الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تلك خلاصة جملة من الرسائل أعرب مرسلوها عن رغبتهم فى الإجابة على ما يسألون، وهى كلها تدور حول هذا المعنى.
الغاية من إنزال القرآن
(1)
ليس من شك فى أن القرآن أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لغرض هو أسمى الأغراض وأنبلها، وهو هداية الناس إلى الحق عن طريقه، وإخراجهم مما هم فيه من الظلمات إلى النور، أنزله الله ليطهر القلوب من رجس الخضوع لغيره، ويرشد الناس إلى العقائد الصحيحة، وإلى العلوم النافعة، وإلى الأخلاق الفاضلة التى تحفظهم وتحفظ المجتمع من مزالق الهوى والشهوة، وأنزله أيضا ليرشد الناس إلى الأعمال الصالحة التى تسمو بالفرد والمجتمع إلى مكانة العزة والكرامة، وقد أرشد القرآن نفسه إلى هذه الغاية أو الغايات فى كثير من الآيات، فقال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: 15، 16]، وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57].
وبذلك كان القرآن شافيا لأمراض القلب التى تفسد على الإنسان حياته، وأمراض الصدور جهل بالحق، وشبهة تضعف الإيمان، وشهوة تغرى بالفساد، وقد تضمن
القرآن الكريم بنصوصه وإرشاداته ما يعالج البشرية من جهلها وشبهها وشهواتها.
ولم يختلف المسلمون الأولون فى هذه الحقيقة، بل آمنوا بها وحددوا الغاية التى لأجلها نزل القرآن، فأقبلوا على حفظه ودرسه، يستخرجون نفائسه، ويتعرفون أحكامه، ثم أخذوا يعالجون به القلوب من رجس العقائد الباطلة، والأخلاق الفاسدة، ويدفعون به المجتمع إلى سبل الخير والفلاح.
ومن هذا نعلم ما كان للقرآن الكريم من أثر وتوجيه فى حياة المسلمين الأولين، بيد أن المسلمين بعد ذلك ما لبثوا أن انحرفوا بالقرآن عما أنزل لأجله، واستخدم لأغراض لا تمت بأوهى الأسباب إليه، ولا هى مما ينبغى أن تستخدم أو تتخذ طريقا إليه.
انحراف بالقرآن عن وجهته: انحرف المسلمون المتأخرون بالقرآن الكريم إلى جهة
(1) الفتاوى للشيخ محمود شلتوت.
أخرى لم يتجه بها أحد من المسلمين الأولين، والسبب فى هذا الانحراف هو ما منى به العلماء من التعصب المذهبى، إذ حملهم هذا على الاكتفاء بما وصل إلى أيديهم من ترك السابقين، وقالوا: إن السابقين كفونا مئونة البحث فى آى الذكر الحكيم استنباطا لحكم شرعى، أو تفسيرا لآية، وجعلوا بينهم وبين النظر فى الكتاب حجابا كثيفا من التقليد والتعصب للمجتهدين السابقين، اعتزازا بفضلهم، وتابعهم المسلمون فى فهمهم، واتجهوا بالقرآن الكريم وجهة أخرى، حتى إننا نرى المسلمين اليوم، إلا من عصمه الله وقليل ما هم، هجروا القرآن الكريم ككتاب هداية وإرشاد، وشاعت بينهم فكرة تقديسه من جهات أخرى هى:
جهة التداوى به من أمراض الأبدان، وجهة استمطار الرحمة بقراءته على أرواح الموتى، وجهة تسول الفقراء به واستغلال عاطفة الإيمان عن طريقه، هذه البدع الثلاث، أو المنكرات الثلاثة، كانت أثرا لهجر المسلمين كتاب الله من الجهة التى أنزل لأجلها، وكانت فى الوقت نفسه عنوانا سيئا على إيمان المسلمين من حيث لا يشعرون بمكانة تلك المعجزة الخالدة، التى جعلها الله سبيلا لإنقاذ البشرية من الأوهام والخرافات، وكانت مع هذا وذاك عنوانا على الجهل بنظام الأسباب والمسببات، الذى نظم الله عليه العالم، وهدى الناس إلى السير فى سبيله: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه:
50]، يجعل الله القرآن سبيلا لإنقاذ البشرية من الأوهام والخرافات، ويعكس نفر من المسلمين القضية، فيجعلونه سبيلا من سبل الأوهام، وعنوانا على الجهل بأسرار الله ونظام الله.
