الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لقد تعرضت هذه النفوس لمناهج عديدة أخذت ترسم لها طريق الحياة بنزعات أصحابها ومفكريها، واصطدمت بنظريات عديدة ما لبثت أن تهاوت، فلم تفلح فى علاج نفس، ولم تقض على أزمات الحياة بألوانها وأشكالها، وكانت النتائج لذلك وخيمة فى أمراض نفسية عديدة، وأزمات أخلاقية شملت الأفراد والجماعات.
ولذا فإن الاتجاه إلى تلك المناهج الربانية من ينابيعها الأساسية هو ولا شك خير طريق إلى الفلاح، على أن نحسن الفهم، ونعدل فى التطبيق، ونساير الحياة بمتطلباتها العديدة.
1 - الدعوة إلى الإيمان بالله ووحدانيته:
وهى دعوة قام عليها الدين، وبنى عليها أوامره ونواهيه، وجعلها أساس العقيدة الصحيحة التى يعتقدها المؤمن بربه، والتوحيد معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفى الأنداد عنه جملة (1).
وقد شغلت قضية البحث عن الله العقل الإنسانى من قديم الزمن، فمنهم من آمن بأن الله موجود، نظر إلى كل ما خلق الله حوله، واستمد منه يقينه ومعتقده فى تلك المظاهر التى تدل على الخالق والمبدع من أرض وسماء، وإنسان وحيوان، ونبات وجماد
…
إلخ، ورأى فى كل ذلك نظاما مرسوما، وقدرة فائقة تدل على مبدعها ومنشئها، فلا يعقل أن تكون قد خلقت بدون خالق، وآخرون أخذوا أنفسهم بالبحث عن دليل يؤيد فكرتهم ودعواهم الباطلة التى لا تؤمن إلا بالماديات، وبما يقع تحت الحواس، وهم لذلك ينكرون المغيبات من وجود الله، والملائكة، والبعث، والحساب، واليوم الآخر، وما فيه، ويجعلون حواسهم هى الطريق إلى الإيمان بمقاييس يضعونها لأنفسهم مع علمهم بقصورها، فهناك أشياء موجودة ويعرفونها، ولا تستطيع حواسهم أن تعرف عنها شيئا، مثل الروح، يجهلون حقيقتها، ولا يعرفون عنها شيئا، علما بأنها ثابتة وموجودة، ويحكمون بعد ذلك الحكم الفاسد أن الطبيعة هى التى خلقت هذا العالم وما فيه، وهذا الكون وما يسير عليه من نظام بديع لا يتغير ولا يتبدل، نسى أولئك القوم تلك الحقيقة البدهية أنهم إذا أرجعوا ذلك كله إلى الطبيعة، فمن أوجد الطبيعة؟ أأوجدت نفسها؟
(1) انظر: كتاب التعريفات لعلى بن محمد الشريف الجرجانى (ص 73).
سؤال يحتاج إلى إجابة، ولا يستطيع أولئك القوم أن يجيبوا، لضلالة فى نفوسهم، وضيق فى تفكيرهم، وغياب فى عقولهم. إن كتاب الله بين أيدينا يدعو العقل إليه:
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [الملك: 1 - 3].
حجج وأدلة تهدى من يريد الله له الهداية واستخدم عقله وحواسه فى مواطنها التى خلقت من أجلها، وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً [الأحقاف: 26]، وليس من المغالاة
إذا قلنا: إن كلام الله وقرآنه قد وجه كل آية إلى أولئك الذين ألغوا عقولهم وتفكيرهم واتجهوا اتجاهات باطلة فى عبادة غير الخالق الذى رزقهم وأطعمهم وسقاهم وبيده الخير، انحرفوا إلى عبادات باطلة تتمثل فى آلهة يعتقدون ألوهيتها، وأصنام يصنعونها بأيديهم ثم يعبدونها، وظواهر طبيعية تبدو لهم فى رعد وبرق، ومخلوقات خلقها الله بقدرته من شمس، وقمر، وملائكة، وحيوانات، اعتقدوا فى ذلك النفع والضرر، وآمنوا بها وهم يعلمون أنها لا تقدم ولا تؤخر، ولكنهم مع ذلك أسلموا إليها قياد أنفسهم، يستشيرونها فيما يقدمون عليه من عمل وما يريدون إنجازه من أمور، يضربون القداح، ويستقسمون بالأزلام، ويرضخون لعادات باطلة من صنع أيديهم، وإلغاء عقولهم.
