الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طهران، (1) وتتبع أصحابها بالقتل، فقتلوا إلا قليلا منهم تحصن بالتقية، والانسلاك ظاهرا في سلك الاثني عشرية، وفي قرى العراق بقية يسيرة منهم، وكم من شنيعة تروى عنهم؟ ثم إنه لا يبعد أن تظهر فرق أخرى من الإمامية بعد، نسأل الله تعالى العافية في الدين والدنيا والآخرة.
انتهى كلامه الشريف ولفظه الظريف، وهذا التفصيل مما لا تجده في كتاب، ولا تراه في باب من الأبواب، فتوجه بهمه إليه، وأقبل بجميع شراشرك (2) عليه.
مكائد الرافضة
وإذ فرغنا من عد الفرق فقد آن أن نشرع في ذكر شيء من مكائدهم، التي توصلوا بها إلى ترويج مذهبهم الباطل وإضلال العباد، وهي كثيرة جدا لا تدري اليهود بعشرها، وهذا الكتاب يضيق عن حصرها:
الأولى
فمن مكائدهم أنهم يقولون: إن أهل السنة يخالفون القرآن المجيد، فإنهم يغسلون الأرجل بدل المسح، والكتاب يدل ظاهرا على المسح. (3)
والجواب أن آية الوضوء تواترت إلينا كسائر القرآن بالقراءات السبع المتواترة، تواتر القراءتين منها ثابت بإجماع الفريقين، بل بإجماع المسلمين وهما قراءتا النصب والجر في الأرجل، وقد ثبت في أصول الفريقين أن القراءتين إذا تعارضتا في آية واحدة فهما في حكم الآيتين، وأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وههنا كذلك إذ يمكن الجمع بينهما حسب قواعدنا بوجهين:
الأول: بحمل المسح على الغسل، قال أبو زيد الأنصاري وغيره من أئمة اللغة: إن المسح في كلام العرب قد يكون بمعنى الغسل، يقال للرجل إذا توضأ: تمسح، ومسح الله ما بك أي أزال عنك المرض، (4) فإن قال الشيعة: يلزم من ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ممتنع، (5) قلنا لا يلزم ذلك، فإنا نقدر لفظ امسحوا قبل أرجلكم أيضا، وإذا تعدد اللفظ فلا بأس بتعدد المعنى، فالمسح الذي يتعلق بالرؤوس حقيقي، والمتعلق بالأرجل مجازي.
الثاني: إن الجر بالجوار، وهو في التنزيل كثير الوقوع، فتأول قراءة الجر إلى قراءة النصب، وجوز سيبويه والأخفش وأبو البقاء (6) وسائر المحققين من النحاة جر الجوار في النعت والعطف، أما النعت فكقوله تعالى:{عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيم ٍ} فقد جر (أليم) بمجاورة (يوم) مع أنه نعت
(1) وقامت جماعة من أتباع من ادعى أنه باب المهدي وادعى بعضهم أنه الحسن وبعضهم أنه الحسين وغيرهما، وقتل شاه إيران (ناصر الدين شاه) الباب مع بعض اتباعه سنة 1274هـ، لكن أتباعه ادعوا أنه لم يمت وأنه صعد إلى السماء. دائرة المعارف الشيعية العامة: 6/ 18؛ موسوعة الأديان والمذاهب: 3/ 294.
(2)
قال ابن منظور: «شراشر وشريشر: أسماء» . لسان العرب
(3)
قال الحلي: «ذهبت الإمامية إلى وجوب مسح الرجلين وأنه لا يجزئ الغسل فيهما
…
وقال الفقهاء الأربعة: الغرض هو الغسل، وقد خالفوا نص القرآن
…
». نهج الحق: ص 409.
