الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الخامس عشر - في ذكر سلاسلها وأغلالها وأنكالها
قَالَ الله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} [الإنسان: 4].
وقال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [سبأ: 33].
وقال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر: 71 - 72].
وقال تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة: 30 - 32].
وقال تعالى: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا (1) وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ (2)} [المزمل: 12، 13].
وقرأ ابنُ عباسٍ: {وَالسلاسِلَ يُسْحَبُونَ} [غافر: 71] بنصب السلاسل وفتح الياءِ من يسحبونَ، قال: هو أشدُّ عليهم هم يسحبون السلاسلَ. خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.
فهذه ثلاثةُ أنواع:
أحدها: الأغلالُ: وهي في الأعناقِ.
كما ذكر سبحانه.
قال الحسنُ بنُ صالح: الغلُّ: تغلُّ اليدُ الواحدةُ إلى العنق، والصفدُ: اليدانِ جميعًا إلى العنقِ. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.
وقال أسباط عن السُّديِّ: الأصفادُ تجمعُ اليدينِ (*) إِلَى عنقه.
(1) أنكالاً: أي قيودًا شديدة ثقال.
(2)
طعامًا ذا غصة: أي ذا نشوب في الحلق فلا يستساغ.
(*) في حاشية الأصل أنها في نسخة: "اليد".
وقال معمر عن قتادةَ في قوله: {مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} [إبراهيم: 49].
قَالَ: مقرنين في القيود والأغلال.
قالَ: مقرنين في القيودِ والأغلالِ.
قالَ عيينةُ بنُ الغصنِ، عن الحسنِ: إنَّ الأغلالِ لم تُجعلْ في أعناقِ أهلِ النارِ لأنَّهم أعجزُوا الربَّ عز وجل، ولكنها إذا طُفِئَ بهم اللهبُ أرستْهُم. قالَ: ثم خرَّ الحسنُ مغشيًّا عليه!!.
وقال سيَّارُ بنُ حاتم: حدثنا مسكينُ عن حوشب، عن الحسنِ، أنه ذكرَ النارَ فقالَ: لو أنَّ غلاً منها، وُضِعَ على الجبالِ لقصمَهَا إلى الماءِ الأسودِ، ولو أنَّ ذراعًا من السلسلة، وُضِعَ على جبلٍ لرضَّه.
ورَوى ابنُ أبي حاتم: بإسناد عن موسى بنِ أبي عائشةَ، أنَّه قرأ قولَهُ تعالى:{أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 24] قال: تشدُّ أيديهم بالأغلال في النارِ، فيستقبلونَ العذابَ بوجوهِهِم قد شدتْ أيدِيهم، فلا يقدرون على أن يتَّقوا بها، كلما جاء نوع من العذابِ يستقبلونَ بوجوهِهِم.
وبإسنادِهِ عن فيضِ بنِ إسحاقَ عن فضيلِ بنِ عياضِ: إذا قالَ الربُّ تبارك وتعالى: {خُذوهُ فَغُلُّوهُ} [الحاقة: 30]. يتبدره سبعونَ ألفَ ملك، كلُّهم يتبدرُ أيهم يجعلُ الغلَّ في عنقِهِ.
النوع الثاني: الأنكالُ: وهي القيودُ.
قال مجاهدٌ والحسنُ وعكرمةُ وغيرُهم.
قال: الحسنُ: قيودٌ من نارٍ.
قال أبو عمرانَ الجونيُّ: قيودٌ لا تحلُّ واللَّهِ أبدًا.
وواحدُ الأنكالِ: نكلٌ، وسميت القيودُ أنكالاً لأنه ينكلُ بها، أي يمنعُ.
وروى أبو سنانَ، عن الحسنِ: قال: أما وعزَّتِهِ، ما قيدَهُم مخافةَ أن يعجزُوه، ولكن قيدَهُم لترسَى بهم القيود في النارِ.
وقال الأعمشُ: الصفدُ: القيودُ. وقولُهُ تعالى: {مّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} القيودُ.
وقد سبقَ عن أبي صالح قولُهُ: {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ} [الهمزة: 9]. قال: القيودُ الطوالُ.
النوع الثالثُ: السلاسلُ.
خرجَ الإمامُ أحمدُ (1) وغيرُه (2)، من طريقِ أبي السمح، عن عيسى بنِ هلالٍ الصدفيِّ، عن عبد اللهِ بن عمرٍو، قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لو أنَّ رضاضةً (3) مثلَ هذه - وأشار إلى مثل الجمجمةِ - أُرْسِلت من السماءِ إلى الأرضِ، وهي مسيرةُ خمسمائة عامٍ لبلغتِ الأرض قبل الليلِ، ولو أنَّها أُرْسلتْ من رأسِ السلسلةِ، لسارتْ أربعينَ خرِيفًا، الليلَ والنهارَ، قبل أن تبلغَ أصلَها". غريبٌ، وفي رفعِهِ نظر، واللَّه أعلم.
