الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1210 -
وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ رضي الله عنه، «أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَصَلَاتِهِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتُهُ؟ كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ نَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
1210 -
(وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ) : بِمِيمَيْنِ عَلَى وَزْنِ جَعْفَرٍ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ. (أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَصَلَاتِهِ؟)، أَيْ: فِي اللَّيْلِ، (فَقَالَتْ: وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتُهُ؟) : قَالَ الطِّيبِيُّ: (وَمَا لَكُمْ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ: مَا لَكُمْ وَقِرَاءَتُهُ، وَمَا لَكَمَ وَصَلَاتُهُ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَصَلَاتُهُ بِمَعْنَى " مَعَ "، أَيْ: مَا تَصْنَعُونَ مَعَ قِرَاءَتِهِ وَصَلَاتِهِ. ذَكَرَتْهَا تَحَسُّرًا وَتَلَهُّفًا عَلَى مَا تَذَكَّرَتْ مِنْ أَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَا أَنَّهَا أَنْكَرَتِ السُّؤَالَ عَلَى السَّائِلِ. اهـ. أَوْ مَعْنَاهُ: أَيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ لَكُمْ مَعَ وَصْفِ قِرَاءَتِهِ وَصَلَاتِهِ وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا مِثْلَهُ، فَفِيهِ نَوْعُ تَعَجُّبٍ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: وَأَيُّ مَنْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُطِيقُ. ( «كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، حَتَّى يُصْبِحَ» )، أَيْ: كَانَ صَلَاتُهُ فِي أَوْقَاتٍ ثَلَاثٍ إِلَى الصُّبْحِ، أَوْ كَانَ يَسْتَمِرُّ حَالُهُ هَذَا مِنَ الْقِيَامِ وَالنِّيَامِ إِلَى أَنْ يُصْبِحَ (ثُمَّ نَعَتَتْ)، أَيْ: وَصَفَتْ (قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ)، أَيْ: أُمُّ سَلَمَةَ (تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً) : بِفَتْحِ السِّينِ أَوْ كَسْرِهَا، أَيْ مُبَيَّنَةً (حَرْفًا حَرْفًا)، أَيْ: مُرَتَّلَةً وَمُجَوَّدَةً وَمُمَيَّزَةً غَيْرَ مُخَالَطَةٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَرْفِ الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ، فَتُفِيدُ مُرَاعَاةَ الْوُقُوفِ بَعْدَ تَبْيِينِ الْحُرُوفِ.
قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَقُولَ قِرَاءَتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَثَانِيهِمَا: أَنْ تَقْرَأَ مُرَتِّلَةً مُبَيِّنَةً، كَقِرَاءَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ: وَجْهُهَا يَصِفُ الْجَمَالَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} [النحل: 62] . اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) .
[بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
1211 -
ــ
[32]
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
مِنَ الْأَدْعِيَةِ وَالْأَذْكَارِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
1211 -
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ)، أَيْ: بَعْضَ أَوْقَاتِهِ (يَتَهَجَّدُ)، أَيْ: يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ قَامَ، وَقَوْلُهُ:(قَالَ: " اللَّهُمَّ ") : خَبَرُ كَانَ، وَ (إِذَا) لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ:(قَالَ) جَوَابُ: (إِذَا) وَالشَّرْطِيَّةُ خَبَرُ كَانَ. اهـ. قَالَ مِيرَكُ: قَوْلُهُ (يَتَهَجَّدُ) أَيْ: يُرِيدُ أَنْ يَتَهَجَّدَ، أَيْ: يُصَلِّي التَّهَجُّدَ، قَالَ، أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ. اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ أَوْ فِي قَوْمَةِ الِاعْتِدَالِ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (" لَكَ الْحَمْدُ ") : تَقْدِيمُ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَكَذَلِكَ لَامُ الْجَرِّ مَعَ لَامِ الْجِنْسِ أَوِ الْعَهْدِ فِي الْحَمْدِ، وَأَمَّا عَلَى كَوْنِ اللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَفِيهِ ثَلَاثُ دَلَالَاتٍ. (" أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ")، أَيِ: الْقَائِمُ بِأُمُورِهِمَا (فَيْعَلٌ) مِنْ قَامَ، وَمَعْنَاهُ الدَّائِمُ الْقَائِمُ بِحِفْظِ الْمَخْلُوقَاتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ فِي النِّهَايَةِ: فِي رِوَايَةٍ: قَيَّامُ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَيُّومُ، وَهِيَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْقَيِّمُ
مَعْنَاهُ الْقَائِمُ بِأُمُورِ الْخَلْقِ وَمُدَبِّرُهُمْ وَمُدَبِّرُ جَمِيعَ الْعَالَمِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَالْقَيُّومُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ كُلُّ مَوْجُودٍ حَتَّى لَا يُتَصَوَّرَ وُجُودُ شَيْءٍ وَلَا دَوَامُ وَجُودِهِ إِلَّا بِهِ. (" وَمَنْ ") : غَلَبَ فِيهِ الْعُقَلَاءُ (" فِيهِنَّ ")، أَيْ: فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَعْنِي الْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ " وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "، أَيْ: مُنَوِّرُهُمَا أَوْ مُظْهِرُهُمَا، أَوْ خَالِقُ نُورِهِمَا، أَوِ الْمَعْنَى: أَنْتَ الَّذِي بِهِ ظُهُورُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنْتَ الَّذِي بِهِ اسْتَضَاءَ الْكَوْنُ كُلُّهُ وَخَرَجَ مِنْ ظُلْمَةِ الْعَدَمِ إِلَى نُورِ الْوُجُودِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: النُّورُ هُوَ الَّذِي يَبْصُرُ بِنُورِهِ ذُو الْعَمَايَةِ وَيَرْشُدُ بِهُدَاهُ ذُو الْغِوَايَةِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَضَافَ النُّورَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى سَعَةِ إِشْرَاقِهِ وَثُقُوبِ إِضَاءَتِهِ، وَعَلَى هَذَا فُسِّرَ (اللَّهُ نُورَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ مُنَوِّرُهُمَا، يَعْنِي: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ اسْتَنَارَ مِنْهُمَا وَأَضَاءَ فَبِقُدْرَتِكَ وَجُودِكَ، وَالْأَجْرَامُ النَّيِّرَةُ بَدَائِعُ فِطْرَتِكَ وَالْعُقُولُ وَالْحَوَاسُّ خَلْقُكَ وَعَطِيَّتُكَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ، أَيْ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ، وَقَدِ اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُ بِقَوْلِ:(" وَمَنْ فِيهِنَّ ") : وَقِيلَ: مَعْنَى النُّورِ: الْهَادِي، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ إِضَافَةَ الْهِدَايَةِ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَكَادُ تَسْتَقِيمُ بِالتَّقْدِيرِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَلِأَنَّ مَنْ فِيهِنَّ يَدْفَعُهُ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ النُّورَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ:" نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " وَمِنْ جُمْلَةِ أَسْمَائِهِ النُّورُ، وَسُمِّي بِهِ لِمَا اخْتُصَّ بِهِ مِنْ إِشْرَاقِ الْجَمَالِ وَسُبُحَاتِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ. اهـ. مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الطِّيبِيِّ. (" «وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» ")، أَيِ: الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمَا تَصَرُّفًا كُلِّيًّا مِلَكِيًّا وَمُلْكِيًّا ظَاهِرِيًّا وَبَاطِنِيًّا، لَا نِزَاعَ فِي مِلْكِهِ وَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، (" وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ ") : لَا خُلْفَ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فِي الْإِنْعَامِ وَالِانْتِقَامِ فِي حَقِّ عَبِيدِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: عَرَّفِ الْحَقَّ فِي أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَنَكَّرَ فِي الْبَوَاقِي ; لِأَنَّهُ لَا مُنْكِرَ سَلَفًا وَخَلَفًا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الثَّابِتُ الدَّائِمُ الْبَاقِي، وَمَا سِوَاهُ فِي مَعْرِضِ الزَّوَالِ.
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ.
