الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والصغير، والغنى والفقير، والقوى والضعيف، وتضامن فى جميع الأوقات والأزمات على مستوى المجتمع والعالم الإسلامى، فلا تكون هناك دولة فقيرة ترزح تحت نير الجوع، والحرمان، والفاقة، والعوز، وأخرى تنعم بطيبات الحياة، وما بها من ترف وتخمة فى المأكل والمشرب والمسكن.
أفلا نتعلم من طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أول درس له فى بناء المجتمع الفاضل قائم على التقوى والإيمان؟. ألا نرى كيف استلب الأحقاد من الصدور، والغل من القلوب، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: 9].
تطبيق جدير بالالتفات والأخذ، يقوم على المال وتثميره، وإنفاقه فى وجوه الخير، وإبعاده عن المظالم وما تجره من طحن للناس واستبعاد لأجسامهم وجهدهم.
هذه هى دعوات الإسلام إلى إنفاق المال واستغلاله، والترغيب فيه، والتحذير من مغبات الشح والبخل، وإلقاء النفس فى المهالك.
النفس الإنسانية:
لكل شىء خلقه الله سبحانه وتعالى حكمة من وراء وجوده، وقد تظهر هذه الحكمة أمام تفكيرنا وأعيننا، وقد تغيب عن أبصارنا وعقولنا فترة من الزمن، ثم تبدو بعد ذلك، فلم يخلق الله الكون عبثا أو لهوا، حاشا لله، وإنما خلقه لحكمة أرادها، وغاية قصدها، وكذلك لم يخلق الإنسان ليكون كبقية مخلوقاته الكثيرة فى أرضه وسمائه، وبحاره ومحيطاته، وهوائه وسحابه، وشمسه وقمره، وأفلاكه وملائكته، وإنما خلقه ليحقق هدفا إليها، وغرضا عبرت عنه الآيات القرآنية: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56 - 58].
بتلك القوة القادرة، القاهرة، الخالقة، وبتلك الإرادة الإلهية خلق الإنسان ليعمر الكون، وليكون خليفة له فى أرضه، يعمرها، ويحيا على ظهرها، ويقوم بعبادته وطاعته لله، استجابة لأوامره، واستغلالا لما خلق الله فيه من عقل مميز.
هيأ الله لهذا الإنسان الأسباب الكثيرة التى تحقق هذه الحكمة، وتمهد لها، فخلق مع الإنسان الضعيف الجسم أسلحة الحياة التى تمكنه من التغلب على وحوشها الضارية، وأحجامها الكبيرة، أسلحة وأدوات، ووسائل تميزه على بقية المخلوقات التى تقابل
صعوباتها بمخلب وناب، وتتغلب على أزماتها بحجم ومنقار، فإذا تشابه فى تلك الحواس الظاهرة التى تتمتع بها كل المخلوقات من حواس السمع، والبصر، والشم، والذوق، والجسم، فإن طريقة استخدام هذه الحواس، وحسن استغلالها فى تحقيق أهدافها، مما يميز الإنسان عن غيره.
فالعين تبصر وتؤدى وظيفتها فى رؤية الأشياء بالنسبة لكليهما، ولكن أن تكون طريقا إلى الهداية والاستدلال وتنمية العقل، فهذا مما كرم الله به الإنسان، وجعله محلا للتكليف، وكذلك الأذن تؤدى عملها فى السمع، وقد تكون الحيوانات أقوى سمعا، ولكن أن تكون طريقا إلى العلم، والمعرفة، فهذا مجال آخر جعله الله سبحانه من
خصائص الإنسان، وقد يختلف فيه إنسان عن آخر مما يدل على قدرة الله.
وهكذا فى بقية الحواس والوظائف المتشابهة، أسلحة وأدوات، ولكنها فى جانب الإنسان لها وظائف أخرى تعلو فوق الحاجة المادية إلى الجوانب الروحية والعقلية التى بها يتسامى على غيره، وتجعله مناطا للتكليف وعمارة الكون، لذلك فالتشابه الظاهرى ليس هو المقياس الحقيقى للتمييز، وإنما فيما يكمن وراءه من انطباعات، وآثار، وهدايات.
يقول الله سبحانه وتعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: 38].
