الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا لِكُفَّارِ مَكَّةَ: أَنْفِقُوا عَلَى الْمَسَاكِينِ مِمَّا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنَّهُ لِلَّهِ، وَهُوَ ما جعلوه لِلَّهِ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ، قَالُوا: أَنُطْعِمُ أَنَرْزُقُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ الله أطعمه رَزَقَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرْزُقْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَنَحْنُ نُوَافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلَا نُطْعِمُ مَنْ لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وَهَذَا مِمَّا يَتَمَسَّكُ بِهِ الْبُخَلَاءُ، يَقُولُونَ: لَا نُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ اللَّهُ، وَهَذَا الَّذِي يَزْعُمُونَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ اللَّهَ أَغْنَى بَعْضَ الْخَلْقِ وَأَفْقَرَ بَعْضَهُمُ ابْتِلَاءً، فَمَنَعَ الدُّنْيَا مِنَ الْفَقِيرِ لَا بُخْلًا وَأَمَرَ الْغَنِيَّ بِالْإِنْفَاقِ لَا حَاجَةً إِلَى مَالِهِ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ الغني بالفقير فيما أمر وفرض لَهُ فِي مَالِ الْغَنِيِّ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ فِي خَلْقِهِ، {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يس: 47] يَقُولُ الْكُفَّارُ لِلْمُؤْمِنِينَ: مَا أَنْتُمْ إِلَّا فِي خَطَأٍ بَيِّنٍ فِي اتباعكم محمدا وَتَرْكِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ.
[48]
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} [يس: 48] أَيِ الْقِيَامَةُ وَالْبَعْثُ، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يس: 48]
[49]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا يَنْظُرُونَ} [يس: 49] أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ، {إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس: 49] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأولى، {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} [يس: 49] يَعْنِي يَخْتَصِمُونَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَيَتَكَلَّمُونَ فِي الْمَجَالِسِ وَالْأَسْوَاقِ، قَرَأَ حَمْزَةُ (يَخْصِمُونَ) بِسُكُونِ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ، أَيْ يَغْلِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخِصَامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ، أَيْ يَخْتَصِمُونَ، أدغمت التاء في الصاد.
[50]
قَوْلُهُ عز وجل: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} [يس: 50] أي لا يقدرون الْإِيصَاءِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: عَجِلُوا عَنِ الْوَصِيَّةِ فَمَاتُوا، {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 50] يَنْقَلِبُونَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّاعَةَ لَا تُمْهِلُهُمْ لِشَيْءٍ.
[51]
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} [يس: 51] وهي الْأَخِيرَةُ نَفْخَةُ الْبَعْثِ، وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ} [يس: 51] يَعْنِي الْقُبُورُ، وَاحِدُهَا: جَدَثٌ، {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} [يس: 51] يَخْرُجُونَ مِنَ الْقُبُورِ أَحْيَاءً، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ: نَسْلٌ لِخُرُوجِهِ مِنْ بطن أمه.
[52]
{قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52] قَالَ أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، فَيَرْقُدُونَ فَإِذَا بُعِثُوا بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ وَعَايَنُوا الْقِيَامَةَ دَعَوْا بِالْوَيْلِ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّ الْكُفَّارَ إِذَا عَايَنُوا جَهَنَّمَ وَأَنْوَاعَ عَذَابِهَا صَارَ عَذَابُ الْقَبْرِ فِي جَنْبِهَا كَالنَّوْمِ، فَقَالُوا: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا؟ ثُمَّ قَالُوا: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: 52] أَقَرُّوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِقْرَارُ. وَقِيلَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُ الْكُفَّارُ: (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: 52]
[53]
{إِنْ كَانَتْ} [يس: 53] مَا كَانَتْ، {إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس: 53] يعني النفخة الأخيرة، {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 53]
[54]
{فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 54]
[قوله تعالى إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ]
. . .
[55]
{إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ} [يس: 55] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عمرو (في شغل) اختلفوا فِي مَعْنَى الشُّغُلِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي افْتِضَاضِ الْأَبْكَارِ. وَقَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجِرَاحِ: فِي السَّمَاعِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي شُغُلٍ عَنْ أَهْلِ النَّارِ وَعَمَّا هُمْ فِيهِ لَا يُهِمُّهُمْ أَمْرُهُمْ وَلَا يَذْكُرُونَهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: شُغِلُوا بِمَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: فِي زِيَارَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تعالى. {فَاكِهُونَ} [يس: 55] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (فَكِهُونَ) حَيْثُ كَانَ، وَافَقَهُ حَفْصٌ فِي الْمُطَفِّفِينَ وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الْحَاذِرُ وَالْحَذِرُ، أَيْ نَاعِمُونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُعْجَبُونَ بِمَا هُمْ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرِحُونَ.
[56]
{هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ} [يس: 56] أي حلائلهم، {فِي ظِلَالٍ} [يس: 56] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ظُلَلٍ بِضَمِّ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، جَمْعُ ظُلَّةٍ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ (فِي ظِلَالٍ) بِالْأَلِفِ وَكَسْرِ الظَّاءِ عَلَى جَمْعِ ظل، {عَلَى الْأَرَائِكِ} [يس: 56] يَعْنِي السُّرَرَ فِي الْحِجَالِ وَاحِدَتُهَا أَرِيكَةٌ. قَالَ ثَعْلَبٌ: لَا تَكُونُ أَرِيكَةً حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهَا حَجْلَةٌ. {مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] ذَوُو اتِّكَاءٍ.
[57]
{لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} [يس: 57] يَتَمَنَّوْنَ وَيَشْتَهُونَ.
[58]
{سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58] أَيْ يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ قَوْلًا، وقيل: يسلم عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ. وَقِيلَ: تُسَلِّمُ عليهم الملائكة من ربهم. وقال مُقَاتِلٌ: تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ كُلِّ بَابٍ يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ رَبِّكُمُ الرَّحِيمِ. وَقِيلَ: يُعْطِيهُمُ السَّلَامَةَ يَقُولُ: اسْلَمُوا السَّلَامَةَ الْأَبَدِيَّةَ.
[59]
{وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] قال مقاتل: اعتزلوا اليوم الصَّالِحِينَ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: تَمَيَّزُوا. وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كُونُوا عَلَى حِدَةٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: انْفَرَدُوا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ لِكُلِّ كَافِرٍ فِي النَّارِ بَيْتًا يُدْخَلُ ذَلِكَ الْبَيْتَ وَيُرْدَمُ بَابُهُ بِالنَّارِ فَيَكُونُ فِيهِ أَبَدَ الْآبِدِينَ، لَا يَرَى وَلَا يُرَى.
[60]
{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ} [يس: 60] أَلَمْ آمُرْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ، {أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: 60] أَيْ لَا تُطِيعُوا الشَّيْطَانَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60] ظاهر العداوة.
[61]
{وَأَنِ اعْبُدُونِي} [يس: 61] أَطِيعُونِي وَوَحِّدُونِي، {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يس: 61]
[62]
{وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا} [يس: 62] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ (جِبِلًّا) معناها: الْخَلْقُ وَالْجَمَاعَةُ أَيْ خَلْقًا كَثِيرًا {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس: 62] مَا أَتَاكُمْ مِنْ هَلَاكِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ بِطَاعَةِ إِبْلِيسَ، وَيُقَالُ لَهُمْ لَمَّا دَنَوْا مِنَ النَّارِ.
[63]
{هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [يس: 63] بها في الدنيا.
[64]
{اصْلَوْهَا} [يس: 64] ادْخُلُوهَا {الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [يس: 64]
[65]
{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65] هَذَا حِينَ يُنْكِرُ الْكُفَّارُ كُفْرَهُمْ وتكذيبهم الرسل بقولهم {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جوارحهم.
[66]
{وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ} [يس: 66] أَيْ أَذْهَبْنَا أَعْيُنَهُمُ الظَّاهِرَةَ بِحَيْثُ لَا يَبْدُو لَهَا جَفْنٌ وَلَا شِقٌّ، وَهُوَ مَعْنَى الطَّمْسِ كَمَا قال الله:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [الْبَقَرَةِ: 20] يَقُولُ: كَمَا أَعْمَيْنَا قُلُوبَهُمْ لَوْ شِئْنَا أَعْمَيْنَا أَبْصَارَهُمُ الظاهرة، {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ} [يس: 66] فَتَبَادَرُوا إِلَى الطَّرِيقِ، {فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} [يس: 66]