الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
و
قول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ}
الآية [يوسف: 108.] .
ــ
هذا الترتيب الذي ذكره المؤلف من أحسن ما يكون؛ لأنه لما ذكر توحيد الإنسان بنفسه ذكر دعوة غيره إلى ذلك؛ لأنه لا يتم الإيمان إلا إذا دعا إلى التوحيد، قال تعالى:{وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر] .
فلا بد مع التوحيد من الدعوة إليه، وإلا؛ كان ناقصًا، ولا ريب أن هذا الذي سلك سبيل التوحيد لم يسلكه إلا وهو يرى أنه أفضل سبيل، وإذا كان صادقًا في اعتقاده؛ فلا بد أن يكون داعيًا إليه، والدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله من تمام التوحيد، ولا يتم التوحيد إلا به.
قوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} المشار إليه ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الشرع عبادة ودعوة إلى الله.
سبيل: طريقي.
قوله: أدعو، حال من الياء في قوله: سبيلي، ويحتمل أن تكون استئنافًا لبيان تلك السبيل.
وقوله: (إلى الله) ؛ لأن الدعاة إلى الله ينقسمون إلى قسمين:
1 -
داع إلى الله.
2 -
داع إلى غيره.
فالداعي إلى الله تعالى هو المخلص الذي يريد أن يوصل الناس إلى الله تعالى.
والداعي إلى غيره قد يكون داعيًا إلى نفسه، يدعو إلى الحق لأجل أن يعظم بين الناس ويحترم، ولهذا تجده يغضب إذا لم يفعل الناس ما أمره به، ولا يغضب إذا ارتكبوا نهيًا أعظم منه، لكن لم يدع إلى تركه.
وقد يكون داعيًا إلى رئيسه كما يوجد في كثير من الدول من علماء الضلال من علماء الدول، لا علماء الملل، يدعو إلى رؤسائهم.
من ذلك لما ظهرت الاشتراكية في البلاد العربية قام بعض علماء الضلال بالاستدلال عليها بآيات وأحاديث بعيدة الدلالة، بل ليس فيها دلالة؛ فهؤلاء دعوا إلى غير الله.
ومن دعا إلى الله ثم رأى الناس فارين منه؛ فلا ييأس، ويترك الدعوة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعلي:«انفذ على رسلك؛ فوالله؛ لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» ؛ يعني: أن اهتداء رجل واحد من قبائل اليهود خير لك من حمر النعم، فإذا دعا إلى الله ولم يجب؛ فليكن غضبه من أجل أن الحق لم يتبع، لا لأنه لم يجب، فإذا كان يغضب لهذا: فمعناه أنه يدعو إلى الله، فإذا استجاب واحد؛ كفى، وإذا لم يستجب أحد، فقد أبرأ ذمته أيضًا
وفي الحديث: «والنبي وليس معه أحد» ثم إنه يكفي من الدعوة إلى الحق والتحذير من الباطل أن يتبين للناس أن هذا حق وهذا باطل؛ لأن الناس إذا سكتوا عن بيان الحق، وأقر الباطل مع طول الزمن؛ ينقلب الحق باطلًا، والباطل حقًّا.
قوله: {عَلَى بَصِيرَةٍ} ، أي: علم؛ فتضمنت هذه الدعوة الإخلاص والعلم؛ لأن أكثر ما يفسد الدعوة عدم الإخلاص، أو عدم العلم، وليس المقصود بالعلم في قوله:{عَلَى بَصِيرَةٍ} العلم بالشرع فقط، بل يشمل: العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهو الحكمة.
فيكون بصيرًا بحكم الشرع، وبصيرًا بحال المدعو، وبصيرًا بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ:«إنك تأتي قومًا أهل كتاب» .
وهذه ليست كلها من العلم بالحكم الشرعي؛ لأن علمي أن هذا الرجل قابل للدعوة باللين، وهذا قابل للدعوة بالشدة، وهذا عنده علم يمكن أن يقابلني بالشبهات أمر زائد على العلم بالحكم الشرعي، وكذلك العلم بالطرق التي تجلب المدعوين كالترغيب بكذا والتشجيع؛ كقوله صلى الله عليه وسلم:«من قتل قتيلًا؛ فله سلبه» أو بالتأليف «فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين إلى مائة»
وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن؛ قال له: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» . . .
ــ
«بعير» ، فهذا كله من الحكمة؛ فالجاهل لا يصلح للدعوة، وليس محمودًا، وليست طريقته طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح.
قوله: {أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ، ذكروا فيها رأيين:
الأول: (أنا) مبتدأ، وخبرها (على بصيرة)، (ومن اتبعني) معطوفة على (أنا) ؛ أي: أنا ومن اتبعني على بصيرة؛ أي: في عبادتي ودعوتي.
الثاني: (أنا) توكيد للضمير المستتر في قوله: (أدعو) ؛ أي: أدعو أنا إلى الله ومن اتبعني يدعو أيضًا؛ أي: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ويدعو من اتبعني، وكلانا على بصيرة.
قوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} ، أي: أن أكون أدعو على غير بصيرة! وإعراب (سبحان) : مفعول مطلق عامله محذوف تقديره أسبح.
قوله: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} محلها مما قبلها في المعنى توكيد؛ لأن التوحيد معناه نفي الشرك.
قوله (أي: قول ابن عباس) : (بعث معاذًا)، أي: أرسله، وبعثه على صفة المعلم والحاكم والداعي، وبعثه في ربيع الأول سنة عشرة من الهجرة، وهذا هو المشهور، وبعثه هو وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما، بعث معاذًا إلى صنعاء وما حولها، وأبا موسى إلى عدن وما حولها، وأمرهما:«أن اجتمعا وتطاوعا ولا تفترقا، ويسرا ولا تعسرا، وبشرا وذكرا ولا تنفرا» قوله: " لما "، إعرابها شرطية، وهي حرف وجود لوجود، و (لو) : حرف امتناع لامتناع، و (لولا) حرف امتناع لوجود.
قوله: «إنك تأتي قومًا من أهل كتاب» ، قال ذلك مرشدًا له، وهذا دليل على معرفته صلى الله عليه وسلم بأحوال الناس، وما يعلمه من أحوالهم؛ فله طريقان:
1 -
الوحي.
2 -
العلم والتجربة.
قوله: (من) بيانية، والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل؛ فيكون المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وهم أكثر أهل اليمن في ذلك الوقت، وإن كان في اليمن مشركون؛ لكن الأكثر اليهود والنصارى، ولهذا اعتمد الأكثر. وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لأمرين:
الأول: أن يكون بصيرًا بأحوال من يدعو.
الثاني: أن يكون مستعدًا لهم؛ لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم.
قوله: (فليكن) ، الفاء للاستئناف أو عاطفة، واللام للأمر، و (أول) : اسم يكن، وخبرها (شهادة) وقيل العكس، يعني (أول) خبر مقدم (وشهادة) اسم يكن مؤخرًا.
والظاهر أنه يريد أن يبين أن أول ما يكون هي الشهادة، وإذا كان كذلك؛ يكون (أول) مرفوعًا على أنه اسم يكون؛ أي: أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: (شهادة) الشهادة هنا من العلم، قال تعالى:{إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86.] ؛ فالشهادة هنا العلم والنطق باللسان؛ لأن الشاهد مخبر عن علم، وهذا المقام لا يكفي فيه مجرد الإخبار، بل لا بد من علم وإخبار وقبول وإقرار وإذعان؛ أي انقياد.
فلو اعتقد بقلبه، ولم يقل بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه ليس بمسلم بالإجماع حتى ينطق بها؛ لأن كلمة أشهد تدل على الإخبار، والإخبار متضمن للنطق، فلا بد من النطق؛ فالنية فقط لا تجزئ، ولا تنفعه عند الله حتى ينطق، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه أبي طالب:(قل)، ولم يقل: اعتقد أن لا إله إلا الله.
