الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن شهاب: وممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من النمر بن قاسط صهيب بن سنان وفي كتاب البخاري عن محمد بن سيرين قال: كان صهيب من العرب من النمر بن قاسط.
كلمة حول عبد الله بن جدعان:
من يكون عبد الله بن جدعان هذا؟ معتق صهيب، والذي اشتراه من بعض قبيلة كلب، أو حليفه كما جاء في الرواية الأخرى.
هو عبد الله بن جدعان - بضم الجيم وسكون الدال - القرشي التميمي من مشاهير أجواد العرب وكرمائهم، كان يعيش في مكة المكرمة قبل الإسلام، وهو من أثرياء قريش وأغنيائهم، وكان رجلا كريما مضيافا يطعم الطعام، وكان يلقب بـ (حاسي الذهب) لأنه كان يشرب في إناء من ذهب، وفي سبب غناه أقوال ربما لا يحتملها العقل، وكان يطعم الناس الطعام، ويفعل المعروف مع من يعرف ومن لا يعرف، على عادة الأجواد والكرماء العرب، وكان ربما حضر النبي صلى الله عليه وسلم طعامه قبل البعثة، وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:(شاهدت مأدبة في دار بن جدعان). وكانت له جفنة كبيرة، بلغت من كبرها وسعتها ما لا يتصوره العقل على ما رواه الرواة فيها وفي وصفها، فقد قالوا في وصفها ونعتها: أن القائم يأكل منها واقفا، وكذلك
الراكب على البعير من عرض حافتها، وكثرة طعامها لعظمها وسعتها، وقالوا أيضا، أنه سقط فيها صبي فغرق ومات فيها، وكان يملأها بلباب البريلبك - يخلط - بالشهد والسمن، على عادة العرب في كرمهم.
وجاء في غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 400، وفي الفائق للزمخشري ج 2 ص 32، كما جاء في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 3 ص 43، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان في الإسلام صكة عمي) وهي شدة الحر في الهاجرة، وعبد الله بن جدعان هذا ابن عم والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه على ما ذكره الرواة، إذ هو تيمي، ولذا قالت عائشة رضي الله عنها من أجل تلك القرابة التي كانت بينه وبين أبيها - كما جاء في صحيح الإمام مسلم قالت:(يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم الطعام، ويقري الضيف، ويفعل المعروف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، إنه لم يقل يوما: رب أغفر لي خطيئتي يوم الدين).
وكان لابن جدعان مناد ينادي لقصعته: (هلم إلي الفالوذ) وكان هذا في الجاهلية، وربما حضر طعامه رسول الله صلى الله عليه وسلم
(نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه).
هذه الجملة سيقت مساق المدح والثناء على من قيلت فيه، فقد تناقلها الناس، وبحثوا هذا الأثر من الزمن القديم، واختلفوا في قائله، فمن قائل أنه حديث نبوي شريف، ومن قائل أنه غير حديث لكثرة البحث عنه ممن لهم عناية واهتمام بالحديث، فالكثير من العلماء يرون أنه من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد علمنا مما تقدم أن عمر كان يحب صهيبا، وهذا ما جعله يقدمه على غيره في عدة مواضيع قال العجلوني في كتابه (كشف الخفاء) اشتهر في كلام الأصوليين وأصحاب المعاني وأهل العربية من حديث عمر، وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر البهاء السبكي: أنه لم يظفر به بعد البحث. وهذا الأثر يورده علماء العربية كثيرا كشاهد على عمل حرف ((لو)) الشرطية، كما يذكره علماء الأصول والمعاني، من غير تعرض لبقية استعمالاتها، إذ لاستعمال حرف ((لو)) خمسة أقسام.
1) أن تكون للعرض، نحو لو تنزل عندنا فتصيب خيرا.
2) أن تستعمل للتقليل، كقوله عليه الصلاة والسلام (تصدقوا ولو بتمرة، فإنها تسد من الجائع وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه ابن المبارك عن
عكرمة مرسلا والأثر الآخر: (تصدقوا ولو بظلف محرق).
3) أن تكون للتمني، نحو لو تأتينا فتحدثنا بما يفيدنا.
4) أن تكون مصدرية مثل أن، إلا أنها لا تنصب الفعل المضارع، نحو قوله تعالى:(ودوا لو تدهن فيدهنون) الإدهان: اللين والمجاملة للأعداء، أي تمنى المشركون منك يا محمد أن تلين لهم فتتنازل عن دينك فيقابلونك بالمثل.
5) أن تكون شرطية مثل الواردة في الأثر السابق والمذكور أولا، وهي التي تحتاج إلى شرط وجوابه، ليتم بهما المراد من الجملة، ونحن نعلم أن ((لو)) الشرطية تحتاج إلى فعل الشرط وجوابه مثل بافي أدوات الشرط المعروفة، غير أنها لا تجزم الفعل المضارع كما تجزمه أدوات الشرط الجوازم، فاستمالها شرطية على قسمين.
1) امتناعية، وهي للتعليق في الماضي وهذا هو الكثير في استعمالها.
2) امتناعية بمعنى ((ان)) وهي للتعليق في المستقبل وهذا قليل في استعمالها، وإلى هذا يشير ابن مالك في ألفيته حيث قال:
لو حرف شرط في مضي ويقل
…
إيلاؤها مستقبلا لكن قبل
فاستعمالها في الجملة يدل على تعليق فعل على فعل فيما مضى، وهذا هو الأكثر في استعمالها فيلزم من تقدير حصول شرطها حصول جوابها، ويلزم كون شرطها محكوما بامتناعه في بعض استعمالاتها.
وقد تبارى علماء اللغة العربية في إطلاق تعريف شامل لـ ((لو)) الشرطية هذه، وهذه التعاريف لم تسلم من الاعتراض عليها، لما يطرأ عليها من النقص وعدم الشمول، وأسلمها - نوعا ما - تعريف إمام اللغة العربية ((سيبويه)) حيث قال في تعريفها:(هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره) ولم يسلم تعريفه هذا لها من أشكال أيضا، كل هذا مبسوط في محله من كتب النحو مثل ((المغني)) لابن هشام وغيره، وبعض النحويين يعرفها بقوله:(هي حرف امتناع لامتناع) وفساد هذا التعريف ظاهر.
ومما هو معلوم في مدلول الجملة التي دخلت عليها ((لو)) الشرطية أن لو الشرطية تجعل الجملة على خلاف ظاهرها، فإن كانت في سياق الإثبات دلت على أنها منفية وإن كانت في سياق النفي دلت على أنها مثبتة، أي على إثبات مدلول الجملة، ويوضح هذا قولك لولدك - مثلا - الذي لم ينجح في امتحانه:(لو اجتهدت في قراءتك لنجحت في امتحانك)، فهذه الجملة كانت في سياق الإثبات، فانقلبت بعمل ((لو)) إلى النفي، فيصير معناها لم تنجح في امتحانك لأنك لم تجتهد في قراءتك، فانتفى
جواب لو وهو النجاح في الامتحان لانتفاء شرطها وهو الاجتهاد في القراءة، وهكذا العمل في الجملة المنفية، فإنها تفيد الإثبات، كأن تقول لولدك ((لو لم تجتهد في قراءتك لم تنجح في امتحانك). ومعنى هذا أنك نجحت في امتحانك لأنك اجتهدت في قراءتك.