وَكَذَا وَعْدُهُ مُخْتَصٌّ بِالْإِنْجَازِ دُونَ وَعْدِ غَيْرِهِ إِمَّا قَصْدًا وَإِمَّا عَجْزًا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُمَا، وَالتَّنْكِيرُ فِي الْبَوَاقِي لِلتَّفْخِيمِ. (" وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ") : الْمُرَادُ بِلِقَاءِ اللَّهِ الْمَصِيرُ إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ وَطَلَبُ مَا هُوَ عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَدَخَلَ فِيهِ اللِّقَاءُ بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ، وَقَالَ مِيرَكُ: اللِّقَاءُ: الْبَعْثُ أَوْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قُلْتَ: ذَلِكَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْوَعْدِ؟ قُلْتُ: الْوَعْدُ مَصْدَرٌ وَالْمَذْكُورُ بَعْدَهُ هُوَ الْمَوْعُودُ وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، كَمَا أَنَّ ذِكْرَ الْقَوْلِ بَعْدَ الْوَعْدِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فِي قَوْلِهِ:(" وَقَوْلُكَ حَقٌّ ") : فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الْحَقِّ؟ قُلْتُ: الْمُتَحَقَّقُ الْوُجُودِ الثَّابِتُ بِلَا شَكٍّ فِيهِ، فَإِنْ قُلْتَ: الْقَوْلُ يُوصَفُ بِالصِّدْقِ، وَيُقَالُ: هُوَ صِدْقٌ وَكَذِبٌ، وَلِذَا قِيلَ: الصِّدْقُ هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْقَوْلِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ، وَالْحَقُّ بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَاقِعِ الْمُطَابِقِ لِلْقَوْلِ؟ قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ أَيْضًا: قَوْلٌ ثَابِتٌ، ثُمَّ إِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ عَرَّفَ الْحَقَّ فِي الْأُولَيَيْنِ وَنَكَّرَ فِي الْبَوَاقِي؟ قُلْتُ: الْمُعَرَّفُ بِلَامِ الْجِنْسِ وَالنَّكِرَةُ، الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا قَرِيبَةٌ، بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، إِلَّا بِأَنَّ فِي الْمَعْرِفَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا اللَّامُ مَعْلُومَةٌ لِلسَّامِعِ، وَفِي النَّكِرَةِ لَا إِشَارَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا مَعْلُومَةً، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَوْلُكَ الْحَقُّ بِالتَّعْرِيفِ أَيْضًا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: عَرَّفَهُمَا لِلْحَصْرِ، وَذَكَرَ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (" وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ")، أَيْ: نَعِيمُهَا (" وَالنَّارُ حَقٌّ ")، أَيْ: جَحِيمُهَا (" وَالنَّبِيُّونَ ") : الَّذِينَ هُمْ أَعَمُّ مِنَ الرُّسُلِ (" حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ") : (" حَقٌّ ") : قَالَ مِيرَكُ: خَصَّ مُحَمَّدًا بَيْنَ النَّبِيِّينَ وَعَطَفَ عَلَيْهِمْ، إِيذَانًا بِالتَّغَايُرِ، وَأَنَّهُ فَاقَ عَلَيْهِمْ بِأَوْصَافٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ، فَإِنَّ تَغَايُرَ الْوَصْفِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَغَايُرِ الذَّاتِ، ثُمَّ تَجَرَّدَ عَنْ ذَاتِهِ كَأَنَّهُ غَيْرُهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِهِ وَتَصْدِيقُهُ. (" وَالسَّاعَةُ ")، أَيِ: الْقِيَامَةُ وَمَا فِيهَا مِنَ الْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ وَالْحَوْضِ وَالْحِسَابِ (" حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ")، أَيْ: أَذْعَنْتُ لِأَمْرِكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (" وَبِكَ آمَنْتُ ")، أَيْ: صَدَّقْتُ بِكَ وَبِجَمِيعِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ أَوْ بِكَلَامِكَ، وَبِأَخْبَارِ رَسُولِكَ، أَوْ بِتَوْفِيقِكَ، آمَنْتُ بِمَا آمَنْتَ نَفْسِي مِنْ عَذَابِكَ. (" وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ")، أَيِ: اعْتَمَدْتُ فِي أُمُورِي، قَالَ مِيرَكُ، أَيْ فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ قَاطِعًا لِلنَّظَرِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ (" وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ")، أَيْ: رَجَعْتُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِي، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَالْمَشْهُورُ بَيْنَ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ الرُّجُوعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَالْإِنَابَةُ عَنِ الْغَفْلَةِ (" وَبِكَ ")، أَيْ: بِقُوَّتِكَ أَوْ بِحُجَّتِكَ أَوْ بِنُصْرَتِكَ إِيَّايَ (" خَاصَمْتُ ")، أَيْ: أَعْدَاءَكَ (" وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ")، أَيْ: رَفَعْتُ أَمْرِي لِتَحْكُمَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ يُخَالِفُنِي، وَالْمُحَاكَمَةُ رَفْعُ الْحُكْمِ إِلَى الْقَاضِي، قَالَ مِيرَكُ: قَدَّمَ مَجْمُوعَ صِلَاتِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ عَلَيْهَا إِشْعَارًا بِالتَّخْصِيصِ وَإِفَادَةً لِلْحَصْرِ. اهـ. زَادَ أَبُو عَوَانَةَ " أَنْتَ رَبُّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ "، أَيِ: الْمَرْجِعُ فِي الدَّارَيْنِ. (" فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ ")، أَيْ: مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ (" وَمَا أَخَّرْتُ ")، أَيْ: مِنَ التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ (" وَمَا أَسْرَرْتُ ")، أَيْ: أَخْفَيْتُ، وَلَوْ مِمَّا خَطَرَ بِالْبَالِ، (" وَمَا أَعْلَنْتُ ") : مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ الرِّدْيَةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْقُصُورِ الْبَشَرِيَّةِ.
قَالَ مِيرَكُ: فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ فَمَا مَعْنَى سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ؟ قُلْتُ: سَأَلَهُ تَوَاضُعًا وَهَضْمًا لِنَفْسِهِ، وَإِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا لِرَبِّهِ، وَتَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ، (" وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ") : وَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. (" أَنْتَ الْمُقَدِّمُ ")، أَيْ: لِمَنْ تَشَاءُ (" وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ")، أَيْ: لِمَنْ تَشَاءُ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ عليه السلام أُخِّرَ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْبَعْثِ وَقُدِّمَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهَا، كَقَوْلِهِ:" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ " نَقَلَهُ مِيرَكُ. (" لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ") : وَفِي نُسْخَةٍ (أَوْ) بَدَلَ الْوَاوِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ " أَوْ ". اهـ. وَاقْتَصَرَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ أَيْضًا عَلَى الْأَوَّلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
1212 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
1212 -
(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : فِي الْمَصَابِيحِ: كَانَ تَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ تَفْسِيرٌ لِضَمِيرِ كَانَ (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ)، أَيْ: صَلَاةَ نَفْسِهِ أَوْ صَلَاةَ اللَّيْلِ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي مَا فِي الْحِصْنِ إِذَا افْتَتَحَ صَلَاةَ اللَّيْلِ. (قَالَ:" اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ") : تَخْصِيصُ هَؤُلَاءِ بِالْإِضَافَةِ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ لِتَشْرِيفِهِمْ وَتَفْضِيلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَأَنَّهُ قَدَّمَ جِبْرِيلَ ; لِأَنَّهُ أَمِينُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، فَسَائِرُ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ، وَأَخَّرَ إِسْرَافِيلَ ; لِأَنَّهُ أَمِينُ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالصُّورِ، فَإِلَيْهِ أَمْرُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَوَسَّطَ مِيكَائِيلَ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ بِطَرَفٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ أَمِينُ الْقَطْرِ وَالنَّبَاتِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَرْزَاقِ الْمُقَوِّمَةِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ مِيكَائِيلَ، وَفِي الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا خِلَافٌ. قِيلَ: لَا يَجُوزُ نَصْبُ (رَبُّ) عَلَى الصِّفَةِ ; لِأَنَّ الْمِيمَ الْمُشَدَّدَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْوَاتِ، فَلَا يُوصَفُ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ، فَالتَّقْدِيرُ: يَا رَبَّ جِبْرِيلَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ صِفَةٌ، فَكَمَا لَا تَمْتَنِعُ الصِّفَةُ مَعَ " يَا " لَا تَمْتَنِعُ مَعَ الْمِيمِ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ عِنْدِي أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ الْمَوْصُوفَةِ شَيْءٌ عَلَى حَدِّ: اللَّهُمَّ، وَلِذَلِكَ خَالَفَ سَائِرَ الْأَسْمَاءِ، وَدَخَلَ فِي حَيِّزِ مَا لَا يُوصَفُ نَحْوَ: حَيَّهَلْ، فَإِنَّهُمَا صَارَا بِمَنْزِلَةِ صَوْتٍ مَضْمُومٍ إِلَى اسْمٍ فَلَمْ يُوصَفْ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (" فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ")، أَيْ: مُبْدِعُهُمَا وَمُخْتَرِعُهُمَا (" عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ")، أَيْ: بِمَا غَابَ وَظَهَرَ عِنْدَ غَيْرِهِ (" أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ ") : فِي يَوْمِ مَعَادِكَ بِمُوجِبِ مِيعَادِكَ بَعْدَ تَقْدِيرِكَ وَقَضَائِكَ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ (" فِيمَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ ")، أَيْ: مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا (" اهْدِنِي ")، أَيْ: ثَبِّتْنِي وَزِدْنِي الْهِدَايَةَ (" لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ ") : اللَّامُ بِمَعْنَى " إِلَى " كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْهِدَايَةَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِإِلَى وَبِاللَّامِ، قَالَ تَعَالَى:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، وَ {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ، وَ {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] وَ (مَا) مَوْصُولَةٌ، أَيْ لِلَّذِي اخْتُلِفَ فِيهِ عِنْدَ مَجِيءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي دَعَوْا إِلَيْهِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ (" مِنَ الْحَقِّ ") :(مِنْ) بَيَانٌ لِـ (مَا)(بِإِذْنِكَ)، أَيْ: بِتَوْفِيقِكَ وَتَيْسِيرِكَ (إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ") : جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّعْلِيلِ قَائِمَةٌ مَقَامَ التَّذْيِيلِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَالْأَرْبَعَةُ، وَابْنُ حِبَّانَ.
1213 -
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه، قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي "، أَوْ قَالَ: " ثُمَّ دَعَا ; اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
1213 -
(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ تَعَارَّ ") : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيِ: انْتَبَهَ مِنَ النَّوْمِ، وَقِيلَ: تَقَلَّبَ فِي فِرَاشِهِ (" مِنَ اللَّيْلِ ")، أَيْ: فِي اللَّيْلِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُقَالُ: تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ: إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ مَعَ صَوْتٍ، وَهَذِهِ الْيَقَظَةُ تَكُونُ مَعَ كَلَامٍ غَالِبًا فَأَحَبَّ عليه الصلاة والسلام أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا وَتَهْلِيلًا وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إِلَّا مِمَّنِ اسْتَأْنَسَ بِالذِّكْرِ. اهـ. وَتَحْقِيقُهُ مَا نَقَلَ مِيرَكُ عَنِ التُّورِبِشْتِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَقَلَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ ثَعْلَبٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَعَارَّ، فَقَالَ قَوْمٌ: انْتَبَهَ، وَقَالَ قَوْمٌ: عَلِمَ، وَقَالَ قَوْمٌ: تَمَطَّى وَإِنْ قُلْتَ: وَأَرَى أَنَّ كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ ذَهَبُوا إِلَى مَعَانٍ غَيْرِ مُتَقَارِبَةٍ مِنَ الِاشْتِقَاقِ اللَّفْظِيِّ إِلَّا قَوْلَ مَنْ قَالَ انْتَبَهَ وَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ تَعَارَّ يَتَعَارُّ يُسْتَعْمَلُ فِي انْتِبَاهٍ مَعَ صَوْتٍ. يُقَالُ: تَعَارَّ الرَّجُلُ: إِذَا هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ مَعَ صَوْتٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُخِذَ مِنْ عَرَارِ الظَّلِيمِ وَهُوَ صَوْتُهُ يُقَالُ: عَرَّ الظَّلِيمُ، أَيِ الذَّكَرُ مِنَ النَّعَامِ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: عَرَّ الظَّلِيمُ يَعَرُّ عَرَارًا، كَمَا قَالُوا: زَمَّرَ النَّعَامُ يُزَمِّرُ زَمَارًا، وَأَرَى اسْتِعْمَالَ هَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ دُونَ الْهُبُوبِ وَالِانْتِبَاهِ وَالِاسْتِيقَاظِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لِزِيَادَةِ مَعْنًى، وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ مَنْ هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ ذَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى مَعَ الْهُبُوبِ فَيَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَوْجَزَ فِي اللَّفْظِ، وَأَعْرَضَ فِي الْمَعْنَى، وَأَتَى مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَهَا بِقَوْلِهِ: تَعَارَّ لِيَدُلَّ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ، وَأَرَادَهُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى:{يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 107] فَإِنَّ مَعْنَى خَرَّ سَقَطَ سُقُوطًا يُسْمَعُ مِنْهُ خَرِيرٌ، فِي اسْتِعْمَالِ الْخُرُورِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَنْبِيهٌ عَلَى اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ السُّقُوطِ وَحُصُولِ الصَّوْتِ مِنْهُمْ بِالتَّسْبِيحِ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ:(تَعَارَّ) تَنْبِيهٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الِانْتِبَاهِ وَالذِّكْرِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ تَعَوَّدَ الذِّكْرَ فَاسْتَأْنَسَ بِهِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ حَدِيثَ نَفْسِهِ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ، وَلِلَّهِ دَرُّ قَائِلِهِ:
يَهِيمُ فُؤَادِي مَا حَيِيتُ بِذِكْرِهَا وَلَوْ أَنَّنِي أَرْمَمْتُ أَنَّ بِهِ الصَّدَى. اهـ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَى تَعَارَّ اسْتَيْقَظَ ; لِأَنَّهُ عَطَفَ الْقَوْلَ عَلَى التَّعَارِّ، قَالَ الشَّيْخُ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ تَفْسِيرًا لِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْمُسْتَيْقِظُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ ذِكْرٍ، ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ. (" فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ") ، أَيْ: لَيْسَ فِي الْكَوْنِ غَيْرُهُ دَيَّارٌ (" وَحْدَهُ ") ، أَيْ: مُنْفَرِدًا بِالذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَالْآثَارِ وَغَيْرِهِ كَالْهَبَاءِ الْمَنْثُورِ مِنْ أَثَرِ غُبَارِ الْأَغْيَارِ فِي أَعْيُنِ أَعْيَانِ الْمُوَحِّدِينَ الْأَبْرَارِ (" لَا شَرِيكَ لَهُ ") : فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ (" لَهُ الْمُلْكُ ") : بَاطِنًا وَظَاهِرًا (" وَلَهُ الْحَمْدُ ") : أَوَّلًا وَآخِرًا (" وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ") : دَخَلَ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وَتَعَلَّقَ بِإِرَادَتِهِ (" قَدِيرٌ ") : تَامُّ الْقُدْرَةِ كَامِلُ الْإِرَادَةِ (" وَسُبْحَانَ اللَّهِ ") : تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَزَوَالِ الْكَمَالِ (" وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ") : عَلَى صِفَتَيْهِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ فِي تَقْدِيمِ الْحَمْدِ عَلَى التَّسْبِيحِ، لَكِنَّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالْعَكْسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ; لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّرْتِيبَ. اهـ.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ قَدَّمَ التَّسْبِيحَ رَاعَى التَّرْتِيبَ، فَإِنَّ التَّصْفِيَةَ وَالتَّخْلِيَةَ تَتَقَدَّمُ عَادَةً عَلَى التَّجْلِيَةِ وَالتَّحْلِيَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَقْدِيمَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَلَى الْحَمْدُ لِلَّهِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْعَكْسِ كَمَا فِي الْحِصْنِ لِلْجَزَرِيِّ أَيْضًا. (" وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ") : الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقْصِ وَالزَّوَالِ (" وَاللَّهُ أَكْبَرُ ") : مِنْ كُلِّ مَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ (" وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ") : فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَمَعْنَاهُ: لَا تَحَوُّلَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا قُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ وَنَحْوِهَا إِلَّا بِعِصْمَتِهِ وَإِعَانَتِهِ وَبِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. (" ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ") : وَفِي نُسْخَةٍ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي (أَوْ قَالَ: " ثُمَّ دَعَا ") : شَكَّ الرَّاوِي، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي الْبُخَارِيِّ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا، قَالَ الشَّيْخُ:" أَوْ " لِلشَّكِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ،
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، ثُمَّ قَالَ:" رَبِّ اغْفِرْ لِي، غَفَرَ لَهُ "، أَوْ قَالَ " فَدَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ "، شَكَّ الْوَلِيدُ، ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِي الْحِصْنِ:" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " أَوْ يَدْعُو مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، ثُمَّ قَالَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (" اسْتُجِيبَ لَهُ ")، أَيْ: مَا دَعَاهُ مِنْ خُصُوصِ الْمَغْفِرَةِ أَوْ مِنْ عُمُومِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ بِهَا الِاسْتِجَابَةُ الْيَقِينِيَّةُ ; لِأَنَّ الِاحْتِمَالِيَّةَ ثَابِتَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الدُّعَاءِ (" فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ") : قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: فَإِنْ تَوَضَّأَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: دَعَا أَوْ عَلَى قَوْلِهِ: قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ فَقَالَ: كَيْتَ وَكَيْتَ ثُمَّ إِنْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ صَلَّى (" قُبِلَتْ صَلَاتُهُ ") . اهـ. وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ الْأَوَّلَ لِقُرْبِهِ اللَّفْظِيِّ، مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الشَّكُّ وَالتَّرْدِيدُ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي ; لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَعَانِي، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذِهِ الْمَقْبُولِيَّةُ الْيَقِينِيَّةُ عَلَى الصَّلَاةِ الْمُتَعَقِّبَةِ عَلَى الدَّعْوَةِ الْحَقِيقِيَّةِ كَمَا قَبْلَهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ.
