الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سُورَة التَّوْبَة (9) : الْآيَات 128 إِلَى 129]
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)
كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ شِدَّةٍ وَغِلْظَةٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ
أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنَ الْأَعْرَابِ، وَأَمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْجِهَادِ، وَإِنْحَاءً عَلَى الْمُقَصِّرِينَ فِي شَأْنِهِ.
وَتَخَلَّلَ ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِالْمُتَّصِفِينَ بِضِدِّ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا وَالَّذِينَ نَصَرُوا وَاتَّبَعُوا الرَّسُولَ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ.
فَجَاءَتْ خَاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ آيَتَيْنِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالْمِنَّةِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَالتَّنْوِيهِ بِصِفَاتِهِ الْجَامِعَةِ لِلْكَمَالِ. وَمِنْ أَخَصِّهَا حِرْصُهُ عَلَى هُدَاهُمْ، وَرَغْبَتُهُ فِي إِيمَانِهِمْ وَدُخُولِهِمْ فِي جَامِعَةِ الْإِسْلَامِ لِيَكُونَ رَؤُوفًا رَحِيمًا بِهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ مَا لَقِيَهُ الْمُعْرِضُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَا هُوَ إِلَّا اسْتِصْلَاحٌ لِحَالِهِمْ. وَهَذَا مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحْمَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُقَارِنَةً لِبِعْثَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاء: 107] ، بِحَيْثُ جَاءَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بِمَا شَأْنُهُ أَنْ يُزِيلَ الْحَرَجَ مِنْ قُلُوبِ الْفِرَقِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِمْ آيَاتُ الشِّدَّةِ وَعُومِلُوا بِالْغِلْظَةِ تَعْقِيبًا لِلشِّدَّةِ بِالرِّفْقِ وَلِلْغِلْظَةِ بِالرَّحْمَةِ، وَكَذَلِكَ عَادَةُ الْقُرْآنِ.
فَقَدِ انْفَتَحَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بَابُ حَظِيرَةِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ لِيَدْخُلَهَا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ إِلَيْهَا.
فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا. وَفِي وُقُوعِهَا آخِرَ السُّورَةِ مَا يُكْسِبُهَا مَعْنَى التَّذْيِيلِ وَالْخُلَاصَةِ.
فَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: جاءَكُمْ وَمَا تَبِعَهُ مِنَ الْخِطَابِ مُوَجَّهٌ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ الْمَدْعُوَّةِ لِلْإِسْلَامِ. وَالْمَقْصُود بِالْخِطَابِ بادىء ذِي بَدْءٍ هُمُ الْمُعْرِضُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْعَرَبِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَ الْخطاب بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَسَيَجِيءُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْعَرَبُ.
وَافْتِتَاحُهَا بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ وَهُمَا اللَّامُ وَ (قَدْ) مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِهَا مِمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْإِنْكَارُ لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِأَهَمِّيَّةِ الْغَرَضِ الَّذِي سِيقَتْ لِأَجْلِهِ وَهُوَ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ، وَلِأَنَّ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ مَا يُنْكِرُهُ الْمُنَافِقُونَ وَهُوَ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا التَّأْكِيدِ مَا يَجْعَلُ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ مُنَزَّلِينَ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ لَمْ يَنْفَعُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الْمَجِيءِ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا التَّأْكِيدِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ مُرَادًا بِهِ الْإِيمَاءُ إِلَى اقْتِرَابِ الرَّحِيلِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أُعِيدَ الْإِخْبَارُ بِمَجِيئِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ مُنْذُ أَعْوَامٍ طَوِيلَةٍ كَانَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ اقْتِرَابِ انْتِهَائِهِ، وَهُوَ تَسْجِيلٌ مِنْهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَإِيدَاعٌ لِلْمُنَافِقِينَ وَمَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. عَلَى أَنَّ آيَاتٍ أُخْرَى خُوطِبَ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ وَنَحْوُهُمْ فَأُكِّدَتْ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [الْمَائِدَة: 15] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النِّسَاء: 174] فَمَا زِيدَتِ الْجُمْلَةُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مُؤَكِّدَةً إِلَّا
لِغَرَضٍ أَهَمَّ مِنْ إِزَالَةِ الْإِنْكَارِ.
وَالْمَجِيءُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي الْخِطَابِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ. شُبِّهَ تَوَجُّهُهُ إِلَيْهِمْ بِالْخِطَابِ الَّذِي لَمْ يَكُونُوا يَتَرَقَّبُونَهُ بِمَجِيءِ الْوَافِدِ إِلَى النَّاسِ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ. وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ شَائِعٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَالْأَنْفُسُ: جَمْعُ نَفْسٍ، وَهِيَ الذَّاتُ. وَيُضَافُ النَّفْسُ إِلَى الضَّمِيرِ فَيَدُلُّ عَلَى قَبِيلَةٍ مُعَادُ الضَّمِيرِ، أَيْ هُوَ مَعْدُودٌ مِنْ ذَوِي نَسَبِهِمْ وَلَيْسَ عِدَادُهُ فِيهِمْ بِحِلْفٍ أَوْ وَلَاءٍ أَوْ إِلْصَاقٍ.
يُقَالُ: هُوَ قُرَيْشِيٌّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَيُقَالُ: الْقُرَيْشِيُّ مَوْلَاهُمْ أَوْ حَلِيفُهُمْ، فَمَعْنَى مِنْ أَنْفُسِكُمْ مِنْ صَمِيمِ نَسَبِكُمْ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْخِطَابَ لِلْعَرَبِ لِأَنَّ النَّازِلَ بَيْنَهُمُ الْقُرْآنُ يَوْمَئِذٍ لَا يَعُدُّونَ الْعَرَبَ وَمَنْ حَالَفَهُمْ وَتَوَلَّاهُمْ مِثْلَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَبِلَالٍ الْحَبَشِيِّ، وَفِيهِ امْتِنَانٌ عَلَى الْعَرَبِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى فَضِيلَتِهِمْ، وَفِيهِ أَيْضًا تَعْرِيضٌ بِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِهِ وَتَرْكِ مُنَاوَأَتِهِ وَأَنَّ الْأَجْدَرَ بِهِمُ الِافْتِخَارُ بِهِ وَالِالْتِفَافُ حَوْلَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ الْقُرْآنِ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: 44] أَيْ يَبْقَى مِنْهُ لَكُمْ ذِكْرٌ حَسَنٌ.
وَالْعَزِيزُ: الْغَالِبُ. وَالْعِزَّةُ: الْغَلَبَةُ. يُقَالُ عَزَّهُ إِذَا غَلَبَهُ. وَمِنْهُ وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ص: 23]، فَإِذا عدي بعلى دَلَّ عَلَى مَعْنَى الثِّقَلِ وَالشِّدَّةِ عَلَى النَّفْسِ. قَالَ بِشْرُ بْنُ عَوَانَةَ فِي ذِكْرِ قَتْلِهِ الْأَسَدَ وَمُصَارَعَتِهِ إِيَّاهُ:
فَقُلْتُ لَهُ يَعِزُّ عَلِيَّ أَنِّي
…
قَتَلْتُ مُنَاسِبِي جَلَدًا وَقَهْرَا
وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ. وعَنِتُّمْ: تَعِبْتُمْ. وَالْعَنَتُ: التَّعَبُ، أَيْ شَاقٌّ عَلَيْهِ حُزْنُكُمْ وَشَقَاؤُكُمْ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشُّعَرَاء: 3] وَذُكِرَ هَذَا فِي صِفَةِ الرَّسُولِ عليه السلام يُفِيدُ أَنَّ هَذَا خُلُقٌ لَهُ فَيَكُونُ أَثَرُ ظُهُورِهِ الرِّفْقَ بِالْأُمَّةِ وَالْحَذَرَ مِمَّا يُلْقِي بِهِمْ إِلَى الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمِنْ آثَارِ ذَلِكَ شَفَاعَتُهُ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ فِي الْمَوْقِفِ لِتَعْجِيلِ الْحِسَابِ. ثُمَّ إِن ذَلِك يومىء إِلَى أَنَّ شَرْعَهُ جَاءَ مُنَاسِبًا لِخُلُقِهِ فَانْتَفَى عَنْهُ الْحَرَجُ وَالْعُسْرُ قَالَ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [الْبَقَرَة: 185] وَقَالَ:
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الْحَج: 78] .
وَالْعُدُولُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِلَفْظِ الْعَنَتِ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ الصَّرِيحُ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ مَعَ (مَا) الْمَصْدَرِيَّةِ السَّابِكَةِ لِلْمَصْدَرِ نُكْتَةٌ. وَهِيَ إِفَادَةُ أَنَّهُ قَدْ عَزَّ عَلَيْهِ عَنَتُهُمُ الْحَاصِلُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي مَضَى، وَذَلِكَ بِمَا لَقُوهُ مِنْ قَتْلِ قَوْمِهِمْ، وَمِنَ الْأَسْرِ فِي الْغَزَوَاتِ، وَمِنْ قَوَارِعِ الْوَعِيدِ
وَالتَّهْدِيدِ فِي الْقُرْآنِ. فَلَوْ أُتِيَ بِالْمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ مُشِيرًا إِلَى عَنَتٍ مُعَيَّنٍ وَلَا إِلَى عَنَتٍ وَقَعَ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا زَمَانَ لَهُ بَلْ كَانَ مُحْتَمِلًا أَنْ يَعِزَّ عَلَيْهِ بِأَنْ يُجَنِّبَهُمْ إِيَّاهُ، وَلَكِنَّ مَجِيءَ الْمَصْدَرِ مُنْسَبِكًا مِنَ الْفِعْلِ الْمَاضِي يَجْعَلُهُ مَصْدَرًا مُقَيَّدًا بِالْحُصُولِ فِي الْمَاضِي، أَلَاَ تَرَى أَنَّكَ تُقَدِّرُهُ هَكَذَا: عَزِيزٌ عَلَيْهِ عَنَتُكُمُ الْحَاصِلُ فِي مَا مَضَى لِتَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا لَقُوهُ مِنَ الشِّدَّةِ إِنَّمَا هُوَ لِاسْتِصْلَاحِ حَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يُخْفِضُونَ بَعْدَهَا مِنْ غُلْوَائِهِمْ وَيَرْعَوُونَ عَنْ غَيِّهِمْ وَيَشْعُرُونَ بِصَلَاحِ أَمْرِهِمْ.
وَالْحِرْصُ: شِدَّةُ الرَّغْبَةِ فِي الشَّيْءِ وَالْجَشَعِ إِلَيْهِ. وَلَمَّا تَعَدَّى إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ الدَّالِّ عَلَى الذَّوَاتِ وَلَيْسَتِ الذَّوَاتُ هِيَ مُتَعَلِّقُ الْحِرْصِ هُنَا تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضَافٍ فُهِمَ مِنْ مَقَامِ التَّشْرِيعِ، فَيُقَدَّرُ: عَلَى إِيمَانِكُمْ أَو هديكم.
و
(الرَّءُوفُ) : الشَّدِيدُ الرَّأْفَةِ. وَالرَّحِيمُ: الشَّدِيدُ الرَّحْمَةِ، لِأَنَّهُمَا صِيغَتَا مُبَالَغَةٍ، وَهُمَا يَتَنَازَعَانِ الْمَجْرُورَ الْمُتَعَلِّقَ بِهِمَا وَهُوَ بِالْمُؤْمِنِينَ.
وَالرَّأْفَةُ: رِقَّةٌ تَنْشَأُ عِنْدَ حُدُوثِ ضُرٍّ بِالْمَرْءُوفِ بِهِ. يُقَال: رؤوف رَحِيمٌ. وَالرَّحْمَةُ:
رِقَّةٌ تَقْتَضِي الْإِحْسَانَ لِلْمَرْحُومِ، بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، وَلِذَلِكَ جُمِعَ بَيْنَهُمَا هُنَا وَلَوَازِمُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ. وَتَقَدَّمَتِ الرَّأْفَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [143] وَالرَّحْمَةُ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ [3] .
