الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2601 -
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِى حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِى، وَيُحَلِّلُوا أَبِى، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَائِطِى، وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ «سَأَغْدُو عَلَيْكَ» . فَغَدَا عَلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَطَافَ فِى النَّخْلِ، وَدَعَا فِى ثَمَرِهِ بِالْبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا، فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَبَقِىَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ جَالِسٌ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ «اسْمَعْ - وَهْوَ جَالِسٌ - يَا عُمَرُ» . فَقَالَ أَلَاّ يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ. أطرافه 2127، 2395، 2396، 2405، 2709، 2781، 3580، 4053، 6250 تحفة 2364، 2382
وهذا في الحقيقةِ إبراءٌ، وإسقاطٌ للدَّيْن، وهل يشترط له القَبولِ ممَّن عليه الدَّين هل أو لا؟ ففيه قولان في كُتُبِنا: فقيل: يُشْترط؛ وقيل: لا.
22 - باب هِبَةِ الْوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ
وَقَالَتْ أَسْمَاءُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِى عَتِيقٍ وَرِثْتُ عَنْ أُخْتِى عَائِشَةَ بِالْغَابَةِ، وَقَدْ أَعْطَانِى بِهِ مُعَاوِيَةُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَهُوَ لَكُمَا.
2602 -
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم أُتِىَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ «إِنْ أَذِنْتَ لِى أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ» . فَقَالَ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِى مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدًا. فَتَلَّهُ فِى يَدِهِ. أطرافه 2351، 2366، 2451، 2605، 5620 - تحفة 4744 - 211/ 3
واعلم أنه يُشْتَرطَ لصحةِ الهبة عندنا أن لا يكون مُشَاعًا، وذلك لأن القبض من تمام الهبةِ، وهو ضعيفٌ في المشاع. ثُم إن كان الواهِب واحدًا، والموهوبُ له جماعةً، فهو مشاع عند الإمام الأعظم. وقال صاحباه: أنه ليس بِمُشاعٍ. وإنْ كان الواهِبُ جماعةً، والموهوبُ له واحدًا، فلا شيوعَ عند الإِمام
(1)
. وأما البخاريُّ فذهب إلى هَدْر الشُّيوع. ولم يره شيئًا، فتصح عنده هِبةُ المُشَاع أيضًا.
(1)
وفي "شرح الوقاية" صح هبة اثنين دارًا لواحد، لأن الكل يقع في يده بلا شيوع، وفي عكسه لا، أي هبة واحد لاثنين دارًا لا تصح عند أبي حنيفة، وعندهما تصح، لأن التمليك واحد، فلا شيوع، وله أن هذه هبة النصف من كل واحد، فيثبت الشيوع، اهـ مختصرًا. قال مولانا فتح محمد: لا يصح هبة واحد لجماعة، لأن الموهوب له مشاع، إلا أن يقسم، وتصح عندهما، وأما تبويب البخاري: وهب رجل جماعة جاز، وذكر تحتها قصة هوازن، فإنه عليه السلام وهب لهم سباياهم، ليس من هذا، لأنه صلى الله عليه وسلم وإن وهب لجماعة، لكن الموهوب كان لكل واحد على حدة، فملك كل واحد منهم سبية خاصة، فلا شركة، ولا شيوع، وما نحن فيه هبة شيء واحد لجماعة، وفيها شيوع، فلذا اختلفت الأقوال فيه، اهـ.
قلت: والذي تبيَّن لي أنَّ توسيعَ البخاري، وتضييق الحنفية، كلاهما ليس بمرضِيَ للشارع، فإِنَّ رَفْع الشيوع الإِبهام مطلوبٌ عنده البتة، أما إنه في أي مَرْتَبة، فلينظر فيه، فليس نَسَقُه إلى هَدْره، كما زعمه البخاري، ولا العضّ به، كما قاله الحنفية، والذي أراه أنًّ النَّهي عنه لكونِه مُفْضِيًا إلى النَزاع، وكلّ أَمْرٍ يكونُ النهيُّ عنه كذلك، لا يُشدِّد فيه الشارِعُ بنفسه، بل ربما يغمض عنه أيضًا، فلا بنبغي التشدُّدُ فيه؛ ويدلُّ عليه ما أخرجه البخاريُّ (2/ 292)"باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها" الخ، عن زيد بن ثابت، قال: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثِّمار، فإِذا جذَ الناسُ، وحضر تفاضِيهم: قال المُبتاع: إنه أصاب الثَّمْرَ الدُّمانُ، أصابه مُرِاضُ، أصابه قُشام، عاهاتٌ يحتجُّون بها، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لما كَثُرَت عنده الخصومةُ في ذلك: فإِما لا، فلا تتباعوا حتى يبدو صلاح الثَّمر - كالمشورة يشيرُها، لكثرة - «خُصُومتهم. اهـ. فقد فَهِم الراوي في تلك القِصَّةِ ما قد فهمناه، ولذا حَمَل النَّهي على الشمورةِ، لأنه كان لمعنى النزاع.
