الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رأي ابن تيمية في كناية الطلاق
المجيب د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بمحكمة رماح
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ 27/03/1427هـ
السؤال
ما معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لا يقع الطلاق بالكناية إلا بنية مع قرينة إرادة الطلاق، فإذا قرن الكنايات بلفظ يدل على أحكام الطلاق، مثل أن يقول: فسخت النكاح، وقطعت الزوجية، فإنه كالصريح) ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فكلام شيخ الإسلام يتضح بذكره تامًّا فقد قال -رحمه الله تعالى-: "ولا يقع الطلاق بالكناية إلا بنية، إلا مع قرينة إرادة الطلاق، فإذا قرن الكناياتِ بلفظ يدل على أحكام الطلاق، مثل أن يقول: فسخت النكاح، وقطعت الزوجية، ورفعت العلاقة بيني وبين زوجتي. وقال الغزالي في المستصفى في ضمن مسألة القياس: لا يقع الطلاق بالكناية حتى ينويه.
قال أبو العباس: هذا عندي ضعيف على المذاهب كلها، فإنهم مهدوا في كتاب الوقف أنه إذا قرن بالكناية بعض أحكامه صارت كالصريح، ويجب أن يفرق بين قول الزوج: لست لي بامرأة، وما أنت لي بامرأة، وبين قوله: ليس لي امرأة، وبين قوله: إذا قيل له: لك امرأة؟ فقال: لا. فإن الفرق ثابت بينهما وصفاً وعدداً، إذ الأول نفي لنكاحها، ونفي النكاح عنها كإثبات طلاقها، ويكون إنشاء ويكون إخباراً بخلاف نفي المنكوحات عموماً، فإنه لا يستعمل إلا إخباراً" ا. هـ الفتاوى الكبرى (4/570) .
فابن تيمية -رحمه الله تعالى- يرى أن الطلاق يقع بلفظ صريح الطلاق، أما ألفاظ الكناية التي ظاهرها لا يدل على الطلاق كقول:(إلحقي بأهلك) أو (حبلك على غاربك) : وغيرها فلا يقع بها الطلاق إلا إذا نواه المتلفظ بذلك.
أما إذا تلفظ الزوج بكناية الطلاق، وقرن معها لفظاً يدل على الطلاق كأن يقول في حال خصومة: إلحقي بأهلك فقد فسخت النكاح، أو قطعت الزوجية، أو رفعت العلاقة بيني وبينك. فهنا يقع الطلاق بلفظ الكناية المقرونة باللفظ الدال على الطلاق، ولا يقبل قول الزوج إنه لم ينو الطلاق لكونه كالصريح، ويقرر ذلك ابن تيمية بقوله:"إن الكناية عندنا إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في الظاهر بلا نزاع، ومعلوم أن اجتماع الناس وتقديم الخطبة وذكر المهر والمفاوضة فيه، والتحدث بأمر النكاح قاطع في إرادة النكاح" ا. هـ الفتاوى (32-17) .
وقال: "إن الكناية تفتقر إلى النية، ومذهبهما المشهور -أي مالك وأحمد- أن دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية، ولهذا جعل للكنايات في الطلاق والقذف ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح" ا. هـ الفتاوى (29-11) .
وقال: "وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا، فإن من أصله أن العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل فهو لا يرى اختصاصها بالصيغ، ومن أصله أن الكناية مع دلالة الحال كالصريح لا تفتقر إلى إظهار النية" ا. هـ الفتاوى (20/534) ، وإعلام الموقعين (2/24) .
هذا إن كان عارفاً بمدلول الكلام، حيث إن ألفاظ الصريح والكناية تتفاوت من مكان لآخر، ومن زمان لآخر فكثير من ألفاظ الكناية والصريح -والتي يذكرها الفقهاء- لا يعرف كثير من الناس معناها ولا يعلمون أنها من كلمات الطلاق، وقد استبدلوها بألفاظ أخرى لم يذكرها متقدمو الفقهاء.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "والله سبحانه ذكر الطلاق ولم يعين له لفظاً، فعلم أنه رد الناس إلى ما يتعارفونه، فأي لفظ جرى عرفهم به وقع به الطلاق مع النية، والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على مقاصد لافظها، فإذا تكلم بلفظ دال على معنى وقصد به ذلك المعنى ترتب عليه حكمه، ولهذا يقع الطلاق من العجمي والتركي والهندي بألسنتهم، بل لو طلق أحدهم بصريح الطلاق بالعربية ولم يفهم معناه لم يقع به شيء قطعاً، فإنه تكلم بما لا يفهم معناه ولا قصده.. وتقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية وإن كان تقسيماً صحيحاً في أصل الوضع لكن يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فليس حكماً ثابتاً للفظ لذاته، فرب لفظ صريح عند قوم كناية عند آخرين، أو صريح في زمان أو مكان كناية في غير ذلك الزمان والمكان، والواقع شاهد بذلك فهذا لفظ (السَّراح) لا يكاد أحد يستعمله في الطلاق صريحاً ولا كناية، فلا يسوغ أن يقال: إن من تكلم به لزمه طلاق امرأته نواه أولم ينوه ويدعى أنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال، فإن هذه دعوى باطلة شرعاً واستعمالاً، أما الاستعمال فلا يكاد أحد يطلق به البتة، وأما الشرع فقد استعمله في غير الطلاق، كقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا" [الأحزاب:49] ، فهذا السراح غير الطلاق قطعاً، وكذلك (الفراق) استعمله الشرع في غير الطلاق، كقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ" إلى قوله "فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ" [الطلاق:2] ، فالإمساك هنا الرجعة والمفارقة ترك الرجعة لا طلقة ثانية، هذا مما لا خلاف فيه البتة، فلا يجوز أن يقال: إن من تكلم به طلقت زوجته فهم معناه أو لم يفهم، وكلاهما في البطلان سواء. وبالله التوفيق" ا. هـ زاد المعاد (5/320-322) . والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.