وَتَقْدِيمُ الْمُتَعَلِّقِ عَلَى عَامِلَيْهِ الْمُتَنَازِعَيْنِهِ فِي قَوْله: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَجُّهِ صِفَتَيْ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ. وَأما رَحمته بهم. وَأَمَّا رَحْمَتُهُ الْعَامَّةُ الثَّابِتَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاء: 107] فَهِيَ رَحْمَةٌ مَشُوبَةٌ بِشِدَّةٍ عَلَى غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ رَائِفٌ وَرَاحِمٌ، وَلَا يُقَال: بهم رؤوف رَحِيمٌ.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ تَوَلَّوْا لِلتَّفْرِيعِ عَلَى إِرْسَالِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم صَاحِبِ هَذِهِ الصِّفَاتِ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ صِفَاتِهِ الْمَذْكُورَةَ تَقْتَضِي مِنْ كُلِّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ مِنَ الْعَرَبِ الْإِيمَانَ بِهِ وَاتِّبَاعَهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ومحب لخيرهم رؤوف رَحِيمٌ بِمَنْ يَتْبَعُهُ مِنْهُمْ، فَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ مَحْقُوقُونَ بِالْإِيمَانِ بِهِ فَإِنْ آمَنُوا فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَإِنَّ اللَّهَ حَسِيبُهُ وَكَافِيهِ. وَقَدْ دَلَّ الشَّرْطُ عَلَى مُقَابِلِهِ لِأَنَّ فَإِنْ تَوَلَّوْا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرِ ضِدِّهِ وَهُوَ إِنْ أَذْعَنُوا بِالْإِيمَانِ.
وَبَعْدَ التَّفْرِيعِ الْتَفَتَ الْكَلَامُ مِنْ خِطَابِ الْعَرَبِ إِلَى خِطَابِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم بِمَا كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُخَاطَبُوا هُمْ بِهِ اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةِ حَرْفِ التَّفْرِيعِ فَقِيلَ لَهُ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ
اللَّهُ
. وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْهُ فَحَسْبُهُ اللَّهُ وَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ. فَجِيءَ بِهَذَا النَّظْمِ الْبَدِيعِ الْإِيجَازِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ بَرَاعَةِ الْإِيمَاءِ إِلَى عَدَمِ تَأَهُّلِهِمْ لِخِطَابِ اللَّهِ عَلَى تَقْدِيرِ حَالَةِ تَوَلِّيهِمْ.
وَالتَّوَلِّي: الْإِعْرَاضُ وَالْإِدْبَارُ: وَهُوَ مُسْتَعَارٌ هُنَا لِلْمُكَابَرَةِ وَالْعِنَادِ.
وَالْحَسْبُ: الْكَافِي، أَيْ كَافِيكَ شَرَّ إِعْرَاضِهِمْ لِأَنَّهُمْ إِنْ أَعْرَضُوا بَعْدَ هَذَا فَقَدَ أَعْرَضُوا عَنْ حَسَدٍ وَحَنَقٍ. وَتِلْكَ حَالَةُ مَظِنَّةِ السَّعْيِ فِي الْكَيْدِ وَالْأَذَى.
وَمَعْنَى الْأَمْرِ بِأَنْ يَقُولَ: حَسْبِيَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قَوْلًا نَاشِئًا عَنْ عَقْدِ الْقَلْبِ عَلَيْهِ، أَيْ فَاعْلَمْ أَنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ وَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ، لِأَنَّ الْقَوْلَ يُؤَكِّدُ الْمَعْلُومَ وَيُرَسِّخُهُ فِي نَفْسِ الْعَالِمِ بِهِ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا الْقَوْلِ إِبْلَاغًا لِلْمُعْرِضِينَ عَنْهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَافِيهِ إِيَّاهُمْ.