نعم أمم لها خصائصها، وذواتها المستقلة التى تكتب التمييز لفريق على فريق فى مظاهر عديدة من حيث الشكل، والتكوين، والقوة، والخصائص، ومنها الإنسان الذى يدب على الأرض، خلقه الله فى أحسن تقويم من الخلق والخلق، والتكوين النفسى والعقلى، ليتحمل مسئولية الحياة الحقيقية، وحمله أعباء الأمانة التى عرضها عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: 72].
ظلم الإنسان نفسه، فقد حرمها من أداء مهمتها فيما خلقت من أجله، وما هيئت له من تحقيق الكرامة لها، والفوز بالسعادة الروحية، وسلامة الاعتقاد، وذلك بأعماله وسلوكه فى الحياة، ذلك السلوك والعمل الذى جانب الصواب، وكذلك ظلم غيره من الذين تحملوا أداء الرسالات والدعوات الصالحة من أنبياء ورسل، فلم يستجب لهم،
وأنكر دعوتهم، ووقف أمامهم موقف المحارب والمعاند لرسالتهم، وبهذا الظلم الذى بدر منه لنفسه ولغيره كان معول هدم لهذه الحياة التى أوجدها الله، وأراد لها البقاء إلى حين، فما الظلم إلا أداة للتنابذ والتباغض، وتفكك المجتمع، ويؤدى إلى خراب العمران.
وفوق ظلمه هذا، فهو جاهل بمكانته، ودوره فى الحياة وبنائها، وما هو مطلوب منه، كى يحيا تلك الحياة السعيدة عن طريق حسن فهمه، وبصره بمستقبله، واعتباره بما حدث، ويحدث له ولغيره فى ماضيه وحاضره، وجاهل أيضا بتلك الحكمة من وراء وجوده، وبما خلقه الله من أجله.
هذا هو الإنسان الذى هو محور الحياة، ومن أجله أرسل الأنبياء والرسل، ومن أجله جاءت الآيات القرآنية تشيد به، والأمثال تناولته فى عقيدته، وسلوكه، وعلاقاته، وحربه، وسلمه، وبقى علينا أن نعرض لبعض هذه الأمثال التى تناولت تلك النفس الإنسانية لنجلوها، ونكشف عما تخبئه هذه النفس من حقائق وراء مظهرها، وما لها من اتجاهات ونزعات، ورؤيتها لحقيقة نفسها وغيرها فى الحياة.
إن الرؤية القرآنية فى مجالات الأمثال التى تعرضها، وفى كثير من المواطن، لا تمثل هذه النفس الإنسانية فى موطن واحد، وسبب معين، وإنما تشرح هذه النفس وتصورها فى جميع أوقاتها، وفى كل حالاتها ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا، وهذا سر إعجاز القرآن، ودلالة آياته البينات.
1 -
قال الله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:
17، 18].
هذا المثل القرآنى من جملة آيات كريمة نزلت فى سورة البقرة، وهى سورة مدينة، وأطول سور القرآن الكريم، وقد تناولت أمور التشريع، والدعوة إلى توحيد الله، وتعرضت إلى ما فى القرآن من إعجاز، وما يرد من نسخ، ثم تكلمت السورة عن أحوال السابقين من أنبياء ورسل من لدن آدم، عليه السلام، وخصت بنى إسرائيل بكثير من الآيات التى تناولتهم فى معاملاتهم لموسى، عليه السلام، وطريقة تفكيرهم القائمة على اللجاج، والمجادلة، والمكر، والخداع، كما ذكرت الكثير من قصص بنى إسرائيل.
وأفاضت السورة فى تناول التكاليف الشرعية والفرائض التى فرضها الله سبحانه وتعالى على أمة محمد، عليه الصلاة والسلام، من صلاة، وصيام، وحج، ومعاملات
…
إلخ، وقد أفردت بالذكر فى آيات الربع الأول النفس الإنسانية التى نحن بصدد تشريحها وتعريفها من خلال هذا المثل القرآنى.
قسمت هذه النفس إلى أنفس ثلاث، كما ذكر ذلك صاحب تفسير المنار:
(أ) نفس مؤمنة: أخلصت فى إيمانها بالله الواحد الأحد، وكان لها من صلاح العقيدة، وشفافية الروح، وما تجنى من طمأنينة نفس، وعمل صالح، واستقامة على الطريقة، وأخذ بسنة الأولين من السلف الصالح، واستغلال لإمكاناتها وطاقاتها فى الاهتداء لداعى الإيمان، والفهم الواعى، والعلم المستنير، بكل ما دعا إليه الدين من الإيمان بالغيب، والقيام بأداء الشعائر، والإنفاق فى سبيل الله، والتطبيق لأحكام الله، أتاها القرآن الكريم بالدين القيم، والهداية التى عمل بها الأولون، فكانت لهم طريق نجاح فى حياتهم العملية والإيمانية، وانتصروا على أنفسهم وعلى أعدائهم، وطهرت نفوسهم من الشرك، وعادات الجاهلية وتقاليدها.
(ب) نفس كافرة جاحدة: عاندت وأصرت على الكفر بالله، وبما أرسل من كتب وأنبياء، وألغت وظيفة حواسها، كما ألغت عقلها فى الفهم عن الله، وابتعدت عن طريق الحق، وأظهرت العصيان لله، وتمردت عليه، فلم تستجب لدعوته.
طريقان مختلفان، ومسلكان متناقضان يمثلان تلك النفس الإنسانية بالنسبة لدعوة الحق جل وعلا، مؤمن وكافر، يمين وشمال، كل فريق يجد جزاء عمله فى دنياه وفى أخراه.
ويبقى بعد ذلك ما بين الطريقين والمسلكين من اتجاهات تميل مع هذا مرة، ومع الآخر مرة أخرى، وهذا هو ما أتى المثل القرآنى ليعرضه أمام أعيننا، وليبسط حقيقته، فهو ما تحار العقول فى فهمه، وما يلتبس على الجميع شكله ومظهره، ويبدو على سطح الحياة متحكما فى سيرها، متقلبا فى أوضاعها المختلفة، حقيقة هذه النفس الملتوية التى كانت وما زالت وستظل أشد خطرا على المؤمنين فى كل وقت وحين، وعلى كل دعوة بناءة، وأمام كل إصلاح طريق هدم وتعطيل، يسلط المثل على هذه النفس الضوء ليحذر المؤمنين من أعمالهم التى تهدف إلى تخريب المجتمع، فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
يُؤْفَكُونَ [المنافقون: 4].
أتى القرآن الكريم بسورة كاملة، وهى سورة المنافقون، تظهر سوأة أولئك المنافقين فى عهد النبوة والوحى ينزل من السماء ويكشف أسرارهم.
ماذا قالت الآيات السابقة لهذا المثل؟
قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: 8 - 16].
هذه هى الآيات التى عرضت حال أولئك القوم، وأظهرت حقائق نفوسهم المريضة، فما سماتها؟
(أ) التظاهر بالإيمان مع كفرهم.
(ب) اعتقادهم بأنهم يخادعون الله ويخدعون المؤمنين بأعمالهم ومظهرهم، والله يفضح كيدهم.
(ج) تغلغل النفاق فى قلوبهم، وهو مرض لا يرجى معه شفاء، وعقابه شديد يوم القيامة.
(د) ادعاء الإصلاح والصلاح مع إضمار خلافهما.
(هـ) التعالى على المؤمنين والتكبر عن مجالستهم والغرور بالنفس.
(و) التظاهر بالإيمان أمام الناس، والانضمام لأعداء الله فى السر.
(ز) النفاق تجارة خاسرة لا تنفع صاحبها فى الدنيا ولا فى الآخرة.
هذه صفات النفس الملتوية التى استحبت العمى على الهدى، وأتاها القرآن الكريم
بالدين القيم، فاستوقدت النار، فما أضاءت لها نور الحياة ونور البصيرة، لم تنتفع بها، فعاقبها الله عقابا شديدا.
ذهب الله بنور أولئك المنافقين الذى طلبوه، ثم تركوه وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة: 17] جزاء إعراضهم عن النور.
