب الماء وشق الأرض، مشتملة على الطعام؛ لأن معنى قوله تعالى: إِلى طَعامِهِ إلى حدوث طعامه، فالاشتمال على هذا من باب اشتمال الثانى على الأول؛ لأن النظر والاعتبار إنما هو فى الأشياء التى يتكون منها الطعام لا فى الطعام نفسه، وقوله سبحانه: ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا [عبس: 26]، أى بعد مهلة من إنزال الماء شققنا الأرض بالنبات، الذى هو فى غاية الضعف عن شق أضعف الأشياء، فكيف بالأرض الصلبة؟! ثم سبب عن هذا الشق ما هو كالتفسير له، فقال تعالى: فَأَنْبَتْنا بما لنا من القدرة التامة فِيها حَبًّا [عبس: 27]، جمع حبة، بفتح الحاء، هو ما يحصده الناس ويدخرونه، كالقمح، والشعير، وأما الحبة، بكسر الحاء، فهو كل ما ينبت من البذور لا يحفل به، ولا هو يدخر، وقدم الحب على غيره من المذكورات؛ لأنه كالأصل فى التغذية.
وَعِنَباً ذكره بعد الحب؛ لأنه غذاء من جهة، وفاكهة من جهة، وَقَضْباً [عبس: 28]. قال ابن عباس، رضى الله عنهما: هو الرطب؛ لأنه يقتضب من النخل، أى يقطع، ورجحه بعضهم لذكره بعد العنب؛ لأنهما يقترنان كثيرا.
وَزَيْتُوناً، وهو ما يعصر منه الزيت، وَنَخْلًا [عبس: 29]، جمع نخلة، فكل من هذه الأشجار مخالف للآخر فى الشكل والحمل، وغير ذلك، مع الموافقة فى الأرض، والسقى، فليتدبر هذا جيدا.
وَحَدائِقَ غُلْباً [عبس: 30]، الحديقة الشجر الذى قد أحدق بجدار ونحوه،
وغُلْباً جمع أغلب وغلباء، كحمر فى أحمر وحمراء، والمراد بساتين كثيرة الشجر غلاظه، وَفاكِهَةً وهى ما تأكله الناس من ثمار الأشجار، كالتين والخوخ، فهو من عطف العام على الخاص، إذا قلنا: إنه معطوف على قوله: عِنَباً، وأما إذا عطف على حَدائِقَ كما هو المتبادر، فهو عطف خاص على عام.
وقوله تعالى: وَأَبًّا [عبس: 31] مأخوذ من أبه إذا أمه، أى قصده؛ لأنه يؤب، أى يؤم، أو من أب لكذا، إذا تهيأ له؛ لأنه متهيأ للرعى. وفى المصباح: الأبّ المرعى الذى لم يزرعه الناس مما تأكله الدواب والأنعام.
وقوله تعالى: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [عبس: 32] متاعا مفعول لأجله أو مطلق، والعامل فيه محذوف وتقديره فعل ذلك متاعا لكم أو متعكم كذلك تمتيعا، والمعنى تتمتعون به أنتم وأنعامكم، فابن آدم فى السبعة المذكورة، والأنعام فى الأب، وخصصت الأنعام بالذكر لكثرة الانتفاع بها، وإلا فغير الأنعام تنتفع بما تنتفع به الأنعام.
2 -
قال تعالى فى سورة النبأ: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً [النبأ: 14 - 16]، ونرى فى هذه الآى سوق المعنى فى إيجاز بليغ، وأسلوب بديع، شأن القرآن الكريم فى تكرير المعنى على صور شتى من البلاغة الخارقة، والإعجاز المنقطع النظير.
قوله سبحانه: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً، المعصرات هى السحائب الماطرة، وهو مأخوذ من العصر؛ لأن السحاب ينعصر فيخرج منه الماء، والعاصر لهذه السحب هو الريح، ومعنى الثجاج السريع الاندفاع، كما يندفع الدم من العروق فى الذبيحة، ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم وقد قيل له: ما أفضل الحج؟ فقال: «العج والثج» ، أراد بالعج التضرع إلى الله تعالى بالدعاء الجهير، وبالثج ذبح الهدى.
قوله تعالى: لِنُخْرِجَ بِهِ، أى الماء، حَبًّا، أى نجما (1) ذا حب مما يتقوّت به، كالحنطة، والشعير، والأرز، وَنَباتاً، أى ما يعتلف به كالتبن، والحشائش، كما قال تعالى: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [طه: 54].
وَجَنَّاتٍ، أى بساتين تجمع أنواع الشجر والنبات، أَلْفافاً، أى ملتفة الأغصان والأوراق، جمع لفيف، كشريف وأشراف.
(1) النجم من النبات: ما ليس له ساق.
3 -
قال سبحانه فى سورة الزمر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [الزمر: 21].
تبين لنا هذه الآية أن ماء المطر قد يدخله الله تعالى فى الأرض فى أمكنة قريبة ينبع منها، بحيث لا يستعصى على الناس إخراجه، ولا يتعذر عليهم الحصول عليه عند ضرورياتهم وحاجتهم، رحمة منه بخلقه، ولطفا بعباده، وتدبيرا محكما لسد عوزهم، وإنجائهم من المهلكات، فالآية الكريمة توقف المخاطب على ما يشاهده من نزول الماء على هذه الصفة، وعلى هذا النحو الذى لا ينكر، وقوله: فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ [الزمر:
21]، أى أدخله ينابيع فى الأرض، وهى عيون ومجار كائنة فيها، وكانت هذه العيون وتلك المجارى قريبة من سطح الأرض، ولم تكن بعيدة فى أسفلها جدا، بحيث يشق على الناس إخراج الماء منها.
وقوله تعالى: ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ [الزمر: 21]، المراد بالزرع جميع ما يستنبت من الأرض، ومعنى اختلاف ألوانه خضرته، وصفرته، وبياضه، إلى غير ذلك، ويشمل اختلاف الأصناف كذلك من برّ، وشعير، وسمسم، وغيرها.
وقوله تعالى: ثُمَّ يَهِيجُ، أى ييبس، فَتَراهُ بعد الخضرة مثلا مصفرا من يبسه؛ لأنه إذا تم جفافه حان له أن ينفصل عن منابته، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً فتاتا، إِنَّ فِي ذلِكَ، التدبير لَذِكْرى تذكيرا وتنبيها لِأُولِي الْأَلْبابِ [الزمر: 21]، أصحاب العقول الصافية، فيتذكرون هذه الأحوال فى النبات، فيعلمون أنه لا بدّ لها من صانع حكيم دبر أحوالها، وهيأها على هذا النحو العجيب.
4 -
قال تعالى فى سورة المؤمنون: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ [المؤمنون: 18]، أتت هذه الآية بالمعنى المتقدم، مع بيان أن إنزال الماء كان بميزان مضبوط يتمشى مع مصالح البلاد والعباد، وتحيا به الخلائق والكائنات، فليس فيه زيادة على المصلحة، فيكون الغرق والهلاك، وليس فيه نقص، فيكون القحط والجدب.
ونريد أن نقف قليلا عند قوله سبحانه: بِقَدَرٍ [المؤمنون: 18]، فهذا يدل على أن نزول الماء لم يكن من طبيعة السماء، ولا من مادتها، ولا بحكم أنها سماء، وإلا لكان
إما زائدا عن المصلحة، وإما ناقصا عنها، وإما متمشيا، وفى حال تمشيه معها، لم يكن عن قصد أو تدبير، وإنما هو بالمصادفة، فليس إنزاله على تلك الضوابط العجيبة والموازين الدقيقة إلا للقادر المختار، الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى.
كما أن فى قوله تعالى: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ [المؤمنون: 18]، ما يفيد هذا المعنى أيضا، فلم يكن وجود الماء فى الأرض من ذاتها أو طبيعتها، ولا بحكم أنها أرض، وإلا لبقى دائما أبدا لا يزول ولا يحول، وكم سمعنا ورأينا ذهاب الماء من أرض كان فى باطنها، وخلوها منه بعد أن كان متمكنا فيها.
فقدرة الله سبحانه على إذهاب الماء من الأرض قدرة فائقة، لا يتعاظمها شىء، ولا يقف أمامها مانع، كما هو ظاهر من التعبير القرآنى، فما دام الموجد لهذا الماء
والمخترع له هو الله الفاعل المختار، فهو كذلك القادر على رفعه، وإزالته، وزواله، فعلى العباد أن يستنبطوا النعمة فى الماء، ويقيدوها بالشكر الدائم.
5 -
قال سبحانه فى سورة يس: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ [يس: 33 - 36].
نرى فى هذا تصريحا بأن عملية إنزال الماء، وإخراج النبات به، وما إلى ذلك، دليل واضح، وبرهان ظاهر على توحيد الله تعالى وقدرته الباهرة.