(4)
نقله الأنباري عن أبي زيد الأنصاري، ثم قال:«والذي يدل على ذلك قولهم تمسحت للصلاة أي توضأت، والوضوء يشتمل على ممسوح ومغسول، والسر في ذلك أن المتوضئ لا يقنع بصب الماء على الأعضاء حتى يمسحها مع الغسل؛ فلذلك سمى الغسل مسحا فالرأس والرجل ممسوحان، إلا أن المسح في الرجل المراد به الغسل لبيان السنة، ولولا ذلك لكان محتملا، والذي يدل على أن المراد به الغسل ورود التحديد في قوله إلى الكعبين، والتحديد إنما جاء في المغسول لا في الممسوح» . الإنصاف في مسائل الخلاف: 2/ 610.
(5)
قرر هذا الكراكجي في القول المبين في وجوب المسح على الرجلين: ص 25.
(6)
عبد الحميد بن عبد المجيد، أبو الخطاب، من كبار العلماء بالعربية توفي سنة 177هـ. أنباه الرواة: 2/ 157؛ بغية الوعاة: 13/ 252.
للعذاب. (1) وأما العطف فكقوله تعالى: {وَحُورٍ عِينٍ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤ الْمَكْنُونِ} على قراءة حمزة والكسائي، فإنه مجرور بمجاورة:{بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} مع أنه معطوف على: {ولدَانٌ مُخَلَّدُونَ} . (2) وقد وقع هذا الجر في كلام العرب العرباء أيضا، فمن ذلك قول النابغة:(3)
لم يَبقَ غير أسير (4) غَيرِ مُنْفَلِتٍ
…
ومُوثَق في حِبالِ القِدّ مَكبولِ
بجر (موثق) و (مكبول) بجوار (منفلت) مع أنهما معطوفان على أسير، فلا يلتفت إلى إنكار الزجاج وقوع جر الجوار في المعطوف. (5)
وقد ذكر الشيعة في الجمع بين القراءتين وجهين أيضا: الأول أن تعطف قراءة النصب على محل رؤوسكم لا على المنصوب السابق لاستلزامه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، فحينئذ حكم الأرجل حكم الرؤوس المعطوف عليه في المسح، الثاني أن الوارد فيه بمعنى مع، كقولهم «استوى الماء والخشبة» . (6)
هذا وفي كلا الوجهين نظر من وجوه: أما الأول فلأن العطف على المحل خلاف الظاهر بإجماع الفريقين، وإن استدلوا على خلاف الظاهر بقراءة الجر فقد سبق وجه رجوعها إلى قراءة النصب، على أنها لا تدل على مدعاهم لوجود احتمال جر الجوار، وأما ثانيا فلأن استلزام الفصل بجملة أجنبية إنما يخل إذا لم تكن جملة {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} لها تعلق بما قبلها. وأما إذا قلنا إن المعنى وامسحوا بعد الغسل (برءوسكم)، فلا فصل كما هو مذهب أكثر أهل السنة من جواز المسح ببقية الغسل، ومع ذلك فلم يذهب أحد من أئمة العربية إلى امتناع الفصل بين الجملتين المتعاطفين، بل نقل أبو البقاء إجماع النحاة على جوازه. نعم توسيط الأجنبي في كلام البلغاء لا بد أن يكون لنكتة، وفائدة النكتة ههنا التنبيه على أنه لا ينبغي أن يقتصد في صب الماء على الأرجل وتغسل غسلا يقرب من المسح، وتخصيصها بالتنبيه لكونها مظنة للإسراف، وللإيماء إلى وجوب الترتيب. وأما ثالثا فلأنه لو عطف (وأرجلكم) على محل (برءوسكم)، جاز لنا أن نفهم منه معنى الغسل؛ لأن من القواعد المقررة في العربية أنه إذا اجتمع فعلان متقاربان بحسب المعنى جاز حذف أحدهما وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة العامري:
(1) ينظر تفسير الطبري: 25/ 94؛ روح المعاني: 25/ 97.
(2)
ينظر النحاس، إعراب القرآن: 3/ 324؛ البنا، إتحاف فضلاء البشر: ص 407.
(3)
شاعر جاهلي
(4)
في الأصل غير طريد. ينظر ديوان النابغة
(5)
(6)
قرره عبد الله التستري في نهاية الإقدام: ص 427.
