الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كيف نفهم "لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه
"
المجيب د. عبد الله بن وكيل الشيخ
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ 21/08/1426هـ
السؤال
يقول صلى الله عليه وسلم فيما معناه - "لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه". كيف نجمع بين هذا الحديث وبين أن نسعى لمستقبل مشرق يمحو الظلام الذي نعيشه؟
كيف نأمل عز الإسلام مستقبلاً فنخالف هذا الحديث؟!! فلو اعتز الإسلام لكان الزمان الذي اعتز فيه خيراً من الزمان الذي قبله.. والحديث يقول إن الزمان القادم أسوأ من الماضي دائماً!!
كيف نجمع بينهما؟ فأنا حائر جداً، وهناك شبهات كثيرة كهذه الشبهة أخشى أن تتراكم هذه الشبه وأجنح للانحراف الفكري. أفيدونا.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وبعد:
فإنه مما ينبغي التنبه له أن النصوص الشرعية ينبغي فهمها مجتمعة، ولا يصح أن يعزل النص الشرعي عن بقية النصوص فإن ذلك من أعظم ما يوقع في الغلط، وعلى هذا فإن هذا الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه (7068) من حديث الزُّبَيْرِ بنِ عَدِي قال: أتَيْنا أنَسَ بنَ مالِك رضي الله عنه فَشَكَوْنا إلَيْهِ ما نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فقال: اصْبِرُوا فإنهُ "لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمانٌ إلَاّ والّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ" سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ.
يجب فهمه في ضوء بقية النصوص الشرعية المتحدثة عن شأن الأمة بعده صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت نصوص كثيرة تدل على بقاء الخير في هذه الأمة كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره". أخرجه الترمذي (2869)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن عمار وعبد الله بن عمرو وابن عمر رضي الله عنهم والحديث أخرجه أيضاً أبو يعلى في مسنده، والدارقطني في مسند حديث مالك، وأبو الحسن بن القطان في العلل، له وقال: لا نعلم له علة، وله شاهد عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أخرجه ابن حبان في صحيحه، وفي لفظ عند الطبراني في "الكبير" من حديث عمار رضي الله عنه:"مثل أمتي كالمطر يجعل الله في أوله خيرا وفي آخره خيرا".
وفي الباب أيضاً عن عمران بن حصين رضي الله عنه أخرجه البزار بسند حسن، وقال: إنه لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد أحسن من هذا، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عند الطبراني، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عند الطبراني أيضا، وأشار إليه ابن عبد البر، وقال: إن الحديث حسن. وقول النووي في فتاويه: إنه ضعيف. متعقَّبٌ، إلا أن يريد باعتبار ذاته أو من طريق أبي يعلى التي عزاها له في فتاواه، وإليه يشير قول الحافظ ابن حجر: حديث حسن، له طرق. [ينظر المقاصد الحسنة (1/591) ، كشف الخفاء (2/258) ] .
وكما في أحاديث الطائفة المنصورة وبقائها في الأمة إلى قيام الساعة، ومن ذلك حديث معاوية –رضي الله عنه سمعت النبي –صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك". أخرجه البخاري (3641) ومسلم (1037) .
وحديث ثوبان –رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". أخرجه مسلم (1920) .
وكذلك أحاديث المهدي التي أخرجها أبو داود وغيره من أئمة الإسلام، وكما في أحاديث نزول المسيح عيسى ابن مريم -صلوات الله وسلامه عليه- وهي أحاديث ثابتة في الصحيح.
وفي ضوء هذه الأحاديث مجتمعة ينبغي أن يفهم حديث أنس –رضي الله عنه الوارد في السؤال على أحد الوجوه التالية:
الوجه الأول: أن ذلك محمول على الأكثر الأغلب، وعلى ذلك حمله الحسن البصري –رحمه الله فإنه سئل عن وجود عمر بن عبد العزيز –رحمه الله بعد الحجاج، فقال: لا بد للناس من تنفيس.
الوجه الثاني: أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر، ومن أمثلة ذلك أن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة أحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز وهو أفضل من عهد الحجاج انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده، لقوله –صلى الله عليه وسلم:"خير الناس قرني". وهو في الصحيحين [البخاري (3651) ، ومسلم (2533) ] . وقوله –صلى الله عليه وسلم: "أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". أخرجه مسلم (2531) .
الوجه الثالث: ما حكاه الحافظ ابن حجر عن الإمام ابن بطال أنه قال: وجدت عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون، ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود
…
إلى قوله: شر منه، قال: فأصابتنا سنة خصب، فقال: ليس ذلك أعني، إنما أعني ذهاب العلماء، ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه، قال: لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله، أما أني لا أعني أميرا خيرا من أمير، ولا عاما خيرا من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفا، ويجيء قوم يفتون برأيهم. وفي لفظ عنه من هذا الوجه: وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها، ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه.
الوجه الرابع: ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك فيختص بهم.
وعلى هذا فإن الواجب على المسلم بذل الجهد في إصلاح ما يستطيع إصلاحه من أحوال نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته، وله في ذلك أعظم الأجر من الله؛ لأن نشر الخير في زمن شدة الحاجة إليه أعظم من بذله في وقتٍ الحاجةُ إليه دون ذلك، فقد قال الله تعالى لصحابة نبيه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم:(لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى)[الحديد:10] . يراجع [فتح الباري (13/21-22) ، عمدة القاري (24/184) ، مرقاة المفاتيح (10/19-20) ] .