وإذا كان جل ذكره يقول: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء: 82]، ويقول: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص: 29]، ويقول: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: 24]، فعلى المؤمن العاقل أن يتدبر هذه الآية التى نحن فيها وأمثالها مما قدمنا؛ لاستخراج ما فيها من المعانى الدالة على جلال الخالق سبحانه وكماله. ومن هنا أنشد الإمام القشيرى معنفا وموبخا من أهمل ذلك ولم يحفل به، يقول:
يا من تصدر فى دست الإمامة فى
…
مسائل الفقه إملاء وتدريسا (1)
غفلت عن حجج التوحيد تحكمها
…
شيدت فرعا وما مهدت تأسيسا
(1) الدست: فارسى معرب، بمعنى اليد، يطلق على التمكن فى المناصب والصدارة.
ثالثا: آيات فى بعض مظاهر الكون:
آية اختلاف الليل والنهار: وسوف نطيل الكلام فيها؛ لما لها من عموم النفع، وظهور دلالتها على المراد، فكل من الليل والنهار يتوارد على الآخر، فبينما النهار مضىء يجلى الأرض بنوره، ويعمها بضيائه، إذا بالليل يغشاه، فترى المعمورة وقد عمها الظلام الحالك، وسادها السكون القاطع للأعمال، والمريح للأبدان، فهذا التوارد، أعنى ذهاب إحداهما ومجىء الآخر مكانه دون توقف أو تغير، آية دالة على وجود الله سبحانه، وتوحيده، وعظيم قدرته، كما أن اختلافهما بالزيادة والنقصان دون أن يحصل لهذه الزيادة أو ذلك النقصان أدنى تغير على مر السنين والأعوام، لأقوى دليل على المراد.
وقال بعض العلماء: وعندى فيه وجه ثالث، وهو أن الليل والنهار كما يختلفان بالطول والقصر فى الأزمنة، فهما يختلفان فى الأمكنة، فإن من يقول: إن الأرض كرة، فكل ساعة عينتها، فتلك فى موضع من الأرض صبح، وفى موضع آخر عصر، وفى آخر مغرب، وفى آخر عشاء، وهلم جرا، إذا اعتبرنا البلاد المختلفة فى الطول، أما البلاد المختلفة فى العرض، فكل بلد عرضه للشمال أكثر كانت أيامه الصيفية أقصر، وأيامه الشتوية بالضد من ذلك، فهذه الأحوال المختلفة فى الأيام والليالى بحسب أطوال البلاد وعرضها أمر عجيب. أ. هـ.
يضاف إلى ما تقدم انتظار أحوال العباد فى معاشهم بالراحة فى الليل، والسعى فى النهار، مصداق قوله تعالى فى سورة القصص: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص: 71 - 73].
وما أبدع قوله سبحانه فى سورة الرعد فى التعبير عما فى الليل والنهار من آية بقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الرعد: 3]، وذلك أن قوله: يُغْشِي يفيد صراحة أن الليل بظلمته يستر النهار كله، فلم يبق هناك موضع للضوء أصلا، مع ما فيه من الاستعارة البديعة، وبيان ذلك أن الإغشاء إنما هو إلباس الشيء، ولما كان إلباس الليل النهار، وتغطية النهار به غير معقول؛ لأنهما متضادان لا يجتمعان، واللباس لا بدّ أن
يجتمع مع اللابس، كان لا بدّ من تقدير مضاف، أى يغشى الليل مكان النهار، ومكان النهار هو الجو، فيكون الجو هو الذى يلبس ظلمة الليل ويجتمع معها، ولا منافاة فى ذلك.
أما الاستعارة، فهى أن يقال: شبه إحداث الظلمة فى الجو الذى هو مكان الضوء بإغشائها إياه، وتغطيته بها بجامع مطلق الستر فى كل، واستعير الإغشاء بمعنى إلباس الظلمة للجو، لإحداث الظلمة به، ثم اشتق منه يغشى بمعنى يلبس على طريق الاستعارة التبعية.
وإنما لم يذكر عكسه: ويغشى النهار الليل؛ للعلم به من باب الاكتفاء بذكر أحد الضدين، كما فى قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81]، أى والبرد.
وهذا الاكتفاء والحذف فى هذه الآية يشبه الاكتفاء والحذف فى سورة يس: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس: 37]، فإنه صرح بآية الليل دون آية النهار، مع أن السياق يرشد حتما إلى أن التقدير: والنهار نسلخ منه الليل، فإذا هم مبصرون.
وفى نَسْلَخُ استعارة تصريحية تبعية، وذلك أنه شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من الشاة، والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر، واستعير كشط الجلد، أى سلخه، لانكشاف ظلمة الليل، واشتق منه نَسْلَخُ بمعنى نكشف، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
والعجيب فى أمر الليل والنهار أن كلا منهما فى مدته وما حدد له من زمن، لا يغلب أحدهما الآخر، فكل منهما مقهور فى خصائصه ومميزاته بإرادة الفاعل المختار، وقدرة القادر الذى لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء، وهذا ما يعطيه قوله جل جلاله فى سورة يس أيضا: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ
فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[يس: 40].
فالشمس التى هى آية لا ينبغى لها، أى لا يسهل عليها، ما دام هذا الكون موجودا على ذلك الترتيب والنظام البديع، أن تدرك القمر فتجتمع معه فى الليل، فما النهار سابق الليل، ولا الليل سابق النهار، أى فلا يأتى أحدهما قبل انقضاء الآخر، فالآية من الاحتباك؛ لأنه نفى أولا إدراك الشمس للقمر، ففيه دليل على ما حذف من الثانى من
نفى إدراك القمر للشمس، أى فيلغيها، وإن كان يوجد فى النهار، لكن من غير سلطنة فيه بخلاف الشمس، فإنها لا تكون فى الليل أصلا، ونفى ثانيا سبق الليل النهار، وفيه دليل على حذف سبق النهار للّيل، وكل من الشمس والقمر فى فلك محيط به، وهو الجسم المستدير، أو السطح المستدير، أو الدائرة؛ لأن أهل اللغة على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها، وفلكة الخيمة هى الخشبة المسطحة المستديرة التى توضع على رأس العمود لئلا يمزق العمود الخيمة.
ولما ذكر لها فعل العقلاء من كونها على نظام محرر لا يختل، وسير مقدر لا يعوج، جمعها جمعهم بقوله سبحانه: يَسْبَحُونَ يعنى جمعها جمع العقلاء، لا أنها ذات عقل وحياة، بل لما تقدم من نظامها الدقيق، وسيرها العجيب، خلافا لما قال به بعض المنجمين من أن لها عقلا وحياة.
قال الرازى: إن أردتم القدر الذى يصح به التسبيح فنقول به؛ لأنه ما من شىء من الأشياء إلا وهو يسبح بحمد الله، وإن أردتم شيئا آخر، فلم يثبت ذلك، والاستعمال لا يدل عليه، كما فى قوله تعالى فى حق الأصنام: ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ [الصافات:
92]، وقوله: ألا تنطقون (1). أ. هـ.
ومما يزيد معنى اختلاف الليل والنهار وضوحا وتبيانا، قوله سبحانه فى سورة النور:
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [النور: 44]، فالله الذى له الأمر كله يحول الظلام ضياء، والضياء ظلاما، ويزيد أحدهما تارة، وينقصه تارة أخرى، مع المطر تارة، والصحو أخرى، فينشأ من ذلك التقليب من الحر والبرد، وغير ذلك ما يبهر العقول، ولهذا قال سبحانه منبها على النتيجة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [النور: 44]، على وجود الصانع القديم، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، ونفاذ مشيئته.
هذا وفى قوله سبحانه فى سورة الزمر ما يؤكد هذا المعنى، وهو قوله جل شأنه:
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: 5]، والمعنى يدخل الليل على النهار، ويدخل النهار على الليل. وقيل: ينقص من الليل فيزيد فى النهار، وينقص من النهار فيزيد فى الليل، فما نقص من الليل دخل فى النهار، وما نقص من النهار دخل فى الليل.
(1) انظر: التفسير الكبير (ج 26)(ص 77) طبعة دار الفكر.
قال البغوى: ومنتهى النقص تسع ساعات، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة. وقال الرازى: إن النور والظلمة عسكران عظيمان، وفى كل يوم يغلب هذا ذاك، وذاك هذا، وفى ذلك دلالة على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور، ولا بدّ من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهره، وهو الله تعالى. رحم الله الرازى، وجزاه عن الإسلام والحقيقة خير الجزاء.
دلائل من سورة الرعد: هذا وقد رأينا أن نسوق أوائل سورة الرعد، فقد جمعت ثمانية أدلة، منها اثنتان سماويتان، وستة أرضية، قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: 2 - 4].
الدليل الأول: قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [الرعد:
2]: ذكرت هذه الآية عقب قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [الرعد: 1]، برهانا قويا على التوحيد، ودليلا ساطعا على عظمة البارى وقدرته، ومعنى قوله:
رَفَعَ السَّماواتِ [الرعد: 2]، أى أنشأها مرفوعة لا أنها كانت موضوعة فرفعها، ولكن جعلها فى الابتداء مرفوعة، ودلالة ذلك على التوحيد ظاهرة، فإنه لا يقدر على رفع ما فيه سعة وبعد بغير عمد إلا الله الواحد القهار.
