الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عليه الصلاة والسلام أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِتَهَكُّمٍ بِهِمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ أَخْبَرُوا اللَّهَ بِأَنَّ لَهُمْ شُفَعَاءَ لَهُمْ عِنْدَهُ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ شَيْئًا اخْتَرَعُوهُ وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ جَعَلَ اخْتِرَاعَهَ بِمَنْزِلَةِ أَنَّهُمْ أَعْلَمُوا اللَّهَ بِهِ وَكَانَ لَا يَعْلَمُهُ فَصَارَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ بُطْلَانِهِ لِأَنَّ مَا لَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَهُوَ مُنْتَفٍ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ يُرِيدُ نَفْيَ شَيْءٍ عَنْ نَفْسِهِ: مَا عَلِمَ اللَّهُ هَذَا مِنِّي. وَفِي ضِدِّهِ قَوْلُهُمْ فِي تَأْكِيدِ وُقُوعِ الشَّيْءِ: يَعْلَمُ اللَّهُ كَذَا، حَتَّى صَارَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ صِيَغِ الْيَمِينِ.
وفِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ بَعْدَ يَعْلَمُ الْعَائِدِ عَلَى (مَا)، إِذِ التَّقْدِيرُ: بِمَا لَا يَعْلَمُهُ، أَيْ كَائِنًا فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهِمَا تَعْمِيمُ الْأَمْكِنَةِ، كَمَا هُوَ اسْتِعْمَالُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَقَابِلَاتِ مِثْلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَأُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ بَعْدَ الْعَاطِفِ لِزِيَادَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى النَّفْيِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَتُنَبِّئُونَ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ. وَالْإِنْبَاءُ: الْإِعْلَامُ.
وَجُمْلَةُ: سبحانه وتعالى إِنْشَاءُ تَنْزِيهٍ، فَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [100] .
وَ (مَا) فِي قَوْلِهِ: عَمَّا يُشْرِكُونَ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ عَنْ إِشْرَاكِهِمْ، أَيْ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ثَابِتًا لَهُ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ تُشْرِكُونَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ.
وقرأه الْبَاقُونَ بالتحية عَلَى أَنَّهَا تَعْقِيبٌ لِلْخِطَابِ بِجُمْلَةِ قُلْ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَهِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْفَصْلِ لكَمَال الِانْقِطَاع.
[19]
[سُورَة يُونُس (10) : آيَة 19]
وَما كانَ النَّاسُ إِلَاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
(19)
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جملَة يَعْبُدُونَ [يُونُس: 18] وَجُمْلَة: وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [يُونُس: 20] . وَمُنَاسَبَةُ الِاعْتِرَاضِ قَوْلُهُ: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لَا يَعْلَمُ لِأَنَّ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَاخْتِرَاعَ صِفَةِ الشَّفَاعَةِ لَهَا هُوَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الَّذِي أَحْدَثَهُ ضُلَّالُ الْبَشَرِ فِي الْعَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ النَّشْأَةِ، فَهِيَ مِمَّا يَشْمَلُهُ التَّوْبِيخُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ:
أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لَا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [يُونُس: 18] .
وَصِيغَةُ الْقَصْرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَأْكِيدِ الْخَبَرِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ عَجِيبٌ هُوَ مِنَ الْحِكَمِ الْعُمْرَانِيَّةِ وَالْحَقَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ بِالْمَكَانِ الْأَسْمَى، إِذِ الْقَصْرُ تَأْكِيدٌ عَلَى تَأْكِيدٍ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى صِيغَتَيْ إِثْبَاتٍ لِلْمُثْبَتِ وَنَفْيٍ عَمَّا عَدَاهُ، فَهُوَ أَقْوَى مِنْ تَأْكِيدِ رَدِّ الْإِنْكَارِ، وَلِذَلِكَ يُؤْذِنُ بِرَدِّ إِنْكَارٍ شَدِيدٍ.