ومن هذا القبيل الأثر السابق المنقول عن عمر رضي الله عنه وهو قوله: (نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه) فإن الجملة كانت في سياق النفي فتفيد الإثبات، فـ ((لو)) في هذا الأثر لتقرير الجواب، وبناء على قاعدة، ((لو)) الشرطية يكون معنى الجملة أن صهيبا (خاف الله وعصاه) وهذا غير مراد للقائل، فيلزم على هذه القاعدة في الأثر المذكور ثبوت المعصية مع ثبوت الخوف من الله، وهذا عكس المراد منه، بل المراد لعمر أن صهيبا لا يعصي الله أبدا، سواء خافه أو لم يخفه، وأولى إذا خافه، فهو لا يعصيه ولو لم يخفه، والذي صيره لا يعصي ربه هو إجلاله وتعظيمه والحياء منه، والحب له والمهابة من عظمته، فترك صهيب معصية الله إنما كان لأمر خارج، وذلك لما طبع عليه من الطاعة والحب والمهابة لجلاله والحياء منه إذا وقف بين يديه يوم القيامة للحساب، فعدم معصيته له معلل بأمر خارج عن الخوف وعدمه، وذلك كالإجلال والتعظيم لله جل جلاله هذا ملخص عمل ((لو)) الشرطية، في هذا الأثر المحفوظ. ومثل هذا الأثر الذي قاله عمر في صهيب، ما قاله العلماء فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين
عرض عليه الزواج بربيبته ((درة)) بنت أبي سلمة - أخيه من الرضاع - فقد جاء في كتب الحديث ما يلي: عرضت أم حبيبة بنت أبي سفيان - زوج النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن يتزوج أختها فقال لها: (فإنها لا تحل لي) وهذا منه إشارة لقوله تعالى: ((وأن تجمعوا بين الأختين)). قالت أم حبيبة، فقلت له فوالله لقد أخبرت أنك تخطب بنت أبي سلمة، فقال (بنت أبي سلمة؟) قالت نعم قال:(فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن). قال رواه الحديث: متفق على صحته، وقال العلماء: أن حل بنت أبي سلمة منفي عنه صلى الله عليه ومسلم من جهتين اثنتين، أولا أنها ربيبته في حجره وهذا حرام بنص الآية، وثانيا أنها ابنة أخيه من الرضاعة، وهي عليه حرام بلفظ الحديث صراحة والقرآن ضمنا، إذ لو كان فيها مانع واحد لكفى في التحريم، فكيف إذا اجتمع فيها مانعان اثنان كما هنا مانع كونها ربيبته في حجره لقوله تعالى:((وربائبكم اللاتي في حجوركم)) والمانع الثاني كونها ابنة أخيه من الرضاعة، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:(يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب). فقد أرضعت ((ثويبة)) مولاة أبي لهب وأمته الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي سلمة، فكان أبو سلمة أخا للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يحل للمسلم الزواج
بابنة الأخ سواء من النسب أو من الرضاع، وكون أمها زوجته، فهي ربيبته تربت عنده وفي حجره، والرجل إذا تزوج امرأة حرمت عليه ابنتها من غيره، فهذا معنى اجتماع مانعين فيها وكما تقدم في الأثر السابق الوارد في صهيب، فمعصية صهيب لله تعالى منتفية من جهتي الخوف والإجلال والتعظيم لله تعالى والحياء منه.
وقد سقت هذا الأثر لبيان فضل هذا الصحابي الورع، وقد كنا درسناه في أيام الدراسة، أما الآن فقد تركت الآثار والقواعد العلمية التي تفتح الفكر للنقاش والحوار لفهم اللغة العربية، كما في ذلك رياضة للفكر وتدريب له على الكلام البليغ والفصيح لفطاحل علماء اللغة العربية، لغة كلام الله وكلام رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
هذا وتوفي صهيب رضي الله عنه بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في شوال، وقيل سنة تسع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل ابن سبعين، ودفن بالمدينة، وكان أصهب شديد الصهوبة تشوبها حمرة، لذلك سمي صهيبا، وكان ليس بالطويل ولا بالقصير وهو إلى القصر أقرب، كثير شعر الرأس، رحمه الله ورضي عنه.