وتوضيح تلك الدلالة أن ارتفاعها على سائر الأجسام ليس مقتضى جسميتها، ولا مقتضى ذاتها أو ذات غيرها، وإلا كان كل جسم كذلك، ولا مقتضى خصوصيتها النوعية؛ لأنا ننقل الكلام إلى اختصاصها بتلك الخصوصية، فنقول: إن اختصاصها بها ليس لجسميتها، وإلا كان كل جسم كذلك، وليس اختصاصها بهذه الخصوصية لذاتها ولا لذات غيرها؛ لأن الأجسام والأحياز متساوية، فتعين أن يكون لارتفاعها مخصص خارجى ليس جسما ولا جسمانيا، وإلا لكان له حيز يشغله بذاته، أو بتبعية موضوعه، ولا بدّ أن يكون ذلك المخصص أيضا فاعلا مختارا يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته.
وقوله: بِغَيْرِ عَمَدٍ، أى رفعها خالية عن عمد مرئية، وانتفاء العمد المرئية يحتمل أن يكون لانتفاء العمد والرؤية جميعا، أى لا عمد لها فلا ترى، ويحتمل أن يكون الانتفاء للرؤية فقط بأن يكون لها عمد غير مرئى، وهو القدرة، فإنه تعالى يمسكها مرفوعة بقدرته، فكأنها عماد لها، فقوله: بِغَيْرِ عَمَدٍ معناه بغير عمد مرئية، فكلمة النفى وإن
كانت متقدمة فى الذكر، فهى متأخرة فى المعنى، وكونها مرفوعة بعماد غير مرئى مثل كونها مرفوعة بغير عماد أصلا فى كون ذلك الرفع عجيبا خارجا عن دائرة العقل والخيال، فإنا لا نتعقل ارتفاع السقف الواسع الرفيع السميك بغير عمد مرئية، ونظير الآية فى الاحتمالين قولك: ما رأيت رجلا صالحا، فإن صدقه يحتمل أن يكون لانتفاء الرجل والصلاح جميعا أو لانتفاء الصلاح وحده.
ويصح أن يكون قوله: تَرَوْنَها استئنافا، والضمير فيه يعود على السموات بعد أن كان راجعا إلى العمد فيما تقدم، والجملة لا محل لها من الإعراب، كأنه قيل: ما الدليل على أن السموات مرفوعة بغير عمد، فأجيب بأنكم ترونها غير معمودة، أو فاستشهد على كونها مرفوعة بغير عمد برؤية الناس لها كذلك.
الدليل الثانى: قوله سبحانه: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [الرعد: 2]: والمعنى أنه سبحانه ذلل الشمس والقمر لمنافع خلقه مقهورين، يجريان على ما يريده سبحانه، كل منهما فى فلكه إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا وزوالها، فعند ذلك الوقت تنقطع هذه الحركات، وتبطل تلك التسخيرات، كما وصف الله تعالى ذلك فى قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير: 1، 2]، وقوله:
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: 1]، وقوله: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار:
1].
ويصح أن يكون معنى الأجل المسمى هو المدة المعينة لكل منهما التى يتم فيها أدواره فى منازله المخصصة له، والتى ينجم عنها الشهر بالنسبة للقمر، والسنة بالنسبة للشمس، على ما يقوله أهل الفلك.
ووجه الدلالة على المراد فى هذا الشأن أن اختصاصهما بالحركة الدائمة على وجه مخصوص من البطء والسرعة، ونسق معين، مع كون الأجسام متماثلة، لا بدّ له من مخصص، كما تقدم ذكره عند الدليل السابق.
هذا ولما كان خلق السموات والأرض غيبا لتقدمه، وكان مقصودنا إلزام الماديين بما
يشاهدون بالحس ويرون بالعين، كان الاستدلال برفع السموات بغير عمد، وتسخير الشمس والقمر، وغير ذلك بما سيأتى أدخل فى بيان المراد، والزام لهم مما لا يشاهدونه، وإن كان فى خلق السموات والأرض ذاته دليل من غير شك على وجود الصانع سبحانه لمن عنده عقل صحيح خال من الشوائب والكدورات.
ولما ذكر تعالى دلائل وحدانيته، وكمال قدرته من رفع السماء بغير عمد، وأحوال الشمس والقمر، أردفها بذكر الدلائل الأرضية كما يأتى.
الدليل الثالث: قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ [الرعد: 3]:
والمعنى أنه سبحانه بسط الأرض طولا وعرضا؛ لتثبت عليها الأقدام، ويتقلب عليها الحيوان، ووجه الاستدلال بامتداد الأرض أن كونها ممدودة، أى ذات امتداد من الطول والعرض والعمق على قدر معين، مع جواز كونها أزيد مقدارا مما هى عليه الآن، أو أنقض منه، لا بدّ له من مخصص كما تقدم، ومد الأرض لا ينافى كونها كرة؛ لأن الكرة إذا كانت فى غاية الكبر، كانت كل قطعة منها تشاهد كالسطح.
الدليل الرابع: قوله جل شأنه: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ [الرعد: 3]:
أى أنه سبحانه خلق فى الأرض جبالا ثوابت باقية فى حيزها، غير متنقلة، لا تتحرك ولا يتحرك ما هى راسية فيه، وهذا لا يكون إلا بتخليق القادر الحكيم، فضلا عن أن حصولها فى بعض جوانب الأرض دون البعض الآخر، مع أن طبيعة الأرض واحدة، لا بدّ أن يكون بتخصيص الفاعل المختار.
الدليل الخامس: قوله سبحانه: وَأَنْهاراً [الرعد: 3]:
أى وجعل فى الأرض أنهارا جارية لمنافع الخلق، والنهر هو المجرى الواسع من مجارى الماء، وأصله الاتساع، ومنه النهار؛ لاتساع ضوئه. فمن ذا الذى هيأها لهذا النفع الدائم المتواصل للخلائق كلهم من إنسان، وحيوان، ودواب، وهوام، إنه ليس إلا الله الذى خلق كل شىء فقدره تقديرا.
ثم إن فوائد المجارى المائية كثيرة، وصدق الله العظيم إذ يقول: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [فاطر: 12].
الدليل السادس: قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الرعد: 3]:
أى جعل فى الأرض من جميع أنواع الثمار صنفين اثنين، والاختلاف إما من حيث الطعم، كالحلو والحامض، أو اللون، كالأسود والأبيض، أو الحجم، كالصغير والكبير، أو الطبيعة، كالحار والبارد، وتوضيح ذلك وبيانه أن الحبة إذا وقعت فى الأرض نبتت وربت، وبسبب ذلك ينشق أعلاها وأسفلها، فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة، ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة، وهذا من جانب العجائب؛ لأن طبيعة الحبة واحدة، وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد، ثم إنه خرج من أحد جانبى تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء، ومن الجانب الآخر جرم غائص فى الأرض، ومن المحال أن يتولد من طبيعة واحدة طبيعتان متضادتان، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم.
ثم إن الشجرة النابتة يكون بعضها خشبا، وبعضها نورة (1)، وبعضها ثمرة، وتلك الثمرة يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع، فالجوز مثلا له أربعة أنواع من القشور، قشره الأعلى، وتحته القشرة الخشبية، وتحته القشرة المحيطة باللب، وتحت هذه القشرة قشرة أخرى فى غاية الدقة تمتاز عما فوقها، وأيضا فقد يحصل من الثمرة
الواحدة الطبائع المختلفة، فالعنب مثلا قشره وعجمه باردان يابسان، ولحمه وماؤه حاران رطبان، فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوى تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لا بدّ وأن يكون بتدبير العليم الحكيم.
الدليل السابع: قوله جل شأنه: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الرعد: 3]:
أى يغطى الليل بظلمته النهار، وكذلك يغطى النهار بضوئه الليل، فيستدل بفعلهما على ما قدره الله تعالى لهما فى السير من الزيادة والنقصان، وقد تقدم لذلك مزيد إيضاح فى آية الليل والنهار، ولما كان غشيان الليل النهار ظاهرة تظهر للناس على سطح الأرض وينتفعون بها فى معاشهم، عدت من الأدلة الأرضية.
الدليل الثامن: قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [الرعد: 4]:
ذكر تعالى دليلا آخر ظاهرا جدا، وهو أن الأرض التى أنتم سكانها قِطَعٌ بقاع
(1) النورة: الزهرة.
مختلفة مُتَجاوِراتٌ، أى متقاربات يقرب بعضها من بعض، واحدة طينية، والأخرى سبخة لا تنبت، وأخرى صالحة للزرع لا للشجر، وأخرى بالعكس، وأخرى قليلة الريع، وأخرى كثيرة.
ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه، لم تكن كذلك؛ لاشتراك تلك القطع فى الطبيعة الأرضية، وما يلزمها ويعرض لها من الأسباب السماوية، فليست هذه القطع الأرضية فى خواصها وأحوالها مستندة إلى الاتصالات الفلكية والحركات الكونية؛ لأن قطع الأرض مختلفة فى صفاتها، مع اشتراكها فى الطبيعة الأرضية، وكونها متجاورة متقابلة، بحيث يكون تأثير الشمس وسائر الكواكب فيها على السوية.