قوله: (لا إله) أي: لا معبود؛ فإله بمعنى مألوه؛ فهو فعال بمعنى مفعول، وعند المتكلمين: إله بمعنى آله؛ فهو اسم فاعل، وعليه يكون معنى لا إله؛ أي: لا قادر على الاختراع، وهذا باطل (1) ، ولو قيل بهذا المعنى؛ لكان المشركون الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم موحدين؛ لأنهم يقرون به، قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87.]، وقال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر:38.] .
(1) أنظر (ص 53) .
(وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله) ، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» . أخرجاه.
ــ
فإن قيل: كيف يقال: لا معبود إلا الله، والمشركون يعبدون أصنامهم؟! أجيب: بأنهم يعبدونها بغير حق؛ فهم وإن سموها آلهة؛ فألوهيتها باطلة، وليست معبودات بحق، ولذلك إذا مسهم الضر؛ لجئوا إلى الله تعالى، وأخلصوا له الدين، وعلى هذا لا تستحق أن تسمى آلهة.
فهم يعبدونها ويعترفون بأنهم لا يعبدونها إلا لأجل أن تقربهم إلى الله فقط؛ فجعلوها وسيلة وذريعة، وبهذا التقدير لا يرد علينا إشكال في قول الرسل لقومهم:{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59] ؛ لأن هذه المعبودات لا تستحق أن تعبد، بل الإله المعبود حقًا هو الله سبحانه وتعالى.
وفي قوله: «لا إله إلا الله» نفي الألوهية لغير الله، وإثباتها لله، ولهذا جاءت بطريق الحصر.
ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؛ يفتح الله على يديه) . فبات الناس يدوكون ليلتهم؛ أيهم يعطاها، فلما أصبحوا؛ غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها.»
ــ
قوله: (لأعطين)، هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم المقدر، واللام، والنون، والتقدير: والله لأعطين.
قوله: (الراية) ، العلم، وسمي راية؛ لأنه يرى، وهو ما يتخذه أمير الجيش للعلامة على مكانه.
واللواء؛ قيل: إنه الراية، وقيل: ما لوي أعلاه، أو لوي كله؛ فيكون الفرق بينهما: أن الراية مفلولة لا تطوى، واللواء يطوى إما أعلاه أو كله، والمقصود منهما الدلالة، ولهذا يسمى علمًا.
قوله: (غدًا) ، يراد به ما بعد اليوم، والأمس يراد به ما قبله.
والأصل أنه يراد بالغد ما يلي يومك، ويراد بالأمس الذي يليه يومك، وقد يراد بالغد ما وراء ذلك، قال تعالى:{وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18.] ؛ أي: يوم القيامة.
وكذلك بالأمس قد يراد به ما وراء ذلك؛ أي: ما وراء اليوم الذي يليه يومك.
قوله: (يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) . أثبت المحبة لله من الجانبين، أي أن الله تعالى يُحِب ويُحَب، وقد أنكر هذا أهل التعطيل، وقالوا: المراد بمحبة الله للعبد إثابته أو إرادة إثابته، والمراد بمحبة العبد لله محبة ثوابه، وهذا تحريف
ــ
للكلام عن ظاهره مخالف لإجماع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى من بعدهم، ومحبة الله تعالى ثابتة له حقيقة وهي من صفاته الفعلية، وكل شيء من صفات الله يكون له سبب؛ فهو من الصفات الفعلية، والمحبة لها سبب؛ فقد يبغض الله إنسانًا في وقت ويحبه في وقت لسبب من الأسباب.
قوله: (على يديه) ، أي يفتح خيبر على يديه، وفي ذلك بشارة بالنصر.
قوله: (يدوكون)، أي: يخوضون، وجملة يدركون خبر بات.
قوله: (غدوا على رسول الله)، أي: ذهبوا إليه في الغدوة مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها لينال محبة الله ورسوله.