وَالتَّوَكُّلُ: التَّفْوِيضُ. وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي وَكَلَ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ تُفِيدُ التَّنْوِيهَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُبَارَكَةِ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِأَنْ يَقُولَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِعَيْنِهَا وَلَمْ يُؤْمَرْ بِمُجَرَّدِ التَّوَكُّلِ كَمَا أُمِرَ فِي قَوْلِهِ: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النَّمْل:
79] . وَلَا أُخْبِرَ بِأَنَّ اللَّهَ حَسْبُهُ مُجَرَّدَ إِخْبَارٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الْأَنْفَال: 62] .
وَجُمْلَةُ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلثَّنَاءِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَهِيَ ثَنَاءٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.
وَعُطِفَتْ عَلَيْهَا جُمْلَةُ: وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لِلثَّنَاءِ بِعَظِيمِ الْقُدْرَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ رَبًّا لِلْعَرْشِ الْعَظِيمِ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدِيرٌ، لِأَنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ الْعَرْشَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالْعَظِيمِ، فَالْعَظِيمُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، فَهُوَ مَجْرُورٌ.
وَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ إِشْعَارٌ بِالْإِيدَاعِ وَالْإِعْذَارِ لِلنَّاسِ، وَتَنْبِيهٌ إِلَى الْمُبَادَرَةِ بِاغْتِنَامِ وُجُودِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لِيَتَشَرَّفُوا بِالْإِيمَانِ بِهِ وَهُمْ يُشَاهِدُونَهُ وَيَقْتَبِسُونَ مِنْ أَنْوَارِ هَدْيِهِ، لِأَنَّ الِاهْتِدَاءَ بِمُشَاهَدَتِهِ وَالتَّلَقِّيَ مِنْهُ أَرْجَى لِحُصُولِ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَالِانْتِفَاعِ بِقَلِيلٍ مِنَ الزَّمَانِ لِتَحْصِيلِ وَافِرِ الْخَيْرِ الَّذِي لَا يُحْصَلُ مِثْلُهُ فِي أَضْعَافِ ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَفِيهِمَا أَيْضًا إِيمَاءٌ إِلَى اقْتِرَابِ أَجْلِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ التَّذْكِيرَ بِقَوْلِهِ: لَقَدْ جاءَكُمْ يُؤْذِنُ بِأَنَّ هَذَا الْمَجِيءَ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَضِيَ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَارِدٍ قُفُولًا، وَلِكُلِّ طَالِعٍ أُفُولًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَقَتَادَةَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ هُمَا أَحْدَثُ الْقُرْآنِ عَهْدًا بِاللَّهِ عز وجل، أَيْ آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقِيلَ: إِنَّ آخِرَ الْقُرْآنِ نُزُولًا آيَةُ الْكَلَالَةِ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ. وَقِيلَ آخِرُهُ نُزُولًا قَوْلُهُ:
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [281] .
فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي حَدِيثِ جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ زَيْدٌ: «حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ إِلَى آخِرِهِمَا. وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ بَحَثَ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي مَا هُوَ مَكْتُوبٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَجِدْهُمَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي آخِرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ خَاتِمَتَيْنِ أَوْ هُوَ يَحْفَظُهُمَا (فَإِنَّ زَيْدًا اعْتَنَى فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ بِحِفْظِهِ وَبِتَتَبُّعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِإِمْلَاءِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم وَبِقِرَاءَةِ حُفَّاظِ الْقُرْآنِ غَيْرَهُ) فَوَجَدَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبَا خُزَيْمَةَ يَحْفَظُهُمَا. فَلَمَّا أَمْلَاهُمَا خُزَيْمَةُ أَوْ أَبُو خُزَيْمَةَ عَلَيْهِ تَذَكَّرَ زَيْدٌ لَفْظَهُمَا وَتَذَكَّرَهُمَا مَنْ سَمِعَهُمَا مِنَ الصَّحَابَة حِين قرأوهما، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُمَا آخِرُ مَا أُنْزِلَ، فَلَفْظُهُمَا ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَتَوَاتُرُهُمَا حَاصِلٌ إِذْ لَمْ يَشُكُّ فِيهِمَا أَحَدٌ وَلَيْسَ إِثْبَاتُهُمَا قَاصِرًا عَلَى إِخْبَارِ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ.