الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معجزة القرآن الكريم:
هى معجزة قولية تشاهد بالبصر والبصيرة، تخاطب العقل والوجدان، ولا يقتصر الإيمان بها على من عاصرها، وإنما يستمر لمن أتى بعدها، وهى أيضا لكل مخلوقات الله من إنس وجن، وصالحة لكل زمان ومكان، وخاتمة أيضا لكل الرسالات السابقة، ومصدقة بكل ما جاء به الأنبياء السابقون، لذلك كانت رسالة عامة، جامعة، خاتمة.
ولكن ما خصائص هذه المعجزة؟ وما أوجه إعجازها؟
لو نظرنا إلى القرآن الكريم، لوجدناه معجزة قولية، أمد الله بها رسوله محمدا؛ ليهدى بها أصحاب البلاغة والفصاحة، والذين يعرفون أسرار الكلمة، وما توحى به استخدامات اللفظة، وما تهدى إليه استعمالات الأساليب، هذا بالإضافة إلى أنهم قوم لدّ فى خصومتهم، مرنوا على الجدال والخصام، وبرعوا فى تطويع الكلمات لأغراضهم وأفهامهم، ونجحوا فى فنون القول من شعر، وحكمة، ومثل، ونثر، ولهم فى ذلك مجالات خصبة استوجبوا لأنفسهم بها زعامة القوم من بدو وحاضرة، والتقدير الأدبى فى أسواقهم الأدبية التى كانت تعقد فى مواسم الحج وغيرها، وتجمع كل الناس الذين ينطقون الضاد بين صفوفها ليتذوقوا الكلمة، وما تتركه فى وجدانات الناس من تأثير، وفى عقولهم من تغيير، وما تثيره من اتجاهات وعقائد، واختيار السبل التى تعالج الأوضاع الاجتماعية، والروحية، والاقتصادية.
لذلك كان التحدى بهذه المعجزة القولية سافرا أمام القوم فى كل ناد ومجتمع، يقرع آذانهم بلفظه، ومعانيه، وطرائقه، وأساليبه، فيبهتون، ولا يستطيعون تصرفا فى قول، أو محاكاة فى أسلوب، تحداهم القرآن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بأقصر سورة كذلك، ولكن هيهات أن تقف قدرة عاجزة قاصرة خاسرة أمام قدرة الله التى أوحت بهذا القول لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا القرآن شاهد على صدق الرسالة أولا، فمن تدبر فى آيات الله، وجد أنها من عند الله، لا تمت بصلة إلى بشر، وإذا ثبت ذلك، دل على صدق الرسول المبلغ به.
لقد أعلن أحد زعماء قريش، وهو الوليد بن المغيرة، عجزه حينما ذهب إلى محمد يعرض عليه تلك المغريات التى اعتقد أنها تستطيع أن تغير مسار دعوة محمد، أو تغريه بمظاهر الحياة كما تغرى أهل الدنيا، أو تفتّ فى عضده، وتوهن من عزمه، فقرأ عليه
السلام قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90]، فما كان منه إلا أن رجع إلى قومه، وقال: والله لقد سمعت كلاما ما هو بكلام الإنس، ولا بكلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسلفه لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى.
كلام زعيم من زعماء الرأى والمشورة والبيان، ويعرف محمدا فى نشأته وفى صباه، ويعرفه فى مراحل حياته معرفة سماع أو مخالطة فى بيئة ضيقة يتصل فيها المجتمع بعضه مع بعض، وتتقسم فيه العائلات والأسر وظائف الحياة التى يحتاج إليها المجتمع، فى ذلك المكان الذى هيأه الله لعبادته، وأرسى فيه القواعد أبو الأنبياء إبراهيم، عليه السلام؛ ليكون أول بيت لله فى الأرض لعبادته.
