الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اعتقاداتهم، وظهر هذا فيما تركوه لنا من آثار تشهد لهم بالإيمان بفكرة البعث والحساب بين يدى الله سبحانه وتعالى منذ آلاف السنين، وما تلك الآثار التى تطل علينا من أهرامات وشواهد إلا شاهد صدق على حقيقة هذا الاعتقاد، ودليل على سلامة ما كان يفكر فيه أولئك القوم.
إلا أن لوثة من الفكر السقيم سيطرت على مجموعات أخرى من الشعوب الجاهلة، قد اندست وترسبت فى أعماقهم، فجعلتهم يكفرون بالحياة الأخروية، وما بها من حساب، وعقاب، وبعث، ونشور، واعتقدوا أن ذلك ضرب من المحال، وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: 24].
فكان أولئك الدهريون أولى بأن تتجه إليهم الأمثال القرآنية؛ لتحارب هذه النزعة الفاسدة من نفوسهم، وتدعوهم إلى الإيمان بفكرة الجزاء، والثواب، والعقاب.
3 - البعث والنشور والحساب:
من كمال الإيمان بالله سبحانه وتعالى، الإيمان بكل ما جاء من قبله فى كتابه العزيز، وقرآنه الكريم.
وكما دعانا إلى الإيمان بوحدانيته، وعدم الإشراك به، دعانا كذلك إلى الإيمان باليوم الآخر، والاعتقاد الكامل فى أن هناك حسابا وعقابا يوم القيامة، يوم تجزى كل نفس بما عملت فى دنياها من خير أو شر.
وكما أنه لا يقبل فى حكم العقل أن يتساوى محسن مع مسىء فى دنيانا، لذلك كانت هناك آخرة لأيام الإنسان مهما طالت، ولا بدّ له أن يموت مهما طال به الأجل:
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل: 61]، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ [الصافات: 16، 17]، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: 3].
بذلك قضى الله، وكما حكم بالموت على الإنسان حتى الأنبياء، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30].
جعل هذا الموت نهاية لكل حى فى دنياه، ثم يبعثه مرة أخرى يوم القيامة، حيث
الحساب والعقاب، فإما إلى جنة، وإما إلى نار، حيث النعيم الأبدى، والعقاب الأبدى.
هكذا جاء فى القرآن الكريم، وفى شرع الله، ولكن هذه الحقيقة صدمت الكثيرين من أهل الجاهلية فى اعتقاداتهم التى ورثوها، وأخذوا يتناقلونها من أن الموت نهاية كل حى، ولا حساب، ولا عقاب، ولا بعث، ولا نشور، وإنما هى أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر.
وتصور الآيات القرآنية هذا التفكير والاعتقاد، ونسيان الآخرة، وما أعد الله فى هذا اليوم الموعود بقوله تعالى: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: 24].
اعتقدوا هذا الاعتقاد، وسيطر على تفكيرهم، حتى أنهم أرجعوا ذلك إلى الدهر، وما يأتى به من أحداث. كان هذا التفكير مقدمة إلى تفكير أهل الزيغ والإلحاد فى العصر الحاضر، الذى يقول بالطبيعة وما تجريه من أحداث.
الدين وما يأتى به فى القرآن الكريم تحارب هذا اللون من التفكير، والابتعاد عن استخدام العقل والمنطق فى تصحيح المسار، فكل شىء خلقه الله من حياة، وموت، وصحة، ومرض، وسعادة، وشقاء، ورزق، وفقر، والقادر على الإحياء قادر على الإماتة، والقادر على الإنشاء والبدء قادر كذلك على الإعادة مرة ثانية.
ودليل هذا من واقع الحياة، فالإنسان الذى ينشئ شيئا من غير نموذج سبق، يستطيع بعد ذلك أن يعيد ترتيبه وإعادته من جديد دون صعوبة فى ذلك.
وهكذا جابه الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الكافر الذى أتى بعظم قد رمّ، وفتته بين يدى رسول الله، وقال: يا محمد، أيحيى الله هذا بعد أن تفتت وأصبح رميما؟ قال:«نعم، ويدخلك النار» .
فالله قادر على أن يجعل العظم الرميم إنسانا، فقد خلقه أصلا من ماء مهين، ثم تطور فى بطن أمه حتى ولد، وصار إنسانا يجادل ربه ويخاصمه، ويطلب منه الدليل والبرهان، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: 77 - 79].
فإذا كانت النطفة أصل الإنسان، وسر نشأته الأولى، والله قادر على أن يجعل منها إنسانا، فهو قادر على أن يجعل العظم الرميم إنسانا.
استبعد ذلك الكافر إعادة الله ذى القدرة العظيمة، التى خلقت الشمس والقمر، والسماء والأرض، للأجسام والعظام الرميمة، ونسى نفسه الذى خلقه من ماء مهين، وأنه خلقه من عدم، وهو بكل خلق عليم، يعلم العظام فى سائر الأرض، أين ذهبت، وأين تفرقت وتمزقت، يجمعها بعضها إلى بعض، ويبعث فيها الحياة.
فلا مفر من الوقوف بين يدى الله للحساب على الصغيرة والكبيرة التى اقترفت فى الدنيا، فكل نفس بما كسبت رهينة، وعمل الإنسان واعتقاده هما المقياسان الجديران بالتقدير والإكرام، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ [القارعة: 6 - 11].