تركهم فى ظلمات نفوسهم المريضة بالنفاق، والبعد عن روح الدين، وإيذاء الجماعة بما يقذفونه من طعن فى الدين والأعراض، وظلمات حياتهم التى تضيق بهم، وتجعلهم فى قلق وخوف، وظلمات عقولهم، فلا يهتدون إلى صواب فى فهم آيات الله، والإحاطة بأسرارها، والعمل بموجباتها التى تحقق السعادة الدنيوية والأخروية، ظلمات بعضها فوق بعض، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: 40] فهم لا يبصرون شيئا من أسرار الحياة وعوامل النجاح فيها بعد أن حرمهم الله من النور الذى أعطاه للمتقين الذين فازوا برضا الله، ونزهوا قلوبهم ونفوسهم من النفاق والتبعية وعادات الجاهلية الأولى.
إن أمثال هؤلاء فى حياتنا ومجتمعاتنا الحاضرة لكثير، ممن فقدوا نور الهداية الدينية، وحرموا من الاهتداء بها، واستطاعوا بما أوتوه من أساليب خادعة أن يتسلقوا زمام الأمور، وأن يؤثروا فى مجرى الحياة، وأن تكون لهم كلمة مسموعة فى دنيا الناس والأحياء.
هذه صورة لأولئك المنافقين الذين كانوا يمثلون دورا تخريبيا فى المجتمع الإسلامى الجديد، وقد أعطانا المثل القرآنى والآيات السابقة ملامح أعمالهم، واتجاهاتهم فى تقويض دعائم الدعوة الجديدة، وتتضح الصورة أكثر وأكثر حينما تتم الآيات القرآنية فى ذلك المثل اللاحق، لتكتمل هذه الصورة فى ذلك التصوير المبدع فى قوله تعالى.
2 -
قال الله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 19، 20].
فى هذا المثل تشبيه معجز لأولئك المنافقين الذين سيطر عليهم القلق والاضطراب، واستبدت بهم المخاوف والحيرة من الأمر، فهم حينما يلتقون بالمؤمنين يطلبون الهدى
والنور، وحينما يلتقون بإخوانهم شياطين الإنس، ينكصون على أعقابهم عما طلبوا فجأة، ويرجعون إلى الظلام والضلال.
صور متعددة تتابعت لتكشف خبيئة تلك النفوس التى تعيش فى جحورها، ثم تنفث سمومها، وتبث دعايتها ضد كل دعوة صالحة تختبئ وراء ما يخدع من لسان معسول، وكلمات تنم عن خداع وحقد، يجد متنفسه فى إثارة الأحقاد والكراهية فى صفوف المجتمع، وتمزيق أواصر العلاقات بين الأفراد والطوائف بالكلمة الخبيثة التى ينطق بها: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ [البقرة: 204 - 206].
وقد اهتدى صاحب تفسير المنار إلى رأى من القول قال فيه: إن هذا المثل يمثل من بقى له بصيص من النور، فله نظرات تهديه أحيانا، وتصل به إلى فهم معانى الآيات
بالفطرة، أو الاستدلال بالحوادث للنظر فيما بين يديه، ولكنه تسيطر عليه دواعى التقليد والبدع، فيعيش فى ظلمات حوالك يخبط فيها، ويسمع قوارع الإنذار، ويرى نور الهداية، فإذا أضاء ذلك البرق سار، وإذا انصرف عنه بشبه الضلال قام وتحيّر، ويعرض عن دعاة الحق، ونذر الكتاب، فهو يضع إصبعيه فى أذنه، حتى لا يسمع نصح الناصح، يخاف من تلك النوازع أن تقتله.
ولكن أهذه صورة النفس الإنسانية المقبولة؟! إنها صورة مريضة لنفس تعيش فى الحياة ولها دورها، ولا يمكن إهمال ما تقوم به من أعمال ماكرة، وإلا ضاع المجتمع وأهله، وما كانت هناك صراعات أو حروب أو دعوات صالحة لبناء المجتمع.
بجوار هذه النفس نفوس أخرى صالحة توجهت إليها الآيات والأمثال القرآنية بالنداء والأوامر، كى تنفق وتبذل المال، والجهد، والدم، فى سبيل الدعوة، وفى سبيل الحياة، وقد تعرض الباب السابق لكثير من هذه المظاهر المعطاءة التى تقدم القليل، ويكون لها الكثير من الأجر والجزاء، وتبذل العلم والمعرفة، ويكون البناء للنفس والأمة، وتعطى ما لها من جهد ودم فى سبيل المحافظة على العقيدة، والدفاع عن الدين، ويكون لها كرامة الاستشهاد، وجزاء ذلك فى وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