الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اجتهادات العلماء فى هذا المجال تقوم على معرفة الغرض والحكمة من وراء سوق العبارات، فإذا أبرزت الآيات صورة كاملة لحالين متشابهين فى أمور ممتزجة لا انفصام بينها، كان ذلك مثلا قياسيا، ولو خلا من كلمة مثل، أو شبه، أو ضرب، ما دام يخدم الفكرة ويوضح الغاية فى رأيهم، وبمقتضى هذا الفهم يتسع المثل، فيشمل كل ما ورد فى القرآن الكريم من أحوال السابقين من قصص، وذكر أحوال، مثل: أخوة يوسف، وقصة موسى، وعيسى، وأهل الكهف، وغيرهم مما حفلت به الآيات القرآنية وسور القرآن الكريم، وعرضته بغية الوعظ والاعتبار. ولا نغالى إذا قلنا: إنه ما من آية إلا وتحمل فى طياتها دعوة، وعظة، واعتبارا، وعرضا لأحوال السابقين، ما عدا تلك الآيات التى تبين تشريعا، أو تضع قواعد، وتكاليف، وأمور عبادات.
لذا فنحن لسنا مع أولئك القائلين بهذا القول، أو الذاهبين هذا المذهب، فلا يصح أن نخضع هذا الأمر لقياسات العلماء، أو القواعد التى يطبقون عليها، فالأمر يجب أن يكون بخلاف ذلك، والعكس هو الصحيح، وهو أن تقعد القواعد، وتوضع الموازين على هدى كتاب الله، اللسان العربى المبين، والصياغة التى وردت فيه، فهى النموذج الأمثل.
لقد فعل أصحاب القواعد النحوية مثل هذا، وذهبوا هذا المذهب، ولم ينكر عليهم أحد اتجاههم هذا إلى وقتنا الحاضر، فقد جعلوا القرآن الكريم هو الأصل، وما عداه مقيس عليه، يصلحون من قواعدهم، ويتلمسون العلل فيما أتى مخالفا للنموذج لأنفسهم.
وهذا الجهد الحميد من أولئك العلماء، علماء البلاغة، لا ينكر، والاجتهادات التى توصلوا إليها من بلاغيين، ومفسرين، وعلماء، فى هذه الميادين، اجتهادات ولا شك مشكورة، حفرت الطريق أمام السائرين، ومهدته لكى يواصل المسيرة من أراد فى طريق النماء العقلى، والتقدم العلمى، حتى وقتنا الحاضر، ولمن يأتى بعد ذلك.
تمهيد:
وراء كل عمل فلسفة معينة تدفع إليه، وتكون حافزا لإتمامه على نحو معين، يصدق هذا على كل مجالات الحياة، ويبرر كل خطوة يخطوها الإنسان فى فكره، وعمله، وإبداعه.
وأعمال الله سبحانه وتعالى جلّت عن الشبيه والنظير، وتنزهت عن اللهو والبعث، إنما كانت لتحقيق غاية وحكمة تقتضيها مصلحة الإنسان والحياة، وتتناسب مع ذلك التكريم الذى كرّمه للإنسان، إذ خلقه فى أحسن تقويم، وللتمييز الذى ميزه به عن بقية المخلوقات، إذ جعله مناطا للتكليف، وحمله تلك الأمانة الكبرى التى عرضها على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان.
أراد الله لهذا الإنسان أن يكون خليفة فى الأرض، يعمرها، وينتفع بخيراتها، ويستفيد بتلك الكائنات والمخلوقات التى سخرت له من حيوان، ونبات، وأرض، وسماء، وجبال، وأنهار، ونجوم، وأفلاك
…
إلخ ما خلق الله، وهو كثير، ووقع تحت علم الإنسان، ومعرفته، أو الذى لم يستطيع أن يصل إلى أسراره، وفك طلاسمه، ولم يقع تحت سيطرته بعد.
أبدع الله كل ذلك على هيئة مهيأة لفعل من الأفعال المناسبة لخلقة الإنسان، وفطرته التى فطر عليها، وعقله، وإرادته، فهذا كله جعله فريدا بين مخلوقات الله، ومهيأ لتلقى العلم، مستفيدا بما يحصل عليه، قادرا على تحصيل ما لا تستطيعه الملائكة من ذات أنفسهم، والذين يفعلون ما يؤمرون، فالإنسان بهذه الفطرة التى تلتقى مع العقل، يسلك طريقه فى الحياة، إما على هدى من الأمر، أو انحراف إلى الضلالة حسبما تؤثر فيه المؤثرات والعوارض المختلفة التى تنتاب نفسه، فتلهمها فجورها وتقواها، وتدفعها إلى فعل الخير، أو اقتراف الشر.