ثم قال سبحانه وتعالى: وَجَنَّاتٌ [الرعد: 4]، أى بساتين فيها أنواع الأشجار المختلفة، مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ [الرعد: 4]، جمع صنو، وهى النخلات، يجمعها أصل واحد، وتتشعب فروعها، وَغَيْرُ صِنْوانٍ [الرعد: 4]، أى متفرقات مختلفة الأصول.
ولما كان الماء بمنزلة الأب، والأرض بمنزلة الأم، وكان الاختلاف مع اتحاد الأم والأب، أعجب وأدل على الإسناد إلى الواحد المسبب، قال تعالى: يُسْقى [الرعد:
4]، أى الجنات بما فيها، بِماءٍ واحِدٍ [الرعد: 4]، فتخرج أغصانها وثمراتها فى وقت معلوم، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد: 4]، أى فى الطعم ما بين حلو وحامض، وفى الشكل، والرائحة، والمنفعة
…
إلخ. وذلك مما يدل على القادر الفاعل المختار، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: 4].
دلائل من سورة النحل: وننتقل إلى سورة النحل، فنأتى منها ما يقوى المراد، ويزيد فى إيضاحه، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 10، 11].
من المعلوم والمشاهد أن النبات نوعان:
أحدهما: معد لرعى الأنعام، وقد ذكره تعالى بقوله: تُسِيمُونَ.
وثانيهما: مخلوق لأن يكون غذاء للإنسان، وهو المراد بقوله تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ.
وكان الظاهر أن يقدم ما يأكله الإنسان، إلا أن مرعى الحيوان يكون بنية الحيوان الذى هو غذاء حيوانى للإنسان، وهو أشرف من الأغذية النباتية، فبهذا الاعتبار يكون مرعى الحيوان أشرف مما يأكله الإنسان، فلذلك قدم الأول على الثانى.
ثم إن الغذاء النباتى قسمان: حبوب، وفاكهة، فهو تعالى أشار إلى الحبوب بلفظ الزرع، وإلى الفواكه بقول: الزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ، ولا شك أن الحبوب أشرف فى الغذائية من الفواكه، وأشرف الفواكه من الزيتون والنخيل والأعناب، فلذلك خص هذه الفواكه بالذكر، وأشرف هذه الثلاث هو الزيتون؛ لأنه فاكهة من وجه، وإدام من وجه؛ لكثرة ما فيه من الدهن، ومنافع الأدهان كثيرة، حيث تصلح للأكل، والطلى، واشتعال السرج، وأشرف الباقين النخل، فلذلك قدم الزيتون على النخل، وقدم النخل على الأعناب، وكان ختم الآية بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، تنبيها على أنه لا بدّ من مزيد التفكير فيما حوته الآية، وما اشتملت عليه، حتى يحصل المقصود تاما كاملا.
وذلك أن أحوال النبات، وإن كانت دالة على وجود الله تعالى، إلا أن دلالتها تحتاج إلى تأمل، فإنه لما ذكر تعالى أنه أنزل من السماء ماء، فأنبت به الزرع والزيتون
…
إلخ، قد يتوهم أن الاختلاف فى الفصول الأربعة، وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب هى الموجدة لهذه الأشياء، فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال، لا يكون الاستدلال بأحوال النبات وافيا بإفادة المطلوب، قاطعا للشكوك والريب، وهذا الختم فى هذه الآية نظير ما ختمت به آية الرعد السابقة: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الرعد: 3]، وقد بينا هناك ما فيه التفكير بالنسبة للحبة التى توضع فى الأرض، فيخرج أعلاها فى الهواء شجرا يحمل زهورا، وثمارا، ويغوص أسفلها عروقا فى الأرض، لا تحمل زهرا ولا ثمرا، إلى غير ذلك مما بيناه.
ثم قال تعالى بعد ذلك مباشرة: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل: 12]، فالتسخير مراد به هنا أنه جل جلاله هيأ هذه الأشياء وجعلها على أحوال وصفات وأوضاع، بحيث ينتفع بها الإنسان، وتنظيم بها أحواله، وكان قوله: مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إعلاما بأن تأثير هذه الكونيات فى حوادث العالم السفلى ليس مستندا إلى الحركات الفلكية، وإلا لاحتاجت تلك الحركات إلى أن تستند إلى حركات أخرى، ولا شك أن الحركات
الكوكبية لا يمكن استنادها إلى أفلاك وكواكب أخرى، وإلا لزم الدور أو التسلسل، وكلاهما محال (1).
ولا يمكن استناد تلك الحركات والأوضاع إلى قوة الأفلاك من حيث إنها أجسام متماثلة فى الجسمية، فلو كان جسم معين من تلك الأجسام علة لصفة، ووضع معين فى هذا الجسم، لكان كل جسم واجب الاتصاف بذلك الوضع والصفة، ولامتنع اختلاف الصفات والأوضاع، أى لأن السبب واحد، وهو الجسمية، وهو موجود فى الكل، ولكن الاختلاف فى الصفات والأوضاع موجود لم يمتنع، فالجسمية ليست هى السبب، فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركا لكونه جسما، وبقى أن يكون متحركا لغيره، وذلك الغير إما أن يكون قوة قائمة به، أو أمرا مباينا له.
والأول باطل كما تقدم بأن يقال: لم اختص ذلك الجسم بعينه بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام، فتعين أن تكون تلك الحركة مستندة إلى أمر مباين عنه، وذلك المباين لا يخلو إما أن يكون موجبا بالذات إلى جميع الأجسام على السوية، فلا يكون بعض الأجسام بقبول بعض الصفات المعينة أولى من بعض، لكن ثبت أن بعض الأجسام أولى ببعض الصفات من بعض الأجسام الأخرى، فتعين أن ذلك المباين فاعل مختار، وأن الحركات الفلكية على تقدير استناد الحوادث السفلية إليها حادثة بتخليق الله تعالى وتقديره وتكوينه جل شأنه. ولما تم هذا الدليل فى هذا المقام، ختمت الآية بقوله تعالى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
رابعا: آيات فى مظاهر التدبير الإلهى لأحوال الناس الخاصة:
1 -
أعمار الناس وآجالهم: ضبط بعض الباحثين أعمار الإنسان فى أربعة مراتب:
المرتبة الأولى: سن الطفولة والنمو، وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاثة وثلاثين سنة، وهو غاية سن الشباب وبلوغ الأشد.
المرتبة الثانية: سن الوقوف، وهو من ثلاثة وثلاثين سنة إلى الأربعين، وهو غاية القوة وكمال العقل.
(1) الدور هو توقف معلول على علة توقفت عليه بمرتبة أو بمراتب، وهو باطل؛ لأنه يلزم تقدم الشيء على نفسه، وإن استمرت سلسلة العلل والمعلولات إلى غير نهاية، فهو التسلسل المحال ببراهين متعددة ذكرها العلماء.
المرتبة الثالثة: سن الكهولة، وهو من الأربعين إلى الستين، وهذه المرتبة يشرع فيها الإنسان فى النقص، لكنه نقص خفى قد لا يظهر.
المرتبة الرابعة: سن الشيخوخة والانحطاط الظاهر، وتمامه عند الأطباء إلى مائة وعشرين سنة.
فهذا الاختلاف فى الجسم الإنسانى بالتزايد، والنقص، والانحطاط الخفى والجلى، مع استواء أحوال التربية والتدبير الكائنين من قبل نفسه، يدل على أنه بتدبير الفاعل المختار، قال تعالى فى سورة النحل: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [النحل: 70].
فقوله: يَتَوَفَّاكُمْ، أى بآجال مختلفة، فلا يقدر الصغير أن يؤخر، ولا الكبير أن يقدم، فمنكم من يموت على حال قوته، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ.
وقوله سبحانه فى آخر الآية: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، يعنى عليم بمقادير أعمارهم، يميت الشاب النشيط، ويبقى الهرم الفانى، وفى ذلك تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم، وعدل أمزجتهم على قدر معلوم، ولو كان مقتضى الطباع كما يقول الطبيعيون، لم يبلغ التفاوت بينهم هذا المبلغ.
2 -
البر يلد الفاجر، والفاجر يلد البر: أما أن البرّ يلد الفاجر، فهو ما يصرح به قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وولده إسحاق، عليهما السلام: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: 113]. قال صاحب الكشاف عند هذه الآية ما نصه: وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجرى أمرهما على العرق والعنصر، وهذا ما يهدم أمر الطبائع والعناصر.
وأما أن الفاجر يلد البر، فهو ما يشير إليه قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنعام: 74]، على أرجح الأقوال أنه أبوه لا عمه.