قوله: (فقال: أين علي؟)، القائل: الرسول صلى الله عليه وسلم.
قوله: (يشتكي عينيه)، أي: يتألم منهما، ولكنه يشتكي إلى الله؛ لأن عينيه مريضة.
وقوله: (فأرسلوا إليه) : بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
قوله: (فأتى به)، كأنه رضي الله عنه قد عمم على عينيه؛ لأن قوله:(أتي به) أي: يقاد.
وقوله: (كأن لم يكن به وجع)، أي: ليس بهما أثر حمرة ولا غيرها.
قوله: (فبرأ) ، هذا من آيات الله الدالة على قدرته وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا
«ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله؛ لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» (يدركون) ؛ أي: يخوضون.
ــ
من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؛ لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك من بين سائر الصحابة. قوله:(انفذ على رسلك)، أي: مهلك، مأخوذ من رسل الناقة؛ أي: حليبها يحلب شيئًا فشيئًا، والمعنى: امش هوينًا هوينًا؛ لأن المقام خطير؛ لأنه يخشى من كمين، واليهود خبثاء أهل غدر.
قوله: (حتى تنزل بساحتهم)، أي: ما يقرب منهم وما حولهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:«إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» . وهذا إذا كنا على الوصف الذي عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أما إذا كنا على وصف القومية، فإننا لو نزلنا في أحضانهم؛ فمن الممكن أن يقوموا ونكون في الأسفل.
قوله: (ثم ادعهم)، أي: أهل خيبر، (إلى الإسلام) ؛ أي: الاستسلام لله.
قوله: (وأخبرهم بما يجب عليهم)، أي: فلا تكفي الدعوة إلى الإسلام
فقط، بل يخبرهم بما يجب عليهم فيه حتى يقتنعوا به ويلتزموا، لكن على الترتيب الذي في حديث بعث معاذ.
وهذه المسألة يتردد الإنسان فيها: هل يخبرهم بما يجب عليهم من حق الله في الإسلام قبل أن يسلموا أو بعده؟
فإذا نظرنا إلى ظاهر حديث معاذ وحديث سهل هذا؛ فإننا نقول: الأولى أن تدعوه للإسلام، وإذا أسلم تخبره.
وإذا نظرنا إلى واقع الناس الآن، وأنهم لا يسلمون عن اقتناع؛ فقد يسلم، وإذا أخبرته ربما يرجع، قلنا: يخبرون أولًا بما يجب عليهم من حق الله فيه؛ لئلا يرتدوا عن الإسلام بعد إخبارهم بما يجب عليهم، وحينئذ يجب قتلهم لأنهم مرتدون.
ويحتمل أن يقال: تترك هذه المسألة للواقع وما تقتضيه المصلحة من تقديم هذا أو هذا.
قوله: (لأن يهدي الله) ، اللام واقعة في جواب القسم، وأن بفتح الهمزة مصدرية، ويهدي مؤول بالمصدر مبتدأ، و (خير) : خبر، ونظيرها قوله تعالى:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184.] .
قوله: (حمر النعم) بتسكين الميم: جمع أحمر، وبالضم: جمع حمار، والمراد الأول.
وحمر النعم: هي الإبل الحمراء، وذكرها لأنها مرغوبة عند العرب، وهي أحسن وأنفس ما يكون من الإبل عندهم.
وقوله: (لأن يهدي الله بك)، ولم يقل: لأن تهدي؛ لأن الذي يهدي هو الله.
فيه مسائل: الأول: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثانية: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرًا من الناس لو دعا إلى الحق؛ فهو يدعو إلى نفسه.
ــ
والمراد بالهداية هنا هداية التوفيق والدلالة.
وهل المراد الهداية من الكفر إلى الإسلام، أو يعم كل هداية؟
نقول: هو موجه إلى قوم يدعوهم إلى الإسلام، وهل نقول: إن القرينة الحالية تقتضي التخصيص، وأن من اهتدى على يديه رجل في مسألة فرعية من مسائل الدين لا يحصل له هذا الثواب بقرينة المقام؛ لأن عليًا موجه إلى قوم كفار يدعوهم إلى الإسلام، والله أعلم.
فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتؤخذ من قوله تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} .
الثانية: التنبيه على الإخلاص، وتؤخذ من قوله:(أدعو إلى الله)، ولهذا قال:(لأن كثيرًا من الناس لو دعا إلى الحق؛ فهو يدعو إلى نفسه) ؛ فالذي يدعو إلى الله هو الذي لا يريد إلا أن يقوم دين الله، والذي يدعو إلى
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض. الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيهًا لله تعالى عن المسبة. الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله. السادسة: وهي من أهمها: إبعاد المسلم عن المشركين؛ لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك.
ــ
نفسه هو الذي يريد أن يكون قوله هو المقبول، حقًّا كان أم باطلاً.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض، وتؤخذ من قوله تعالى:{أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} ، ووجه كون البصيرة من الفرائض؛ لأنه لا بد للداعية من العلم بما يدعو إليه، والدعوة فريضة؛ فيكون العلم بذلك فريضة.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيهًا لله عن المسبة، وتؤخذ من قوله تعالى:{وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، فسبحان الله دليل على أنه واحد لكماله.
ومعنى عن المسبة؛ أي: وعن مماثلة الخالق للمخلوق؛ إذ تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره
…
إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة الله، وتؤخذ من قوله تعالى:{وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بعد قوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} .
السادسة -وهي من أهمها-: إبعاد المسلم عن المشركين؛ لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك. لقوله تعالى:{وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، ولم يقل: (وما أنا
السابعة: كون التوحيد أول واجب. الثامنة: أنه يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة. التاسعة: أن معنى: (أن يوحدوا الله) : معنى شهادة أن لا إله إلا الله. العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
ــ
مشرك) ؛ لأنه إذا كان بينهم، ولو لم يكن مشركا؛ فهو في ظاهر منهم، ولهذا لما قال الله للملائكة:{اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} [البقرة: 34.] ؛ توجه الخطاب له ولهم.
السابعة: كون التوحيد أول واجب، تؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم:«فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله» ، وفي رواية:(أن يوحدوا الله) .
وقال بعض العلماء: أول واجب النظر، لكن الصواب أن أول واجب هو التوحيد؛ لأن معرفة الخالق دلت عليها الفطرة.
الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء تؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه» .
التاسعة: أن معنى أن يوحدوا الله معنى شهادة أن لا إله إلا الله، تؤخذ من تعبير الصحابي حيث عبر في الرواية بقوله:(شهادة أن لا إله إلا الله)، وفي رواية عبر بقوله:(أن يوحدوا الله) .
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها أو يعرفها ولا يعمل بها، ومراده بقوله:(لا يعرفها، أو لا يعرفها) شهادة أن لا إله إلا الله، وتؤخذ من قوله:«فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ؛ إذ لو
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم. الثالثة عشرة: مصرف الزكاة. الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم. الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال. السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
ــ
كانوا يعرفون لا إله إلا الله ويعملون بها ما احتاجوا إلى الدعوة إليها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. تؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «ادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم»
…
) إلخ الحديث.
الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم. تؤخذ من أمره صلى الله عليه وسلم معاذا بالتوحيد ليدعو إليه أولا، ثم الصلاة، ثم الزكاة.
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة. تؤخذ من قوله: «فترد على فقرائهم» .
الرابعة عشرة كشف العالم الشبهة عن المتعلم. المراد بالشبهة هنا: شبهة العلم؛ أي: يكون عنده جهل.
تؤخذ من قوله: «إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» فبين أن هذه الصدقة تؤخذ من الأغنياء، وأن مصرفها الفقراء.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال. تؤخذ من قوله: «فإياك وكرائم الأموالهم» ؛ إذ إياك تفيد التحذير، والتحذير يستلزم النهي.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم. تؤخذ من قوله: «واتق دعوة المظلوم» .