كانت للقرآن ولا تزال تلك المكانة العليا التى أرادها الله لكلمته الهادية، والتى عبرت عنها الآيات القرآنية فى وصف أثره فى نفوس المؤمنين به فى قوله تعالى:
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ [الزمر: 23].
وفى آية أخرى: إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: 107 - 109].
كتاب معجز يخاطب العقل والوجدان، ويرسل هدايته إلى كل جبل يتحدى بإعجازه الزمان والمكان؛ لأنه من لدن حكيم خبير.
وهذه المعجزة من جملة ما نطقت به الألسن، وما جرى فى الاستخدام اللغوى من حروف وألفاظ، ولكنها فى الذورة من البلاغة التى لم تعهد فى تراكيبهم الأسلوبية، ولم تتخلف هذه البلاغة، ولم تضعف هذه الفصاحة، بالرغم من كثرة سوره، وتكرار موضوعاته وأغراضه، واختلاف أساليبه وعباراته من إيجاز، وإطناب، وتقديم،
وتأخير، حتى أن هؤلاء العرب وحذاق الكلام مع شدة عداوتهم للإسلام، لم يجدوا فيه مجالا لطعن، بل قالوا: إنه ليس من جنس الخطب والشعر، وبدءوا ينسبونه إلى السحر مرة، وإلى أنه إفك مرة أخرى افتراه محمد، وأعانه عليه قوم آخرون، أو أساطير الأولين اكتتبها، فهى تملى عليه بكرة وأصيلا.
افتراءات واتهامات اتخذت طريقها إلى شخص الداعى، وهو الرسول، ولم تتجه إلى صلب القرآن الكريم وما به من إعجاز، لعلمهم اليقينى أنه ليس من كلام البشر، وليس فى مقدورهم الإتيان بمثله، لذا كان من جانبهم التحذير لأنفسهم ولأصحابهم من الاستماع إليه، فقالوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:
26].
ومع شدة عداوتهم للرسول، وكفرهم بما جاء به، كانوا يتسابقون خفية إلى الاستماع لهذا القرآن، ثم إذا انكشف أمرهم، تعاهدوا على عدم الرجوع مرة ثانية، وكتمان هذا الأمر حتى لا يفتضح أمرهم أمام قريش.
كل هذا يدل على أن القرآن معجزة رسول الله العقلية ببلاغته، ووجوه إعجازه العديدة التى لا تقف عند لون معين، وطريق واحد، وقد عجز العرب عن الإتيان بمثله، ولكن أخذتهم العزة بالإثم، إذ كيف يخضعون لمحمد، ويتركون دين الآباء والأجداد، ويعبدون الواحد الأحد، ويتنازلون عما لهم من كبرياء؟ دفعهم ذلك كله إلى أن يقفوا من رسول الله موقف المحاربة والقتال؛ للصد عن سبيل الله، وقد يعرضهم ذلك إلى سبى نسائهم وأطفالهم، وقتل الرجال منهم، وبذل المال الكثير فى سبيل المعارك، وإعداد العدة لقتال المسلمين.
لماذا اختار العرب المشركون موقف المحاربة من محمد؟ اختاروا هذا الطريق، مع ما فيه من تضحية ودم ومال؛ لأنهم أنفوا أن يقروا بعجزهم أمام تحدى الرسول صلى الله عليه وسلم لهم فى كل وقت وحين بهذه الآيات القوية فى دلالاتها: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة: 23، 24]. وقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: 88].
ولو كان هؤلاء الكفار من قريش وأتباعهم يظنون أن محمدا يستعين بغيره من القارئين والأحبار والرهبان، لأمكنهم أيضا أن يلجئوا إليهم ويستعينوا بهم، فلما لم يفعلوا ذلك، وآثروا أن يقفوا من محمد موقف المحاربة والنزاع، دلّ ذلك على أن القرآن معجز، وأن بلاغته ووجوه إعجازه عديدة، لا تقف عند حصر، فلا يستطيعون لها تقليدا، ويعجزون عن معارضتها.