الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
59 - كِتَابُ بَدْءِ الخَلقِ
1 - باب مَا جَاءَ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ وَالْحَسَنُ كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ. هَيْنٌ وَهَيِّنٌ مِثْلُ لَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ، وَضَيْقٍ وَضَيِّقٍ. {أَفَعَيِينَا} [ق: 15]: أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ، {لُغُوبٌ} [فاطر: 35]: النَّصَبُ. {أَطْوَارًا} [نوح: 14]: طَوْرًا كَذَا، وَطَوْرًا كَذَا، عَدَا طَوْرَهُ أَىْ قَدْرَهُ.
3190 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضى الله عنهما - قَالَ جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ «يَا بَنِى تَمِيمٍ، أَبْشِرُوا» . قَالُوا بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَجَاءَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَقَالَ «يَا أَهْلَ الْيَمَنِ، اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ» . قَالُوا قَبِلْنَا. فَأَخَذَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ بَدْءَ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا عِمْرَانُ، رَاحِلَتُكَ تَفَلَّتَتْ، لَيْتَنِى لَمْ أَقُمْ. أطرافه 3191، 4365، 4386، 7418 تحفة 10829
3191 -
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضى الله عنهما - قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَعَقَلْتُ نَاقَتِى بِالْبَابِ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ فَقَالَ «اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِى تَمِيمٍ» . قَالُوا قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ «اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ» . قَالُوا قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالُوا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ قَالَ «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِى الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ» . فَنَادَى مُنَادٍ ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ. فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِىَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ، فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّى كُنْتُ تَرَكْتُهَا. أطرافه 3190، 4365، 4386، 7418 تحفة 10829 - 129/ 4
3192 -
وَرَوَى عِيسَى عَنْ رَقَبَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَامَ فِينَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ. تحفة 10470
3193 -
حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ عَنْ أَبِى أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم أُرَاهُ «يَقُولُ اللَّهُ شَتَمَنِى ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِى، وَتَكَذَّبَنِى وَمَا يَنْبَغِى لَهُ، أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِى وَلَدًا. وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِى كَمَا بَدَأَنِى» . طرفاه 4974، 4975 تحفة 13666
وقد مرَّ نظائرُه من قوله: «بَدْء الوحي» ، و «بَدْء الحَيْضِ» ، فهذا «بَدْء الخَلْقِ» . ويَذْكُرُ في ضِمْنِهِ الأحوالَ، إلى الحشر. وهذا الكتابُ في كُتُبِ الأحاديث أقربُ إلى سِفْر التكوين من التوراة.
قوله: ({وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ})[الروم: 27] أَتَى بِصيغة التفضيل رعايةً لحال المُخَاطَبِينَ، ومُجَارَاةً لهم، فإن الإِعادةَ عندهُم أسهلُ من الإِبداع، وإلَاّ فالكلُّ سواء بالنسبة إلى قدرته، فإن الله تعالى لا مُكْرِهَ له.
3191 -
قوله: (كان اللَّهُ، ولَمْ يَكُنْ شيءٌ غَيْرُهُ) ومن لفظه: «ولم يكن شيءٌ قَبْلهُ» ، ولا أَذْكُرُ فيه لفظ:«معه» . والأَوْلَى اللفظُ الأوَّلُ، فإنه يَدُلُّ على أن سائرَ العالم بنَقِيرِه وقِطْمِيرِه حَادثٌ، بخلاف قوله:«ولم يكن شيءٌ قبله» ، فإنه وإن كان صحيحًا في نفسه، لكنه لا تَسْتَفَادُ منه المسألةُ المذكورةُ. ثم إن هذه عقيدةُ الأديان السماوية كلِّها، وما من دينٍ حقَ إلَاّ ويَعْتَقِدُ بحدوث الأكوان، إلَاّ الله، واختار الشاه وليُّ الله في بعض رسائله قِدَمَ العالم، وتمسَّك بما عند الترمذيِّ إنه صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: «أيْنَ كَانَ رَبَّنَا قَبْلَ أن يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قال: كان في عَمَاءٍ، ما فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وما تَحْتَهُ هَوَاءٌ
(1)
.
(1)
قلتُ: وكان الشيخُ شَرَحَهُ في موعظةٍ، حين أقامته بدار العلوم بديوبند. وها أنا أُلْقي عليك نبذةً منه على ما أحْفَظُهُ. قال: إن العَمَاءَ شيءٌ يُشْبِهُ الضَّبَابَة، تقوم مقام /جرشاهى/ للملك، وربما يوجد ذكرها عند ذكر العِلْوِيَّات، فقال تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [البقرة: 210] وكذا في قصة صحابي تلا في الليل سورة الكهف، فَرَأى سحابةً، أو ضَبَابةً. فَهَذا شيءٌ يناسب بحضرة الربوبية، وهو أيضًا مخلوقٌ لله تعالى، إلَّا أن السؤالَ كان عن هذا العالم المشهود، أي: أين كان ربنا قبل أن يَخلُقَ هذا العالم؟ لا مُطْلق الخَلْقِ. فإن العَمَاءَ لا يَعْلَمُهُ كثيرٌ من العلماء، فما للسائل أن يَسْألَهُ عن كونه قبل العَمَاءِ. فإن السؤال لا يكون إلَّا عَمَّا في محيط عِلْمِنَا، لا ما عَلِمْنَاهُ بعد إخبار الشرع. ولذا أَجَابَهُ بأنه قبل ذلك العالم، كان في عَمَاءِ. ولعلَّه مادةٌ للأكوان كلِّها، وإليه أَشَار في قصيدته في حدوث العالم:
تَعَالى الذي كَانَ وَلَمْ يَكُ ما سِوَى
…
وأوَّلُ ما جلى العَمَاء بمصطفى
وأيضًا في الفارسية:
/بدريائى عماء موج إراده
…
حباب انكيخت حادث نام كردند/
وإنما دلَّه على العَمَاءِ، لأنه سُئِل أن الرَّب أين كان؟ فقال: إنه كان قبل الخلق في العَمَاءِ، على ما يلِيقُ بشأنه. =
قوله: (وكَانَ عَرْشُهُ على المَاءِ
(1)
) وقد مرَّ: أن هذا الماءَ إمَّا هو ما أَخْبَرَ به ابنُ مسعود: أنه على مسافة خمس مئة سنةٍ فوق السموات، أو هذا الماءُ المعروفُ عندنا. فالمرادُ منه كون العرشِ في طرفٍ، وفي طرفٍ آخرَ منه الماءُ، لا كونه مستقرًّا على الماء.
قوله: (في الذِّكْرِ): أي اللوح المحفوظ.
قوله: (فإذا هيَ تَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ)، معناه أنها بَعُدَتْ بُعْدًا لا يَظْهَرُ دونه السَّرَابُ، مع أنه يَلْمَعُ من البُعْدِ، فإذا لم يَظْهَرْ السَّرَابُ أيضًا، دَلَّ على قطعها بُعْدًا بعيدًا، والغرضُ بيانُ بُعْدِهَا فقط.
3194 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِىُّ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِى كِتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِى غَلَبَتْ غَضَبِى» . أطرافه 7404، 7412، 7453، 7553، 7554 تحفة 13873
3194 -
قوله: (فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ، إن رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي) وفي لفظٍ: «سَبَقَتْ غَضَبِي» ، وتمسَّك به الشيخُ الأكبرُ
(2)
على أن عذاب الجحيم لا يَدُومُ لأحدٍ، لأن
= فلو سأله سائلٌ أنه أين كان قبل العَمَاءِ؟ لأجابه أنه كان، ولم يَكُنْ شيءٌ غيره، كما في حديث البخاريِّ. إلَّا أن تَصَوُّرَ الذات بدون المكان عَسِيرٌ عند الأذهان، فأجابه حسب سؤاله على قدر فَهمِهِ، وعِلْمِهِ.