الْفَصْلُ الثَّانِيُ
1214 -
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
1214 -
(عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ)، أَيْ: قَامَ مِنْ نَوْمِهِ (قَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ") : ابْتَدَأَ بِالتَّوْحِيدِ ; لِأَنَّهُ نِهَايَةُ مَقَامَاتِ أَهْلِ التَّفْرِيدِ (" سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ") : قِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَيْ: أُسَبِّحُكَ مَعَ حَمْدِي إِيَّاكَ، أَوِ الْوَاوُ عَاطِفَةٌ، أَيْ: وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُ (" أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي ") : أَرَادَ تَعْلِيمَ أُمَّتِهِ، أَوْ تَعْظِيمَ رَبِّهِ وَجَلَالَتِهِ، أَوْ سَمَّى مُخَالَفَةَ الْأَفْضَلِ ذَنْبًا عَلَى مُقْتَضَى كَمَالِ طَاعَتِهِ، (" وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ ")، أَيْ: فِي كُلِّ حَالٍ (" اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا ") : التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ (" وَلَا تُزِغْ قَلْبِي ")، أَيْ: لَا تَجْعَلْ قَلْبِي مَائِلًا عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، مِنْ أَزَاغَ، أَيْ: أَمَالَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: لَا تَبْلُنِي بِبَلَاءٍ يَزِيغُ فِيهِ قَلْبِي، (" بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي ")، أَيْ: لَا تَسْلُبْ عَنِّي هِدَايَتَكَ بَعْدَ عِنَايَتِكَ ; إِذْ هِدَايَتُكَ لَا رُجُوعَ فِيهَا، وَعَطِيَّتُكَ لَا عَوْدَ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْمُقَصِّرُ مَنْ رَدَّ الْهَدِيَّةَ وَلَمْ يَقْبَلِ الْعَطِيَّةَ (" وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ")، أَيْ: أَعْطِنِي مِنْ عِنْدِكَ فَضْلًا وَكَرَمًا (" رَحْمَةً ")، أَيْ: تَوْفِيقًا وَتَثْبِيتًا عَلَى الْإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ، أَوْ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ (" إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ")، أَيِ: الْمُتَفَضِّلُ بِالْعَطَاءِ الْجَمِيلِ وَالْإِحْسَانِ الْجَزِيلِ عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ لِيَعْلَمُوا أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُمُ الْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَزَوَالِ نِعْمَتِهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
1215 -
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرٍ طَاهِرًا فَيَتَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، يَسْأَلُ اللَّهُ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
1215 -
(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ ")، أَيْ: يَرْقُدُ فِي اللَّيْلِ (" عَلَى ذِكْرٍ ")، أَيْ: مِنَ الْأَذْكَارِ الْمُسْتَحَبَّةِ عِنْدَ النَّوْمِ، أَوْ مُطْلَقِ الْأَذْكَارِ حَالَ كَوْنِهِ (" طَاهِرًا ")، أَيْ: مُتَوَضِّئًا، أَوْ مُتَيَمِّمًا، أَوْ طَاهِرًا قَلْبُهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ وَالْحِقْدِ وَالْأَوْزَارِ، أَوْ سَلِيمًا قَلْبُهُ مِنْ غَيْرِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ (" فَيَتَعَارَّ ")، أَيْ: يَنْتَبِهُ وَيَتَحَرَّكُ (" مِنَ اللَّيْلِ ")، أَيْ: بَعْضِهِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ، أَيْ: مِنَ النَّوْمِ فِي اللَّيْلِ، (" فَيَسْأَلُ اللَّهُ خَيْرًا ")، أَيْ: مِقْدَارًا أَوْ مُعَلَّقًا (" إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ") : أَوْ أَعْطَاهُ خَيْرًا مِمَّا تَمَنَّاهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
1216 -
ــ
1216 -
(وَعَنْ شَرِيقٍ) : كَأَمِيرٍ (الْهَوْزَنِيِّ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالزَّايِ مَنْسُوبٌ إِلَى بَطْنٍ مِنْ ذِي الْكُلَاعِ كَذَا فِي الْأَنْسَابِ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: حِمْصِيٌّ مَقْبُولٌ تَابِعِيٌّ، (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا: بِمَ كَانَ) ، أَيْ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْتَتِحُ)، أَيْ: يَبْتَدِئُ مِنَ الْأَذْكَارِ. (إِذَا هَبَّ)، أَيِ: اسْتَيْقَظَ (مِنَ اللَّيْلِ؟) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ وَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى: " فِي "(فَقَالَتْ: سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ) : وَفِي هَذَا تَحْسِينٌ لِسُؤَالِهِ، وَتَزْيِينٌ لِمَقَالِهِ، وَتَأَسُّفٌ عَلَى غَفْلَةِ النَّاسِ عَنْ حَالٍ. (كَانَ إِذَا هَبَّ)، أَيْ: تَنَبَّهَ (مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْرًا) : بَدَأَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِوَصْفِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، الْمُتَضَمِّنِ لِسَائِرِ النُّعُوتِ الْمُكَرَّمَةِ. (وَحَمِدَ اللَّهَ عَشْرًا، وَقَالَ " سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا "، وَقَالَ: " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ")، أَيِ: الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَآفَةٍ (عَشْرًا، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ عَشْرًا) : اعْتِرَافًا بِالتَّقْصِيرِ (وَهَلَّلَ اللَّهَ عَشْرًا) : وَفِي خَتْمِ الْأَذْكَارِ بِالتَّوْحِيدِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ لِأَهْلِ التَّجْرِيدِ وَالتَّفْرِيدِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِتَوْحِيدِهِ، لَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ، (ثُمَّ قَالَ:" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا ") ، أَيْ: شَدَائِدِهَا ; لِأَنَّ مَنْ بِهِ مَشَقَّةٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ ظُلْمٍ صَارَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ ضَيِّقَةً. (" وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ")، أَيْ: شَدَائِدِ أَحْوَالِهَا وَسَكَرَاتِ أَهْوَالِهَا (عَشْرًا) : صَارَ الْمَجْمُوعُ سَبْعِينَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْكَثْرَةِ (ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ)، أَيْ: صَلَاةَ التَّهَجُّدِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، كَذَا فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
1217 -
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ، ثُمَّ يَقُولُ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ "، ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا "، ثُمَّ يَقُولُ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادٌ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ: " غَيْرُكَ "، ثُمَّ يَقُولُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ثَلَاثًا. وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ثُمَّ يَقْرَأُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
1217 -
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ)، أَيِ: الْخُدْرِيِّ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَكْبِيرُ التَّحْرِيمَةِ (ثُمَّ يَقُولُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ كَبَّرَ ثُمَّ يَقُولُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ بِالْمُضَارِعِ عَطْفًا عَلَى الْمَاضِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى اسْتِحْضَارِ تِلْكَ الْمَقَالَاتِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ، وَ (ثُمَّ) لِتَرَاخِي الْأَخْبَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِتَرَاخِي الْأَقْوَالِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ. (" سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ")، أَيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا مَقْرُونًا بِحَمْدِكَ (" وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ")، أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ مُسَمَّاهُ، أَوْ تَعَاظَمَ اسْمُكَ عَنْ أَنْ يُلْحَدَ فِيهِ، أَوْ يُخْتَرَعَ لَكَ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ مِنْكَ ; إِذْ لَا يَعْلَمُ اللَّائِقَ بِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ إِلَّا أَنْتَ. (" وَتَعَالَى جَدُّكَ ")، أَيِ: ارْتَفَعَ عَظَمَتُكَ فَوْقَ كُلِّ عَظَمَةٍ تُتَصَوَّرُ، أَوْ تَعَالَى غِنَاكَ عَنْ أَنْ يَحْتَاجَ لِأَحَدٍ، أَوْ أَنْ يَلْتَجِئَ إِلَيْهِ مُفْتَقِرٌ وَيَرْجِعَ خَائِبًا (" وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ") : وَمَا سِوَاكَ مَخْلُوقٌ وَمَمْلُوكٌ وَمَقْهُورٌ لَكَ. (ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ") : لَا يُعْرَفُ كُنْهُ كِبْرِيَائِهِ (ثُمَّ يَقُولُ: " أَعُوذُ ")، أَيْ: أَلْتَجِئُ وَأَعْتَصِمُ وَأَلُوذُ (" بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ ")، أَيِ: الْمَوْصُوفُ بِوَصْفِهِ الْكَرِيمِ (" مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ") : الْمَعْرُوفِ بِوَصْفِهِ اللَّئِيمِ الْمَطْرُودِ مِنْ بَابِ رَبِّهِ، الرَّجِيمِ بِدَعْوَى شَرَفِ الزِّيَادَةِ وَإِبَاءِ دَعْوَةِ الْعِبَادَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