ولا شك أن الماديين يرون هذه المخالفات بعقولهم، ويبصرونها بأعينهم، فبماذا يعللونها وقد انقطع أصلهم، وانهدم ركنهم بمثل هذه الوقائع وتلك المشاهدات. وإنا لا نأتى إليهم بمثل هذه الحقائق من حيث إن القرآن الكريم قالها، فهم قاتلهم الله لا يؤمنون به، وإنما نأتى إليهم من حيث إن القرآن ذكرها حقيقة محسوسة، وواقعة ملموسة
لا يستطيعون لها نكرانا. وما أجمل قول القائل:
إذا طاب أصل المرء طابت فروعه
…
ومن عجب جادت يد الشوك بالورد
وقد يخبث الفرع الذى طاب أصله
…
ليظهر سر الله فى العكس والطرد
3 -
الأحمق المرزوق: هو آية ظاهرة على تدبير الله تعالى، وحكمته، وتفرده بالملك والسلطان، فليس غنى هذا المكثر الأحمق من كياسته، ووفرة عقله، فهو خلو من ذلك، ولا بكثرة سعيه واجتهاده، فهو خامل غير مصيب فى رأيه، كما أن فقر العاقل ليس من بلادته، ونقصان عقله، وقلة سعيه، فإنك ترى أكيس الناس وأعقلهم يفنى عمره فى طلب القليل من الدنيا، ولا ينال ذلك، وترى أجهل الناس وأخسهم عقلا تنفتح عليه الدنيا، فلما رأينا الأعقل الأفضل أقل نصيبا، والآخر الأجهل أوفر نصيبا، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام الذى يفعل ما يشاء، كما قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الزخرف: 32]. وما أجمل قول من قال:
كم عالم يسكن بيتا بالكرى (1)
…
وجاهل يملك دورا وقرى
لما قرأنا قوله سبحانه
…
نحن قسمنا بينهم زال المرا
وهكذا تجاوب المؤمنون الصادقون مع هذا التدبير الإلهى العظيم، وهذا الوضع الربانى الحكيم. ومن ذلك قول الإمام الشافعى، رضى الله عنه:
ومن الدليل على القضاء وحكمه
…
بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وقول سفيان بن عيينة:
كم من قوى قوى فى تقلبه
…
مهذب الرأى عنه الرزق ينحرف
وكم ضعيف ضعيف فى تقلبه
…
كأنه من خليج البحر يغترف
هذا دليل على أن الإله له
…
فى الخلق سر ليس ينكشف
أما من لم يفطن لهذه الحكمة، وغابت عنه تلك الدقيقة، فقد تبرموا وضجروا، حتى قال قائلهم:
كم عالم ضاقت مذاهبه
…
وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذى ترك الأوهام حائرة
…
وصير العالم النحرير زنديقا
(1) بالإيجار.
ولو اهتدى هذا القائل بنور الحقيقة، واستضاء بنور الشريعة، لانقلب صديقا لا زنديقا، على نحو ما قدمنا عن الأئمة السابقين.
4 -
الذكاء والبلادة، أو العلم والجهل: كم يؤسف العالم ويحزنه أن يرى ولده لا يأبه بالعلم، ولا ينهج نهجه، ولكن ما الحيلة أمام قضاء الله وتدبيره، فليس فى طرق الإنسان الحكيم أن يورث ولده الحكمة، أو أن يذيقه كأس المعرفة، وهنا يتجلى صدق الله فى قوله: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [البقرة: 269].
وفى هذا المعنى يقول العالم الفاضل حنفى ناصف، رحمه الله تعالى:
أتقضي معى إن حان حينى (1) تجاربى
…
وما نلتها إلا بطول عنائى
وأبذل جهدى فى اكتساب معارف
…
ويفنى الذى حصلته بفنائى
ويحزننى ألا أرى لى حيلة
…
لإعطائها من يستحق عطائى
إذا ورث الجهال أبناءهم
…
غنى وجاها فما أشقى بنى الحكماء
لكنه كما قلنا شىء خارج عن الطوق الإنسانى اقتضته حكمة العليم الحكيم، الذى أحاط بكل شىء علما، والذى دلنا بهذا التدبير على أنه ذو الجلال والإكرام.
المنهج القرآنى فى الدلالة على وجود الصانع: كما يراه ابن رشد (2):
إذا تصفحت آيات الكتاب العزيز، وجدتها تنحصر فى ثلاثة أنواع: إما آيات تتضمن التنبيه على العناية، أعنى كون الشيء على وضع معين وصفة معينة، وإما آيات تتضمن التنبيه على الاختراع لجوهر الأشياء، وإما آيات تجمع بين الأمرين جميعا.
آيات العناية فقط:
مثل قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً [النبأ: 6، 7]، إلى
(1) الموت.
(2)
ابن رشد هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، ولد بقرطبة سنة 520 هـ، وهو أعلم أهل عصره بعلوم الفلسفة، والطب، والرياضة، وتولى منصب قاضى القضاة بقرطبة بعد خلو المنصب بوفاة والده، وأشهر مؤلفاته: تهافت التهافت، والكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة، وفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد فى الفقه، وقد توفى عام 595 هـ.
قوله: وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً [النبأ: 16]. ومثل قوله سبحانه: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً [الفرقان: 61]. ومثل قوله جل شأنه:
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ [عبس: 24] الآيات.
ففي هذه ومثيلاتها عناية بالإنسان، وهذه العناية هى الدليل على وجود الصانع الحكيم، وذلك أن جميع الموجودات موافقة لوجود الإنسان، ومكملة لمصالحه، ومتممة لنظام حياته، وهذه الموافقة بالضرورة من فاعل قاصد، إذ لا يمكن أن تكون بالاتفاق، فمن أراد معرفة الله تعالى المعرفة التامة، فليبحث عن منافع الموجودات من أرض، وماء، ونار، وهواء، وتسخير للشمس والقمر، وتذليل الحيوان، وغير ذلك مما هو مشاهد وملموس، بل إن العناية لتظهر كذلك فى تكامل أعضاء الإنسان وأجزاء بدنه.
آيات الاختراع فقط:
مثل قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: 5، 6].
ومثل قوله سبحانه: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: 17] الآيات.
ومثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: 73]. ومن هذا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم، عليه السلام: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: 79].
ففي هذه الآيات ومثيلاتها دلالة على وجود مخترع، وذلك أن المادة ليست أزلية كما قدمنا فى أول البحث، يعنى لم تخلق نفسها، وأن الله قادر على أن ينشئها من العدم، فهذه الموجودات مخترعة، وكل مخترع لا بدّ له من مخترع، وتدلنا دقة نظام هذه المخترعات، وانتظام سيرها، على أن هذا المخترع فاعل مختار، لهذا كان واجبا على أن من أراد معرفة الله حق معرفته، أن يعرف جواهر الأشياء؛ ليقف على الاختراع الحقيقى فى جميع الموجودات؛ لأن من لم يعرف حقيقة الشيء، لم يعرف حقيقة الاختراع، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [الأعراف: 185].
آيات تجمع بين الدلالتين:
وهى كثيرة مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ [البقرة: 21]، إلى قوله: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:
22]، فإن قوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، تنبيه على دلالة الاختراع، وقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً [البقرة: 22] تنبيه على دلالة العناية.
ومثل هذا قوله سبحانه: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: 33]، وقوله جل شأنه: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران: 191].
فهذه الطريق هى الصراط المستقيم التى دعا الله الناس منها إلى معرفة وجوده، ونبههم على ذلك بما جعل فى فطرهم من إدراك هذا المعنى، وإلى هذه الفطرة الأولى المستقرة فى طباع البشر أشار بقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا [الأعراف: 172]، ولذا قد يجب على من كانت رغبته طاعة الله، والإيمان به، وامتثال ما جاءت به رسله، أن يسلك هذه الطريقة، حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله بالربوبية مع شهادته لنفسه وشهادة الملائكة، كما قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: 18].
ومن الدلالات الموجودات من هاتين الجهتين وجود الأشياء مسبحة لله تعالى، المشار إليه بقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:
44]، فالكائنات من حيث كونها موجودة، فيها دليل الاختراع، ومن حيث كونها خاضعة لله منقادة لما أراده منها، مثل دوران الأفلاك، وسيلان الماء، وهطول الأمطار، وما إلى ذلك، فيه دلالة الغاية والعناية.
فقد بان من هذه الأدلة أن الدليل على وجود الصانع منحصر فى هذين الجنسين دلالة العناية ودلالة الاختراع، وأن هاتين الطريقتين بأعينهما طريقة الخواص، وأعنى بالخواص العلماء، وطريقة الجمهور، وإنما الاختلاف بين المعرفتين فى التفصيل، أعنى أن الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبينة على الحس، وأما العلماء فيزيدون على ذلك ما يدرك بالبرهان، حتى قال بعضهم: أن الذى أدركه العلماء من معرفة أعضاء الإنسان والحيوان هو قريب من كذا
وكذا آلاف منفعة، وإذا كان هذا هكذا، فتلك هى الطريقة الشرعية والطبيعية التى جاء بها الرسل ونزلت بها الكتب.
والعلماء ليس يفضلون الجمهور فى هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط، بل من قبل التعمق فى معرفة الشيء الواحد نفسه، فإن مثال الجمهور فى النظر إلى الموجودات مثالهم فى النظر إلى المصنوعات التى ليس عندهم علم بصنعتها، فإنهم يعرفون من أمرها أنها مصنوعات فقط، وأن لها صانعا موجودا، ومثال العلماء فى ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التى عنده علم ببعض صنعتها، وبوجه الحكمة فيها، ولا شك أن من حاله العلم بالمصنوعات هذه الحال هو أعلم بالصانع من الذى لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط (1). أ. هـ.