وَحَسَّنَ الْقَصْرَ هُنَا وُقُوعُهُ عَقِبَ الْجِدَالِ مَعَ الَّذِينَ غَيَّرُوا الدِّينَ الْحَقَّ وَرَوَّجُوا نِحْلَتَهُمْ بِالْمَعَاذِيرِ الْبَاطِلَةِ كَقَوْلِهِمْ: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يُونُس: 18]، وَقَوله: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: 3]، بِخِلَافِ آيَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [213] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَإِنَّهَا وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ الْمُجَادَلَةِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [الْبَقَرَة: 211] وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَا يُنْكِرُونَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً. فَآيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ تُشِيرُ إِلَى الْوَحْدَةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّفَرُّقِ الطَّارِئِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ الِاخْتِلَافِ الْمُشْعِرِ بِالْمَذَمَّةِ وَالْمُعَقَّبِ بِالتَّخْوِيفِ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ إِلَى آخِرِهِ، وَآيَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ تُشِيرُ إِلَى الْوَحْدَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُهَا الْحَنِيفِيَّةُ الْفِطْرِيَّةُ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّفَرُّقِ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهَا بِأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ النَّبِيئِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، ثُمَّ جَاءَ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ عَرَضًا عَقِبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
[الْبَقَرَة: 213] . وَأُرِيدَ بِهِ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَتْبَاعِ الشَّرَائِعِ لِقَوْلِهِ: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ [الْبَقَرَة: 213] .
وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [213] .
وَالنَّاسُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْبَشَرِ. وَتَعْرِيفُهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ. وَالْأُمَّةُ: الْجَمَاعَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي لَهَا حَالٌ وَاحِدٌ فِي شَيْءٍ مَا.
وَالْمُرَادُ هُنَا أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الدِّينِ. وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ فِي الدِّينِ الْحَقِّ وَهُوَ التَّوْحِيدُ لِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ اتِّفَاقُ الْبَشَرِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ناشيء عَنْ سَلَامَةِ الِاعْتِقَادِ مِنَ الضَّلَالِ وَالتَّحْرِيفِ. وَالْإِنْسَانُ لَمَّا أُنْشِئَ عَلَى فِطْرَةٍ كَامِلَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ التَّكَلُّفِ.
وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الْأَعْمَالِ، لِأَنَّهَا قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَاجَاتِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَحْدُثَ فِي الْبَشَرِ الضَّلَالُ وَالْخَطَأُ فَلَا يَكُونُ الضَّلَالُ عَامًّا عَلَى عُقُولِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ النَّاسَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً مُتَّفِقِينَ عَلَى التَّوْحِيدِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا فَطَرَ الْإِنْسَانَ فَطَرَهُ عَلَى عَقْلٍ سَلِيمٍ مُوَافِقٍ لِلْوَاقِعِ، وَوَضَعَ فِي عَقْلِهِ الشُّعُورَ بِخَالِقٍ وَبِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَضْعًا جِبِلِّيًّا كَمَا وَضَعَ الْإِلْهَامَاتِ فِي أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ. وَتَأَيَّدَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ لِأَبِي الْبَشَرِ وَهُوَ آدَمُ عليه السلام.
ثُمَّ إِنَّ الْبَشَرَ أَدْخَلُوا عَلَى عُقُولِهِمُ الِاخْتِلَافَ الْبَعِيدَ عَنِ الْحق بِسَبَب الاختلاق الْبَاطِلِ وَالتَّخَيُّلِ وَالْأَوْهَامِ بِالْأَقْيِسَةِ الْفَاسِدَةِ. وَهَذَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[التِّين: 4- 6] ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِكَوْنِ النَّاسِ أُمَّةً وَاحِدَةً الْوَحْدَةُ فِي الْحَقِّ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مَدْحُ تِلْكَ الْحَالَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ فَسَادِ الشِّرْكِ وَإِثْبَاتُ خَطَأِ مُنْتَحِلِيهِ بِأَنَّ سَلَفَهُمُ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُمْ فِي فَسَادِ الْعُقُولِ، وَقَدْ كَانَ لِلْمُخَاطَبِينَ تَعْظِيمٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَسْلَافُهُمْ، وَلِأَنَّ صِيغَةَ الْقَصْرِ تُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ إِبْطَالُ زَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَوُقُوعُهُ عَقِبَ ذِكْرِ مَنْ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَصْنَامًا لَا تَضُرُّهُمْ وَلَا تَنْفَعُهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ الْمَقْصُودُ بِالْإِبْطَالِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ هُوَ دِينُ الْحَقِّ، وَلِذَلِكَ صَوَّرُوا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَسْتَقْسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ فِي الْكَعْبَةِ.
فَقَالَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ «كَذَبُوا وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ، وَقَرَأَ: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[آل عمرَان: 67] » وَبِهَذَا الْوَجْهِ يُجْعَلُ التَّعْرِيفُ فِي النَّاسُ لِلِاسْتِغْرَاقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّاسِ الْعَرَبُ خَاصَّةً بِقَرِينَةِ الْخِطَابِ وَيَكُونَ الْمُرَادُ تَذْكِيرَهَمْ بِعَهْدِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام إِذْ كَانَ هُوَ وَأَبْنَاؤُهُ وَذُرِّيَّتُهُمْ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