تأخرت بهم تلك المعتقدات الباطلة عن انتشال أنفسهم من مهاوى الضلال، والتقليد، وباءوا بخسران مبين، حتى أصبحت الهوة شاسعة بينهم وبين غيرهم من الشعوب المجاورة، والمجتمعات الأخرى التى تمتعت بقسط وافر من التقدم فى مجالات الحياة، وتحقيق النظم الاجتماعية المتطورة.
هوة شاسعة بين طريقين: طريق جهالة، وطريق علم، تقدم وتأخر، تفكك وتجمع.
لم يرجع هؤلاء الذين أرسل إليهم رسول الله إلى فطرتهم التى فطرهم الله عليها، وكانت كفيلة بالأخذ بأيديهم إلى القرب من الصفاء، والتقاط الهداية من قبل السماء، فالإنسان الذى يولد على الفطرة لا يرى غير وجه الله، وقد دعت ذلك الأعرابى الذى لم يتلوث بأضاليل الشياطين من إنس وجن، ولم يحجب ذلك النور الإيمانى من سرعة الظهور، حينما سنحت فرصته، غطاءات من أدناس النفس والحياة، حينما سمع
الأعرابى ذلك النداء إلى الإيمان بالله الخالق، والموجد، الرازق، قال: إن البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، أفلا يدل ذلك الكون بأرضه وسمائه على الخالق القدير؟
ونفس الموقف تعرض له رجل آخر، وإن كانت له سابقة من أدناس النفس حجبت عنه الضوء فترة من الزمن، وقعدت به عن سرعة الاستجابة إلى الله، بل كانت له مواقف محاربة ضد الدعوة الإسلامية، فقد كان عكرمة بن أبى جهل من أولئك الذين لهم سهم معلوم فى موقف الكفار المعاندين للدعوة فى مكة.
أحاط الهول والخطر بعكرمة، وهو هارب إلى الحبشة على ظهر سفينة، ورأى الناس يدعون الله أن ينقذهم من ذلك الخطر الداهم، فقال لهم: ألا تدعون آلهتكم؟ فقالوا:
إنها لا تقدر على ذلك، فكانت هذه الإجابة سببا فى رجوعه إلى صوابه، وأدراك حقيقة ما هو عليه من باطل، وحاجته إلى ذلك النور الجديد، كى ينقذ نفسه وحياته، فعاد إلى مكة، وآمن بالله ورسوله، وكان من جند الله المخلصين.
فطرة صافية وصلت إلى تحقيق إيمان كامل ثابت فى نفس صاحبها، وعقيدة عجزت عقول الكثيرين عن الوصول إلى نتائجها مع ما اتصفوا به من كمال عقل، وفصاحة لسان، وقوة منطق، وبلاغة أسلوب، ومع ما لديهم من سابق معرفة بأخبار الأمم وأحداثها، وما يصل إلى مسامعهم من بشارات الكتب السماوية الأخرى التى تنبئ بعهد جديد فى الاعتقاد والالتزام، وطهارة المسلك والطريق.
ما كان من أولئك الذين أرسل إليهم رسول الله إلا الانحراف فى الفكر، وإلا الضلال فى العقيدة، سار فى ذلك الكثيرون وأعانهم على ذلك شياطين الإنس من أرباب الكهانة، والسيطرة الدينية، ممن يعيشون فى كهوفها، ويريدون أن يكون الجميع على منوالهم، يسيرون فى طريق الفساد، وأعوانا للشياطين فى الأرض، فكانت الآلهة أصناما، وأشجارا، وملائكة، وأشخاصا
…
إلخ، مما باعد بينهم وبين الحقيقة الباهرة التى يجب أن يعيشوا فى نورها، ويرتقوا بأنفسهم وفكرهم إلى مستواها، ألا وهى حقيقة التوحيد.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: 73، 74].