ونحوه في الفِقْه أيضًا، كالبيع إلى النَّيْروز، والمِهْرَجان، والجِذْع في السَّقْف، كلّها فاسِدٌ، ولكنه لو سَلَّم قبل حُلولِ الأجل في الأَوَّل، ونَزْع الجِذْع في الثاني، انقلب صحيحًا، لأن الفسادَ كان لمعنى النزاع، وقد ارتفع بالتسليم؛ ومقتضاه أن لا يكون الشُّيوعُ في الهِبةُ مُفْسِدًا لها، إلا أنَّ فُقهاءنا وَسَّعوا في البيوع، وَضَيَّقُوا في الهِبة، لأنَّ في البيع قوةً، فيثبت الاستحقاقُ بنفس العقد، فلا يَضُرُّه ضَعُفُ الشُّيوع، بخلاف الهِبة، فإِنه تبرُّعُ مُحْض، يحتاجُ إلى قُوَّة القبضِ، ولا يتمِ القَبْضُ مع الشُّيوع.
وكذا عند التِّرمذي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الثُّنيا، إلا أنْ تُعْلم، ومَرَّ عليه محمدٌ، وفسره بالجزء الشَّائِع، ولا بُعْد أن يكون هذا هو المرادَ. وفَسَّره الناسُ باستثناء أَرْطالٍ معلومةٍ، وتَرَكَهُ محمدٌ، وههنا صورتان: الأولى بعتُ مئة وَسْق إلا عشرة أَوْسُق، وهي جائزةٌ، ويكون ضامِنًا لقضاء الباقي بعد الاستثناء؛ والثانية بِعْتُ ثمارَ هذه النَّخيلِ إلا عشرةَ أَوْسق، وينبغي أن تكون تلك أيضًا جائزةً ولا أَرَى مَطْلُوبٌ للشَّارِع؛ ولهذا المعنى شُرِع الخَرْص في العَرَايا، أي ليحصُل نوعٌ من التعيينِ، ويخرج الأَمْرُ عن الجهالةِ المُطْلقةِ إلى التعيين في الجُملةِ، ومن هذا الباب الأَمْرُ بِرَفْع الجهالات في البيوع، فالنَّهي عنه ليس بأكيد، وقد أغمض عنه أيضًا في بَعْض المواضع.
ثم القَبْضُ في البيع يَتِم بالتخلية؛ أما في الهبة، فلا يَتِم إلا بالجِذاذُ، فعند مالك في «موضئه» في باب ما لا يجوزُ من النَّخْل من كتاب الاقضية وقد أَخرجه الطحاويّ أيضًا. مالك عن ابن شِهاب عَن عروة بن الزُّبير، عن عائشة زَوْج النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنها قالت: إنَّ أبا بكرٍ الصديقَ، كان نَحَلها جُذاذَ عشرينَ وَسْقًا من ماله بغايةٍ، فما حضرته الوفاةُ، قال: واللهِ يا بنيةُ ما مِن الناسِ من أَحَدٍ أَحبُّ إليَّ عندي مِنْك، وإني كُنْتُ نَخَلْتُكِ، فلو كنتُ جَذَذْتُه وأَحرَزْتُه كان ذلك، وإنما هو اليوم مال وارِث، وإنَّما هو أخواكِ، وأُختاك. اهح. فدلَّ أنَّ الهِبةَ لا تتَمِ إلا بالجُذاذِ، أما امْرُ النبي صلى الله عليه وسلم بإِكفاء القُدُور حين طَبَخُوا اللَّحْم قبل القِسْمة، فقد مرَّ وَجْهُه، فلا يخالِفُ ما ذكرنا
ههنا، وكذلك الفَرْق بينه وبين النهد، فإِنَّ الحقَّ في الغنيمةِ يكونُ الثالث، وهو غائبٌ، بخلاف النهد، فإِنَّ الخَلْط والشُّيوعَ جاء من قبل الشريكين بِطَوْعهما ورَغْبتهما، وبأَعْيُنِهما، وقد علما أن الفاضُلَ في الأَكْل لا بدَّ منه، فَتُحْمَل فيه لذلك، فافترقا.
