الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عبادتها عن عبادة الله وحده وعبادة الله وحده هي العبادة الواجبة عليهم وعلى غيرهم من الناس أما عبادة الأوثان فهي عبادة باطلة.
محاجته لقومه المشركين:
بذلك الإيمان القوي واجه إبراهيم الخليل عليه السلام عداوة قومه وأهله المشركين، وواجههم بقوله أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فه يهديني والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين) سورة الشعراء من الآية 75 إلى الآية 83.
وتحمل منهم كل ما أصابه من عذاب وإهانة وتحريق وغيرها، وذلك كله في سبيل الله وفي سبيل عقيدة التوحيد، العقيدة الصحيحة التي لا ظلم فيها لأحد، ولم يصرفه عن دعوته ما رآه من قومه المشركين قساة القلوب وحتى من أبيه الذي كان يقسو عليه ويعامله بما لم يقع - عادة - من الوالد لولده من العطف والرحمة والشفقة، في حين توجهت إلى نصرته ملائكة الله وسائر مخلوقاته، وكل الحيوانات التي لا تعقل ما عدا الوزغ - الفويسقة - وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بعداوة الأقارب لرسل الله، فيما أخرجه ابن عساكر
عن أبى الد، رداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، (أزهد الناس في الأنبياء وأشدهم عليهم الأقربون).
قال سعيد بن جبير - وروى عن ابن عباس أيضا - لما ألقي إبراهيم في النار جعل خازن المطر يقول متى أؤمر بالمطر فأرسله؟ قال فكان أمر الله أسرع من أمره، قال الله تعالى (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) وقد تقدم - قريبا - مثل هذا القول، وذكر الإمام السيوطي في الدر المنثور قول أبي إبراهيم حيث قال وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إن أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وجده يرشح جبينه، فقال عند ذلك (نعم الرب ربك يا إبراهيم) وقيل إن النمروذ قال له هذا كما مر هكذا كان الأمر، فنجاه الله من كيد المشركين، وحفظه من هذه الداهية العظيمة التي أصابته من أجل عقيدته عقيدة التوحيد، فوثق بالله ووعده، ولم يعبأ بكيد الكائدين وفي هذا قال الله تعالى:(وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين)، أي المغلوبين الأسفلين، ورقع مقام خليله إبراهيم عليه السلام.
هذا هو الإيمان القوي الذي يجعل المؤمن لا يخاف المخلوق وقوته وجبروته وبطشه، ولا يخاف إلا الله، هكذا كان موقف إبراهيم فهو لم يخف إلا الله الذي أمره بتبليغ دينه وإظهاره بين خلقه ودعوة عباد الله إليه
ولم يكترث بما أصابه ويصيبه في طريقه من عقبات وتهديدات ومحاولات، وقد قال الله رسوليه - موسى وأخيه هارون - حين أرسلهما إلى فرعون (إنني معكما أسمع وأرى). وقال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) ذلك أن النصر من الله وقد وعد به عباده المؤمنين الثابتين على عقيدتهم الذين لم يغيروها ولم يبدلوها لإرضاء فلان الحاكم أو فلان الغني، فإن الحق أحق أن يتبع وقد نصر الله خليله ورسوله إبراهيم عليه السلام، وأبطل كيد القوم ومكرهم، والله جل شأنه، وعظم سلطانه، قال في أمثال هذه المواقف لتأييد أنصار دينه في كل زمان ومكان (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم إنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) سورة النمل وقال (إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17)) سورة الطارق وقال (وأملي لهم إن كيدي متين) 183 من سورة الأعراف وقال ها هنا (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) سورة الأنبياء الآية 70 حيث أراد ملكهم نمروذ وأصحابه أن يمكروا بإبراهيم ويبطلوا دعوته إلى الله، فجعلهم الله هم الخاسرين في أعالهم ومحاولاتهم، وجعل خليله هو الرابح الذي خرج من هذا الامتحان والمعركة فائزا منتصرا ورد الله مكرهم في نحورهم حين سلط عليهم أضعف مخلوقاته وهو البعوض كما ذكره المفسرون.