فَعَلا فُرُوعُ الأيْهُقَانِ وَأطْفَلَتْ
…
بالجَلهَتين ظِبَاؤهَا ونَعَامُهَا
أي وباضت نعامها، فإن النعام لا تلد بل تبيض، إذ هي من الطيور وهي لا تلد إلا الخفاش.
ومنه قول الآخر: (1)
إذا ما الغانيات برزن يوما وزَجِّجْنَ الْحَوَاجِبَ والْعُيُونا
أي وكحلن العيون. ومنه قول الآخر: (2)
تَراهُ كأنَّ اللهَ يَجدَعُ أنفَه
…
وعَينَيهِ إِنْ مولاهُ ثابَ له وَفْرُ
ومنه قول الأعرابي: علفتها تبنا وماء باردا، أي وسقيتها. (3)
وأما رابعا: فلأن حمل الواو على معنى مع بدون قرينة لا يجوز، ولا قرينة ههنا، بل القرينة على خلافه لما تبين من وجوه التطبيق.
هذا ولما حصل الجمع بين الفريقين ولزم الترجيح رجع المحققون إلى سنة خير الورى صلى الله عليه وسلم إذ هي المبينة لمعاني القرآن المجيد، وهذه واقعة جلية فقد كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات على رؤوس الأشهاد لأجل التعليم، ولم يروِ أحد - ولو بطريق الآحاد - أنه عليه الصلاة والسلام مسح الرجلين، وقد روى الجميع غسلها بروايات متواترة، وقد اعترف بذلك الشيعة إلا أنهم يقولون قد روي لنا المسح عن الأئمة، وما روى أهل السنة الغسل عن أولئك محمول على التقية. هذا مع أن روايات غسل الرجلين عن الأئمة ثابتة في كتب الإمامية الصحيحة المعتبرة بحيث لا مجال للتقية فيها، فرواية الغسل متفق عليها ورواية المسح مختلف فيها عند الشيعة مع قطع النظر عن أهل السنة، فإن بعضهم قد روى تلك الرواية وبعضهم لم يروها، وفعله عليه الصلاة والسلام سالم عن المعارض عند الفريقين؛ لأنه لم يروِ أحد المسح عنه عليه الصلاة والسلام، وظاهر أن فهم معاني القرآن كما هو مراد الله تعالى لم يكن لغير الرسول صلى الله عليه وسلم ففهمنا حينئذ مطابق لفهمه عليه الصلاة والسلام.
ولنذكر ما روي في كتبهم من روايات غسل الرجلين التي لم يصل أحد منهم للطعن فيها:
فقد روى العياشي عن علي بن أبي حمزة قال: «سألت أبا إبراهيم (4) عن القدمين، فقال
(1) الراعي النميري
(2)
خالد بين الطيفان. ينظر الحيوان
(3)
قال سليمان بن داود البغدادي: «فهذا باتفاق علماء النحو وغيرهم دليل جواز تغاير المعطوف والمعطوف عليه في العامل، ثم قياسه صورة ما في الآية، على ما مثل به قياس مع الفارق، فإن وجود التقييد بالكعبين هو الحامل على تفسير المسح بالغسل الشبيه بالمسح ليتساوى المحدودان، وهما الأيدي والأرجل، وأيضا قراءة النصب قرينة أخرى لأنها ناصة على الغسل بعطفها الظاهر، بخلاف مثاله فإنه خال عن القرينتين، مع إن العمدة في مثل هذا المطالب، لا على اللفظ فقط، حتى يستنبط منه ليكون مشابها، بل العمدة على النقل المبين للقرآن من الشارع الذي هو المبين له، فلا يضر لو كان الكلام خاليا عن القرائن والاعتبارات فكيف بها» . رسالة في الرد على الرافضة في مسح القدمين: 11/ب.
(4)
في المطبوع (أبا هريرة) والتصحيح من كتب الإمامية