ثم إنَّ المصنِّف ترجم في «الذبائح» أنَّ مَنْ ذبح الشيءَ المُشْتَرَكَ لا يجوزُ أَكْلُه. وكذا عند أبي داود أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دُعي إلى طعامٍ، فأخذ لُقْمةً منه، وقال: إني أرى لحمًا ذُبح بغيرِ إذْن أَهْله، وأَمَر أن يُتَصَدَّق به عن الأُسَارَى؛ وهو عند الدارقطني أيضًا من آخِره، ومن هذا الحديث استنبط الإِمام الأعظم أنَّ سبيلَ المالِ الحرامِ هو التصدُّقُ، وفي القرآن {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] فذكَر القَبْض، أما إنه في أَيَّ مَرْتبةِ، فلينظره الفقهاء، وثبت من هذه الجزئياتِ ما رامه الحنفيةُ من ضرورةِ القبْض، وأن الشُّيوعَ يَضُرُّه.
ثم المشهورُ عند الفقهاء أنَّ الشهاةَ إنْ ذُبحت بغيرِ إذْن أَصْلها صارت ميتةً، وعندي هي مُذكْاةٌ، لأنَّ الحُرْمة لمعنىَّ في غيرها، ونحوه ما في «الدار المختار»: مَنْ وَجَد شاةً مذبوحةً في الصَّحْراء، ولم يَدْر مَن ذبحها، ومالِكَها، ولا يَحِل له أَكْلُها، ونقله عن ثِقةٍ لم يذكر اسمه، وعندي أنها ذكيةٌ لا بأسَ بأكْلِها.
ثم اعلم أَنَّ في الفِقْه بابًا يُسمى بالتبرُّع، ولا يوجدُ مُتميِّزًا عن باب الهبة، إلا أنه يُذْكر في ضِمْن المسائل، فليُنَقَّح الفَرْقُ بين البابين، لاختلاف أحكامِهما، ففي «القنية»: المُتبرِّع لا يَرْجِعُ فيما تَبَرَّع به، فبابُ الرُّجوع لا يمشي في التبرُّعات، بخلاف الهِبة.
2602 -
قوله: (إن أَذِنت أعطيتُ هؤلاء) واستنبط مِنْه المُصَنِّف أنه كان هِبةَ المُشَاع؛ قلت: بل هو مِنْ باب الإِباحة دون الهِبة، وبينهما فرقٌ، أوضحه شارح «الوِقاية» في كتاب العارِيَّة والتيمم.
قوله: (ما كُنْتُ لأُوثِر)
…
الخ؛ حُكي
(1)
أنَّ الرشيدَ أَهْدَي إلى أبي يوسف، وكان في مجلِس، فقيل له: إنَّ الهدايا مُشْتركة؛ فقال له أبو يوسف: هذا فيما هُيِّأَ للأكل، وأما في غيره فلا، قلت: وفي المهيأ للأكل أيضًا تفصيل، فإِنه يُنظر في قَدْره، وعُرْف الناس فيه، ثُم ذكر الغزاليُّ قصة وليَ أهدى إليه في مِثْله، فقيل له، كما قِيل لأبي يوسف، فأعطاه كلَّها، وقال: لا نحبُ الاشتراكَ؛ واستحسنه الغزاليُّ؛ قلت: بل ما فعله أبو يوسف هو الأحسن، فإِنه قد علمنا به مسألةً من مسائل الدين، وأما الأولياء فيختارون جانِبًا يرونه أوْلى لأنْفُسهم، ويهدِرُون جوانبًا،
(1)
حكى علي القارىء أنه وقع لبعض المشايخ أنه أتى بهدية عظيمة من دنانير ودراهم جسيمة، وكان عنده فقير مسافر، فقال: يا مولانا الهدايا مشتركة. فقال الشيخ بلسانه: (أماتنها خوشترك) أي الانفراد أحسن، فظن الفقير أنه يريد الانفراد بنفسه، فتغير حاله، فقال الشيخ:(لك تنها خوشترك)، فشرع في أخذه، فعجز عن حمله وحده، فأشار الشيخ إلى بعض أصحابه بمعاونته، ومن اللطائف أن الإِمام أتى بهدية من النقود، فقيل له: الهدايا مشتركة، فقال: اللام للعهد، أي الهدايا من الرطب والزبيب، وأمثالهما، فانظر الفرق بين علماء الظاهر، والباطن، اهـ. "جمع الوسائل" ص 68 - ج 1.