فقد ذكروا في تفسير الآية (ألم نر إلى الذي حاج إبرامم في ربه) الخ، تلك المناظرة أو المحاورة التي دارت بين خليل الرحمن من جهة، وبين الطاغية النمرود من جهة ثانية وبواسطتها ظهر عجز النمرود، وبهت أي احتار ولم يستطع أن يدفع حجة إبراهيم التي قامت عليه وأظهرت عجزه، فصار كأنه أخرس لا يستطيع أن يتكلم وهو الذي دام ملكه أربعمائة سنة إلى زمن إبراهيم فقط على ما ذكر وكان جبارا قويا، فساقه غروره بنفسه إلى أن أنكر وجود خالق كل شيء وهو الله رب العالمين وكان قابضا على أرزاق الناس - وبهذا تجبر - فكان يعطي الطعام لمن أقر له بالألوهية ويمنعه عمن لا يقر له بها فصادف ذات يوم أن جاء إبراهيم يمتار ويشتري الطعام لأهله فدخل على النمرود كما دخل عليه من جاء يمتار، وكان الملك سأل كل من جاء لأخذ الميرة - الطعام - فيقول له من إلهك؟ فمن قال أنت، أمر له بالميرة، ومن لم يقل هذا منع عنه الطعام، فجاء إبراهيم ودخل عليه للميرة كما دخل عليه الناس للغرض ذاته، فسأله النمروذ من هو ربك؟ فأجابه إبراهيم بما هو في عقيدته (ربي الذي يحيي ويميت) أي يخلق الموت كما يخلق الحياة فقال له هل هناك إله غيري؟ فقال له نعم هو الله، ولا إله غيره، وأنت عاجز، فأمر بمنعه من أخذ الطعام فعاد الناس إلى أهلهم بالطعام وهم الذين أقروا له بالألوهية وعاد إبراهيم إلى أهله بدون طعام، وبالغرارتين فارغتين، وبقلبه العامر
بالإيمان بربه ولم يبع دينه وعقيدته بشيء من الطعام ليملأ بطنه ويعطل عقله، وذكر المفسرون أيضا أن إبراهيم لما كان في الطريق مر بكثيب رمل ففكر في أمر رجوعه بدون طعام، وماذا يقول لأهله وأولاده أمام جيرانه وهم يعودون بأحمال مثقلة بالطعام ويعود هو فارغ الغرارتين، فكر إبراهيم في هذا فملأ الغرارتين رملا من ذلك الكثيب ليعود يهما عامرتين - على أعين الناس - حتى يظهر للناس أنه عاد بالطعام ليفرح - أهله وأولاده - بهه كما يفرح جيرانه وأولادهم بما جاءوا به، ولما وصل إلى منزله وأناخ راحلته وأنزل الغرارتين تعب من السفر فنام، فقامت امرأته - سارة - إلى الغرارتين وفتحت إحداهما فوجدتها مملوءة بدقيق جيد ما رأت مثله جودة وبياضا، فصنعت منه طعاما وأيقظته من نومه ليأكل، فرآى طعاما جيدا فقال لها من أين جاءكم الطعام؟ فقالت له هذا من الدقيق الذي جئت به، فعلم أن الله هو الذي رزقه به، وأنه رزق ساقه الله إليه، فالله هو الرزاق وهو خير الرازقين (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب).