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب. الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء. التاسعة عشرة: قوله: (لأعطين الراية
…
) إلخ: علم من أعلام النبوة.
ــ
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب. تؤخذ من قوله: «فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» ؛ فقرن الترغيب أو الترهيب بالأحكام، مما يحث النفس إن كان ترغيبا، ويبعدها ويزجرها إن كان ترهيبا؛ لقوله:«اتق دعوة المظلوم» ؛ فالنفس قد لا تتقي، لكن إذا قيل: بينها وبين الله حجاب؛ خافت ونفرت من ذلك.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء. والظاهر أن المؤلف رحمه الله يريد الإشارة إلى قصة خيبر؛ إذ وقع فيها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم جوع عظيم، حتى إنهم أكلوا الحمير والثوم، وأما الوباء؛ فهو ما وقع في عهد علي رضي الله عنه، وأما المشقة فظاهرة.
ووجه كون ذلك من أدلة التوحيد: أن الصبر والتحمل في مثل هذه الأمور يدل على إخلاص الإنسان في توحيده وأن قصده الله، ولذلك صبر على البلاء.
التاسعة عشرة: قوله: (لأعطين الراية) علم من أعلام النبوة؛ لأن هذا حصل؛ فعلي بن أبي طالب يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا. الحادية والعشرون: فضيلة علي رضي الله عنه. الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح. الثالثة والعشرون:الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى. الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: (على رسلك) . الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
ــ
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا؛ لأنه بصق في عينيه؛ فبرأ كأن لم يكن به وجع.
الحادية والعشرون: فضيلة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهذا ظاهر؛ لأنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح؛ لأنهم انشغلوا عن بشارة الفتح بالتماسهم معرفة من يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى؛ لأن الصحابة غدوا على رسول الله مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها ولم يعطوها، وعلي بن أبي طالب مريض ولم يسع لها، ومع ذلك أعطي الراية.
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: (على رسلك) . ووجهه: أنه أمره بالتمهل وعدم التسرع.
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال. لقوله: «انزل»
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا. السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة؛ لقوله: (أخبرهم بما يجب عليهم) . الثامنه والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام. التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد. الثلاثون: الحلف على الفتيا.
ــ
«بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام» .
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة؛ لقوله: «أخبرهم بما يجب عليهم» ؛ لأن من الحكمة أن تتم الدعوة، وذلك بأن تأمره بالإسلام أولا، ثم تخبره بما يجب عليه من حق الله، ولا يكفي أن تأمره بالإسلام؛ لأنه قد يطبق هذا الإسلام الذي أمرته به وقد لا يطبقه، بل لا بد من تعاهده حتى لا يرجع إلى الكفر.
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام. تؤخذ من قوله: «وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه» .
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد. لقوله: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» ؛ أي: خير لك من كل ما يستحسن في الدنيا، وليس المعنى كما قال بعضهم: خير لك من أن تتصدق بنعم حمر.
الثلاثون: الحلف على الفتيا؛ لقوله: «فو الله لأن يهدي الله»
…
) إلخ؛ فأقسم النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يستقسم، والفائدة هي حثه على أن يهدي الله به
والتوكيد عليه.
ولكن لا ينبغي الحلف على الفتيا إلا لمصلحة وفائدة؛ لأنه قد يفهم السامع أن المفتي لم يحلف إلا لشك عنده.
والإمام أحمد رحمه الله أحيانا يقول في إجابته: إي والله، وقد أمر الله رسوله بالحلف في ثلاثة مواضع من القرآن:
في قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: 53.] وفي قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7.] .
وفي قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: 3.]
فإذا كان في القسم مصلحة ابتداء، أو جوابا لسؤال؛ جاز وربما يكون مطلوبا.