وفي حديثِ عدي الكندي، عن عمرَ، أن جبريلَ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم:"لو أن حلقةً من سلسلة أهلِ النارِ، التي نعتَ اللَّهُ في كتابِهِ، وُضِعَتْ على جبالِ الدنيا، لانقضتْ ولم ينهضها شيء، حتى تنتهي إلى الأرضِ السابعةِ السفلى" خرَّجه الطبرانيُّ (4) وسبق الكلامُ على إسنادِهِ.
(1) في مسنده (2/ 197).
(2)
والترمذي (2588) وقال: هذا حديث إسناده حسن صحيح، وفي تحفة الأشراف للمزي (6/ 8910): إسناده حسن، والحاكم في المستدرك (2/ 438) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقد بين ابن رجب أنّه غريب أي ضعيف، قَالَ: وفي رفعه نظر.
وضعفه الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع (4805).
(3)
الرضاضة: فتات الشيء، والرضاضة: القطعة.
(4)
في "المعجم الأوسط"(2583) مطولاً، وقال الطبراني: لا يُروى هذا الحديث عن عمر إلَاّ بهذا الإسناد، تفرد به سلام.
وقال الهيثمي في المجمع (10/ 387) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سلام الطويل، وهو مجمع عَلَى ضعفه.
وروى سفيانُ، عن [بسير](1) عن نوف (*) الشامي، في قولِهِ تعالى:{ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فاسْلُكُوهُ} [الحاقة: 32] قال: إن الذراعَ سبعونَ باعًا، والباعُ من هاهنا إِلَى مكة - وهو يومئذ بالكوفة.
وقال ابنُ المباركِ (2): أنبأنا بكَارُ عن عبدِ اللَّه، سمعَ ابنَ أبي مليكةَ يحدِّثُ، أنَّ كعبًا قال: إنَّ حلقة من السلسلة التي قال اللَّهُ: {ذَرْغهَا سَبْعونَ ذِرَاعًا} [الحاقة: 32] إن حلقةً منها أكثرُ من حديدِ الدُّنيا.
وقال ابنُ جريج في قولِهِ تعالى: {ذَرْعُهَا سبْعُونَ ذِرَاعًا} [الحاقة: 32] قال: بذراع الملكِ.
وقال ابنُ المنكدرِ: لو جُمعَ حديدُ الدنيا كلُّه، ما خلا منها وما بقي، ما عدلَ حلقةً من الحلقِ التي ذكرَ اللَّهُ في كتابِهِ تعالى فقال:{فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا} [الحاقة: 32]. أخرَجَه أبو نُعيمٍ.
قال ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، في قوله:{فَاسْلُكُوهُ} قال: بلَغنا أنها تدخلُ في دبره حتى تخرج منه.
وقال ابنُ جريج: قال ابنُ عباس: السلسلةُ تدخلُ في استِهِ، ثمَ تخرجُ من فِيه، ثم يُنظمونَ فيها، كما ينظمُ الجرَّاَدُ في العودِ حتَّى يُشْوَى. خرَّجه ابنُ أبي حاتم.
وخرَّجَه أيضًا من روايةِ العوفيِّ عن ابن عباسٍ، قال: تسلكُ في دُبُر حتَى
(1) في الأصل والمطبوع: "بشير"، والتصويب من كتب الرجال، وهو نسير بن ذعلوق الثوري، أبو طعمة، قَالَ الحافظ في التقريب: صدوق لم يصب من ضعفه، من الرابعة.
والأثر أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في "صفة النار"(59).
(*) في حاشية الأصل أنّه في نسخة: "عوف" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، وهو نوف بن فضالة الحميري البكالي، إمام أهل دمشق في عصره (انظر تهذيب الكمال30/ 65).
(2)
في "الزهد"(289).
تخرج من منخريهِ، حتى لا يقوم على رجليه (1).
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا، من طريقِ خلفِ بنِ خليفةَ، عن أبي هاشم قال: يجعلُ لهم أوتادٌ في جهنَّم، فيها سلاسل، فتلقَى في أعناقِهِم، فتزفرُ جهنَّمُ زفرةً، فتذهبُ بهم مسيرة خَمسمائة سنة، ثم تجيءُ بهم في يوم، فذلك قوله:{وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47].
ومن طريق أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قَالَ: لو انفلت رجل من أهل النار بسلسلة لزالت الجبال (2).
وقال جويبرٌ عن الضحاكِ، في قوله:{فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ} [الرحمن: 41] قال: يجمعُ بين ناصيتِهِ وقدميهِ، في سلسلةٍ من وراء ظهرهِ.