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أحد الصحابة - واسمه عوف بن مالك الأشجعي - أسر العدو ولده وجزعت الأم فشكا إليه ما وقع، فأمره أن يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله هو وأمه مع التحلي بالصبر، ففعلا، وبينما العدو في غفلة قام الولد وفر من الأسر وساق غنم القوم أو إبلهم وجاء بها إلى والديه، فنزلت
الآية السابقة تصديقا لما قاله له رسول الله صلى الله عليه وسلم فإبراهيم لما منعه النمروذ من الطعام، أعطاه الله طعاما أحسن من طعام النمروذ، يظهر الله لعباده عجز الناس وقدرته وأنه هو الرزاق لا سواه، وفى وقتنا هذا نرى أشباها للنمروذ في بعض الحكام يمنعون الوظيفة لطلب العيش عمن لا يوافقونهم على سياستهم التي يسوسون بها البلاد، فهم نمارذة هذا الزمان، وسيلقون ما لقيه سلفهم.
إن النمروذ أنكر وجود الله، وأنكر أن يكون ثم إله غيره، وأنه بيده رزق الناس، فمن أقر بألوهيته أعطاه ومن أنكرها منعه، كما أنكر هذا بعده (فرعون) وادعى جهلا وغرورا مثل ما ادعاه النمروذ قبله، وقال لمن حوله (ما علمت لكم من إله غيري) فكانت عاقبة هذين الطاغيتين الموت على أسوإ حالة من حالات الموت، ففرعون مات عريقا في البحر ولم تنفعه تلك القوة التي كان يدعيها، وبقيت وفاته عبرة لن جاؤوا بعده لو كانوا يعتبرون بدروس الماضي التي قضت على الجبابرة.
أما النمروذ فقد سلط الله عليه أضعف مخلوقاته وهو البعوض فقد سلطه الله عليه وعلى مصدر قوته وهو الجند فبعث الله عليهم شيئا عظيما من جنده - البعوض - كما ذكر المفسرون فأكل لحومهم وشرب دماؤهم وتركهم عظاما مجردة، أما طاغيتهم فقد دخلت واحدة فقط من ذلك البعوض - جند الله - منخره
وتسربت إلى دماغه وبقيت فيه مدة من الزمن يتألم منها شديد الألم، ودام بقاؤها فيه حينا من الزمن الله أعلم به، وبعض المفسرين يقدرها بأربعين سنة، الله وحده أعلم بها، كل هذا زيادة له في العذاب وحرمته - بطنينها - نعمة التمتع بالحياة، وكان يحب من يضربه على رأسه لتسكن هي وليذوق هو شيئا من الراحة بسكونها وهذا أعز الناس عنده، وبقي على هذا الحال حتى هلك ومات.
هذه نهاية الجبابرة الطغاة في كل زمان ومكان تختم حياتهم بأسوإ حالات الموت ليكونوا عبرة وموعظة للغافلين عن قدرة الواحد القهار، فإنهم كانوا إذا أحسوا شيء من القدرة والقوة بتسلطهم على الضعفاء من خلق الله وخضع لهم هؤلاء الضعفاء غرتهم أنفسهم الدنيئة فظلموا عباد الله ونسوا الخالق العليم القوي، وظنوا أنهم بمنجاة من قبضته، حتى تحين ساعتهم التي قدرها لهم ((إن الله يمهل ولا يهمل)) فإذا جاءت ساعتهم لا ينفعهم جند ولا حصون ولا قوة مهما عظمت، ولا أحذق وأمهر أطباء العالم أجمع، ولو أحضروا معهم أحدث الأجهزة الطبية وأصناف الأدوية، فلا يرد ذلك ما قدره الله، قال الله تعالى ((إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون)) من الآية 4 من سورة نوح عليه السلام، وقال ((فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)) هكذا قال الله الخالق الرزاق الواحد القهار في القرآن
فأين ذهبت عقول العباد؟؟؟ ولا حول ولا قوة تقف أمام قوة الله فالنمروذ مات ببعوضة وفرعون مات غرقا في البحر وفي هذين عبرة لمن كان له قلب يفكر ويفهم ولمن أراد أن يعتبر من العباد المغرورين - وما أكثرهم - كما هو درس بليغ وفصيح للناس أجمعين.
فالقوة والأمر والحكم لله وحده وهو رب العالمين.