الدين والعقل لا يقران هذا الانحراف: وإن تعجب فعجب أن تكتب الآية القرآنية الحكيمة فى إناء ثم تمحى بالماء، ثم يؤمر المريض بشربه، أو تكتب قطع صغيرة من الورق، ثم تلف كالبرشام، ويؤمر المريض بابتلاعها، أو تحرق تلك القطع ويبخر المريض بها على مرات، أو توضع فى خرقة وتعلق حجابا فى مكان معين من جسم المريض، وبهذا ونحوه اتخذ الدجالون القرآن الكريم وسيلة لكسب العيش من طريق يأباه الإيمان، ويصدقه كثير من المسلمين.
وذلك فضلا عن أنه انحراف بالقرآن عما أنزل لأجله، فإن فيه إفسادا للعقول الضعيفة، وصرفا لأربابها عن طريق العلاج الصحيح، وتغييرا لسنة الله فى الأسباب والمسببات، واحتيالا على أكل أموال الناس بالباطل، وهذا تصرف لا يقره دين ولا يرضى به عقل سليم، فإذا تركنا هؤلاء الدجالين يعبثون فى القرى والمدن بالقرآن
وبالعقول الضعيفة على هذا النحو، وسرت فى شوارع القاهرة أو غيرها من المدن، فإنك ترى المتسولين وقد جلس أحدهم، رجلا أو امرأة، فى ملتقى الطرقات، أو مواقف المواصلات، أو على أبواب المساجد والأضرحة، يقرأ القرآن، باسطا كفه للغادين والرائحين بقصد التسول، ترى هذا المنظر المفجع بين الأحياء، فإذا ما ذهبت إلى المقابر رأيت ما هو أدهى وأمر، رأيت الفقراء من حملة القرآن يتسابقون إلى المقبرة، وقد اندسوا بين أفواج الزائرين والزائرات، يساومونهم على مقدار ما يقرءون، ومقدار ما يأخذون ثمنا لما يقرءون.
وفى هذه المشاهد كلها لا تسمع قرآنا، وإنما تسمع هذرمة فى القراءة، وإخلالا بواجبها، وإخراجا للقرآن ذى الروعة والجمال إلى ذلك المنظر المزرى الذى يفزّز النفوس، ويجرح الصدور، ويبعده فى نظر السامعين عن أن يكون طريق الهداية والإرشاد من رب العالمين.
القرآن ودواء الأمراض البدنية: إن الأمراض البدنية قد خلق الله لها عقاقير طبية فيها خاصة الشفاء، وأرشد إلى البحث عنها والتداوى بها، وقد صح أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل على مريض يعوده، فلما رآه طلب من أهله أن يرسلوا إلى طبيب، فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: «نعم، إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء» ، فعل النبى صلى الله عليه وسلم ذلك إرشادا لأمته إلى أن التداوى من الأمراض البدنية من طريق الطب البشرى الذى يعرف الدواء، أما القرآن فلم ينزله الله دواء لأمراض الأبدان، وإنما أنزله كما قال: دواء لأمراض القلوب وشفاء لما فى الصدور.