قال الشيخُ الأكبرُ: إن السؤالَ أين كان بعد وجود الخَلْقِ، ولو في الجملة. فإن سؤالَ الأَينِيَّة، لا يَتَأَتَّى إلَّا بعد وجوده.
فإذا وُجِد شيءٌ دون شيءٍ توجَّه السؤالُ، أنه أين كان؟ في عَمَاءٍ أو غَيره، على العرش أو فوقه، أو تحته. فالسؤالُ بالأين لا يُعْقَل إلَّا بعد وجود شيءٍ سواه. واختلف العلماءُ في "ما": أنها نافيةٌ، أو موصولةٌ، وإلى كلٍّ ذَهَبَ ذاهبٌ.
وكنتُ معه في سفر إذ سَألَ الشيخَ بعضٌ من المتنورين عن مادة العالم، فَأَعَاد عليه القولَ، فقال: هاتِ ما عندك؟! كأنه زَجَرَهُ على سؤاله، حيث رآه مُتَعَنِّتًا، فجعل الرجل يتكلَّم، كجعجعة ولا طحين، ثم قال له: وإذ قد عَجَزْتَ عن بيان ما ثَبَتَ في الفلسفة الجديدة، فاسمع منِّي أولًا ما هو المحقَّقُ عندهم، ثمَّ أُخبِركَ بما ثبت عند الشرع: إن مادةَ العالم عندكم مادةٌ مبثوثةٌ في الجو تسَمَّى /بايتهر/، وقد كان قدماؤهم يَزعُمُون أنه بسيطٌ لا جزءَ له، وإن ثَبَتَ اليوم عندهم خلافه، وحقَّقوا شيئًا آخرَ ألطف منه. وأمَّا في لسان الشرع: فهي العَماءُ، وقرَّره فى نحو نصف ساعة، وأتى بنقول العلماء من العهد الجديد والقديم، ونقَّح كلماتهم في هذا الباب. وفي ضمن ذلك مرَّ على وجود السموات، وحقَّقها، حتى أن بُهِتَ الرجل، ودُهِشَ. وحينئذٍ عَلِمَ أن الفضلَ بيد الله تعالى، يُؤْتِيهِ من يشاء.
(1)
قلتُ: من أَرَادَ الاطلاعَ على جوانبه وأطرافِه، فليراجع له "روح المعاني"، فإنه تكلَّم فيه الشيخ الأَلُوسي رحمه الله تعالى، وفي ضمنه تعرَّض إلى العَمَاءِ شيئًا.
(2)
قلتُ: وقد تمسَّك الشيخُ الأكبرُ بالاستثناء من قوله تعالى: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 107] أيضًا، ولا ريبَ أنه قويٌّ جدًا، وسنذكر وجه التفصِّي عنه إن شاء الله تعالى. فانظر غايةَ اعتدال الشيخ -قُدِّسَ سرُّه- واستحكامُه في العلوم، وأنَّ قَدَمَهُ لم تَكُنْ تَزِلُّ عن مسلك الجمهور في موضع زَلَّتْ فيه أقدامُ الفحول، كالشيخ الأكبر، والحافظ ابن تَيْمِيَة. والعجبُ أنه كان من معتقديهم، ثم لم يكن يَرْكَنُ إلى تفرُّداتهم أصلًا. وهذا الاعتدالُ، والنَّصَفَةُ في حقِّ الكِبَارِ، ممَّا يَكَادُ يتعذَّر اليوم.