ولكن كما قال الله تعالى فى محكم قرآنه: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 30]، عرف أن الإنسان بإمكاناته السابقة لا يستطيع أن يجعل نفسه بمنأى عن تلك العوارض التى تؤثر فى مسار حياته، وأنه بحاجة إلى تكميل من نوع هذه المخلوقات، ومن نفسه، فكانت حكمته أن جعله أهلا للرسالات، وتلقى أوامره ونواهيه، واصطفى له من جنسه من يراه أهلا لتبليغ رسالته، وحمل كلمة الله إلى القلوب والعقول، فتتحقق الهداية، وتكون العبادة خالصة لوجهه الكريم، مبرأة من الدوافع والغايات، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56 - 58].
من هذا المنطق، وجدت أن خير بدء لهذه الموضوعات التى تعالجها الأمثال القرآنية
هى تلك البداية الحقة التى بدأ الله بها رسالته الخالدة، رسالة الإسلام، عن طريق الوحى الذى نزل به جبريل، عليه السلام، على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
بداية اليقظة العقلية والروحية التى كانت بداية حقيقية لهذه الإنسانية التى أرادها الله، بداية التعرف على موجد الكائنات، وخالق الإنسان، وإزالة الغشاوة التى رانت على العيون والعقول والقلوب، فباعدت بينها وبين الحقيقة الكبرى، وهى معرفة الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذى لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، معرفة حقيقية جديرة بخطوات ذلك الإنسان الذى خلقه الله على هذه الأرض، خطوات تنبع من تلك الكلمة الآسرة، الآمرة لرسول الله، وللإنسان العاقل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1 - 5].
البداية بالعلم، والعلم هو المعرفة بكل ما تحمله هذه الكلمة فى طياتها من معان المعرفة بكل ما يقع فى الحياة، والنفس، والكون، وبكل ما تحتاج إليه هذه النفس البشرية فى حياتها ومجتمعاتها وعقائدها، العلم بحقيقة الوجود، وموجده، بالله خالق الخلق، والإيمان بوحدانية الله، وتنزيهه عن تلك الأفكار الضالة الجاهلة التى تفشت، فأوقعت النفس فى الشرك بالله، واتخاذ الأصنام والأحجار، والمعبودات الباطلة، التى لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعا ولا ضرا، ولا حياة ولا نشورا.
المعرفة إذن هى الطاقة التى فتحت بأنوارها الكاشفة، فكانت البداية لتطهير النفس البشرية، حتى تكون فى صفائها ونقائها، أهلا لتلقى أمر الله بالتكاليف والأوامر، واتباع ما يأتى من قبله بإيمان واقتناع يعلى من شأن الإنسان كإنسان له رأيه الخاص الذى ينفرد به، وله شخصيته الواضحة التى تخلعه عن الاتباع والتقليد لمن سبقه من آباء وأجداد، فى هفواتهم، وسقطاتهم، وجهالاتهم، والتى يقولون فيها: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة: 170].
فهذا التقليد يتنافى مع إيمان المؤمن القوى بعقله، وروحه، وقلبه، ويجعله مسخا مشوها للإنسان الذى يجب أن يزن الأمور بميزان العقل، ويعلم أن لكل شىء نهاية، وأن وراء كل عمل جزاء، وأن الفرق بين الحق والباطل واضح، ويترتب على ذلك حساب الله وعقابه يوم القيامة، الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
[غافر: 17]، وأن أولئك الضالين الذين يقولون: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: 24]، إنما يهدرون آدميتهم، فهم كالأنعام بل أضل سبيلا.
وإذا كانت هذه الملامح هى أولى خطواتنا على الطريق، فإن الأمر يستدعى أن تكون خطواتنا بمكة، حيث نبتت الدعوة، وننطلق معها، لنتعرف عليها فى جوها ومجالها، حتى تكون الصورة واضحة، فبعد أن نرسى القواعد الأساسية للاعتقاد، ويقام البناء على الإيمان بوحدانية الله، والإيمان باليوم الآخر، والحساب والعقاب، وتحارب التقليد، وإغفال العقل، تبدأ النفس الإنسانية تتوزعها نوازع شتى من خارج بيئتها الحقيقة، فتجد معها فى طريق الحياة من يتناقض مظهره مع مخبره، وأقواله مع أفعاله، ويبدى شيئا ويخفى آخر.
وهكذا نقائض فى الحياة بدأت تطل برأسها، وتعكر صفو الحياة، وجوهر الدين وحقائقه، فكان لا بدّ من كشف ذلك، حتى يتطهر المجتمع من أدرانه، وينقى من شوائبه، حتى يكون المجتمع سليما فى صفوفه، قويا فى بنيانه، لا تهزه كلمة، ولا تؤثر فى عزيمته شائعة.
فهذا النفاق الذى أطل برأسه فى المدينة، دفعت إليه ظروف المجتمع الجديدة، وضعف فى بعض النفوس، ودسائس من المخالفين من أهل الديانات الأخرى، فاحتاج الأمر إلى تطهير الأرض من عوامل فسادها فى العقيدة، والشخصية، والنفوس، وتهيأ لذلك النبت الجديد الذى تحوطه عناية الله بالحفظ والصون، وبكل ما يمده بأسباب الحياة، أن يقوى ويشتد بفعل الطاعات، واجتناب المحرمات، وبالبذل من جانب المؤمنين بإنفاق المال، والتحكم فى النفس الشحيحة، فكان الإنفاق والدعوة إليه من مقومات بناء المجتمع الجديد، الذى يقوم على الالتزام والعمل من أجل الآخرين، والدفاع عن العقيدة، يقبل على ذلك رغبة فى رضا الله سبحانه وتعالى، لا طلبا للشهرة، وإنما هو الإحساس بالمسئولية حيال أولئك الذين يتصدون للدعوة، ويحاولون إطفاء نور الله، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [التوبة: 32].
وإذا كان العمل فى هذا البناء يحتاج إلى تضحية بالنفس فى صد اعتداءات المعتدين، وهجمات الحاقدين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله، فهو يحتاج كذلك إلى اليد التى
تنفق، والنية الحسنة التى تفعل الخير، والمال الذى تقوم عليه الحياة.
وكل هذا عن طريق الترغيب فى مجالات الخير بكل أنواعه؛ ليفوز المؤمن بثواب الله، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران: 133، 134].
وإذا كان للترغيب صولته ومكانته فى الدعوة إلى الخير، والصالح من العمل، ففي المقابل كذلك يظهر جانب التحذير لعلاج تلك النفوس الخبيثة التى جبلت على الشر، والبخل بالمال، أو انحرفت عن جادة الصواب، وسلكت طريق الضلال، فارتكبت المعاصى، واجترحت السيئات، وابتعدت عن عمل الخير، وكانت عونا للشيطان، فخضعت لمغريات الحياة وشهواتها، وسقطت فى حمأة الرذيلة، وساءت نية وخلقا، وخرجت بذلك عن دائرة التكريم الذى منحه الله لها، بأن جعلها خير مخلوقاته، والجديرة بتحمل أماناته فى الحياة الدنيوية التى يحياها الإنسان.
ثم يكون بعد ذلك التسلسل الطبيعى أن تتجه الأنظار إلى القيادة المختارة من قبل الله، والمصطفى من عباده؛ لحمل هذه الأمانة والرسالة، فيأتى الرد على أولئك الذين يعترضون على رحمت الله، وينكرون أن يكون الرسول بشرا، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 32].
بل ويقترحون على محمد صلى الله عليه وسلم الاقتراحات التى لو استجيبت، لكان فى ذلك هلاك أولئك القوم وتدميرهم تدميرا، ولكن رحمة الرسول التى جبل عليها كانت سبيلا إلى إبعاد الهلاك عنهم، فلعل ذرية تخرج من أصلابهم تسبح الله وتحمده.
وهكذا كان الرسول كما عبر القرآن الكريم: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159].
وبعد دور القيادة يأتى دور الشخصية المسلمة السوية، وكيف تكونت، واقتدت بالرسول الإنسان الكريم، فى خلقه، وعمله، واتباعه لسنته، حتى ظهرت تلك النخبة الصالحة التى فتحت الآفاق، وأشعت هذا النور فى كل الأرجاء.
ما سر ذلك؟ وما المنهج الذى ربوا عليه؟ ذلك هو الدور الأخير الذى يحتاج إلى تبيان، كى نرى منهج القرآن الكريم فى علاج هذه النفوس التى تتوق إلى علاج فى وقتنا الحاضر.