وقال السديُّ في هذه الآيةِ: يجمعُ بين ناصيةِ الكافرِ وقدميهِ، فتربطُ ناصيتُهُ بقدمِهِ، ويفتلُ ظهره.
وذكر الأعمشُ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: يؤخذَ بناصيتِه وقدميه، ويكسر كما يكسرُ الحطبُ في التنورِ.
وقال سيارُ بنُ حاتمٍ: أنبأنا مسكينُ، عن حوشبٍ، عن الحسن، قال: إنَّ جهنمَ ليَغلي عليها من الدهرِ إلى يومِ القيامةِ، يُحمى طعامُها وشرابُها وأغلالُها، ولو أن غلاًّ منها وُضِعَ على الجبالِ لقصَمَهَا إلى الماء الأسودِ، ولو أنَّ ذراعًا من السلسلةِ وضعَ على جبل لرضَّه، ولو أنَّ جبلاً كان بينه وبين عذابِ اللَّه عز وجل مسيرةَ خمسمائة عامٍ لذابَ ذلك الجبلُ، وإنَّهم ليُجمعونَ في السلسلةِ من آخرِهِم فتأكلُهُم النارُ وتبقى الأرواحُ.
ورواه ابن أبي الدُّنْيَا (3)، عن عبدِ اللَّه بن عمرَ الجشميّ، عن المنهال ابن عيسى العبديِّ، عن حوشبٍ، عن الحسنِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرَهُ بمعناه.
(1) انظر تفسير ابن كثير للآية "32" من سورة الحاقة.
(2)
أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في "صفة النار"(69) وعنده: "انقلب" بدلا من "انفلت".
(3)
في "صفة النار"(27).
وزادَ في آخره: تبقى الأرواحُ في الحناجِرِ تصرخُ والموقوفُ أشبهُ.
وقال عبدُ اللَّه بنُ الإمامِ أحمدَ: أخبرت عن سيَّارِ، عن (ابنِ العربي) (*) -وكان من خيارِ الناسِ- قال: بلغني أنَّ الأبدانَ تذهبُ وتبقى الأرواحُ في السلاسلِ.
وخرَّج الطبرانيُّ (1) وابنُ أبي حاتم، من طريقِ منصورِ بنِ عمار، حدثنا بشيرُ ابنُ طلحةَ، عن خالدِ بن الدريكِ، عن يعْلَى بنِ أميةَ، رفعَ الحديثَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "ينشئُ اللَّهُ سبحانه لأهلِ النارِ سحابةً سوداءَ مظلمة، فيقالُ: يا أهلَ النارِ، أيَّ شيءٍ تطلبون؟
فيذكرون بها سحابة الدنيا، فيقولون: يا ربَّنا الشرابُ، فتمطرُهم أغلالاً تزيدُ في أغلالهم، وسلاسلَ تزيدُ في سلاسلهم، وجمرًا يلتهبُ عليهم". وخرَّجه ابنُ أبي الدنيا (2) موقوفًا لم يرفعْهُ.
وروى أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية وغيره، عن أبي هريرة، فذكر قصة الإسراء بطولها، وفيها قَالَ: ثم أتى عَلَى واد -يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم فسمع صوتًا منكرًا، ووجد ريحًا منتنة.
فقال: ما هذا يا جبريلُ؟ " قال: "هذا صوتُ جهنَّم تقولُ: ربِّ، آتني ما وعدتني، فقدْ كثُرَتْ سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي، وقد برد قعري، واشتدَّ حرِّي، فآتني ما وعدتني.
قال: لكِ كلُّ مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحسابِ" (3).
(*) في المطبوع: ابن المعزى.
(1)
في الأوسط برقم (4103) وقال: لا يروي هذا الحديث عن يعلى إلَاّ بهذا الإسناد، تفرد به منصور.
(2)
في "صفة النار"(62).
(3)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب (4/ 857 - 861) مطولاً وقال: رواه البزار، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره عن أبي هريرة.=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وأخرجه ابن جرير الطبري كما في تفسير ابن كثير (5/ 21 - 25) قَالَ: ثنا علي ابن سهل، ثنا حجاج، ثنا أبو جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره - شك أبو جعفر.
وقال ابن كثير: "أبو جعفر الرازي" قَالَ فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يهم في الحديث كثيرًا، وقد ضعفه غيره أيضًا، ووثقه بعضهم، والظاهر أنّه سيئ الحفظ، ففيما تفرد به نظر، وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعًا من أحاديث شتى أو منام أو قصة أخرى غير الإسراء، والله أعلم.
وقال الذهبى في الميزان (3/ 320) في ترجمة أبى جعفر الرازي "عيسى بن أبي عيسى": هو ماهان، روى حديثًا طويلاً في المعراج، فيه ألفاظ منكرة جدًّا.