الحديثَ يُخْبِرُ أن الرحمةَ والغضبَ تَسَابقا، فَسَبَقَتْ رحمتُه غضبَه، فإذا سَبَقَتْ لَزِمَ أن لا يَبْقَى أحدٌ تحت غضبه تعالى، ويَدُخُلَ كلُّهم في رحمته تعالى، ويَخْلُصَ من عذاب الله عز وجل، ولو آخِرًا. وذلك لأن النارَ تكون طبيعةً لهم، فَيَعِيشُون فيها غير معذَّبين، لكونهم ناريي الطبع. كمائيِّ المَوْلِدِ، يَسْكُنُ في الماء، ولا يكون عليه ضيقٌ، وغيره لو سَكَنَ فيه مات من ساعته.
قلتُ: ومذهبُ الجمهور: أن جهنم عذابٌ سَرْمَدِيٌّ لمن فيها. قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56]. وأمَّا السَّبْقِيَّة، فهي عندي في جانب المبدأ دون المنتهى، ومعناه: أن الرحمةَ والغضبَ تَسَابَقَا عند ربك، فسَبَقَتْ الرحمة قبل سَبْقِ الغضب، فتقدَّمت عليه من هذا الجانب. وذلك
(1)
لأن الغضبَ يَحِلُّ بالمعاصي، والرحمة منشؤها الجود، فتأتي من غير سببٍ ولا استحقاقٍ. بخلاف الغضب، فإنه يَنْتَظِرُ اقترافَ السيِّئات، واقتحام الموبقات، والرغبة عن التوبة، ثم التمادي في الغيِّ، فلا يأتي حين يأتي إلَاّ على مَهْلٍ، فتقدُّمها يَظْهَرُ في جانب المبدأ.
وأخذه الشيخُ الأكبرُ في الجهة الأخرى، فاضْطَرَّ إلى مخالفة الجمهور. ثم إن تلك القاعدةَ فوق القواعد كلِّها، فهي كاختيارات الملك، ولهذا وَضَعَهَا على العرش، على نحو ما قالوا في استواء الحضرة الرحمانيَّة على العرش. قال تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5] قالوا: إنه فوق العوالم كلِّها، فدخلت كلُّها تحت الرحمة. ولو استوى القهَّار على العرش، والعياذ بالله من قهره وجلاله، لَدَخَلَتْ كلُّها تحت القهر، فلم تَمْشِ على ظهر الأرض دابةٌ.
حكاية: حاجَّ إبليسُ، مع الشيخ عبد الله التُّسْتُرِي أنك تقولُ: إني أُعَذَّبُ في النار، وكيف يكون ذلك؟ مع أن الله تعالى أَخْبَرَ أن رَحْمَتَهُ وَسِعَتْ كل شيءٍ، أَلَسْتُ بشيءٍ؟ فَلِمَ أَدُخُلُ تحت الرحمة؟ فأجابه التُّسْتُري: أن الرحمةَ للذين يُقِيمُونَ الصلاة ويُؤْتُونَ الزكاة، وبربهم يُؤْمِنُون، ولَسْتَ منهم. فَضَحِكَ منه، وقال: كنتُ أَرَى أنك عالمٌ عارفٌ، فإذا أنت ممن لا يَعْرِفُ شيئًا، قيَّدْتَ صفاته المطلقة، فإن اللَّهَ تعالى قادرٌ على الإِطلاق، وخالقٌ على الإِطلاق، فكذا هو رحيمٌ على الإِطلاق، وأنت تقيِّدُها، فلم يَدْرِ التُّسْتُرِي ما يقول له.
(1)
قال الطِيبيُّ: في سبق الرحمة إشارةٌ إلى أن قسطَ الخَلْقِ منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تَنَالُهُمْ من غير استحقاقٍ، وأن الغضبَ لا يَنَالُهُمْ إلَّا باستحقاقٍ. فالرحمةُ تَشْمَلُ الشخصَ جنينًا، ورضيعًا، وفطيمًا، وناشئًا، قبل أن يَصْدُرَ منه شيءٌ من الطاعة، ولا يَلْحَقُهُ الغضبُ إلَّا بعد أن يَصْدُرَ عنه من الذنوب ما يستحقُّ معه ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب. اهـ "عمدة القاري".