وبعد: فهذه الأدلة وما أكثر نظائرها فى القرآن تدل على وجود الخالق جل وعلا، بل على وجوده أزلا وأبدا، وأنه واحد، له كل صفات الجلال والإكرام.
أما عن أزليته، فنسوق دليل ابن رشد، وهو أن الموجودات الممكنة لا بد لها من علل تتقدم عليها، فإن كانت العلل ممكنة، لزم أن يكون لها علل، ويمرّ الأمر إلى غير نهاية،
وذلك هو التسلسل المحال، وإن لم يكن هناك علة لزم وجود الممكن بلا علة، وذلك مستحيل، فلا بد من أن ينتهى الأمر إلى علة ضرورية، فإذا انتهى الأمر إلى علة ضرورية، لم تخل هذه العلة الضرورية أن تكون ضرورية بسبب أو بغير سبب، فإن كانت بسبب، سئل أيضا فى ذلك السبب، فأما أن تمر الأسباب إلى غير نهاية، فيلزم أن يوجد بغير سبب ما وضع أنه موجود لسبب، وذلك محال، فلا بد أن ينتهى الأمر إلى سبب ضرورى بلا سبب، أى بنفسه، وهذا هو واجب الوجوب ضرورة. أ. هـ.
وقوله: فيلزم أن يوجد بغير سبب
…
إلخ، وذلك لأن التسلسل محال، يعنى فلا وجود له، فقد تبين أن ما فرض أنه بسبب وهو العلة الضرورية فى وجود الممكنات أصبح بلا سبب، وهذا خلاف الفرض، وهو محال.
وأما عن كونه أبديا، فإنا نقول: ثبت فى أصول التوحيد وقواعد المنطق أن ما ثبت قدمه استحال عدمه.
أما عن كونه واحدا، فإننا نسوق الدليل المتعين على كل طالب علم أن يعرفه، فهذه
(1) انظر: مناهج الأدلة لابن راشد، تحقيق د. محمود قاسم (ص 151 - 155) بتصرف.
الممكنات لا بدّ لها من موجد قادر حكيم يوجد على ما تقتضيه حكمته ومشيئته، متعاليا عن معارضة غيره، إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه، فإما أن يتفقا وإما أن يختلفا.
فإن اختلفا بأن أراد أحدهما إيجاد العالم والآخر إعدامه، فإما أن ينفذ مرادهما، فيلزم عليه وجود العالم وعدم وجوده، وهو جمع بين النقيضين، وهو محال، وإما ألا ينفذ مرادهما، فيلزم عجزهما وعدم وجود العالم، وهو باطل بالمشاهدة، وإما أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، فيكون الآخر عاجزا فلا يكون إلها، والأول غير إله لمماثلته للثانى فرضا، وهذا يسمى برهان التمانع، وإن اتفقا فلا جائز أن يوجداه معا بالاستقلال فى آن واحد لما يلزم عليه من اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وهو باطل، ولا جائز أن يوجداه مرتبا بأن يوجده أحدهما ثم يوجده الآخر بعده، لما يلزم عليه من تحصيل الحاصل وهو باطل، ولا جائز أن يوجداه على سبيل المعاونة لما يلزم عليه من عجز كل منهما فلا يوجد العالم.
ولا جائز أن يوجد أحدهما بعض العالم، والآخر البعض الثانى، للزوم عجزهما؛ لأن كلا منهما عاجز عن التصرف فيما تصرف فيه الآخر، وهذا يسمى برهان التوارد.
قال الله تعالى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون: 91]. وقال جل شأنه: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: 42]. وقال سبحانه: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22].
وبعد: هذا هو التوحيد، أحد مطالب الإيمان الثلاثة التى أنكرها الماديون، قد ثبت بما لا يقبل الشك على ما تقدم بيانه وإيضاحه، وبقى الأمران الآخران: البعث والرسالة، إلا أنه لا يفوتنا الآن أن نذكر أن إثبات التوحيد يستلزم المطلبين الآخرين، وذلك أن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة فى جميع الأجسام، فكان الاعتراف بأنها كلها لله تعالى وتحت تصرفه وقدرته سبحانه، كان ذلك لازما على كل عاقل لا سبيل إلى إنكاره.
والاعتراف بذلك يستلزم الاعتراف بوحدانيته سبحانه كما تقدم، والاعتراف به يستلزم الاعتراف بصحة الإعادة؛ لأن من قدر على الإبداء، فهو أقدر على الإعادة، كما سيأتى، كذلك يستلزم الاعتراف بحقيقة الرسالة وبعثه الرسل؛ لأن الصانع الحكيم
لا يصدر عنه مثل هذه المصنوعات العجيبة، إلا لحكمة وعاقبة حميدة، كما قال تعالى:
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ [آل عمران: 191].
وذلك يستدعى أن يبتلى عباده ويكلفهم بأوامره ونواهيه، حتى يظهر المطيع من العاصى، ويجازى كل واحد منهم على حسب استحقاقه، وهذا التكليف لا يكون إلا بمبلّغ الأحكام، فدلّ ذلك على إن إرسال الرسل مما تقتضيه الحكمة.
فالاعتراف بأن ما فى السموات والأرض لله، يستلزم الاعتراف بحقية هذه المطالب الثلاثة.
المطلب الثانى: البعث:
نسوق ثلاثة مواضع من القرآن الكريم تحث هؤلاء المنكرين على النظر والاستدلال.
الموضع الأول من سورة النحل:
قال الله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:
38 -
40].
ادعى هؤلاء البديهة فى إنكار البعث، فقالوا: إن الإنسان ليس إلا هذه البنية المخصوصة، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه، وبطل المزاج والاعتدال، امتنع عوده بعينه؛ لأن الشيء إذا عدم فنى، ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه، فالذى يعود يجب أن يكون شيئا مغايرا للأول.
وأشاروا إلى ادعائهم ضرورة ذلك الإنكار بالإقسام واليمين، وهذا هو ما حكاه الله تعالى عنهم فى سورة يس، عن أبىّ بن خلف حين أخذ عظما قد رمّ وبلى، ففتته بيده،
وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: أترى أن الله يحيى هذه؟ قال: «نعم، ويبعثك ويدخلك النار» ، وذلك فى قوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: 78، 79] الآيات.
وقد رد الله تعالى عليهم أبلغ رد، فقال: بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا، أى يبعثهم بعد الموت، فإن لفظة بَلى إثبات لما بعد النفى. ثم قال: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
يَعْلَمُونَ [النحل: 38]، أنهم يبعثون، إما لعدم علمهم بأن البعث من مواجب الحكمة التى جرت عليها عادته سبحانه بمراعاتها، وإما لقصر نظرهم على المألوف حين يشاهدون الميت يمكث مدة مديدة، وأحقابا طويلة لا تطرأ عليه حياة، فيتوهمون امتناع البعث، ثم بين سبحانه الحكمة فى البعث بقوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ [النحل: 39]، وذكر سبحانه إمكانه، وأن مألوفهم وما يشاهدون من عدم طريان الحياة على الميت فى أزمان متطاولة أمر عادى لا يتنافى مع قدرة القادر، وذلك فى قوله تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40].
وإيضاح ذلك وتفصيله كما يلى:
حكمة البعث: إن الحياة كما هو مشاهد تجمع بين الحق والباطل، والعدل والظلم، والإنصاف والجور، فإذا لم يكن للمغلوب أمل يحتمى به، ويعيش عليه، فى أنه سينتصر يوما، وأنه سيأخذ حقه حتما، كان ذلك قضاء على وجوده، وقتلا لحياته، وهذا ما يأباه المنطق الصحيح والعقل السليم، فضلا عن الحكمة الإلهية.
وإذا لم يكن لذوى الحق والخير وأولى الفضيلة والكرم أمل فى أن يحسب لهم هذا ويجازون عليه، انعدم الحافز على الخير، وبطل الداعى إلى المعروف، وكانت حياة تعسة مرذولة تأباها الحيوانية المحضة، فضلا عن الإنسانية الكاملة، وإذن فلا بد من يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران: 30]. فعلى الماديين أن ينظروا فى هذا نظر استدلال واعتبار، وأن يتأملوا عن فكر واسترشاد.
إمكان البعث: وهو كما تقدم ذكره: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40]، فالمقصود كما قرره العلماء بيان سهولة خلق الإنسان عليه سبحانه، وأنه متى أراد الشيء كان، فمثل الله تعالى تكوينه للمكونات بمجرد تعلق إرادته من غير توقف وامتناع، بأمر الآمر المطاع إذا أمر المأمور المطيع المسارع فى الامتثال، فعبر عن سرعة تكوينه على الوجه المذكور بالأمر المستلزم للامتثال، فإنه تعالى لو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما فى قدر لمحة بصر ما عاقه شىء. والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذى هو أهون من الإبداء بالنسبة إلى عقولنا.