وإذا كانت أمراض الأبدان أمراضا مادية، وشفاؤها بأدوية مادية، فأمراض القلوب أمراض معنوية، وشفاؤها بأدوية معنوية، والقرآن قد عالج مرض الجهل بالعلم، ومرض الشبهة بالبرهان، ومرض الشهوة بالحكمة، وما التداوى فى الأمراض البدنية بالقرآن إلا كقراءة الختمات للنصر على الأعداء فى ميدان القتال، وإلا كقراءة ما يسميه العامة عدية ياسين تحصيلا للرغبات، كلاهما وضع للعلاج المعنوى مكان العلاج المادى، وكلاهما قلب لنظام الله تعالى فى خلقه، وعروج بالقرآن الكريم عما أنزل لأجله.
القراءة على الموتى (1): أما استمطار الرحمة على الموتى، فإنه لا يكون إلا بعمل مشروع، كالدعاء، والصدقة، بشرط أن يكون خالصا لوجه الله الكريم، أما ما لم يشرعه
(1) الفتاوى للشيخ محمود شلتوت.
الله ولم يأذن به أو شرعه، ولكن فعله الإنسان بأجر يأخذه من أخيه الإنسان، فثوابه هو ذلك الأجر، ولا ثواب له عند الله، وإذا لم يكن للقراءة ثواب عند الله لا للقارئ؛ لأنه أخذ أجره ممن استأجره، ولا للمستاجر؛ لأنه لم يقرأ شيئا، فأى شىء يصل من هذه القراءة إلى الموتى؟ إن رحمة الله للموتى شأن من شئونه الغيبية استأثر بها، ومنه وحده تعرف سبلها، وقد بين تلك السبل فى كتابه الكريم، وكل ما يفعله المرء من تلقاء نفسه فى هذا الشأن هجوم منه على الغيب وتقول على الله بغير علم، وتحكم فيما لا يحكم فيه إلا الله.
التسول بالقرآن: وإذا كان التسول بالوضع الذى نراه اليوم يمقته فى ذاته الشرع والدين، وتأباه الكرامة والخلق، ولا ترضاه لنفسها أمة تريد المجد، فما بالنا به إذا اتخذ القرآن الكريم وسيلة له، واعتراض به المارة فى الطرقات، والمصلين فى المساجد، والراكبين فى السيارات والقطارات. علينا أن نبذل قصارى جهدنا فى صيانة كتاب الله عن الابتذال، وأن نوجه الناس إلى جهة الانتفاع بالقرآن الكريم، وإلى ما يحفظ كرامتنا بين الأمم عن طريق الأسباب التى وضعها سبيلا للمجد والكرامة.
فضل بعض السور: أما ما جاء عن فضل سور القرآن وتلاوتها، من درجات الثواب التى يحصل عليها قارئ هذه السورة أو تلك، مما رددته بعض كتب التفاسير، فالواقع أنى فى قراءتى لهذه التفاسير انتهيت إلى أن ما جاء فى ذلك من أحاديث إنما قصد به التناسب بينها وبين ما احتوت عليه هذه السورة أو السور، واعترانى شك من جهة أن سور القرآن البالغ عددها (114) سورة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث عن كل سورة منها بما يناسبها، والذى نعلمه أن الرسول ما كان يرتب الثواب على مجرد القراءة، وإنما كان يرتبه على الإيمان والعمل الصالح.
والمسألة ليست مسألة مجرد قراءة فحسب، ولعلك تدرى الحكمة القائلة: كم من قارئ يقرأ القرآن والقرآن يلعنه. وقد دفعنى ما وقعت فيه من شك أن أبحث عن أصل الأحاديث، فوجدت أنها ترجع إلى أصل واحد، وأن الذى تحث بها وتكلم بها رجل يسمى نوح ابن مريم، وقد سئل فى هذا، فقال: إنى وجدت الناس قد شغلوا بتاريخ ابن إسحاق، وفقه أبى حنيفة عن القرآن، فأحببت أن ألفتهم إلى القرآن، فوضعت هذه الأحاديث، حسبة لله.
الرّقية دعاء لا دواء: أما الرقى بالأدعية، فإنها تفسر على نوع من الدعاء، ولكنها لا تقبل على أنها دواء للمريض من الداء، فللأدواء علاجها مما خلق الله من العقاقير.