وقال تعالى فى آية أخرى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج: 5 - 7].
فى هذه الآيات استدلال على إمكان البعث، وإحياء الناس من قبورهم بتلك الأدلة المشاهدة بين أيدى الناس من واقع تكوينهم فى بطون أمهاتهم، وتطور حياتهم إلى نهايتها، ومن إحياء الأرض الهامدة بذلك الماء الذى يحييها بالخصب والنماء، فالله قادر على إحياء الموتى، وأن أمر الساعة حقيقة لا يصح أن تكون مجالا لشك أو ريبة، وأن الله يبعث من فى القبور لمحاسبتهم على أعمالهم فى دنياهم التى أحصاها عليهم فى كتاب مبين، ولا يظلم ربك أحدا، ولذلك جاءت الآية الكريمة فى سورة يس: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [يس: 12]، لتفيد قدرة الله على إحياء الموتى يوم القيامة، وأن أعمال الإنسان وأفعاله مسجلة عليه فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وسيجزى كل إنسان
بأعماله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ثم أعقب هذه الآية بذلك المثل وتلك القصة التى تناولت تلك القرية التى حاربت رسل الله إليها، وما كان من وراء ذلك من نتائج بالغة للفريقين، الذين آمنوا، والذين كفروا.
1 -
قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس: 13 - 27].
أمر من الله لرسوله، عليه الصلاة والسلام، أن يقص على كفار مكة، ومشركى قريش، ومن يناصبونه العداء، وينكرون ما يدعو إليه من دين ورسالة، وإيمان بالبعث والنشور، والحساب يوم القيامة.
يقص عليهم قصة تلك القرية الظالمة، التى جاءها رسل الله يبلغونهم دعوة الله، فقوبلوا بالتكذيب؛ لأنهم بشر مثلهم، وكأن الله فى اعتقادهم يجب أن يجعل رسالته فى جنس آخر من الجن، أو من الملائكة، حتى يكون كلامهم مسموعا، ومصدقا، ومسلما بصحته، وكانت المحاجة بين الفريقين، حاول الفريق المؤمن أن يثير فى نفوس أولئك الكفار دوافع الإيمان، بأن الله يعلم حيث يجعل رسالته، وأنهم لو كذبوا على الله فى التبليغ لانتقم منهم، وأنه سيعزهم بنصره وتأييده، وستكون العاقبة لهم، والفرصة سانحة للهداية، فإن أطعتم ربكم، كانت لكم السعادة فى الدنيا والآخرة، وإن لم تستجيبوا كانت العاقبة وخيمة، وكانت جهنم وبئس القرار مثوى لكم.
ثم كملت صورة المثل بموقف ذلك الرجل الصالح الذى سمع أولئك الدعاة،
ووعى ما يدعون إليه من أمور صالحات، فدعا قومه إلى الاستجابة لهم وعبادة الله الجدير بالطاعة والعبادة؛ لأنه الخالق القادر، الذى لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وبيده الخير، وهو على كل شىء قدير.
أما ما يعبدون من آلهة، فهى عاجزة عن حماية نفسها، وحماية عابديها، ولكن الكفار عاجلوه بالقتل، فأدخله الله جناته جزاء لطهارة نفسه، وثبات يقينه، وشدة تمسكه بالحق، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس: 26، 27].
تمنى فى موقفه بين يدى ربه أن يحظى قومه بذلك الظل الظليل من النعيم، بإيمانهم بالرسل، واتباعهم لأوامر الله.
هذا مثل مضروب لأصحاب قرية ظالمة، وأمر الرسول بأن يقصها على كفار قريش، فالمواقف متشابهة بين أصحاب القرية وكفار قريش، والأحداث تكاد تكون واحدة، والنتائج أيضا واحدة، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، وما أطلق الله عليه مثلا، فهو مثل لاستجماع شروط المثل فيه كما قدمنا من متمثل له، ومتمثل به، وتصوير حال، وتحقيق هدف.
فالعبرة من وراء هذه القصة واضحة، فى الدعوة إلى الاستجابة لكل دعوة بناءة، والإيمان القوى القائم على الدليل والبرهان، وبخاصة إذا كانا مأخوذين من واقع الحياة.
وقد أدى هذا المثل الغاية المقصودة من ورائه، فى لفت الأنظار إلى ما حدث قديما من أمور فى مجتمعات لا تختلف كثيرا عما يحدث فى مجتمعات أخرى بعد حين من
الزمن قد يطول، وقد يقصر، فالنفس هى النفس، والتفكير يتشابه، ويحتاج الأمر إلى الصبر، ومحاولة الإقناع بالدليل وبالبرهان، ويعرض ما يراد عرضه بأسلوب يجذب الأنظار، ويقنع العقل، ويرضى المنطق، وبخاصة لو صيغ هذا المثل فى ثوب فضفاض من القصص والأسلوب الحوارى الذى تبدو فيه الشخصيات المتنوعة، وما تعرضه من واقع وأحداث تكون بمثابة الدليل والبرهان على ما يعرض من أمور العقائد، وبخاصة الأساسية منها من إيمان بالله وحده، واتباع للرسول فى كل ما يأتى به، الإيمان بالبعث، والحساب، والنشور، الطاعة لله فى كل أوامره.
الرسول ما عليه إلا البلاغ، العمل من أجل الآخرة، الجهاد باب من أبواب الجنة.