الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعن ابن مسعود مرفوعا:
«الطيرة شرك
، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» (1) رواه أبو داود والترمذي وصححه. وجعل آخره من قول ابن مسعود.
ــ
قوله: (مرفوعا) . أي: إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: «الطيرة شرك، الطيرة شرك» . هاتان الجملتان يؤكد بعضهما بعضا من باب التوكيد اللفظي.
وقوله: (شرك) . أي: إنها من أنواع الشرك، وليست الشرك كله، وإلا لقال: الطيرة شرك.
وهل المراد بالشرك هنا الشرك الأكبر المخرج من الملة، أو أنها نوع من أنواع الشرك؟
نقول: هي نوع من أنواع الشرك، كقوله صلى الله عليه وسلم:«اثنتان في الناس هما بهم كفر» ، أي: ليس الكفر المخرج عن الملة، وإلا، لقال:(هما بهم الكفر) ، بل هما نوع من الكفر.
لكن في ترك الصلاة قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» ، فقال:(الكفر) ، فيجب أن نعرف الفرق بين (أل) المعرفة أو الدالة
(1) الإمام أحمد في (المسند)(1/389)، وأبو داود: كتاب الطب / باب الطيرة) ، والترمذي: كتاب السير / باب ما جاء في الطيرة ـ وقال: (حسن صحيح) ـ، والحاكم (1/23) ـ وصححه ووافقه الذهبي.
على الاستغراق، وبين خلو اللفظ منها، فإذا قيل: هذا كفر، فالمراد أنه نوع من الكفر لا يخرج من الملة، وإذا قيل: هذا الكفر، فهو المخرج من الملة.
فإذا تطير إنسان بشيء رآه أو سمعه، فإنه لا يعد مشركا شركا يخرجه من الملة، لكنه أشرك من حيث إنه اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببا، وهذا يضعف التوكل على الله ويوهن العزيمة، وبذلك يعتبر شركا من هذه الناحية، والقاعدة:(إن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سببا، فإنه مشركا شركا أصغر) .
وهذا نوع من الإشراك مع الله، إما في التشريع إن كان هذا السبب شرعيا، وإما في التقدير إن كان هذا السبب كونيا، لكن لو اعتقد هذا المتشائم المتطير أن هذا فاعل بنفسه دون الله، فهو مشركا شركا أكبر؛ لأنه جعل لله شريكا في الخلق والإيجاد.
قوله: (وما منا) . (منا) : جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، إما قبل (إلا) إن قدرت ما بعد إلا فعلا، أي: وما منا إلا تطير، أو بعد (إلا)، أي: وما منا إلا متطير.
والمعنى: ما منا إنسان يسلم من التطير، فالإنسان يسمع شيئا فيتشاءم، أو يبدأ في فعل، فيجد أوله ليس بالسهل فيتشاءم ويتركه.
والتوكل: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله، وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابا.
فلا يكفي صدق الاعتماد فقط، بل لا بد أن تثق به؛ لأنه سبحانه يقول:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} !
قوله: (وجعل آخره من قول ابن مسعود) . وهو قوله: (وما منا إلا
…
) إلخ. وعلى هذا يكون موقوفا، وهو مدرج في الحديث، والمدرج: أن يدخل أحد الرواة كلاما في الحديث من عنده بدون بيان، ويكون في الإسناد والمتن، ولكن أكثره في المتن، وقد يكون في أول الحديث، وقد يكون في وسطه، وقد يكون في آخره، وهو الأكثر.
مثال ما كان في أول الحديث: قول أبي هريرة رضي الله عنه: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار» ، فقوله:«أسبغوا الوضوء» من كلام أبي هريرة، وقوله:«ويل للأعقاب من النار» من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومثال ما كان في وسطه قول الزهري في حديث بدء الوحي: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء،» والتحنث: التعبد) ، ومثال ما كان في آخره: هذا الحديث الذي ذكره المؤلف، وكذا حديث أبي هريرة، وفيه:«فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل» ، فهذا من كلام أبي هريرة.
قوله: «من ردته الطيرة عن حاجته» . (من) . شرطية، وجواب الشرط:(فقد أشرك) ، واقترن الجواب بالفاء؛ لأنه لا يصلح لمباشرة الأداة، وحينئذ يجب اقترانه بالفاء، وقد جمع ذلك في بيت شعر معروف، وهو قوله:
ولأحمد من حديث ابن عمرو: « (من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك) . قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: (أن تقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك) » . (1)
ــ
اسمية طلبية وبجامد
…
وبما وقد وبلن وبالتنفيس
وقوله: (عن حاجته) . الحاجة: كل ما يحتاجه الإنسان بما تتعلق به الكمالات، وقد تطلق على الأمور الضرورية.
قوله: (فقد أشرك) . أي: شركا أكبر إن اعتقد أن هذا المتشاءم به يفعل ويحدث الشر بنفسه، وإن اعتقده سببا فقط فهو أصغر؛ لأنه سبق أن ذكرنا قاعدة مفيدة في هذا الباب، وهي:(إن كل من اعتقد في شيء أنه سبب ولم يثبت أنه سبب لا كونا ولا شرعا، فشركه شرك أصغر؛ لأنه ليس لنا أن نثبت أن هذا سبب إلا إذا كان الله قد جعله سببا كونيا أو شرعيا، فالشرعي: كالقراءة والدعاء، والكوني: كالأدوية التي جرب نفعها) .
وقوله: (فما كفارة ذلك) . أي: ما كفارة هذا الشرك، أو ما هو الدواء الذي يزيل هذا الشرك؟ لأن الكفارة قد تطلق على كفارة الشيء بعد فعله، وقد تطلق على الكفارة قبل الفعل، وذلك لأن الاشتقاق مأخوذ من الكفر، وهو الستر، والستر واق، فكفارة ذلك إن وقع وكفارة ذلك إن لم يقع.
وقوله: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك» . يعني: فأنت الذي بيدك الخير المباشر، كالمطر والنبات، وغير المباشر، كالذي يكون سببه من عند
(1) الإمام أحمد في (المسند)(2/220)
الله على يد مخلوق، مثل: أن يعطيك إنسان دراهم صدقة أو هداية، وما أشبه ذلك، فهذا الخير من الله، لكن بواسطة جعلها الله سببا، وإلا فكل الخير من الله عز وجل.
وقوله: «فلا خير إلا خيرك» . هذا الحصر حقيقي، فالخير كله من الله، سواء كان بسبب معلوم أو بغيره.
وقوله: «لا طير إلا طيرك» . أي: الطيور كلها ملكك، فهي لا تفعل شيئا، وإنما هي مسخرة، قال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} [الملك: 19]، وقال تعالى:{أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] ، فالمهم أن الطير مسخرة بإذن الله، فالله تعالى هو الذي يدبرها ويصرفها ويسخرها تذهب يمينا وشمالا، ولا علاقة لها بالحوادث.
ويحتمل أن المراد بالطير هنا ما يتشاءم به الإنسان، فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحوادث المكروهة، فإنه من الله كما أن الخير من الله، كما قال تعالى:{أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: 131] .
لكن سبق لنا أن الشر في فعل الله ليس بواقع، بل الشر في المفعول لا في الفعل، بل فعله تعالى كله خير، إما خير لذاته، وإما لما يترتب عليه من المصالح العظيمة التي تجعله خيرا.
فيكون قوله: «لا طير إلا طيرك» مقابلا لقوله: «ولا خير إلا خيرك» .
قوله: (ولا إله غيرك) . (لا) نافية للجنس، و (إله) بمعنى: مألوه، كغراس بمعنى مغروس، وفراش بمعنى مفروش، والمألوه: هو المعبود محبة وتعظيما يتأله إليه الإنسان محبة له وتعظيما له.
وله من حديث الفضل بن عباس: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» . (1)
ــ
فإن قيل: إن هناك آلهة دون الله، كما قال تعالى:{فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [هود: 101] .
أجيب: أنها وإن عبدت من دون الله وسميت آلهة، فليست آلهة حقا لأنها لا تستحق أن تعبد، فلهذا نقول: لا إله إلا الله، أي: لا إله إلا الله.
* يستفاد من الحديث:
1 -
أنه لا يجوز للإنسان أن ترده الطيرة عن حاجته، وإنما يتوكل على الله ولا يبالي بما رأى أو سمع أو حدث له عند مباشرته للفعل أول مرة، فإن بعض الناس إذا حصل له ما يكره في أول مباشرته الفعل تشاءم، وهذا خطأ؛ لأنه مادامت هناك مصلحة دنيوية أو دينية، فلا تهتم بما حدث.
2 -
أن الطيرة نوع من الشرك، لقوله:«من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك» .
3 -
أن من وقع في قلبه التطير ولم ترده الطيرة، فإن ذلك لا يضر كما سبق في حديث ابن مسعود:«وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» .
4 -
أن الأمور بيد الله خيرها وشرها.
5 -
انفراد الله بالألوهية، كما انفرد بالخلق والتدبير.
* * *
قوله في حديث الفضل: " إنما الطيرة ". هذه الجملة عند البلاغيين تسمى
(1) الإمام أحمد في (المسند)، وقال الشيخ حفظه الله:(في سنده مقال)(ص580) .