الموضع الثانى من سورة الحج:
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: 5].
ساق الله تعالى خلق الإنسان هنا دليلا على البعث، وفى سورة: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 1]، ساقه سبحانه دليلا على وجوده، فقال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12]، إلى قوله: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: 14].
فخلق الإنسان فى أطواره المذكورة كما يصلح دليلا على وجود الخالق وتوحيده، يصلح أيضا دليلا على البعث كما يأتى:
فالآية تقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ [الحج: 5]، أى شك وتهمة وحاجة إلى البيان، فتفكروا فى خلقتكم الأولى، لتعلموا أن القادر على خلقكم أولا قادر على خلقكم ثانيا.
ثم إنه ذكر مراتب الخلقة الأولى أمورا سبعة هى:
المرتبة الأولى: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5]، أى أنشأناكم بقدرتنا التى لا يتعاظهما شىء، مِنْ تُرابٍ لم يسبق له اتصاف بالحياة. وفى الخلق من تراب وجهان:
أحدهما: إنا خلقنا أصلكم، وهو آدم، عليه السلام، من تراب، كما قال الله تعالى:
كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمران: 59].
الثانى: من الأغذية، والأغذية إما حيوانية، وإما نباتية، وغذاء الحيوان ينتهى إلى النبات قطعا للتسلسل، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء، فصح قوله: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5].
المرتبة الثانية: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الحج: 5]، وحالها أبعد شىء عن حال التراب، فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية، كما قال تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: 6].
المرتبة الثالثة: ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ [الحج: 5]، أى قطعة دم حمراء جامدة ليس فيها أهلية للسيلان، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة.
المرتبة الرابعة: ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ، أى قطعة لحم صغيرة، وهى فى الأصل قدر ما يمضغ، قوله تعالى: مُخَلَّقَةٍ، أى مسوّاة لا نقض فيها ولا عيب، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج: 5]، أى غير مسوّاة، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة وأملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، ويتبع هذا التفاوت تفاوت الناس فى خلقهم،
وصورهم، وطولهم، وقصرهم
…
إلخ.
وقيل فى معنى المخلّقة غير ذلك، والذى اخترناه أوفق لوجود بناء تفضيل التخليق الدال على تكثير الخلق، فإن الإنسان ذو أعضاء متباينة، وقوى متفاوتة، فإذا أكمل فيه جميع ما يتم به خلقة النوع، فقد كثر فيه الخلق.
وقوله تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ [الحج: 5]، معناه إنا فعلنا لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من التراب والماء، ثم من نطفة ثانيا، ولا تناسب بينهما، وقدر على أن يجعل النطفة علقة، وفيها تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظاما، من قدر على ذلك قدر على إعادة ما بدأه، بل هو أدخل فى القدرة وأهون فى القياس.
وأما قوله: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الحج: 5]، فهو معطوف على (نبين) فى إحدى القراءتين، ومعناه إنا خلقناكم من حال إلى حال، ومن خلق إلى خلق، لأمرين اثنين:
أحدهما: تبيين قدرتنا على الإعادة، كما تقدم آنفا.
وثانيهما: الإقرار فى الرحم لغاية التمام، ثم الخروج طفلا حتى يبلغ الأشد، أى حد التكليف، فيكلفوا معرفة الله وتوحيده وطاعته، فينالوا سعادة الآخرة.
المرتبة الخامسة: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: 5]، أى تولدوا فى حالة الطفولة، من صغر الجثة، وضعف البدن، والسمع، والبصر، وجميع الحواس، لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر أجرامكم وعظم أجسامكم.
المرتبة السادسة: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ [الحج: 5]، وقد دخلت اللام هنا تأكيدا لها،
كما فى لِنُبَيِّنَ اعتناء ببلوغ الأشد، حيث يكون عنده التكليف، إذ هو المقصود من الإقرار فى الرحم، والمعنى: نمد أجلكم لتصلوا بهذا الانتقال إلى كمالكم فى القوة والعقل.
المرتبة السابعة: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [الحج: 5]، أى ومنكم من يتوفّى عند بلوغ الأشد أو قبله، ومنكم من يرد بالشيخوخة إلى أخس العمر، وهو سن الهرم، فتنقص جميع قواه، ويعود كهيئته الأولى فى أوان الطفولة من سخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما علمه وينكر من عرفه، فما أعظم هذه الدلالات على المراد، وما أوضح هذه الحالات على المقصود، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46].
ولما تم هذا الدليل بأحكم المقدمات وأصح النتائج، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد، وهو قوله تعالى: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5]، ذكر سبحانه دليلا آخر على البعث مشاهدا فى كل أحواله وملابساته، وهو قوله جل شأنه: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، أى ساكنة يابسة، فَإِذا أَنْزَلْنا بما لنا من القدرة، عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت وتأهلت لإخراج النبات وَرَبَتْ أى ارتفعت، وذلك أول ما يظهر منها للعين، ونمت بما يخرج منها من النبات الناشئ من التراب والماء وَأَنْبَتَتْ فيه مجاز؛ لأن الله تعالى هو المنبت، وأضيف إلى الأرض توسعا، مِنْ كُلِّ زَوْجٍ صنف بَهِيجٍ [الحج: 5] حسن المنظر، نضير باختلاف الألوان، والطعوم، والروائح، والأشكال، والمنافع، والمقادير.
الموضع الثالث من سورة الروم:
قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم: 8].
قوله تعالى: فِي أَنْفُسِهِمْ، إما أن يكون ظرفا للتفكير، والمعنى: أو لم يشغلوا قلوبهم الفارغة عن الفكر بالفكرة الصالحة، والتفكير وإن كان محله القلب، إلا أنه زيد قوله: فِي أَنْفُسِهِمْ لزيادة تصوير حال المتفكرين، كما يقال: أبصره بعينه وأضمره فى نفسه، وعلى هذا يكون المتفكر فيه هو قوله: ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على ما هما عليه من النظام المحكم، والقانون المتقن، فيعلموا أن الله تعالى لم يخلقهما
عبثا ولا جزافا، ولكن ليعتبر بها عباده، وليستدلوا بها على وحدانيته سبحانه، وكمال قدرته، وأنه إنما خلقها لمنافع العباد، بلاغا لهم فى دار التكليف، وعونا لهم على اكتساب ما يسعدهم فى دار الجزاء، وهو معنى قوله: بِالْحَقِّ والباء فيه إما سببية، أو حالية، أى ما خلقهما إلا للحق، أو ملتبسة بالحق مقرونة به، لا باطلا، ولا عبثا خاليا عن حكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مؤجلة بأجل مسمى، بعده يكون البعث، وفى قوله: وَما بَيْنَهُما ما يفيد أن هناك مخلوقات بين السماء والأرض بها كمال المنافع، وتمام النظام.
وإما أن يكون قوله: فِي أَنْفُسِهِمْ هو متعلق التفكير وموضوعه، والمعنى عليه:
هلا تفكروا فى أمر أنفسهم التى هى أقرب المخلوقات إليهم، وهم أعلم بأحوالها، حتى يتضح لهم كمال قدرة الله تعالى، فإن من تفكر فى تشريح بدن الإنسان، وما أودع فيه من غرائب التدبير الإلهى، حصل له العلم القطعى بأن الله تعالى فاعل مختار، كامل العلم والقدرة، منزه عن الشركاء والأنداد، وحصل له كذلك العلم بحقيقة البعث والجزاء؛ لأنه إذا تفكر فى نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال، وأجزاءه ماثلة إلى الانحلال، فيقطع، بأنه سيفنى عن قريب، فلو لم يكن له حياة أخرى، لكان خلقه على هذا النحو عبثا، كما أشير إليه بقوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 115]، وهذا ظاهر؛ لأن من بالغ فى تدبير شىء سيفنى عن قريب بالكلية، وصوره أحسن تصوير، واعتنى فى انتظام أحواله أبلغ ما يمكن من الاعتناء، مع علمه بأنه يصير عن قريب كأن لم يكن شيئا مذكورا، لا شك أن يضحك منه ويتعجب من
سفاهته، فمن تفكر فى شأن نفسه على هذا الوجه علم أنه تعالى خلقه للبقاء، ولا بقاء إلا بالحشر، فظهر أن تفكر الإنسان فى أمر نفسه يؤديه إلى القطع بأن العالم كله له، إله واحد قادر على الإبداء والإعادة، ويكون قوله تعالى: ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم: 8]، جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها، ذكرت بعد إقامة دليل الأنفس استدلالا بدليل الآفاق.
وبعد، فهذه براهين يقينية قطعية على إمكان البعث وجوازه، وأما تحقق الوقوع، فليس له إلا إخبار الصادق المصدوق الذى قامت المعجزة القاهرة على صدقه، وهو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يستدعينا أن نتكلم عن المطلب الثالث الذى أنكره الماديون، وهو إثبات رسالة محمد، صلوات الله وسلامه عليه.
المطلب الثالث: إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم:
يضطرنا إثبات هذا المطلب، أن نبين فى وجازة ضرورة النبوّات للبشر.
