الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعن جندب مرفوعا:
«حد الساحر
ضربة بالسيف» . رواه الترمذي، وقال:" الصحيح أنه موقوف ". (1)
ــ
قوله: (وعن جندب) ليس هو جندب بن عبد الله البجلي، بل جندب الخير المعروف بقاتل الساحر.
قوله: (مرفوعا)، أي: إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون من قول النبي عليه الصلاة والسلام، لكن نقل المؤلف عن الترمذي قوله: والصحيح أنه موقوف، أي: من قول جندب.
قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف) حده، يعني: عقوبته المحددة شرعا.
وظاهره أنه لا يكفر؛ لأن الحدود تطهر المحدود من الإثم.
والكافر إذا قتل على ردته، فالقتل لا يطهره.
وهذا محمول على ما سبق: أن من أقسام السحر ما لا يخرج الإنسان عن الإسلام، وهو ما كان بالأدوية والعقاقير التي توجب الصرف والعطف وما أشبه ذلك.
قوله: (ضربة بالسيف) . روي بالتاء بعد الباء، وروي بالهاء، وكلاهما صحيح، لكن الأولى أبلغ؛ لأن التنكير وصيغة الوحدة يدلان على أنها ضربة قوية قاضية.
(1) أخرجه الترمذي في (الحدود، باب ما جاء في الساحر) ، والطبراني في (الكبير)(رقم 1665) ، والدارقطني (3/114)، والحاكم (4/360) . قال الترمذي:(لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم الملكي يضعف في الحديث والصحيح عن جندب موقوفا) . وقال الحافظ في (الفتح)(10/236) : (إسناده ضعيف) ، وضعفه الألباني (السلسلة الضعيفة (3/641) .
وفي (صحيح البخاري) عن بجالة بن عبدة، قال:(كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة) . قال: (فقتلنا ثلاث سواحر) . (1)
ــ
هذا كناية عن القتل، وليس معناه أن يضرب بالسيف مع ظهره مصفحا.
قوله: (وفي صحيح البخاري) . ذكر في الشرح -أعني (تفسير العزيز الحميد) - أن هذا اللفظ ليس في (البخاري)، والذي في (البخاري) أنه:(أمر بأن يفرق بين كل ذي محرم من المجوس) ؛ لأنهم يجوزون نكاح المحارم والعياذ بالله، فأمر عمر أن يفرق بين ذوي الرحم ورحمه، لكن ذكر الشارح صاحب (تيسير العزيز الحميد) : أن القطيعي رواه في الجزء الثاني من (فوائده)، وفيه:(ثم اقتلوا كل كاهن وساحر)، وقال (أي: الشارح) : إسناده حسن. قال: وعلى هذا فعزو المصنف إلى البخاري يحتمل أنه أراد أصله لا لفظه. اهـ.
وهذا القتل هل هو حد أم قتله لكفره؟
يحتمل هذا وهذا بناء على التفصيل السابق في كفر الساحر، ولكن بناء على ما سبق من التفصيل نقول: من خرج به السحر إلى الكفر فقتله قتل ردة، ومن لم يخرج به السحر إلى الكفر من باب دفع الصائل يجب تنفيذه حيث رآه الإمام.
والحاصل: أنه يجب أن تقتل السحرة، سواء قلنا بكفرهم أم لم نقل،
(1) أخرجه الإمام أحمد في (المسند)(1/190) ، وأبو داود في (السنن)(3043) .
وصح عن حفصة رضي الله عنها، (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت)(1) . وكذلك صح عن جندب (2) . قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ــ
لأنهم يمرضون ويقتلون، ويفرقون بين المرء وزوجه، وكذلك بالعكس، فقد يعطفون فيؤلفون بين الأعداء، ويتوصلون إلى أغراضهم، فإن بعضهم قد يسحر أحدا ليعطفه إليه وينال مأربه منه، كما لو سحر امرأة ليبغي بها، ولأنهم كانوا يسعون في الأرض فسادا، فكان واجبا على ولي الأمر قتلهم بدون استتابة مادام أنه لدفع ضررهم وفظاعة أمرهم، فإن الحد لا يستتاب صاحبه، متى قبض عليه وجب أن ينفذ فيه الحد.
قوله: (قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
وهم: عمر، وحفصة، وجندب الخير، أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
والقول بقتلهم موافق للقواعد الشرعية؛ لأنهم يسعون في الأرض فسادا، وفسادهم من أعظم الفساد، فقتلهم واجب على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم؛ لأن مثل هؤلاء إذا تركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر.
(1) الإمام مالك في (الموطأ)(كتاب العقول، باب ما جاء في الغيلة والسحر)
(2)
البخاري في (التاريخ الكبير)(2/222) ، والبيهقي (8/136) ، والطبراني في (الكبير)(1725) .
* فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة. الثانية: تفسير آية النساء. الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما. الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن وقد يكون من الإنس. الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
ــ
فيه مسائل:
* الأولى: تفسير آية البقرة، وهي قوله تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102]، أي: نصيب، ومن لا خلاق له في الآخرة، فإنه كافر، إذ كل من له نصيب في الآخرة فإن مآله إلى الجنة.
الثانية: تفسير آية النساء، وهي قوله تعالى:{يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 50] ، وفسر عمر الجبت بالسحر والطاغوت بالشيطان، وفسر بأن الجبت: كل ما لا خير فيه من السحر وغيره.
وأما الطاغوت، فهو كل ما تجاوز به الإنسان حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما، وهذا بناء على تفسير عمر رضي الله عنه.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس. تؤخذ من قول جابر: الطواغيت كهان، وكذلك قول عمر: الطاغوت الشيطان، فإن الطاغوت إذا أطلق، فالمراد به شيطان الجن، والكهان شياطين الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي. وقد سبق بيانها.
السادسة: أن الساحر يكفر. تؤخذ من قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102] .
السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب. الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر، فكيف بعده؟!
ــ
* السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب. يؤخذ من قوله (حد الساحر ضربة بالسيف) والحد إذا بلغ الإمام لا يستتاب صاحبه، بل يقتل بكل حال، أما الكفر، فإنه يستتاب صاحبه، وهذا هو الفرق بين الحد وبين عقوبة الكفر، وبهذا نعرف خطأ من أدخل حكم المرتد في الحدود، وذكروا من الحدود قتل الردة.
فقتل المرتد ليس من الحدود؛ لأنه يستتاب، فإذا تاب ارتفع عنه القتل، وأما الحدود، فلا ترتفع بالتوبة إلا أن يتوب قبل القدرة عليه، ثم إن الحدود كفارة لصاحبها وليس بكافر، والقتل بالردة ليس كفارة وصاحبها كافر، لا يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين في عهد عمر، فكيف فيما بعده؟! تؤخذ من قوله:(كتب عمر: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة) ، فهذا إذا كان في زمن الخليفة الثاني في القرون المفضلة، بل أفضلها، فكيف بعده من العصور التي بعدت عن وقت النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه؟! فهو أكثر انتشارا بين المسلمين، وكلما بعد الناس عن زمن الرسالة استولت عليهم الضلالة والجهالة، فالضلالة: ارتكاب الخطأ عن جهل، والجهالة: ارتكاب الخطأ عن عمد، ولهذا نقول: من عمل سوء بجهالة، فهو آثم، ومن عمل سوء بجهل، فليس بآثم، قال تعالى:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17] ، والمراد بالجهالة هنا ليست ضد العلم، بل ضد الرشد، وهي السفه.
* * *