حصرا، أي: ما الطيرة إلا ما أمضاك أو ردك لا ما حدث في قلبك ولم تلتفت إليه، ولا ريب أن السلامة منها حتى في تفكير الإنسان خير بلا شك، لكن إذا وقعت في القلب ولم ترده ولم يلتفت لها، فإنها لا تضره، لكن عليه أن لا يستسلم، بل يدافع، إذ الأمر كله بيد الله.
قوله: (ما أمضاك أو ردك) . أما (ما ردك) ، فلا شك أنه من الطيرة؛ لأن التطير يوجب الترك والتراجع.
وأما (ما أمضاك)، فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن تكون من جنس التطير، وذلك بأن يستدل لنجاحه أو عدم نجاحه بالتطير، كما لو قال: سأزجر هذا الطير، فإذا ذهب إلى اليمين، فمعنى ذلك اليمن والبركة، فيقدم، فهذا لا شك أنه تطير؛ لأن التفاؤل بمثل انطلاق الطير عن اليمين غير صحيح؛ لأنه لا وجه له، إذ الطير إذا طار، فإنه يذهب إلى الذي يرى أنه وجهته، فإذا اعتمد عليه، فقد اعتمد على سبب لم يجعله الله سببا، وهو حركة الطير.
الثاني: أن يكون سبب المضي كلاما سمعه أو شيئا شاهده يدل على تيسير هذا الأمر له، فإن هذا فأل، وهو الذي يعجب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إن اعتمد عليه وكان سببا لإقدامه، فهذا حكمه حكم الطيرة، وإن لم يعتمد عليه ولكنه فرح ونشط وازداد نشاطا في طلبه، فهذا من الفأل المحمود.
والحديث في سنده مقال، لكن على تقدير صحته هذا حكمه.
* * *
* فيه مسائل
الأولى: التنبيه على قوله: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: 131]، مع قوله:{طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس: 19] . الثانية: نفي العدوى. الثالثة: نفي الطيرة. الرابعة: نفي الهامة. الخامسة: نفي الصفر. السادسة: أن الفأل ليس من ذلك بل مستحب.
ــ
فيه مسائل:
* الأولى: التنبيه على قوله: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} ، مع قوله:{طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} .
أي: لكي ينتبه الإنسان، فإن ظاهر الآيتين التعارض، وليس كذلك، فالقرآن والسنة لا تعارض بينهما ولا تعارض في ذاتهما، إنما يقع التعارض حسب فهم المخاطب، وقد سبق بيان الجمع أن قوله:{أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} أن الله هو المقدر ذلك، وليس موسى ولا غيره من الرسل، وأن قوله:{طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} من باب السبب، أي: أنتم سببه.
الثانية: نفي العدوى. وقد سبق أن المراد بنفيها نفي تأثيرها بنفسها لا أنها سبب للتأثير؛ لأن الله قد جعل بعض الأمراض سببا للعدوى وانتقالها.
الثالثة: نفي الطيرة. أي: نفي التأثير لا نفي الوجود.
الرابعة: نفي الهامة. والخامسة: نفي الصفر. وقد سبق تفسيرهما.
السادسة: أن الفأل ليس من ذلك، بل مستحب. تؤخذ من قول النبي
السابعة: تفسير الفأل. الثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهية لا يضر بل يذهبه الله بالتوكل. التاسعة: ذكر ما يقول من وجده.
ــ
صلى الله عليه وسلم: «يعجبني الفأل» ، وكل ما أعجب النبي صلى الله عليه وسلم، فهو حسن، قالت عائشة رضي الله عنها:«كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله» .
* السابعة: تفسير الفأل. فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: الكلمة الطيبة، وسبق أن هذا التفسير على سبيل المثال لا على سبيل الحصر؛ لأن الفأل كل ما ينشط الإنسان على شيء محمود، من قول، أو فعل مرئي أو مسموع.
الثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهته لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل. أي: إذا وقع في قلبك وأنت كاره له، فإنه لا يضرك ويذهبه الله بالتوكل، لقول ابن مسعود: «وما منا إلا
…
ولكن الله يذهبه بالتوكل»
التاسعة: ذكر ما يقول من وجده. وسبق أنه شيئان:
أن يقول: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» . أو يقول: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» .
العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك. الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة.
ــ
العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك. وسبق أن الطيرة شرك، لكن بتفصيل، فإن اعتقد تأثيرها بنفسها، فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنها سبب، فهو شرك أصغر.
الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة. أي: ما أمضاك أو ردك.
* * *