قال ابن سينا، كما نقله العلامة القاسمى فى كتابه دلائل التوحيد: من المعلوم أن نوع الإنسان محتاج إلى اجتماع وشركة فى ضروريات حاجاته، مكفيا بآخر من نوعه يكون ذلك الآخر أيضا مكتفيا به، ولا تتم الشركة إلا بمعاملة ومعاوضة يجريان بينهما، يفرغ كل واحد منهما صاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير، ولا بد فى المعاملة من سنة وعدل، ولا بدّ من سان معدل، ولا بدّ من أن يكون إنسانا، ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم فى ذلك فيختلفون، ويرى كل واحد منهم ما له عدلا وما عليه جورا وظلما، فالحاجة إلى هذا الإنسان فى بقاء النوع الإنسانى أشد من الحاجة إلى إثبات الشعر على الأشفار والحاجبين، فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضى هذه وتدع تلك التى هى أثبتها، فلا بد إذن من نبى هو إنسان متميز من بين سائر الناس بآيات تدل على أنها من عند الله، يدعوهم إلى التوحيد، ويمنعهم من الشرك، ويسنّ لهم الشرائع والأحكام، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن التباغض والتحاسد، ويرغبهم فى الآخرة وثوابها، ثم يكرر عليهم العبادات ليحصل لهم تذكر المعبود بالتكرير، واستفادة ملكة الالتفات إلى الحق والإعراض عن الباطل.
وفى هذا المطلب أيضا يسلك القرآن الكريم بالجاحدين والمنكرين مسلك الحث على النظر والاستدلال، وذلك فيما لابسه من أحوال شريفة، وما اتصف به من خلال كريمة.
قال الله تعالى فى سورة يونس: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس: 16]، جاءت هذه الآية الكريمة ردا على اقتراح المنكرين فى الآية السابقة: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس: 15]، وفى هذا الاقتراح منهم رمز وإشارة بأنه إنما أتى بهذا الكتاب من عنده لا من جهة الوحى.
وبيان ذلك أن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علما، ولم يشاهد عالما، ولم ينشئ قريضا ولا خطبة، ثم قرأ عليهم كتابا بذت فصاحته كل منطق، وعلا على كل منثور ومنظوم، واحتوى على قواعد علمى الأصول والفروع، وأعرب عن
أقاصيص الأولين، وأحاديث الآخرين على ما هى عليه، علم أنه معلم به من الله تعالى.
وما أبدع قوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس: 16]، أى أفلا تستعملون عقولكم لتعلموا أن مثل هذا الكتاب العظيم ممن لم يتعلم ولم يتتلمذ، ولم يطالع كتابا، ولم يمارس مجادلة، إنه لا يكون إلا على سبيل الوحى.
والآية فى فحواها ومعناها جواب عما دسوه تحت قولهم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس: 15] من إضافة الافتراء إليه صلى الله عليه وسلم، فهذا محمد قد انقضى شبابه وولى، وأشرف على نهاية العقد الرابع من عمره، دون أن يبدو من أمره شىء خارق، أو يند عن المألوف فى قومه إلا اشتهاره بالصدق والأمانة.
وفجأة، وفى هذه الفجاءة السر كل السر، إذا هذا الرجل الذى قطع ثلثى عمره هادئا ساكنا، يصبح داعية حق، فيقذف بالحق الإلهى على الباطل الجاهلى فيدمغه، آخذا بيد قومه إلى حيث نور الحقيقة الكبرى.
ثم لم يلبث أن اتصل صلى الله عليه وسلم بملوك الأرض وأباطرتها عن طريق الكتب والرسائل، يدعوهم إلى الهدى والرشاد، منذرا لهم بعذاب أليم، إن هم صموا آذانهم عن سماع دعوته، واعدا إياهم جنة النعيم إن هم آمنوا برسالته، ثم أتبع القول العمل، فسيّر جيوشه فى غزوة تبوك إلى حدود الشام.
وإن هو إلا وقت يسير بعد وفاته، حتى قام خلفاؤه الذين استقوا من نبعه واهتدوا بهديه يكتسحون الدنيا شرقا وغربا، وما هى إلا ثمانون سنة على ما قدره المؤرخون حتى كان أكثر من مائة مليون من البشر يدينون بدين هذا الأمى العربى عن طواعية واختيار وحب وإكبار.
واليوم بعد أربعة عشر قرنا من الزمان يزيد أتباعه عن ألف مليون من البشر، وهم فى ازدياد مستمر. وهذا أمر منقطع النظير، وحدث لم تشهد الدنيا له مثيلا بإجماع أهل الرواية والنقل الذين أنصفوا الحقيقة وصانوا لها حرمتها وقداستها.
هذا بالنسبة لتأسيس الدولة وقيامها فى تلك المدة الوجيزة، أما ما احتوته الدعوة من حقائق ونظم وتشريع، فهو أمر فوق القدر، ولا يأتى به إلا خالق البشر، فلو نظرنا إلى ما فى القرآن من تشريع لوجدنا فيه من القوانين والمبادئ الأساسية لتنظيم حياة الفرد والجماعة فى حالتى السلم والحرب ما لا زيادة عليه لمستزيد، فالحرية، والإخاء، والمساواة، والشورى، والتعاون الفردى والجماعى، كل ذلك نبه عليه القرآن وجلاه منذ
أربعة عشر قرنا من الزمان، فالحاكم والمحكوم أمام قانون الشريعة سواء، يقام الحد على أعظم الملوك سلطانا، وعلى أقل الناس شأنا، وفى فرض الزكاة تعاون جماعى
بين المسلمين وترابط قوى بينهم، يقيهم مصارع الهلكة، ومأساة البغى والحسد، كما أنه لا تفاضل فى الإسلام الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بالنسب، والمنصب، والجاه، بل بالتقوى، أعنى معرفة الله وتوحيده وطاعته، وما أبدع قول من قال:
لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينه
…
فلا تترك التقوى اتكالا على الحسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس
…
وقد وضع الكفر الحسيب أبا لهب
وفى هذا المعنى يقول عمر فى شأن أبى بكر الذى أعتق بلالا، رضى الله عن الجميع: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، إلى غير ذلك مما تضيق به الصحائف، ولا يتسع له الوقت، فالحق أنا لا نجد تفسيرا لهذا الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنه وحى من عند الله رب العالمين الذى أحاط بكل شىء علما.
ونسوق كذلك بعض آيات من القرآن الكريم تضمنت شيئا من الأبحاث الكونية والطبيعية التى لا مفر للماديين من الاعتراف بها، وبذلك يكونون محجوجين ملزمين بأن ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم وحى إلهى، وبالتالى أنه رسول حقا ويقينا.
1 -
قال الله تعالى فى سورة يونس: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: 5].
ففي قوله: ضِياءً إشارة إلى ما قرره الباحثون فى هذا الباب من أن القمر يستمد نوره من ضوء الشمس، حيث أن لفظ: ضِياءً يدل على معنى أجمع وأقوى من كلمة: «نور» ، وفى قوله: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، إشارة إلى علم الهيئات الذى هو فرع مهم من فروع علم الفلك، تدور عليه مصالح الناس ومواقيتهم.
2 -
قال تعالى فى سورة الحجر: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [الحجر:
19]، وقال بعد آية واحدة من نفس السورة: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: 21].
فالآيتان تشملان ما قاله الباحثون فى الطبيعيات، من أن العناصر الداخلة فى تركيب الأجسام تكون على نسب معينة، وموازين مقدرة، كما قال تعالى فى سورة
الرعد: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [الرعد: 8]، فالماء مثلا مركب من أوكسجين وهيدروجين بنسبة (1 - 2) وهكذا.
3 -
قال الله سبحانه فى سورة الأنعام: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: 38]، وفى ذلك إشارة إلى علم التاريخ الطبيعى، فبين الإنسان وهذه الكائنات تشابه فى الأجهزة الهضمية والتنفسية
…
إلخ.
4 -
قال الله جل شأنه فى سورة الأعراف: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31]، ونلمح هنا مبدأ هاما من مبادئ علم الصحة الغذائى.
5 -
قال تعالى فى سورة المائدة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة: 3]، وفى ذلك إشارة إلى ما يسمى بالطب الوقائى.
6 -
قال سبحانه فى سورة النساء: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: 110].
وفى ذلك إشارة إلى مبدأ هام من مبادئ الطب النفسى، ولقد عد علماء المسلمين اليأس من رحمة الله كبيرة من الكبائر، أخذا من قوله تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: 87]، كما عدوا الأمن من العقوبة كبيرة من الكبائر، إذ فى ذلك انتشار الفوضى، وانتهاك الحرمات، والجناية على الأنفس والأموال، ومن هنا قال القرآن الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فى صفة المؤمن الصادق: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9].
7 -
يقول جل جلاله فى سورة مريم: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: 28].
وفى ذلك إشارة إلى علم الوراثة وقوانينها، غير أنه لا يغيب عن البال ما قدمناه سابقا أثناء الكلام عن المطلب الأول عند الحديث عن مظاهر التدبير الإلهى، من أن عوامل الوراثة ليست ذاتية، بل هى سبب عادى يصح تخلفه.